[ 227 ]

الباب الثاني والسبعون

فيما اعتمده معاوية وسنه من لعن علي عليه السلام على المنابر، وكتابته بذلك إلى الافاق، وما قال (في ذلك) وقيل له (1)

لما مات الحسن رضي الله عنه حج معاوية فدخل المدينة وأراد أن يلعن علي بن أبي طالب


(1) وليلاحظ ما أورده العلامة الاميني قدس الله نفسه في الغدير: ج 2 ص 102، وما بعدها وليراجع أيضا ما ذكره في الغدير: ج 10، ص 260 - 271.

 وليطالع ما رواه مسلم في الحديث: (32) من باب مناقب علي عليه السلام من صحيحه: ج 7 ص 119، وفي ط: ج 4 ص 1870.

 وليتأمل أيضا الحديث: (15) من باب مناقب علي عليه السلام من كتاب الفضائل من مصنف أبي بكر ابن أبي شيبة: ج 12، ص 61، وفي ط 2 ج 7 ص 496 وفي النسخة المخطوطة: ج 6 / الورق 154 / أ /.

 وليتعمق أيضا في الحديث: (215) من فضائل علي عليه السلام وتعليقه من كتاب الفضائل تأليف أحمد بن حنبل ص 148 - 149، ط قم تحقيق العلامة الطبا طبائي.

 وليدقق الحديث: (1341) من كتاب السنة - تأليف ابي بكر ابن أبي عاصم - ص 587 - 596.

 وليحقق أيضا ما رواه ابن ماجة في أواخر فضائل علي عليه السلام في الحديث: (121) في مقدمة صحيحه ج 1 ص 30.

 وليمعن النظر أيضا في الحديث: (1004) في أواسط الجزء (7) من مناقب علي عليه السلام - تأليف محمد بن سليمان -: ج 2 ص 501 ط 1.

 وليترو في الحديث التاسع وما بعده من كتاب خصائص علي عليه السلام - تأليف الحافظ النسائي - ص 46 - 47.

 وليتثبت فيما رواه ابن كثير في تاريخ البداية والنهاية: ج 7 ص 340.

 وليتركض فيما رواه الحافظ ابن عساكر في الحديث: (276) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 1، ص 232 - ط 2 - 239 ط 2.

 


[ 228 ]

على منبر رسول الله (ص) فقيل له: إن ها هنا سعد بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا الامر فابعث إليه وخذ رأيه.

 فأرسل إليه (معاوية) وذكر له ذلك فقال: والله لئن فعلت لاخرجن من هذا المسجد فلا أعود إليه.

 فأمسك (معاوية) عن ذلك حتى مات (سعد) (1) فلما مات سعد لعنه على المنبر وكتب إلى سائر عماله بذلك و (أمرهم) أن يلعنوه على منابرهم فأنكر ذلك أصحاب رسول الله (ص) وأعظموه وتكلموا (في ذلك) وبالغوا فلم يفد ذلك شيئا، وكتبت أم سلمة زوج النبي (ص) إلى معاوية: " إنكم تلعنون الله ورسوله على منابركم وذلك إنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبه وأنا أشهد أن رسول الله (ص) أحبه والله أحبه " فلم يلتفت (معاوية) إلى كلامها (2).

 وقال (معاوية) يوما لعقيل بن أبي طالب / 123 / أ /: يا أبا يزيد إنك منا بالمكان الذي علمت وقد حللت المكان الذي لا يزاحم فيه ؟ وأحب أن تقوم فتلعن عليا.

 قال (عقيل): أفعل (فقام) وصعد المنبر فقال: أيها الناس إن معاوية أمرني أن ألعن عليا فالعنوه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

 


(1) ما بين المعقوفين منه مأخوذ مما ذكره ابن عبد ربه في عنوان: " أخبار معاوية " في أواسط كتاب العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 3 ص 127.

 وقوله: " فأنكر ذلك أصحاب رسول... فلم يفد ذلك شيئا " غير مذكور فيه.

 (2) وفي معنى رسالتها سلام الله عليها، جاء عنها وعن غيرها عدة أحاديث مسندة موثوقة في كثير من مصادر الحفاظ من قدماء القوم، ويجد الطالب قبسات منها في الحديث: (91 - 93) وتعليقاتها من كتاب خصائص أمير المؤمنين - تأليف الحافظ النسائي - ص 169 - 173، ط بيروت.

 ورواها أيضا الحافظ ابن عساكر في الحديث: (664) وما بعده من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق ج 2 ص 171، ط 2.

 وليراجع البتة ما رواه محمد بن علي بن الحسين العلوي البغدادي في المجلس (14) من كتابه عيون الاخبار الورق 41 / ب /.

 وليراجع أيضا ما رواه ابن عساكر في ذكر شيخه.......

 من معجم شيوخه الورق 87 ؟.

 


[ 229 ]

ثم نزل فقال له معاوية لم تبين (يا) أبا يزيد (على من اللعنة) ؟ قال: والله لا أزيد على هذا حرفا واحدا والنية للمتكلم.

 فسكت (معاوية).

 (1) وكان (عقيل) قد وجد على أخيه فآوى إلى معاوية فقال معاوية يوما: يا أهل الشام إن أبا يزيد رآني خيرا له من أخيه فآوى إلي.

 قال (عقيل): نعم أنت خير لي في دنياي وأخي خير لي في ديني (2).

 وقال له ليلة صفين: أنت الليلة معنا أبا يزيد.

 قال: نعم ويوم بدر كنت أيضا معكم ! ! ! (3) وما أحسن ما قال أبو فراس بن حمدان من جملة قصيدة طويلة: نعم دعت الدنيا إلى الغدر دعوة أجاب إليها عالم وجهول وفارق عمرو بن الزبير شقيقه وخلا أمير المؤمنين عقيل وقال رجل من العلماء (4) لولده: يا بني إن الدنيا لم تبن شيئا إلا هدمه الدين وإن


(1) هذا موجز ما ذكره ابن عبد ربه في عنوان: " معاوية وعقيل في أمر علي ".

 - في أواسط كتاب المجنبة في الاجوبة من العقد الفريد: ج 4 ص 114، ط المكتبة العلمية ببيروت.

 (2) الظاهر إن هذا موجز ما أورده ابن عبد ربه - في عنوان: " جواب عقيل بن أبي طالب لمعاوية وأصحابه " - في أواسط كتاب المجنبة من العقد الفريد: ج 4 ص 90 ط بيروت وهذا لفظه: لما قدم عقيل بن أبي طالب على معاوية أكرمه وقربه وقضى حوائجه وقضى عنه دينه، ثم قال له في بعض الايام: والله إن عليا غير حافظ لك (حق الاخوة) قطع قرابتك وما وصلك ولا اصطنعك.

 (ف‍) قال له عقيل: والله لقد أجزل العطية وأعظمها، ووصل القرابة وحفظها، وحسن ظنه بالله إذ ساء به ظنك، وحفظ أمانته وأصلح رعيته إذ خنتم وأفسدتم وجرتم، فاكفف لا أبا لك، فإنه عما تقول بمعزل.

 وقال له معاوية يوما: (يا) أبا يزيد أنا لك خير من أخيك علي ! قال (عقيل): صدقت إن أخي آثر دينه على دنياه، وأنت آثرت دنياك على دينك، فأنت خير لي من أخي وأخي خير لنفسه منك.

 وقال له (معاوية) ليلة الهرير: أبا يزيد أنت الليلة معنا.

 قال (عقيل): نعم ويوم بدر كنت معكم ! !.

 (3) لم يثبت لحوق عقيل بمعاوية أيام حرب صفين إن صح أصل لحوقه به، وما ذكره ابن عبد ربه غير واجد لشرائط الحجية.

 (4) ومثله جاء في أوائل عنوان: " أخبار معاوية " من كتاب العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 3 ص 127، طبع مصر سنة (1346).

 ورواه أيضا في أوائل فضائل علي عليه السلام من كتاب اليتيمة الثانية من العقد الفريد ج 3 


[ 230 ]

الدين لم يبن شيئا فهدمه الدنيا ألا ترى أن قوما لعنوا علي بن أبي طالب عليه السلام ليحطوا منه فكأنما أخذوا بناصيته مدا إلى السماء ! ! ! وكان عقيل بن أبي طالب لما التحق بمعاوية بالغ (معاوية) في إكرامه وبره إرغاما لعلي، فلما قتل علي عليه السلام استثقل مقامه عنده وكرهه فكان يسمعه ما يكره لينصرف عنه، فبينا هو يوما بمجلس حفل من (أهل) الشام وغيرهم إذ قال معاوية لاهل


ص 278 من الطبعة الثانية بمصر، سنة (346) قال: قال الرياشي: انتقص ابن حمزة بن عبد الله بن الزبير عليا (عليه السلام) فقال له أبوه: يا بني إنه والله ما بنت الدنيا شيئا إلا هدمه الدين، وما بنى الدين شيئا فهدمته الدنيا، أما ترى عليا وما يظهر بعض الناس من بغضه ولعنه على المنابر فكأنما والله يأخذون بناصيته رفعا إلى السماء ! ! (أ) وما ترى بني مروان وما يندبون به موتاهم من المدح بين الناس فكأنما يكشفون عن الجيف ! ! وقريبا منه رواه البيهقي في آخر عنوان: " مساوئ من عادى علي بن أبي طالب....

 " من كتاب المحاسن والمساوئ ص 40، وفي ط دار إحياء العلوم ببيروت ص 77 قال: قال الاصمعي: سمع عامر بن عبد الله بن الزبير ابنه ينال من علي رضي الله عنه، فقال: يا بني إياك وذكر علي رضي الله عنه، فإن بني أمية تنقصته ستين عاما فما زاده الله بذلك إلا رفعة ! ! ! وروى الجاحظ في كتاب البيان والتبيين: ج 2 ص 173، وفي ط في أواسط ص 301 قال: وتنقص ابن لعبد الله بن عروة بن الزبير عليا - رضي الله عنه - فقال له أبوه: والله ما بنى الناس شيئا قط إلا هدمه الدين، وما بنى الدين قط شيئا فاستطاعت الدنيا هدمه، ألم تر إلى علي كيف يظهر بنو مروان من عيبه وذمه والله لكأنما يأخذون بناصيته رفعا إلى السماء... (أ) وما ترى ما يندبون به موتاهم من التأبين والمديح والله لكأنما يكشفون عن الجيف ؟ ! !.

 وقريبا منه جدا رواه عنه ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن عروة كما في مختصر تاريخ دمشق - لسكينة الشهباني - ج 13 ص 140، قال: قال مصعب بن عبد الله: جمع عبد الله بن عروة بنيه ثم قال: يا بني إن الله تعالى لم يبن شيئا فهدمه (الناس) وإن الناس لم ينوا شيئا قط إلا هدموه وإن بني أمية من عهد معاوية إلى اليوم يهدمون بشرف علي فلا يزيده الله إلا شرفا وفضلا ومحبة في قلوب المؤمنين ! ! يا بني فلا تشتموا عليا.

 


[ 231 ]

الشام: أتعرفون أبا لهب الذي قال الله في حقه: * (تبت يدا أبي لهب وتب) * من هو ؟ قالوا: لا.

 قال: عم هذا وأشار إلى عقيل ! فقال عقيل: يا أهل الشام (هل) تعرفون حمالة الحطب (التي قال الله في شأنها، وشأن زوجها: * (سيصلى نارا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب) * ؟) قالوا: لا.

 قال: هي عمة هذا وأشار إلى معاوية وهي أم جميل بنت حرب ! ! ! (1) وعن عبد الله الكندي أن معاوية بن أبي سفيان بينا هو جالس وعنده وجوه الناس إذ دخل عليه رجل من أهل الشام فقام خطيبا فكان آخر كلامه أن لعن عليا فأطرق الناس.

 وتكلم الاحنف بن قيس فقال / 123 / ب /: يا معاوية إن هذا القائل - لما قال - لو يعلم أن رضاك لعن المرسلين للعنهم فاتق الله ودع عنك عليا فقد أفرد في قبره ولقى ربه وخلا بعمله، وكان والله المبرز في سبقته الطاهر في ثوبه والميمون نقيبته العظيمة مصيبته ! ! ! فقال معاوية: والله لقد أغضيت العين على القذى وقلت بما ترى وأيم الله لتقومن ولتلعننه على المنبر ولتصعدنه طوعا أو كرها.

 قال: (فقال الاحنف:) إن تعفيني فهو خير لك، وإن تجبرني على ذلك فو الله لا تجري به شفتاي أبدا ! ! ! قال (معاوية): قم فاصعد والعنه كما أمرتك.

 قال: أما والله يا معاوية لانصفنك في القول والفعل.

 قال: وما كنت قائل ؟ قال (الاحنف): أصعد المنبر كما أمرتني فأحمد الله وأثني عليه وأصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم أقول: أيها الناس إن معاوية أمرني أن ألعن عليا، ألا وإن عليا ومعاوية اختلفا وادعى كل واحد منهما أنه مبغي عليه وعلى فئته.

 فإذا دعوت فأمنوا رحمكم الله، ثم أقول: (اللهم) العن أنت وملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك الباغي


(1) وقريبا منه ذكره ابن عبد ربه في عنوان: " جواب عقيل بن أبي طالب لمعاوية " من كتاب المجنبة من العقد الفريد: 4 ص 91 قال: ودخل عقيل على معاوية فقال (معاوية) لاصحابه: هذا عقيل عمه أبو لهب: (ف‍) قال له عقيل: وهذا معاوية عمته حمالة الحطب ! ثم قال: يا معاوية إذا دخلت النار فاعدل ذات اليسار فإنك ستجد عمي أبا لهب مفترشا عمتكم حمالة الحطب، فانظر أيهما خيرا الفاعل أو المفعول به ؟ ! ! !.

 


[ 232 ]

منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية لعنا كبيرا أمنوا رحمكم الله.

 والله يا معاوية لا أزيد على هذا حرفا، ولا أنقص من ذلك حرفا، ولو كان في ذلك ذهاب نفسي ! ! ! فقال معاوية: إذا نعفيك (من ذلك يا) أبا بحر.

 وقد بالغ الصحابة رضوان الله عليهم في نهيه عن ذلك وعابوه عليه، وبينوا له ما في ذلك من عار الدنيا والاخرة، فلم يفد فيه ذلك ولا التفت إلى أقوالهم، والقيامة تجمعه وإياه، وما ربك بظلام للعبيد.

 


(1) وقريبا منه ذكره ابن عبد ربه في عنوان: " مجاوبة الامراء والرد عليهم " من كتاب المجنبة في الاجوبة من العقد الفريد: ج 4 ص 113، طبع بيروت، وفيه: (روى) الشيباني عن أبي الجناب الكندي عن أبيه أن معاوية بن أبي سفيان بينا هو جالس وعنده وجوه الناس... 


[ 233 ]

الباب الثاني والسبعون(1)

في (ذكر) الوافدات على معاوية بعد قتل علي عليه السلام، وما خاطبوه به، وما أسمعوه

فمنهم الزرقاء وبكارة الهلالية وبقية الوافدات - (وفي الباب أيضا) خطبة معاوية بن يزيدد بن معاوية (المكنى بأبي ليلى) رحمه الله ورضي عنه - قال الشعبي رحمه الله: حدثني جماعة من بني أمية ممن كان يسمر مع معاوية، قالوا: بينما معاوية ليلة مع عمرو بن العاصي ومروان وسعيد وعتبة والوليد إذ ذكروا الزرقاء بنت عدي بن القيس الهمدانية وكانت شهدت صفين (مع) قومها، فقال معاوية: أيكم يحفظ كلامها (يوم صفين) ؟ فقال بعضهم: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين.

 قال: فأشيروا علي / 123 / ب / في أمرها.

 فقال بعضهم أشير بقتلها.

 قال: بئس الرأي أشرتم به، أيحسن بي أن يتحدث عني بأنه قتل امرأة بعد ما ظفر ؟.

 ثم كتب إلى عامله بالكوفة أن يوفدها إليه مع ثقة من محارمها وعدة من فرسان قومها، وأن يمهد لها وطاءا لينا، ويسير بها سيرا حفيفا، ويوسع لها في النفقة.

 فأرسل إليها (والي الكوفة بعد وصول كتاب معاوية إليه) وأقرأها الكتاب، فقالت: إن كان جعل الخيار إلي فإني لا آتيه، وإن حتم الامر فالطاعة أولى.

 


(1) كذا في أصلي ها هنا، وفي مقدمة المصنف من أصلي: " الباب الرابع والسبعون ".

 (2) وليلاحظ خبر الزرقاء في كتاب بلاغات النساء، ص 37، وفرش كتاب الوفود من العقد الفريد: ج 1 ص 213 ط 2.

 والرقم (28) من تراجم النساء في المجلد الاخير من تاريخ دمشق ص 209، ط 1.

 وكتاب عصر المأمون: ج 2 ص 17، وجمهرة الخطب ص 197.

 


[ 234 ]

قال فحملها وجهزها على ما أمره به، فلما دخلت على معاوية، قال: مرحبا بك يا خالة وأهلا، قدمت خير مقدم قدمة وافد كيف كان حالك في مسيرك ؟ قالت: خير مسير.

 قال: كيف كنت ؟ قالت: (ك‍) ربيبة بيت أو كطفل في مهد.

 قال: بذلك أمرتهم، أفتدرين فيهم بعثت إليك ؟ قالت: وأنى لي بعلم ما لم أعلم ؟ ولا يعلم الغيب إلا الله.

 قال: ألست الراكبة الجمل الاحمر (في يوم صفين) والواقفة بين الصفين تحضين على القتال وتوقدين نار الحرب ؟ قالت: يا أمير المؤمنين مات الرأس وبتر الذنب، ولن يعود ما ذهب، والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والامر يحدث بعده الامر.

 ثم قال (معاوية): أيكم يحفظ كلامها ؟ قالت: أما أنا فو الله لقد أنسيته ؟ قالوا: لكنا نحفظه لله أبوك حين تقولين: أيها الناس إنكم قد أصبحتم في فتنة قد غشيتكم جلابيب الظلم وجارت بكم عن قصد السبيل، فيا لها من فتنة عمياء بكماء لا يسمع لنا عقلها ولا يستكين لقائلها ؟ إن المصباح لا يضئ بالشمس وإن الكواكب لا تنير مع القمر ولا يقطع الحديد إلا الحديد، ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه.

 أيها الناس إن الحق كان يطلب طالبه فأصابه ؟ فصبرا عباد الله، صبرا أيها المهاجرون والانصار على الغصص وكان قد اندمل جرح الشتات والتأمت كلمة التقوى ودفع الحق باطله ؟ فلا يجهلن أحد فيقول: كيف ؟ وإذا يقضي الله أمرا كان مفعولا، وإن خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، ولهذا اليوم وما بعده، والصبر خير في الامور وأحمد في العواقب، إيها عباد الله إلى الحرب قدما غير ناكصين ! ! ! ثم قال (معاوية): يا زرقاء لقد شاركت عليا في (كل) دم سفكه / 124 / أ.

 قالت: بشرك الله بالخير وأحسن بشارتك على ذلك، وأدام سلامتك فمثلك من بشر بخير وسر جليسه ! ! ! قال (معاوية): أو يسرك هذا ؟ قالت: نعم والله ما سررت كسروري بهذا البشرى وأنى لي بتصديق الفعل ؟ فضحك معاوية وقال: والله لو فاؤكم له بعد موته أعجب عندي من حبكم له أيام حياته ! ! ! اذكري حاجتك.

 قالت: آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا عتب علي، ومثلك من أعطى بغير سؤال وجاد من غير طلب.

 قال: صدقت.

 وأمر لها بجائزة ولمن حضر معها بجوائز وكسوة.

 


[ 235 ]

وفود بكارة الهلالية (على معاوية) قال (ابن عبد ربه) صاحب (كتاب) العقد في كتابه (1): قال محمد بن عبد الله الخزاعي عن الشعبي قال: استأذنت بكارة الهلالية على معاوية فأذن لها، وهو يومئذ بالمدينة فدخلت عليه وكانت قد أسنت وعشى بصرها وضعفت قوتها وهي ترعش بين خادمين، فسلمت وجلست، فرد معاوية عليها السلام وقال: كيف أنت يا خالة ؟ قالت: بخير.

 قال: غيرك الدهر ؟ قال: كذلك الدهر ذو غير، من عاش كبر ومن كبر مات، ومن مات قبر (ف‍) قال عمرو بن العاصي: هي والله القائلة: يا زيد دونك فاحتفر من دارنا سيفا حساما في التراب دفينا قد كنت أذخره ليوم ملمة فاليوم أبرزه الزمان مصونا فقال مروان: وهي والله القائلة أيضا: أترى ابن هند مالكا هيهات ذاك وذاك منك بعيد منتك نفسك في الخلاء ضلالة أغراك عمرو والشقي سعيد فاذهب بأبخس طائر وأذله لا قت علي ذا العلاء سعود فقال سعيد بن العاصي: وهي والله القائلة أيضا: قد كنت أطمع أن أموت ولا أرى فوق المنابر من أمية خاطبا فالله أخر مدتي فتطاولت حتى رأيت من الزمان عجائبا في كل يوم لا يزال خطيبهم / 124 / ب / بين الجموع لال أحمد عائبا ثم سكتوا، فقال معاوية: سلي حاجتك.

 فقالت: تنح (عني) كلابك يا معاوية إن (كلام هؤلاء أعشى) بصري وقصرت حجتي وذهبت (ب‍) قوتي (2) نعم أنا


(1) المعروف بالعقد الفريد، والقصة ذكرها في فرش كتاب الوفود في عنوان: " الوافدات على معاوية " من ج 1، ص 212 ط 2.

 (2) والقصة ذكرها ابن طيفور بسندين في كتاب بلاغات النساء وفي متن سندها الاول: " فقالت بكارة: نبحتني كلابك يا أمير المؤمنين وعشى بصري ؟... ".

 وفي الطبعة الثانية من العقد الفريد: ج 1، ص 213: فقالت: يا معاوية كلامك أعشى بصري وقصر حجتي... 


[ 236 ]

والله القائلة لما ذكروا، وما خفي أعظم وأكثر.

 فضحك (معاوية) فقال: ليس يمنعنا ذلك من برك.

 قالت: (أما الان ف‍) لا حاجة لي بشئ من برك.

 ثم قامت (فخرجت).

 


[ 237 ]

وفود أم سنان (بنت خيثمة بن حرشة المذحجية) على معاوية (1) (عن سعيد بن حذاقة) قال: حبس مروان - وهو عامل معاوية على المدينة - غلاما من بني ليث في جناية جناها بالمدينة، فأتت جدته (أم أبيه) إلى مروان وهي أم سنان (بنت خيثمة) المذحجية فكلمته فيه، فأغلظ لها (مروان) فخرجت إلى معاوية فدخلت عليه وانتسبت له فعرفها، وقال: مرحبا بابنة خيثمة ما أقدمك أرضنا وقد عهدتك تشتمينا وتحرضين علينا عدونا (2).

 قالت: لسان نطق وقول صدق (3) وإن لبني عبد مناف أخلاقا طاهرة وأعلاما ظاهرة (وأحلاما وافرة) لا يجهلون بعد علم ولا يسفهون بعد حلم (ولا ينتقمون بعد عفو) وإن أولى الناس باتباع ما سن آباؤه أنت ! ! ! قال (معاوية): صدقت نحن كذلك، فكيف قولك - وأنشدها (قولها) -: عزب الرقاد فمقلتي لا ترقد والليل يصدر بالامور ويورد يا آل مذحج لا مقام فشمروا إن العدو لال أحمد يقصد هذا علي كالهلال تحفه وسط السماء من الكواكب أسعد خير الخلائق وابن عم محمد إن يهدكم بالنور منه تهتدوا ما زال مذ حضر الحروب مظفرا والنصر فوق لوائه لا يفقد قالت: قد كانت ذلك، وهو لسان نطق وقول صدق (4) وأرجو أن تكون لنا


(1) والقصة ذكرها بان عبد ربه في كتاب: " فرش كتاب الوفود " من العقد الفريد: ج 1 ص 214 من الطبعة الثانية بمصر.

 وما وضع بين المعقوفات مأخوذ مما ذكره ابن عساكر في ترجمة أم سنان تحت الرقم: (152) من تراجم النساء من المجلد الاخير من تاريخ دمشق ص 530 ط 1.

 وذكرها أيضا ابن طيفور في كتاب بلاغات النساء ص 63.

 والقصة ذكرها أيضا مؤلف كتاب الحدائق فيه، كما أشار إليها في هامش ترجمة أم سنان من تاريخ دمشق.

 (2) وفي تاريخ دمشق: " تشنئين قومي وتحضين علي عدوي وفي هامشه نقلا عن كتاب الحدائق: " تشنئين قربي....

 ".

 (3) هاتان الجملتان لا توجدان في ترجمتها من تاريخ دمشق.

 (4) وفي تاريخ دمشق: " قالت: يا أمير المؤمنين لسان نطق وقول صدق، ولئن تحقق فيك ما ظننا فحظك أوفر... ".

 


[ 238 ]

خفا من بعده.

 فقال رجل من جلسائه: وهي والله القائلة أيضا: إما هلكت أبا الحسين فلم تزل بالحق تعرف هاديا مهديا فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت فوق الغصون حمامة قمريا قد كنت بعد محمد خلفا لنا أوصى إليك وكنت وفيا فاليوم لاخلف يؤمل بعد / 125 / أ / هيهات نأمل بعده إنسيا فالتفتت إليه (1) وقالت: أما والله لقد قلت ذلك والمخفي عنك أكبر ! ! ! والله ما أورثك الشنآن في قلوب المسلمين إلا هؤلاء فادحض مقالتهم وأبعدهم عنك فإنك إن فعلت ذلك ازددت من الله قربا ومن قلوب المؤمنين حبا.

 قال (معاوية): وإنك لتقولين ذلك ؟ قالت: سبحان الله والله ما مثلك من مدح بباطل ولا اعتذر إليه بكذب وإنك لتعلم ذلك من رأينا وضميرنا، كان والله علي أحب إلينا منك وأنت أحب الان إلينا من غيرك.

 قال (معاوية): مثل من ؟ قالت: (مثل) مروان وسعيد بن العاصي ؟ قال: وبم استحققت هذا عندك ؟ قالت: بسعة حلمك وكرم عفوك.

 قال: فإنهما يطمعان في ذلك ؟ قالت: هما والله لك من الرأي على ما كنت عليه لعثمان بن عفان ؟ قال (معاوية): والله لقد قاربت، فما حاجتك ؟ قالت: إن مروان تبنك بالمدينة تبنك من لا يريد منها البراح (2) لا يحكم بعدل ولا يقضي بسنة يتبع عورات المسلمين ويكشف عن عثرات المؤمنين (3) حبس (ابن ابني) فأتيته فقال: كيت وكيت.

 فأسمعته أخشن من الحجر وألقمته أمر من الصبر (4) ثم راجعت إلى نفسي باللائمة وقلت: لم


(1) هذا هو الظاهر، ولفظ أصلي غير واضح.

 (2) كذا في أصلي، يقال: تبنك فلان بالمكان وفي المكان: أقام به وتمكن فيه.

 والبراح - بفتح الباء -: التحول والانتقال.

 (3) كذا في أصلي، وفي بلاغات النساء وتاريخ دمشق: " يتتبع عثرات المسلمين ويكشف عورات المؤمنين... ".

 (4) ما بين المعقوفين قد سقط من أصلي، وهو موجود في العقد الفريد وبلاغات النساء وتاريخ دمشق.

 وفي بلاغات النساء: " فألقمته أخشن من الحجر، وألعقته أمر من الصبر ".

 وفي العقد الفريد: " وألقمته أمر من العذاب ".

 وفي تاريخ دمشق - وهامشه عن الحدائق -: " فألقمته أخشن من الحجر، وألعقته أمر من الصاب ".

 


[ 239 ]

لا أصرف ذلك إلى من هو أولى منه بالعدل والانصاف فأتيتك لتكون في أمري ناظرا وإليه معديا (1).

 قال (معاوية: صدقت) لا أسألك عن ذنبه والقيام بحجته اكتبوا لها بإطلاقه.

 قالت: يا أمير المؤمنين وأنى لي بالرجعة وقد نفد زادي وكلت راحلتي.

 فأمر لها براحلة موطأة وخمسة آلاف درهم (2).

 


والصبر - بفتح الصاد -: عصارة مرة، والصاب: شجر إذا قطع منه عود يخرج منه شبه لبن، والظاهر انه هو الذي يسميه أهل بلدنا ب‍ " خرك ".

 (1) معديا: شاكيا ومستنصرا.

 (2) كذا في كتاب بلاغات النساء وتاريخ دمشق: وفي أصلي: مرطاة ؟ 


[ 240 ]

وفود عكرشة بنت الاطروش على معاوية (1) قال الشعبي: دخلت عكرشة بنت الاطروش بن رواحة (2) على معاوية بن أبي سفيان وهي متوكئة على عكاز فسلمت عليه بالخلافة وجلست، فقال لها (معاوية): يا عكرشة الان صرت عندك أمير المؤمنين ؟ قالت: نعم إذ لا علي حي.

 قال: ألست المتقلدة بالسيف بصفين (3) وأنت واقفة بين الصفين تقولين: أيها الناس * (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) * إن الجنة لا يرحل عنها من أوطنها / 126 / أ / ولا يهرم من سكنها ولا يموت من دخلها (4) فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها ولا ينصرم همومها، فكونوا قوما (مستبصرين في دينهم) مستظهرين بالصبر على حقهم (5) إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب وغلف القلوب لا يفقهون الايمان ولا يدرون الحكمة دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إلى الباطل فلبوه، فالله الله عباد الله في دين الله وإياكم (والتواكل) والتواني فإن ذلك ينقض عرى الايمان ويطفئ نور الحق هذه بدر الصغرى والعقبة الكبرى يا معشر المهاجرين والانصار امضوا سيرة (بصيرتكم واصبروا على) عزيمتكم فكأني بكم غداة وقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة تصقع صقع البعير (وتروث روث العتاق) (6).

 


(1) كذا في أصلي، وفي ترجمتها من العقد الفريد: ج 1، ص 215 ط 2: " بنت الاطروش ".

 وذكرها أيضا ابن عساكر، ولكن قال: " بنت الاطش بن رواحة ".

 كما في ترجمتها تحت الرقم: (72) من تراجم النساء من تاريخ دمشق ص 254 ط 1.

 ومثله ذكره ابن طيفور ولكن لم يذكر أباها كما في بلاغات النساء، ص 70.

 (2) وساق ابن عساكر سند القصة الى أن قال: عن عكرمة وعبد الله بن سليمان عن أبيه قالا: دخلت عكرشة.. (3) وفي بلاغات النساء وتاريخ دمشق: ألست صاحبة الكور المسدول والوسط المشدود، والمتقلدة بحمائل السيف....

 (4) وفي بلاغات النساء: إن الجنة دار لا يرحل عنها من قطنها، ولا يحزن من سكنها، فابتاعوها بدار لا يدم نعيمها... (5) ما بين المعقوفين مأخوذ من العقد الفريد.

 (6) ما وضعناه بين المعقوفين الاولين أخذناه من كتاب العقد الفريد، وما وضع بين المعقوفين الثانيين أخذ من بلاغات النساء وفيه: " فكأني بكم غدا قد لقيتم أهل الشام كالحمر النهاقة والبغال الشحاجة تضفع ضفع البقر (ظ) وتروث روث العتاق ".

 


[ 241 ]

(ثم قال معاوية:) وكأني أراك على عصاك هذه وقد انكفأ عليك الناس يقولون: هذه عكرشة بنت الاطروش فقد كدت تقتلين أهل الشام (1) لولا قدر الله وكان أمر الله قدرا مقدورا، فما حملك على ذلك ؟ قالت: يا أمير المؤمنين يقول الله تبارك وتعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) * الاية: (101 / المائدة: 5) إن اللبيب إذا كره أمرا كره إعادته (2).

 قال (معاوية): صدقت فاذكري حاجتك.

 قالت: إنه كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا فترد على فقرائنا وقد فقدنا ذلك فما يجبر لنا كسير ولا يقل لنا عسير ولا ينعش لنا فقير ! ! فإن كان ذلك عن رأيك فمثلك من انتبه من الغفلة وراجع التوبة، وإن كان عن غير رأيك فما مثلك من يستعين بالخونة ولا يستعمل الظلمة.

 قال معاوية: يا هذه إنه تنوبنا من أمور الرعية ما يوجب ذلك (3).

 قالت: سبحان الله والله ما فرض الله لنا حقا فجعل فيه ضرارا لغيرنا وهو سبحانه علام الغيوب ! ! قال معاوية: هيهات والله يا أهل العراق فقهكم علي فلن تطاقوا ! ! (4) ثم أمر لها بما سألت من ذلك.

 


(1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " فإن كدت تقتلين أهل الشام ".

 وفي العقد الفريد: " فإن كنت لتقتلين اهل الشام ".

 وفي تاريخ دمشق: " فإن كدت لتلفتين عني أهل الشام ؟... ".

 (2) كذا في أصلي، وفي بلاغات النساء وتاريخ دمشق: " إن اللبيب إذا كره أمرا يحب اعادته ".

 (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " يا هذه إنه ينوبنا من أمور رعيتنا أمور تنبثق وبحور تنفهق ".

 وفي بلاغات النساء: " يا هذه إنه تنوبنا أمور هي أولى بنا منكم من بحور تنبثق، وثغور تنفتق ".

 ومثله في تاريخ دمشق غير أن فيه: " من نحور تنبثق ".

 (4) هذا هو الصواب الموافق لكتاب بلاغات النساء، وتاريخ دمشق، وفي أصلي ومثله في العقد الفريد: " نبهكم علي.. ".

 


[ 242 ]

قصة دارمية الحجونية مع معاوية سهل بن أبي سهل رحمه الله عن أبيه قال: حج معاوية فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل الحجون يقال لها: دارمية - وكانت سوداء كثيرة اللحم فأخبر بسلامتها - فبعث إليها فجئ بها فقال (لها): ما حالك با ابنة حام ؟ قالت: (أ) بحام أدعى / 126 / ب / (و) إنما (أنا) امرأة من بني كنانة ؟ (1) قال (معاوية): صدقت أتدرين لم أرسلت إليك ؟ قالت: لا يعلم الغيب إلا الله.

 قال: بعثت إليك لاسألك علام أحببت عليا وأبغضتيني وواليتيه وعاديتيني ؟ قالت: أو تعفني (عن ذلك) فهو خير لك.

 قال: والله لا أعفيك.

 قالت: أما إذ أبيت فإني أحببت عليا لدينه وعدله في الرعية وقسمته بالسوية وأمانته على أمر الامة، وأبغضتك على قتالك لمن هو أحق بالامر منك، وطلبك لما ليس لك بحق، وواليت عليا على ما عقد له رسول الله (ص) من الولاية، وعلى حبه للمساكين وإعظامه لاهل الدين ورحمته للمتسضعفين، وعاديتك (على) جورك في القضاء وسفكك للدماء وحكمك بالهوى ! ! قال (معاوية): فلذلك انتفخ بطنك وعظم ثدياك وربت عجيزتك.

 قالت: يا هذا والله إنما كانت تضرب الامثال بعظم عجيزة هند أمك ! ! ! قال معاوية: اربعي على نفسك فإنا لم نقل إلا خيرا، إنه إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، وإذا عظم ثدياها تروى ولدها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها فرجعت وسكنت.

 فقال لها معاوية: هل رأيت عليا ؟ قالت: نعم.

 قال: فكيف رأيتيه ؟ قالت: رأيته والله لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم يشغله النعمة التي شغلتك، ولم تستعبده أطماعه كما استعبدك ! ! ! قال (معاوية): فهل سمعت شيئا من كلامه ؟ قالت: نعم والله لقد كان كلامه يجلو القلب من العمى كما يجلو الزيت الصدا عن الطست.

 


(1) كذا في ظاهر رسم الخط من أصلي، وفي العقد الفريد: " فقالت: لست لحام إن عبتني أنا امرأة من بني كنانة ".

 وفي بلاغات النساء: ولست لحام إنما أنا امرأة من قريش من بني كنانة... 


[ 243 ]

قال: صدقت فهل (لك) من حاجة ؟ قالت: وتفعل ذلك إذا سألتك ؟ قال: نعم.

 قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فيها محلبها وراعيها.

 قال: ما تصنعين بها ؟ قالت: أغذو بألبانها الصغار، واستجير بها الكبار، واكتسب بها المكارم، وأصلح بها قال (معاوية): فإن أعطيتك ذلك هل أحل (عندك) محل علي بن أبي طالب ؟ قالت: ماء ولا كصداء، ومرعى ولا كسعدان، وفتى ولا كمالك (1).

 سبحان الله أو دونه ! ! ! قال: فأنشأ معاوية يقول: إذا لم أعد بالحلم مني عليكم فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد جزاك على حرب العداوة بالسلم ثم قال لها: (أما) والله لو كان علي حيا ما أعطاك منها شيئا.

 قالت: لا والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين ! ! !


(1) هذه الكلم من الامثال السائرة بين العرب من عهد قديم إلى زماننا هذا، يمثل بها عند المفاضلة بين شخصين، أو عند بيان فقد النظير للممثل به، والصداء: ركية كان ماؤها عذبا.

 والسعدان نبت له شوك، وهو من أفضل ما يأكله الابل.

 ومالك هو ابن نميرة اليربوعي قتله بعض الطغاة الفتاكين طمعا في زوجته، ثم ضاجعها ونكحها في نفس الليلة التي قتل فيها زوجها عداونا ! ! والمثل لاخيه متمم بن نويرة.

 


[ 244 ]

وفود أم الخير بنت الحريش (بن سراقة) على معاوية (1) عبيد الله بن عمر الغساني عن الشعبي قال: كتب معاوية إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقية وليعلمها أنه سيجزيها بقولها (فيه) بالخير خيرا وبالشر شرا.

 فلما ورد عليه كتابه ركب إليها وأقرأها الكتاب، فقالت: أما أنا فغير زائغة عن الطاعة ولا متوسلة بكذب (2) ولقد كنت أحب أن ألقاه لشئ اختلج في صدري.

 (فجهزها للمسير) فلما شيعها وأراد مفارقتها قال لها: يا أم الخير إن أمير المؤمنين كتب إلي أنه يجازيك بالخير خيرا وبالشر شرا، فما عندك ؟ قالت: يا هذا لا يطمعك برك بي أن أسرك بباطل، ولا تؤيسك (معرفتي) بك أن أقول (فيك) غير الحق.

 فسارت خير مسير حتى قدمت على معاوية فأنزلها مع حرمه، ثم أدخلها عليه في اليوم الرابع وعنده جلساؤه فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين.

 فقال (معاوية): وعليك السلام يا أم الخير وبالرغم منك (ظ) دعوتيني بهذا الاسم.

 فقالت: يا أمير المؤمنين إن لهدية السلطان مدحضة لما تحت علمه ولكل أجل كتاب (3) قال: صدقت كيف كان حالك ومسيرك ؟ قالت: لم أزل بخير وسلامة حتى صرت إليك، فأنا بمجلس أنيق عند ملك رفيق.

 فقال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم.

 قالت: أعيذك بالله من دحض المقال وما


(1) جاءت قصتها مسندة في كتاب بلاغات النساء..... وأيضا ذكرها ابن عساكر، تحت الرقم: (145) في تراجم النساء في المجلد الاخير من تاريخ دمشق ص 512 ط 1.

 (2) كذا في العقد الفريد، وبلاغات النساء وتاريخ دمشق، وفي أصلي: " ولا متوسلة بكذب ".

 (3) كذا في أصلي، وفي بلاغات النساء وتاريخ دمشق: فقالت: مه يا هذا فإن بديهة السلطان مدحضة لما يجب علمه ؟.

 


[ 245 ]

تردى عاقبته.

 قال: ليس هذا أردنا أخبرينا كيف كان مقالك حين قتل عمار بن ياسر ؟ قالت: لم أكن زورته قبل ولا رويته بعد وإنما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة فإن أحببت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت (1).

 فالتفت (معاوية) إلى جلسائه وقال: أيكم يحفظ كلامها ؟ قال رجل منهم: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين قال: هات.

 قال: كأني بها بين بردين كثيفي الحواشي وهي على جمل أربد ؟ وبيدها منتشر الضفيرة وهي تهدر كالجمل في شقشقته (2) وتقول: أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم إن الله قد أوضح لكم الحق وأنار الدليل / 127 / ب / وبين السبيل (ورفع العلم) ولم يدعكم في عمياء مبهمة ولا ظلماء مدلهمة وإلى أين تريدون رحمكم الله أفرارا عن أمير المؤمنين ؟ أم فرارا من الزحف ؟ أم رغبة عن الاسلام ؟ أم ارتدادا عن الحق ؟ أما سمعتم الله يقول لنبيه * (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) * (31 / محمد: 47).

 ثم رفعت رأسها إلى السماء وقالت (3): اللهم قد عيل الصبر وضعف اليقين وتشتت الرعية وعظمت البلية وبيدك يا رب


(1) كذا في العقد الفريد، وفي أصلي: انبعث على لساني حين الصدمة، وإن أحببت جددت لك مقالا غيره، وإن أبيت فعلت....

 وفي بلاغات النساء: وإنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة.

 وفي تاريخ دمشق: لم أكن والله رويته قبل ولا رويته بعد وإنما كانت كلمات نفثهن لساني عند الصدمة.

 (2) كذا في العقد الفريد، غير أن فيه: " كأني بها بين بردين زئيريين ؟ كثيفي النسيج وهي على جمل أرمك ؟ وبيدها سوط منتشر الضفيرة... ".

 وفي أصلي وهي على جمل أربد ؟ وبيدها سوط منتشر الضفرة... وفي بلاغات النساء: وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية....

 وفي تاريخ دمشق: وعليها برد زبيدي كثير الحاشية على جمل أرمك... منتشر الضفر... (3) هذا هو الصواب المذكور في جميع المصادر، وفي أصلي: رفعت رأسها إلي... 


[ 246 ]

أزمة القلوب فاجمع الله بها الكلمة على التقوى وألف القلوب على الهدى واردد الحق إلى أهله.

 هلموا رحمكم الله إلى الامام العادل والوصي التقي والصديق الاكبر إنها والله إحن بدرية وأحقاد جاهلية (وضغائن أحدية) وثب بها واثب حين الغفلة ليدرك ثارات بني عبد شمس.

 ثم قالت: * (قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) * (1) صبرا يا معشر المهاجرين والانصار قاتلوا على بصيرة من ربكم وثبات من دينكم فكأني بكم غدا وقد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة فرت من قسورة لا تدري أين تسلك بها من فجاج الارض (وهم) باعوا الاخرة بالدنيا واشتروا الضلالة بالهدى وعما قليل لصبحن نادمين حين تحل بهم الندامة فيطلبون الاقالة ولات حين مناص (إنه) والله من ضل عن الحق وقع في الباطل (ومن لم يسكن الجنة نزل النار) (2) ألا وإن أولياء الله استصغروا عمر الدنيا (فرفضوها) واستطابوا مدة الاخرة فسعوا لها سعيها.

 فالله الله أيها الناس قبل أن تبطل الحقوق وتعطل الحدود (ويظهر الظالمون) وتقوى كلمة الشيطان فإلى أين تريدون ؟ رحمكم الله عن ابن عم رسول الله (ص) وصهره وأبي سبطيه (الذي) (3) خلق من طينته وتفرع من نبعته (والذي خصه بسره) وجعله باب علمه


(1) إقتباس من الاية: (12) من سورة التوبة (2) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب العقد الفريد، وفي أصلي: " ألا وإن أولياء الله استصغروا عمر الدنيا، واستطالوا مدة الاخرة فسعو لها سعيها... ".

 وفي بلاغات النساء: " أيها الناس إن الاكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها واستبطؤا مدة الاخرة فسعوا لها.

 والله أيها الناس لولا أن تبطل الحقوق وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون وتقوى كلمة الشيطان لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه، فإلى أين تريدون ؟ رحمكم الله عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه، وزوج ابنته وأبي إبنيه... ".

 وقريب منه في تاريخ دمشق وفيه: " واستطالوا مدة الاخرة... لما اختاروا ورود المنايا... ".

 (3) كذا في العقد الفريد، وفي أصلي " أين تدورون عباد الله عن ابن عم رسول الله... ".

 


[ 247 ]

(وأعلم بحبه المسلمين) وأبان ببغضه المنافقين (1) وها هو ذا مفلق الهام وكاسر الاصنام وصلى والناس مشركون وأطاع وهم كارهون فلم يزل على ذلك حتى قتل مبارزيه وأفنى أهل بدر وأحد والاحزاب وقتل الله به أهل خيبر وفرق به جموعهم (2) فيالها من وقائع زرعت في القلوب شقاقا ونفاقا وزادت المؤمن / 128 / أ / إيمانا ويقينا، وقد اجتهدت لكم في القول وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق والسلام.

 فقال معاوية: يا أم الخير ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي (ولو قتلتك ما حرجت في ذلك.

 قالت: والله ما يسوؤني أن يجري قتلي) على (يدي) من يسعدني بشقاوته (3).

 قال (معاوية): هيهات يا كثيرة الفضول ما تقولين في عثمان ؟ قالت: وما عسيت أن أقول (في عثمان) استخلفه الناس وهم به راضون وقتلوه وهم به كارهون.

 فقال معاوية: يا أم الخير هذا ثناؤك عليه (4)، قالت: لكن الله يشهد وكفى به شهيدا (أني) ما أردت بعثمان نقصا، ولقد كان سابقا للخير وإنه لرفيع الدرجة غدا.

 


(1) وفي العقد الفريد: " وجعله باب دينه، وابان ببغضه المنافقين ".

 وفي بلاغات النساء: " خلق من طيبنته وتفرع من نبعته وخصه بسره وجعله باب مدينته، وعلم المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين... ".

 ومثله في تاريخ دمشق غير أن فيه: " وأعلم بحبه المسلمين وأبان ببغضه المنافقين ".

 وهذا هو الظاهر أي جعل للمسلمين وسمة وعلامة وهي حبه فمن لا يحبه فليس بمسلم، وهو من قولهم " علمه علما " - من باب ضرب ونصر، وعلى زنتهما -: وسمه.

 وأعلم فلانا - على زنة أفعل وبابه -: جعل عليه علامة.

 وكلام هذه المؤمنة مقتبس من الحديث الصحيح المستفيض بل المتواتر وهو قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " وقد تقدم بعض طرقه في الباب " 40 " ص 200 فليراجع تعليقاتنا عليه.

 (2) وقريب منه في العقد الفريد.

 وفي بلاغات النساء: " فلم يزل كذلك يؤيده الله عز وجل بمعونته ويمضي على سنن استقامته لا يعرج لراحته الدأب ؟ ها هو مفلق الهام... ".

 وقريب منه في تاريخ دمشق، وفيه: " لا يفرح لراحة اللذات بها... ".

 (3) ما بين المعقوفين أخذناه من كتاب العقد الفريد، وبلاغات النساء وتاريخ دمشق وفيها جميعا: " بشقائه... ".

 (4) وفي بلاغات النساء وتاريخ دمشق: " فقال معاوية: يا أم الخير هذا والله أصلك الذي تبنين عليه... ".

 وفي العقد الفريد: " هذا ثناؤك الذي تثنين... ".

 


[ 248 ]

قال فما تقولين في طلحة ؟ قالت: اغتيل من مأمنه وأتي من حيث لم يحذر، وقد وعده رسول الله (ص) الجنة.

 قال: فما تقولين في الزبير ؟ قالت: أقول ابن عمة رسول الله (ص) وحواريه وقد شهد له بالجنة، وأسألك بحق الله عليك يا معاوية أن تعفيني من مسائلك هذه وسل ما شئت غيرها.

 قال (معاوية): قد أعفيتك وأجازها وردها مكرمة.

 


[ 249 ]

وفود أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية وما أسمعته عن أبي الهذيل أن أروى بنت الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنها دخلت على معاوية وهي عجوز فلما رآها معاوية قال: مرحبا بك يا عمة كيف كنت بعدنا (1) فقالت: يا ابن أخي لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك من غير دين كان منك ولا سابقة في الاسلام لا لك ولا لابائك بعد أن كفرتم برسول الله (ص) فأتعس الله منكم الجدود وصغر منكم الخدود (2) ورد الحق إلى أهله ولو كره المشركون وكانت كلمتنا هي العليا ونبينا هو المنصور، فوليتم علينا من بعده فأصبحتم تحتجون علينا وعلى سائر العرب بقربكم من رسول الله (ص) ونحن أقرب إليه منكم، وأولى بهذا الامر، وكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل من (آل) فرعون وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه (من نبينا) بمنزلة هارون من موسى فغايتنا الجنة وغايتكم النار ! ! ! فقال عمرو بن العاصي: كفي أيتها العجوز الضالة / 128 / ب / واقصري عن قولك هذا مع ذهاب عقلك إذ لا يجوز شهادتك وحدك.

 قالت (أروى): وأنت يا ابن النابغة تتكلم وأمك (كانت) أشهر بغي بمكة (وآخذهن للاجرة اربع على ظلعك واعن بشأن نفسك فو الله ما أنت من قريش في اللباب من حسبها ولا كريم منصبها ولقد) ادعاك خمسة نفر من قريش (كلهم يزعم أنه أبوك) وسئلت أمك عنهم فقالت: كلهم أتاني فانظروا أشبههم (به) فألحقوه به (3) فغلب عليك شبه العاصي فلحقت به.

 فقال مروان بن الحكم: (كفي) أيتها العجوز واقصدي لما جئت له.

 فقالت: وأنت يا ابن الزرقاء تتكلم والله لانت ببسر بن الحارث بن كلدة أشبه


(1) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب بلاغات النساء ص 27 وفي أصلي ومثله في كتاب العقد الفريد - ج 1 ص 219 -: يا خالة... (2) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب العقد الفريد، وبلاغات النساء، وفي أصلي: " منك الجدود، وأصعر منك الخدود... ".

 (3) أكثر ما وضع بين المعقوفات مأخوذ من كتاب بلاغات النساء.

 


[ 250 ]

منك بالحكم بن العاصي (1) وإنك لتشبه في زرقة بصره وحمرة شعره وقصرها منه ؟ وطيارة ذمامته ؟ وصغر هامته، ولقد رأيت الحكم سبط الشعر ظاهر الادمة مديد القامة وما بينكم قرابة إلا كقرابة الفرس المضمر من الاتان فاسأل أمك تخبرك (2).

 ثم التفتت إلى معاوية وقالت: والله ما جرأ هؤلاء إلا أنت ولا قدمهم غيرك، وإن أمك القائلة في قتل حمزة سيد الشهداء يوم أحد وقد بقرت بطنه عن كبده ولاكتها: نحن جزيناكم بيوم بدر والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان لي عن عتبة من صبر ولا أخي وعمه وبكر سكن وحشي غليل صدري فشكر وحشي علي دهري حتى ترم أعظمي في قبري فأجابتها ابنة عمي فقالت لها: خزيت في بدر وبعد بدر يا بنت جبار عظيم الكفر صبحك الله قبيل الفجر بالهاشميين الطوال الزهر حمزة ليثي وعلي صقري إذ رام شيب وأبوك غدري فحصيا ؟ منه بواحي النحر وترك الثار (لنا) في بدر (3) (فقال معاوية: عفى الله عما سلف يا عمة هات حاجتك.

 قالت: مالي إليك (من) حاجة) فخرجت عنه) (4) فلما خرجت قال معاوية لعمرو ومروان: أف لكما والله ما أسمعني ما قالت إلا أنتما (5)


(1) كذا في أصلي مع غموض فيه، وفي بلاغات النساء: " فو الله لانت إلى سفيان بن الحارث بن كلدة أشبه منك بالحكم، وإنك لشبهه في زرقة عينيك وحمرة شعرك مع قصر قامته وظاهر دمامته... ".

 (2) وها هنا بعض ألفاظ أصلي غامض، وفي العقد الفريد إيجاز أو حذف.

 (3) هذان الشطران لا توجدان في بلاغات، النساء، ولكن بعدهما شطران آخران: هتك وحشي حجاب الستر ما للبغايا بعدها من فخر.

 (4) ما بين المعقوفين أخذناه من العقد الفريد، وبه يختم فرش كتاب الوفود من العقد الفريد.

 (5) إلى هنا تنتهي القصة في أصلي والعقد الفريد معا، ولكن للقصة ذيل في كتاب بلاغات النساء.

 


[ 251 ]

وفود سودة بنت عمارة (بن الاسك الهمدانية اليمانية) على معاوية (1) عن الشعبي قال: قدمت سودة بنت عمارة على معاوية فاستأذنت عليه فأذن لها، (2) فلما دخلت عليه سلمت فرد (معاوية) عليهما السلام (و) قال: كيف أنت يا ابنة الاسك.

 قالت: بخير يا أمير المؤمنين (3).

 (ف‍) قال لها: ألست القائلة لاخيك يوم صفين: شمر كفعل أبيك يابن عمارة يوم الطعان وملتقى الاقران وانصر عليا والحسين ورهطه واقصد لهند وابنها بهوان (إن الامام أخا النبي محمد علم الهدى ومنارة الايمان) (4) وقه الحتوف وسر أمام لوائه (5) قدما بأبيض صارم وسنان


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ مما رواه ابن عساكر بسندين عن الشعبي في تراجم النساء في آخر تاريخ دمشق ص 178، ط 1.

 والقصة رواها أيضا ابن عبد ربه في أواخر فرش كتاب الوفود من كتاب العقد الفريد: ج 1 ص 211 سنة (1346) بمصر.

 (2) ورواها أيضا ابن طيفور في كتاب بلاغات النساء، ص 31 وفي ط 35 وقال: قال أبو موسى عيسى بن مهران: حدثني محمد بن عبيد الله الخزاعي يذكره عن الشعبي.

 ورواه (أيضا) العباس بن بكار، عن محمد بن عبيد الله (عن عامر الشعبي) قال: استأذنت سودة بنت عمارة بن الاسك الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان فأذن لها، فلما دخلت عليه قال (لها): هيه يا بنت الاسك القائلة يوم صفين... وفي العقد الفريد: ج 1 ص 211 ط مصر، وفي ط بيروت: ج 1 ص 344: " وفدت سودة بنت عمارة بن الاشتر الهمدانية على معاوية ؟....

 (3) كذا في بلاغات النساء وتاريخ دمشق، ورسم الخط من مخطوطتي غير جلي، وفي العقد الفريد: كيف أنت يا ابنة الاشتر ؟..... (4) ما بين المعقوفين قد سقط من أصلي، وهو موجود في بلاغات النساء والعقد الفريد، وتاريخ دمشق.

 (5) وفي العقد الفريد: " فقد الجيوش... " وفي تاريخ دمشق: " فقه الحمام وسر أمام لوائه... ".

 


[ 252 ]

فقالت (سودة): مات الرأس وبتر الذنب فدع عنك ذكر ما (قد) مضى (1) قال (معاوية): هيهات ليس مثل مقام أخيك ينسى.

 قالت: صدقت والله ما كان أخي خفي المكان، ولا ذليل المقام (2) ولقد كان كما قالت الخنساء: وإن صخرا لتأتم الهداة به كأنه علم في رأسه نار وبالله أسألك إعفائي مما أستعفيك منه.

 قال: قد فعلت فقولي حاجتك.

 قالت: إنك أصبحت للناس سيدا ولامورهم متقلدا، والله سائلك عما أفرضه عليك من حقنا (3) ولا يزال يقدم علينا من ينوه بعزك (4) ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد


وفي بلاغات النساء: فقه الختوف وسر أمام لوائه قدما بأبيض صارم وسنان قالت: أي والله ما مثلي من رغب عن الحق أو اعتذر بالكذب، قال: فما حملك على ذلك ؟ قالت: حب علي عليه السلام واتباع الحق... (1) وفي العقد الفريد: قالت: أمير مات الرأس وبتر الذنب فدع عنك تذكار ما قد نسي.

 قال: هيهات ليس مثل مقام أخيك ينسى.

 قالت: صدقت... ما كان أخي خفي المقام، ذليل المكان....

 (2) وفي بلاغات النساء: هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وأخيك.

 قالت: صدق فوك لم يكن ذميم المقام ولا خفي المكان كان والله كقول الخنساء ومثله أو قريب منه جدا في تاريخ دمشق.

 (3) كذا في أصلي، يقال: فرض الله الاحكام على عباده - على زنة ضرب وبابه، ومثله فرضها وأفرضها من باب فعل وأفعل -: أوجبها عليهم.

 وفي بلاغات النساء: " والله سائلك من أمرنا وما افترض عليك من حقنا... ".

 (4) كذا في بلاغات النساء، ورسم الخط من مخطوطتي غير واضح، يقال: ناه فلان - على زنة قال وبابه -: ارتفع.

 ونوه الشئ تنويها: رفعه.

 وتنوه تنوها: ارتفع.

 


[ 253 ]

السنبل، ويدوسنا دياس البقر، ويسومنا الخسيسة ويسألنا الجليلة (1) وهذا ابن أرطاة قدم بلادي وقتل رجالي وأخذ مالي ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة، فإما عزلته فشكرناك، وإما لا فعرفناك (2).

 فقال (لها معاوية): إياي تهددين بقومك ؟ والله لقد هممت أن أردك إليه على قتب أشوس فينفذ حكمه فيك (3).

 قال: فسكتت مليا ثم قالت: صلى الاله على روح تضمنه قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحق لا يبغي بدلا فصار الحق والايمان مقرونا (4) قال (معاوية): ومن ذلك ؟ قالت: علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

 قال ما أرى عليك شيئا من آثاره قالت: بلى والله أتيته يوما في رجل ولاه صدقتانا فكان بيننا وبينه ما بين / 129 / أ / الغث والسمين (5) فوجدته قائما يصلي (فلما نظر الي) انفتل


وفي تاريخ دمشق: " ولا يزال يقدم علينا من ينوء بعزك... ".

 وفي العقد الفريد: " ولا يزال يقدم علينا من ينهض بعزك ويبسط بسلطانك ".

 (1) ومثله في العقد الفريد، وتاريخ دمشق، وفي بلاغات النساء: ويسلبنا الجليلة.

 (2) كذا في بلاغات النساء والعقد الفريد، وفي أصلي كتاريخ دمشق نقص.

 وبسر بن أرطأة من طواغيت الصحابة معروف بالانحراف عن الحق والتركيز على الباطل.

 (3) كذا في أصلي، وفي بلاغات النساء والعقد الفريد وتاريخ دمشق: " قتب أشرس ".

 (4) والابيات - أو قريبا منها - رواها الحافظ الحسكاني بسند آخر، عن الزرقاء الكوفية كما في آخر تفسير الاية السابعة من سورة الرعد، من شواهد التنزيل: ج 1 ص 374 ط 1، وفي ط 2: ج 1 ص 394.

 (5) وفي العقد الفريد: قال (معاوية): ومن ذلك ؟ قالت علي بن أبي طالب رحمه الله تعالى.

 قال: ما أرى عليك منه أثرا ؟ 


[ 254 ]

من صلاته (1) ثم قال برأفة ورحمة: ألك حاجة ؟ فأخبرته خبر الرجل فبكى ثم رفع يديه إلى السماء ثم قال: اللهم إني لم آمرهم بظلم خلقك (ولا بترك حقك) ثم أخرج من جيبه قطعة من جراب فكتب فيها (2): بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الناس قد جاءتكم بينة من ربكم * ((ف‍) أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين، بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين، وما أنا عليكم بحفيظ) * (85 / هود)، إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك حتى يأتي من يقبضه منك والسلام.

 فعزله (بذلك) والله ما خزمه بخزام، ولا ختمه بطين (3).

 قال معاوية: اكتبوا لها بالانصاف لها والاحسان إليها.

 قالت: أولي خاصة أم لي ولقومي عامة ؟ قال لها: مالك وغيرك ؟ قالت: هي والله إذن الفحشاء واللؤم ؟ إن كان عدلا (شاملا فهو) وإلا يسعني ما يسع قومي ! ! ! فقال لها (معاوية): هيهات (هيهات لقد) لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على


وفي تاريخ دمشق: قال (معاوية): من ذلك ؟ قالت: علي بن أبي طالب ؟ قال: وما علمك بذلك ؟ قالت: أتيته في رجل....

 (1) هذا هو الصواب الموافق للمصادر التي أوردناها في التعليقات المتقدمة، وفي مخطوطتي من جواهر المطالب: " أتيته يوما... فوجدته قائما يصلي ويفصل من صلاته... ".

 وانفتل من صلاته: انصرف عنها وفرغ منها.

 (2) وفي بلاغات النساء وتاريخ دمشق - واللفظ له -: أتيته في رجل ولاه على صدقاتنا - لم يكن بيننا وبينه إلا كما بين الغث إلى السمين - فوجدته قائما يصلي فلما نظر إلي انتفل من مصلاه، ثم قال لي برأفة وتعطف: ألك حاجة ؟ فأخبره الخبر.

 فبكى ثم قال: اللهم أنت الشاهد علي وعليهم أني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك.

 ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة الجراب فكتب فيها....

 وانظر المختار: (60) من باب كتب أمير المؤمنين من نهج السعادة: ج 4 ص 144، ط 1.

 (3) كذا في أصلي ولعله من قولهم: " خزم البعير خزما - من باب ضرب - وخزمه تخزيما - من باب فعل -: جعل في جانب منخره الخزام أو الخزامة وهي حلقة يشد فيها الزمام.

 وفي تاريخ دمشق: فأخذته منه، والله ما ختمه بطين ولا خزمه بخزام فعزلته به.

 


[ 255 ]

السلطان (1) وغركم بقوله ؟: فلو كنت بوابا على باب جنة لقلت لهمدان: ادخلوا بسلام (وقوله): ناديت همدان والابواب مغلقة ومثل همدان سنى فتحة الباب كالهندواني لم تقلل مضاربه وجه جميل وقلب غير هياب (2) فقال (معاوية): اكتبوا له بما سألت من قضاء حاجتها.

 (فكتب لها فأخذته) ثم انصرفت.

 


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ من تاريخ دمشق.

 وفي بلاغات النساء: لقد لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيئا ما تفطمون.

 ثم قال: اكتبوا لها برد مالها والعدل عليها... اكتبوا لها ولقومها.

 قوله: لمظكم: ذوقكم، يريد أنه عودهم على هذه السجية فمن العسير أن يتركوها بعد ما ذاقوا طعمها.

 (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " غير وجاب ".

 


[ 256 ]

وفود أم البراء بنت صفوان (بن هلال) على معاوية (1) عن عامر الشعبي قال: استأذنت أم البراء ابنة صفوان على معاوية (فأذن لها) فدخلت عليه وعليها ثلاث برود تسحبها دراعا قد لاثت عليها كورا كالمنسف (2) فسلمت ثم جلست، فقال لها معاوية: كيف أنت يا ابنة صفوان قالت: بخير، قال: كيف حالك ؟ قالت: كسلت بعد نشاط، وضعفت بعد جلد.

 قال: شتان بينك اليوم وحين تقولين بصفين (من الكامل): يا زيد دونك صارما ذا رونق (3) عضب المهزة ليس بالخوار أسرج جوادك مسرعا مشمرا للحرب غير معود لفرار (4) أجب الامام / 129 / ب / وذب تحت لوائه والق العدو بصارم بتار (5)


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ مما ذكره ابن طيفور في بلاغات النساء وابن عساكر في ترجمة أم البراء في أوائل حرف الالف في عنوان: " ذكر من ذكرت بكنيتها دون التعريف لها بتسميتها " تحت الرقم: (133) من تراجم النساء من المجلد الاخير من تاريخ دمشق ص 478 ط 1، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد، أنبأنا محمد بن علي الخياط، أنبأنا أحمد بن عبد الله بن الخضر، أنبأنا أحمد بن علي بن محمد، حدثني أبي حدثني أبو عمرو السعيدي (الصعيدي خ س) أخبرني جعفر بن أحمد - وهو ابن معدان - أنبأنا الحسن بن جمهور قال: قال إبراهيم بن محمد: حدثني محمد بن إبراهيم، عن الوليد بن خالد، عن سعيد بن حذاقة قال: دخلت أم البراء بنت صفوان بن هلال على معاوية وعليها ثلاث دروع قد كارت على رأسها كورا فسلمت وجلست... (2) لعل هذا هو الصواب، وهكذا جاء في بلاغات النساء، وهو على زنة منبر ومجلس: الغربال الكبير.

 وفي أصلي: " كالسيف " ورواه ابن طيفور مسندا في بلاغات النساء، ص 75 قال: وحدثنا العباس، قال: حدثنا سهيل بن أبي سفيان التميمي عن أبيه عن جعدة بن هبيرة المخزومي قال: استأذنت أم البراء بنت صفوان بن هلال على معاوية فأذن لها، فدخلت في ثلاثة دروع تسحبها قد كارت على رأسها كورا كهيئة المنسف، فسلمت ثم جلست... (3) هذا هو الصواب المذكور في تاريخ دمشق وبلاغات النساء - ولكن فيه: " يا عمرو دونك....

 " وفي أصلي: " صارم ذو رونق ".

 (4) وفي بلاغات النساء: " غير معرد " وفي تاريخ دمشق: " ليس موليا لفرار ".

 (5) كذا في أصلي، وفي بلاغات النساء: " وافر العدو " وهذان المصرعان غير موجودين في ترجمة أم البراء من مطبوعة تاريخ دمشق.

 


[ 257 ]

ياليتني أصبحت غير قعيدة فأذب عنه عساكر الفجار (1) قالت: قد كان ذلك، ومثلك من عفا، والله يقول: * (عفا الله عما سلف، ومن عاد (فينتقم الله منه) * الاية: (95 / المائدة: 5).

 قال: هيهات أما والله لو عاد لعدت، ولكنه اخترم دونك ؟ قالت: أجل والله إني لعلى بينة من ربي وهدى من قول ؟ قال: كيف كان قولك حين قتل ؟ قالت: قد أنسيته ؟ (ف‍) قال بعض جلسائه: هو والله حين تقول: يا للرجال لعظم هول مصيبة فدحت فليس مصابها بالهازل (2) الشمس كاسفة لفقد إمامنا خير الخلائق والامام العادل (يا خير من ركب المطي ومن مشى فوق الثرى من محتف أو ناعل) (2) حاشا النبي لقد هدمت قوامنا فالحق أصبح خاضعا للباطل (4) فقال لها معاوية: قاتلك الله ما تركت مقالا (حسنا لغيرك) (5) اذكري حاجتك.

 قالت: أما الان فلا.

 فقامت فعثرت فقالت: تعس شانئ علي ! فقال (معاوية): زعمت أن لا (تعود إلى ما كنت عليه في أيام علي فما هذا الكلام ؟).

 


(1) كذا في أصلي غير أنه كان فيه: " فأذب عنك " وفي بلاغات النساء وتاريخ دمشق: " ياليتني أصبحت ليس بعورة... ".

 (2) كذا في كتاب بلاغات النساء، ورسم الخط من أصلي غير واضح.

 وفي تاريخ دمشق: يا للرجال لعظم أمر مصيبة جلت فليس مصابها بالزائل (3) لعل هذا هو الصواب، وفي بلاغات النساء: " لمحتف أو ناعل ".

 وفي تاريخ دمشق: " بحافي أو ناعل ".

 وهذان الشطران غير موجودين في أصلي، وأخذناهما من بلاغات النساء وتاريخ دمشق، وسياق الكلام أيضا يستدعيهما.

 (4) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي أصلي: ومثله في بلاغات النساء وتاريخ دمشق: " قواءنا ".

 (5) ما بين المعقوفين - أو ما في معناه - مما يقتضيه السياق، وفي بلاغات النساء: (قاتلك الله يا بنت صفوان ما تركت لقائل مقالا (ظ) ".

 وفي تاريخ دمشق: " قاتلك الله، والله ما كان حسان يحسن هذا ".

 


[ 258 ]

قالت هو كما علمت (1) فلما كان من الغد بعث إليها (معاوية) بجائزة وقال: إذا ضيعت الحلم فمن يحفظه ؟ !


(1) وفي بلاغات النساء: " يا بنت صفوان زعمت أن لا.

 قالت: هو ما علمت، فلما كان من الغد بعث إليها بكسوة فاخرة ودراهم وقال: إذا أنا ضيعت الحلم فمن يحفظه ؟ ! وفي تاريخ دمشق: يا أم البراء زعمت أن لا.

 قالت: هو والله ما تعلم.

 وخرجت فبعث إليها بمال.

 


[ 259 ]

قصة الذكوانية بنت زياد لما قدمت على معاوية (متظلمة) عن الشعبي (1) عن رجل من بني أمية قال: حضرت (مجلس) معاوية يوما وقد أذن للناس إذنا عاما وقد دخلوا عليه، فدخلت عليه امرأة كأنها القبة ومعها جاريتان لها، فحسرت اللثام عن وجهها وكأنما سرت ماء الدر في حمرة التفاح، ثم قالت: يا معاوية ؟ الحمد لله الذي خلق اللسان، وجعل فيه البيان (2)، ودل به على النعم، وأجرى به على القلم بما حكم وقضى فصرف الكلام بالمعاني المختلفة على المعاني المتفرقة وألفها بالتقديم والتأخير والاشباه والنظائر فأدته القلوب إلى الالسنة وأدته الالسنة إلى الاذان فاستدل به على العلم وعبد ربه الرب تبارك وتعالى وعرفت به الاقدار، وتمت به النعم (3).

 


(1) ورواه ابن طيفور - عن غير الشعبي - في كتاب بلاغات النساء، ص 61، قال: حدثني عبد الله بن الضحاك الهدادي قال: حدثنا هشام بن محمد، عن عوانة.

 وحدثني محمد بن عبد الرحمان بن القاسم التميمي عن أبيه عن خالد بن سعيد عن رجل من بني أمية قال: حضرت (مجلس) معاوية يوما... ورواه أيضا ابن عساكر، تحت الرقم (178) في تراجم النساء في المجلد الاخير من تاريخ دمشق ص 570 قال: أنبأنا عمي أو الفتح أحمد بن عبيد الله بن ودعان، أنبأنا هارون بن أحمد بن محمد بن روح، أنبأنا الحسين بن إبراهيم الصائغ، أنبأنا عبد العزيز بن يحيى الجلودي أنبأنا محمد بن زكريا الغلابي.

 قال ابن روح: وأنبأنا أحمد بن عبد الله بن جلين الدوري حدثني محمد بن حمزة وجعفر بن علي قالا: أنبأنا محمد بن زكريا الغلابي أنبأنا عبد الله بن الضحاك الهدادي أنبأنا هشام بن محمد الكلبي عن عوانة بن الحكم، عن خالد بن سعيد.

 قال ابن روح: وأنبأنا المطهر بن إسماعيل ب‍ " بلد " أنبأنا الحسن بن علي بن زكريا، حدثني ابن راشد الطفاوي والعباس بن بكار، ومحمد بن عبد الرحمان بن القاسم التميمي أنبأنا عبد الله بن القاسم ؟ عن خالد بن سعيد، عن رجل من بني أمية قال... (2) هذا هو الظاهر المذكور في بلاغات النساء وتاريخ دمشق وفي أصلي: " خلق الانسان ".

 (3) وفي تاريخ دمشق: الحمد لله - يا معاوية - الذي خلق اللسان فجعل فيه البيان، فدل به على النعم وأجرى به القلم وحتم وذرأ وبرأ وحكم، وقضى صرف الكلام باللغات المختلفة على المعاني المتفرقة ألفها بالتقديم والتأخير والاشباه والمناكير ؟ والموافقة والتزايد ؟ وأدته الاذان إلى القلوب بالافهام وأدته الالسن بالبيان... 


[ 260 ]

وكان من قضاء الله وقدره أنك قربت زيادا وجعلته في آل أبي سفيان نسبا ووليته أحكام المسلمين والعباد، فسفك الدماء / 130 / أ / بغير حلها وهتك الحريم بغير حقها ولا مراقبة لله عز وجل ولا خوف منه، ظلوم كافر غشوم ! ! ! يتخير من المعاصي أعظمها، ومن الجرائم أجسمها، ولا يرى لله وقارا ولا يظن إليه معادا ولا يحذر له نار ولا يرجو وعدا ولا يخاف وعيدا يعرض عمله في صحيفتك وتؤخذ بما اجترم بين يدي ربك سبحانه (وتعالى) ورسول الله صلى الله عليه وسلم.

 و (أنت يا معاوية) لا الماضين من أئمة الهدى اتبعت، ولا لطريقهم سلكت، حملت عبد ثقيف (1) على رقاب أمة محمد صلى الله عليه وسلم يدبر أمورها ويسفك دماءها، فماذا تقول يا معاوية وقد مضى من أجلك أكثره وذهب خيره وبقي شره.

 إني امرأة من بني ذكوان، وثب زياد المدعى إلى آل (أبي) سفيان إلى ضيعة لي تراث أبي عن أجدادي فحال بيني وبينها وغصبني إياها وقتل رجالا من بني ذكوان ممن نازعه فيها وقد أتيتك مستصرخة، فأن أنصفت وعدلت، وإلا وكلتك وزيادا إلى الله عز وجل، فهو أحكم الحاكمين ولن تبطل ظلامتي وهو المنصف منكما.

 فبهت معاوية (فجعل) ينظر إليها تعجبا من كلامها، وقال: ما لزياد ؟ لعن الله زيادا فإنه لا يزال يبعث على مثالبه من ينشرها و (على) مساويه من يثيرها، ثم كتب إلى زياد بإنصافها والخروج من حقها وإلا صرفها مذموما مدحورا.

 وأمر لها بعشرة آلاف وصرفها مكرمة والله أعلم.

 


(1) وهو زياد بن عبيد الرومي عبد الحارث بن كلدة الثقفي وأمه سمية أيضا كانت أمة للحارث بن كلدة الثقفي فزوجها عبيد الرومي عبده فولدت له زياد.

 ولما أراد معاوية الاستهزاء بالاسلام وقوانينه نسبه إلى أبي سفيان بحجة أن أباه أبو سفيان زنى بسمية أم زياد من ماء أبي سفيان بزياد ! !.

 والقصة معروفة قلما يكون كتب التاريخ خال منها، وانظر تفصيل القصة في تاريخ الطبري وترجمة زياد من تاريخ دمشق والاستيعاب والاصابة وغيرها.

 


[ 261 ]

خطبة معاوية بن يزيد رحمه الله: (قال المؤلف:) وإنما ذكرت هذه الخطبة هنا، بعد (ذكر) الوافدات على معاوية - وإن لم يكن (ها هنا) موضعها - لما فيها من الملائمة لما نحن فيه، ولما فيه من الغرابة والبلاغة، والانصاف والتنبيه على صلاح قائلها وورعه ودينه واعترافه بما أنكره أبوه وجده، وتنويهه بحق هذا البيت الشريف وتعظيمهم وأنهم أحق الناس بهذا الامر دون كل أحد، وأن أباه وجده أخذوه منه ظلما وعدوانا ! ! ! لما استخلف (معاوية بن يزيد) رضي الله عنه صعد المنبر فجلس عليه طويلا ثم حمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيها الناس والله ما أنا بالراغب في التأمير عليكم، ولا بالامن لعظيم ما أكرهه منكم / 131 / أ / إنما بلينا بكم وبليتم بنا، ألا (و) إن جدي نازع الامر من كان أولى به منه، لقرابته برسول الله صلى الله عليه وسلم وقديمه ؟ وسابقته، أعظم المهاجرين قدرا وأولهم إيمانا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته، جعله لها بعلا باختياره له لها، وجعلها له زوجة باختيارها له، فهما بقية رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلالة خاتم النبيين.

 فركب جدي منه ما تعلمون، وركبتم معه منه ما لا تجهلون، ثم انتظمت لجدي منيته وصار مرتهنا بعمله فريدا في قبره.

 ثم تقلد أبي أمركم بهوى أبيه الذي كان فيه، فلقد كان (ب‍) سوء فعله وإسرافه على نفسه غير خليق بالخلافة على أمة محمد، ولا جدير بها، فركب هواه واستحسن خطاه وأقدم على ما أقدم عليه، جرأة على الله وبغيا على ما استحل حرمته، فقلت مدته وانقطع أثره وضاجع عمله، وحصل على ما قدم ؟ وأنسانا الحزن عليه الحزن له بما قدمه، فليت شعري ما قال وما قيل له.

 وخنقته العبرة وبكى بكاءا شديدا وعلا نحيبه وسبح طويلا ثم قال: وصرت أنا ثالث القوم، والساخط فيما أرى أكثر من الراضي وما كان الله يراني أحمل إمامتكم وألقاه بتبعاتكم فشأنكم بأمركم، خذوه وولوه من شئتم ممن يقوم بسياستكم فولوه أموركم.

 فقال له مرواه: سنها (يا) أبا ليلى عمرية ؟ قال: أتخدعني يا مروان (عن) ديني ونفسي ؟ يا (مروان) ائتني برجال مثل رجال عمر حتى أفعل، فو الله لئن كان هذا الامر مغنما لقد أصاب آل (أبي) سفيان منها حظا كافيا، ولئن كان شرا فحسبهم ما


[ 262 ]

أصابوه (1) ! ! ! ثم نزل (عن المنبر) فدخل الخضراء فقالت له أمه: ليتك كنت حيضة ! ! فقال: والله لوددت (أن كنت) ذلك، ولم أعلم أن لله نارا يعذب بها من عصاه، إن لم يرحم الله أبي وجدي (فويل لهما).

 ثم إنه مات بعد أربعين يوما، فوثب بنو أمية على مؤدبه المعروف بعمر المقصوص وقالوا له: أنت علمته هذا ! فقال: لا والله وإنه لمطبوع عليه، والله ما حلف قط إلا بمحمد وآل محمد، وما رأيته أفرد آل محمد منذ عرفته، فرضي الله عنه ورحمه وجزاه أحسن الجزاء بمنه وكرمه (2).

 


(1) من أول الخطبة إلى ها هنا، رواه اليعقوبي - بمغايرة طفيفة لفظية - في حوادث سنة " 64 " من تاريخه ج 2 ص 240 طبعة الغري.

 وذيل الكلام رواه أيضا المسعودي في حوادث سنة " 64 " من كتاب مروج الذهب: ج 3 ص 73.

 ورواه في كتاب الاضواء، ص 116، عن كتاب حياة الحيوان: ج 2 ص 61.

 ورواه بأتم منهم ابن العبري المتوفى عام " 685 " في كتابه تاريخ مختصر الدول ص 111، ثم قال في ذيل القصة: فوثب بنو أمية على عمر المقصوص وقال: أنت أفسدته وعلمته ! ! فطمروه ودفنوه حيا ! ! ! وانظر ترجمة عمر بن نعيم العنسي من النسخة الاردنية من تاريخ دمشق ج 13 ص 365.

 ورواه موجزا ابن حجر في كتاب الصواعق ص 134.

 ورواه عنه العلامة الاميني تحت الرقم: (75) في عنوان: " كلمات تعرف معاوية " من كتاب الغدير ج 10، ص 174.

 (2) وبعده في أصلي ثلاث كلمات غير مقروءة.