الصفحة 71

نقطة باء البسملة


جاء في كتاب (مدارك التنزيل) أنّ الكتب التي أنزلها اللّه من السماء إلى الدنيا لهداية الناس وإرشادهم إلى السعادة الأبدية، إنّما هي مئة وأربعة كتب: صحف شيت (عليه السلام) ستّون، وصحف إبراهيم (عليه السلام) ثلاثون، وصحف موسى قبل التوراة عشرة، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان. ومعاني كلّ الكتب مجموعة في الفرقان، ومعاني كلّ الفرقان ـ أي: القرآن الكريم ـ مجموعة في الفاتحة، ومعاني الفاتحة مجموعة في البسملة، ومعاني البسملة مجموعة في بائها، ومعاني الباء في نقطتها(1).

وروى الشعراني: عن الإمام علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه وكرّم وجهه أنّه كان يقول: لو شئت لأوقرت لكم ثمانين بعيراً من معنى (الباء)(2).

وروى القندوزي الحنفي في (ينابيع المودّة) ما لفظه: وفي الدرّ المنظم: إعلم أنّ جميع أسرار الكتب السماوية في القرآن، وجميع ما في القرآن في الفاتحة، وجميع ما في الفاتحة في البسملة، وجميع ما في البسملة في باء البسملة، وجميع ما في باء البسملة في النقطة التي تحت الباء، قال الإمام علي كرّم اللّه وجهه: أنا النقطة التي تحت الباء.

وقال أيضاً: العلم نقطة كثّرها الجاهلون، والألف وحدة عرفها الراسخون(3).

وعن ابن الآلوسي البغدادي في جلاء العينين ما لفظه: في حقّ علي (عليه السلام)،

____________

1- تفسير البصائر 1: 24.

2- لطائف المنن 1: 171، طبعة مصر.

3- ينابيع المودّة: 69 و 408، طبعة إسلامبول.


الصفحة 72
هو باب العلم والنقطة تحت الباء.

ويروي لنا ابن عبّاس، حبر الاُمّة وتلميذ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في التفسير أنّه: أخذ بيدي علي (عليه السلام) ليلة، فخرج بي إلى البقيع، وقال: إقرأ يا ابن عباس، فقرأت: {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}، فتكلّم في أسرار الباء إلى بزوغ الفجر(1).

وقال أيضاً: يشرح لنا علي (رضي الله عنه) نقطة الباء من {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}ليلة، فانفلق عمود الصبح وهو بعد لم يفرغ، فرأيت نفسي في جنبه كالفوّارة في جنب البحر المتلاطم(2).

وجاء في مطالب السؤول ما لفظه: قال علي (رضي الله عنه) مرّة: لو شئت لأوقرت بعيراً من تفسير {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}(3).

روى النبهاني في الشرف المؤبد عن ابن عباس، قال: قال لي علي (عليه السلام): يا بن عباس، إذا صلّيت العشاء الآخرة فالحق الجبانة، قال: فصلّيت ولحقته، وكانت ليلة مقمرة، قال: فقال لي: ما تفسير الألف من الحمد؟ قلت: لا أعلم، فتكلّم فيها ساعة تامة، ثمّ قال: ما تفسير الميم من الحمد؟ قال: قلت: لا أعلم، قال: فتكلّم في تفسيرها ساعة كاملة، قال: فما تفسير الدال من الحمد؟ قال: قلت: لا أدري، فتكلّم فيها إلى أن بزغ عمود الفجر، قال: وقال لي: قم يا بن عباس إلى منزلك فتأهّب لغرضك، فقمت وقد وعيت ما قال. ثمّ تفكّرت فإذا علمي بالقرآن في علم علي كالقرارة في المثعنجر. قال: القرارة: الغدير الصغير.

____________

1- ينابيع المودّة: 408.

2- الحنفي في أرجح المطالب: 113، طبعة لاهور.

3- محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول: 26، طبعة طهران.


الصفحة 73
والمثعنجر: البحر(1).

روى الحافظ ابن عبد البرّ، بإسناده، عن عبد اللّه بن عباس، قال: واللّه لقد اُعطي علي بن أبي طالب تسعة أعشار العلم، وأيم اللّه لقد شارككم في العُشر العاشر(2).

هذا من طرق العامة، وهناك أيضاً المئات من الروايات والأخبار التي تشير إلى أنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) هو أعلم خلق اللّه بعد رسول اللّه محمد، وأنّه عنده علم الكتاب، وهو القرآن الناطق وترجمانه، وهو القائل (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني فإنّي أعلم بطرق السماء من علمكم بطرق الأرض، وقال: يا معشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول اللّه، هذا ما زقّني رسول اللّه زقّاً زقّاً، سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين، أما واللّه لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم حتّى تنطق التوراة فتقول: صدق علي ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ، وأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم حتّى ينطق الإنجيل فيقول: صدق عليّ ما كذب لقد أفتاكم بما أنزل اللّه فيّ. وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول: صدق عليّ ما كذب لفد أفتاكم بما اُنزل فيّ. وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهاراً، فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه، ولولا آية في كتاب اللّه عزّ وجلّ لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية: {يَمْحُو اللّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعَنْدَهُ

____________

1- الشرف المؤبد: 58، طبعة مصر.

2- الاستيعاب 2: 462، طبعة حيدر آباد، كما رواه الطبري في كتابه ذخائر العقبى، وابن الأثير في اُسد الغابة، والسيوطي في تأريخ الخلفاء، والخوارزمي في المناقب، وغيرهم.


الصفحة 74
اُمُّ الكِتاب}، ثمّ قال (عليه السلام): سلوني قبل أن تفقدوني فوالذي خلق الحبّة وبرء النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليلة نزلت، أو في نهار اُنزلت، مكيّها ومدنيّها، سفريها وحضريّها، ناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها، إلاّ أخبرتكم. فقام إليه رجل يقال له: ذعلب، وكان ذرب اللسان بليغاً في الخطب شجاع القلب، فقال: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لاُخجلنّه اليوم لكم في مسألتي إيّاه، فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك؟ فقال (عليه السلام): ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي عبد ربّاً لم أره، قال: فكيف رأيته؟ صفه لنا؟ قال: ويلك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان. ويلك يا ذعلب، إنّ ربّي لا يوصف بالبُعد ولا بالحركة ولا بالسكون ولا بقيام قيامَ انتصاب ولا بجيئة ولا بذهاب، لطيف اللطافة لا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبر لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقّة، مؤمن لا بعبادة، مدرك لا بمجسّة، قائل لا بلفظ، هو في الأشياء على غير ممازجة، خارج منها على غير مباينة، فوق كلّ شيء ولا يقال شيء فوقه، أمام كلّ شيء ولا يقال له أمام، داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل، وخارج منها لا كشيء من شيء خارج، فخرّ عليه ذعلب مغشياً عليه، ثمّ قال: تاللّه ما سمعت بمثل هذا الجواب، واللّه لا عدتُ إلى مثلها(1).

فعلي (عليه السلام) وأهل بيته الأئمة الأطهار (عليهم السلام) هم صراط اللّه الأقوم وسفينة

____________

1- تفسير البصائر 1: 187، عن أمالي الصدوق، بإسناده، عن الأصبغ بن نباتة، قال: لمّا جلس علي (عليه السلام) في الخلافة وبايعه الناس، خرج إلى المسجد متعمّماً بعمامة رسول اللّه، لابساً بردة رسول اللّه، متنعلا نعل رسول اللّه، متقلّداً سيف رسول اللّه، فصعد المنبر، فجلس عليه متحنّكاً، ثمّ شبك بين أصابعه فوضعها أسفل بطنه، ثمّ قال: يا معشر الناس... الحديث.


الصفحة 75
النجاة، مَن ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق وهوى، كما ورد في الخبر المتواتر عند الفريقين ـ السنّة والشيعة ـ فما بعد الحقّ إلاّ الضلال.

وكلّ ما في القرآن الكريم إنّما هو عند أهل البيت (عليهم السلام) بصريح ما جاء في حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين لقوله (صلى الله عليه وآله): «لن يفترقا»، ولن للتأبيد بمعنى أنّه أبداً في كلّ شيء لن يفترقا إلى يوم القيامة، فلا نقول كما قال الرجل: حسبنا كتاب اللّه، ولا نقول كما قالوا حسبنا أهل البيت، بل نتمسّك بهما معاً.

ثمّ كلّ ما في القرآن هو في حمده، وكلّ ما في سورة الحمد في البسملة، وكلّ ما في البسملة في بائها، وعلي (عليه السلام) هو نقطة الباء، كما ذكرنا لك الروايات من طرق العامة.

وأمّا عند الخاصّة:

فقد جاء ذلك أيضاً في كتاب (الأنوار النعمانية)(1) عندما يتحدّث الكاتب آية اللّه العظمى السيد نعمة اللّه الجزائري المتوفّى سنة 1112 هـ عن فضائل أمير المؤمنين وأنّه أفضل خلق اللّه بعد رسوله محمد (صلى الله عليه وآله)، فقال: وأمّا قوله: ومنها علم التفسير ـ أي: أنّه (عليه السلام) أعلم الناس بعلم التفسير ـ إلى آخره، فقد تحقّق في الأخبار من العامة والخاصة أنّ قوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْء أحْصَيْناهُ في إمام مُبِين}، المراد به علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو الذي فسّر الباء من {بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} لابن عبّاس فقال: يا ابن عباس لو طال الليل لطلناه.

وفي الروايات الخاصّة ـ أقول: بل العامّة، كما مرّ ـ عنه (عليه السلام) أنّه قال: «علم ما كان وما يكون كلّه في القرآن الكريم، وعلم القرآن كلّه في سورة الفاتحة،

____________

1- الأنوار النعمانية 1: 47.


الصفحة 76
وعلم الفاتحة كلّه في البسملة منها، وعلم البسملة كلّه في بائها، وأنا النقطة تحت الباء». وهذا الحديث من مشكلات الأخبار، وأكثر الإشكال إنّما هو في قوله: «وأنا النقطة تحت الباء»، ويحتمل أن يكون معناه أنّي اُبيّن علوم القرآن واُوضح مجملاتها، كما أنّ نقطة الباء توضّحه وتميّز عمّا يشاركه في الصورة كالتاء المثناة والثاء المثلثة، ويحتمل معان كثيرة لا يخفى بعضها على اُولي الألباب. والحاصل أنّ العلوم كلّها تنتهي إليه ولم يؤخذ علم إلاّ منه، والعلماء كلّهم تلاميذه... ثمّ يذكر تفصيل ذلك، فراجع.

وقد رأيت الحديث الشريف في كتاب (مشارق أنوار اليقين في حقائق أسرار أمير المؤمنين)(1) للحافظ الشيخ رضي الدين رجب البرسي، وقد عدّه بعض علمائنا

____________

1- قال الحافظ رجب البرسي الحلي في كتابه مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام): وأمّا علم النقط والدوائر فهو من أجلّ العلوم وغوامض الأسرار، لأنّ منتهى الكلام إلى الحروف ومنتهى الحروف إلى الألف ومنتهى الألف إلى النقطة، والنقطة عندهم عبارة عن نزول الوجود المطلق الظاهر بالباطن، ومن الابتداء بالانتهاء يعني ظهور الهوية التي هي مبدأ الوجود التي لا عبارة لها ولا إشارة ـ الصفحة 25.

وسرّ اللّه مودع في كتبه وسرّ الكتب في القرآن، لأنّه الجامع المانع، وفيه تبيان كلّ شيء، وسرّ القرآن في الحروف المقطّعة في أوائل السور، وعلم الحروف في لام ألف، وهو الألف المعطوف المحتوي على سرّ الظاهر والباطن، وعلم اللام ألف في الألف، وعلم الألف في النقطة، وعلم النقطة في المعرفة الأصلية، وسرّ القرآن في الفاتحة، وسرّ الفاتحة في مفتاحها، وهي بسم اللّه، وسرّ البسملة في الباء، وسرّ الباء في النقطة ـ الصفحة 27.

=>


الصفحة 77

____________

<=

والفاتحة هي سورة الحمد واُمّ الكتاب، وقد شرّفها اللّه تعالى في الذكر فأفردها وأضاف القرآن إليها، فقال عزّ اسمه: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ المَثانِيَ وَالقُرْآنَ العَظِيمَ)، فذكرها إجمالا وإفراداً، وذلك لتشرّفها، وهذا مثل قوله: (حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطى)، أدخلها إجمالا وأفردها إجلالا.

وسورة الحمد فيها اسم اللّه الأعظم عن يقين، وعدد آياتها (7) وهي العدد الكامل، ومن العدد الكامل يظهر جذر العشرة، وهو ضرب السنة في أيّام الاُسبوع ومبلغه (2520)، وهو عدد له نصف وثلث وربع وخمس وسدس وسبع وثمن وتسع وعشر، وعدد كلمات اُمّ الكتاب مع البسملة (29) كلمة، وعدد السور المتوجة بالحروف المقطّعة (29) سورة، وعدد أيام الشهر (29) يوماً، فأخذ منها الألف كانت (28) بعدد منازل القمر، وإذا قسمت كان منها للأفلاك (9) وللبروج (12) وللعناصر (4) وللمواليد (3) فهذه ثمانية وعشرون بعدد حروف المعجم، وعدد حروف الفاتحة (324) وأعداد حروفها (9361) وسائر أعدادها تنقسم إلى الفردانية، وتشير إليها وتنقسم بأعداد الاسم الأعظم قسمين ظاهر وباطن.

نهاية الحروف النقطة، فتناهت الأشياء بأسرها إلى النقطة ودلّت عليها، ودلّت النقطة على الذات، وهذه النقطة هي الفيض الأوّل الصادر عن ذي الجلال المسمّى في اُفق العظمة والجمال بالعقل الفعّال وذلك هو الحضرة المحمدية، فالنقطة هي نور الأنوار وسرّ الأسرار، كما قال أهل الفلسفة: النقطة هي الأصل والجسم حجاب والصورة حجاب الجسم والحجاب غير الجسد الناسوتي، دليله: من صريح الآيات قوله: (اللّهُ نُورُ السَّماواتِ) معناه منوّر السماوات، فاللّه اسم للذات والنور من صفات الذات والحضرة المحمدية صفة اللّه وصفوته، صفته في عالم النور وصفوته في عالم الظهور، فهي النور الأوّل الإسم البديع الفتّاح (قَوْلُهُ الحَقُّ) أوّل ما خلق اللّه نوري (وقوله) أنا اللّه وكلّ منّي. وقوله (ممّا رواه أحمد ابن حنبل): كنت وعلي نوراً بين يدي الرحمن قبل أن يخلق عرشه بأربع عشر سنة فمحمد

=>


الصفحة 78

____________

<=

وعلي حجاب الحضرة الإلهية ونوّابها وخزّان أسرار الربوبية وبابها...

فإذا استقرينا الموجودات فإنّها تنتهي إلى النقطة الواحدة التي صفة الذات وعلّة الموجودات ولها في التسمية عبارات فهي العقل من قوله: «أوّل ما خلق اللّه العقل»، وهي الحضرة المحمدية من قوله: «أوّل ما خلق اللّه نوري»، ومن حيث إنّها أوّل الموجودات صادرة عن اللّه تعالى بغير واسطة سمّيت العقل الأوّل، ومن حيث إنّ الأشياء تجد منه قوّة التعقيل سمّي العقل الفعّال، ومن حيث إنّ العقل فاض منه إلى جميع الموجودات فأدركت به حقائق الأشياء سمّي عقل الكلّ، فعلم بواضح البرهان أنّ الحضرة المحمدية هي نقطة النور وأوّل الظهور وحقيقة الكائنات ومبدأ الموجودات وقطب الدائرات، فظاهرها صفة اللّه وباطنها غيب اللّه، فهي ظاهر الاسم الأعظم وصورة سائر العالم وعليها مدار من كفر وأسلم، فروحه نسخة الأحدية في اللاهوت وجسده صورة معاني الملك والملكوت، وقلبه خزانة الحيّ الذي لا يموت، وذلك لأنّ اللّه تعالى تكلّم في الأوّل بكلمة فصارت كلمته ونوره وروحه وحجابه، وسريانها في العالم كسريان النقطة في الحروف والأجسام وسريان الواحد في الأعداد وسريان الألف في الكلام وسريان الإسم المقدّس في الأسماء فهي مبدأ الكلّ وحقيقة الكلّ، فكلّ ناطق بلسان الحال والمقال فإنّه شاهد للّه بالوحدانية الأوّلية ولمحمد وعلي بالاُبوّة والملكية، دليله قوله (صلى الله عليه وآله): أنا وعلي أبَوا هذه الاُمّة...

فعلم أنّ الفيض الأوّل عن حضرة الأحدية هي النقطة الواحدة وعنها ظهر الف الغيب (القلب خ ل) وامتدّ حتّى صار خطه وهو مركب من ثلاث نقط... قال (عليه السلام): عن الباء ظهر الوجود وبالنقطة تبين العابد عن المعبود، وقال حكيم: بالباء عرفه العارفون...

وإلى هذا السرّ إشارة من كلامه البليغ في نهج البلاغة فقال: «وهو يعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى»، وهذه إشارة إلى أنّه (عليه السلام) غاية الفخار ومنتهى الشرف وذروة العزّ وقطب الوجود وعين الوجود وصاحب الدهر ووجه الخلق وجنب العلى فهو القطب الذي دار به كلّ دائر وسار به كلّ سائر لأنّ سريان الوليّ في العالم كسريان الحقّ في العالم... والنقطة التي اُدير عليها بركار النبوّة فهي حقيقة كلّ موجود فهي باطن الدائرة والنقطة السارية السائرة التي بها ارتباط سائر العوامل...


الصفحة 79
من الغلاة، إلاّ أنّ العلاّمة الأميني (قدس سره) يدافع عنه ويرفع هذه التهمة عن ساحته في كتابه القيّم(1)، فقال: الحافظ الشيخ رضي الدين رجب بن محمد بن رجب البرسي الحلّي، من عرفاء علماء الإمامية وفقهائها المشاركين في العلوم، على فضله الواضح في فنّ الحديث وتقدّمه في الأدب وقرض الشعر وإجادته وتضلّعه من علم الحروف وأسرارها واستخراج فوائدها، وبذلك كلّه تجد كتبه طافحة بالتحقيق ودقّة النظر، وله في العرفان والحروف مسالك خاصّة، كما أنّ له في ولاء أئمة الدين (عليهم السلام) آراء ونظريات لا يرتضيها لفيف من الناس، ولذلك رموه بالغلوّ والارتفاع، غير أنّ الحقّ أنّ جميع ما يثبته المترجم لهم (عليهم السلام) من الشؤون هي دون مرتبة الغلوّ وغير درجة النبوّة، وقد جاء عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)قوله: إيّاكم والغلوّ فينا، قولوا: إنّا عبيد مربوبون وقولوا في فضلنا ما شئتم، وقال الإمام الصادق (عليه السلام): إجعل لنا ربّاً نؤوب إليه وقولوا فينا ما شئتم. وقال (عليه السلام): إجعلونا مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم فلن تبلغوا(2).

وأنّى لنا البلاغ مدية ما منحهم المولى سبحانه من فضائل ومآثر؟ وأنّى لنا الوقوف على غاية ما شرّفهم اللّه به من ملكات فاضلة ونفسيّات نفيسة وروحيات قدسية وخلائق كريمة ومكارم ومحامد؟ فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام؟ أو يمكنه اختياره؟ هيهات هيهات، ضلّت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب،

____________

1- الغدير 7: 33.

2- لقد ذكرت براهين صحّة هذا المعنى في (جلوة من ولاية أهل البيت (عليهم السلام))، فراجع.


الصفحة 80
وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيّرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحضرت الخطباء، وجهلت الألبّاء، وكلّت الشعراء، وعجزت الاُدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه، وفضيلة من فضائله، وأقرّت بالعجز والتقصير، فكيف يوصف بكلّه؟ أو ينعت بكنهه؟ أو يفهم شيء من أمره؟ أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه؟ لا كيف؟ وأنّى؟ فهو بحيث النجم من يد المتناولين ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟

ولذلك تجد كثيراً من علمائنا المحققين في المعرفة بالأسرار يثبتون لأئمة الهدى صلوات اللّه عليهم كلّ هاتيك الشؤون وغيرها ممّا لا يتحمّله غيرهم، وكان في علماء قم من يرمي بالغلوّ كلّ من روى شيئاً من تلكم الأسرار حتّى قال قائلهم: إنّ أوّل مراتب الغلوّ نفي السهو عن النبي (صلى الله عليه وآله)، إلى أن جاء بعدهم المحقّقون وعرفوا الحقيقة، فلم يقيموا لكثير من تلكم التضعيفات وزناً، وهذه بليّة مُني بها كثيرون من أهل الحقائق والعرفان ومنهم المترجم، ولم تزل الفئتان على طرفي نقيض وقد تقوم الحرب بينهما على أشدّها، والصلح خير.

وفذلكة المقام: أنّ النفوس تتفاوت حسب جبلاّتها واستعداداتها في تلقّي الحقائق الراهنة، فمنها ما تبهظه المعضلات والأسرار، ومنها ما ينبسط لها فيبسط إليها ذراعاً ويمدّ لها باعاً، وبطبع الحال إنّ الفئة الاُولى لا يسعها الرضوخ لما لا يعلمون، كما إنّ الآخرين لا تبيح لهم المعرفة أن يذروا ما حقّقوه في مدحرة البطلان، فهنالك تثور المنافرة وتحتدم الضغائن، ونحن نقدّر للفريقين مسعاهم لما نعلم من نواياهم الحسنة وسلوكهم جدد السبيل في طلب الحقّ، ونقول:


على المرء أن يسعى بمقدار جهده وليس عليه أن يكون موفّقاً

إلاّ أنّ الناس معادن، كمعادن الذهب والفضّة، وقد تواتر عن أئمة

الصفحة 81
أهل البيت (عليهم السلام): أنّ أمرنا ـ أو: حديثنا ـ صعب مستصعب لا يتحمّله إلاّ نبيّ مرسل أو مَلَك مقرّب أو مؤمن امتحن اللّه قلبه بالإيمان. إذن فلا نتحرّى وقيعة في علماء الدين، ولا نمسّ كرامة العارفين، ولا ننقم من أحد عدم بلوغه إلى مرتبة من هو أرقى منه، إذ لا يكلّف اللّه نفساً إلاّ وسعها، وقال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): لو جلست اُحدّثكم ما سمعت من فم أبي القاسم (صلى الله عليه وآله) لخرجتم من عندي وأنتم تقولون: إنّ عليّاً من أكذب الكاذبين.

وقال إمامنا السيد السجّاد (عليه السلام): لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله، ولقد آخا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بينهما، فما ظنّكم بسائر الخلق، وكلاّ وَعَدَ اللّه الحسنى، وفضّل اللّه المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً.

ثمّ يذكر العلاّمة الأميني ما قاله السيد الأمين في أعيان الشيعة من إنكاره الحافظ البرسي وأنّه من الغلاة، فيناقشه، ثمّ يذكر مؤلّفات الحافظ وجملة من شعره الرائق في مدح أهل البيت (عليهم السلام)، فراجع.

فكما إنّ الإيمان درجات، وفي بعض الروايات تبلغ إلى أربعمائة درجة، كذلك المعرفة باللّه ورسوله وأهل بيته، فإنّ المعرفة من الكلّي المشكّك له مراتب في القوّة والضعف، ولو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان من المعارف الحقّة والأنوار القدسية في عظمة أهل البيت وأسرار أمير المؤمنين لقتله، أو قال رحم اللّه قاتل سلمان. وقد آخا بينهما رسول اللّه فما ظنّكم بسائر الناس.

فإذا اعتقدنا أنّ أمير المؤمنين علي (عليه السلام) عنده علم الأوّلين والآخرين بعد رسول اللّه، وذلك بعناية من ربّه، فإنّه عيبة علمه، فهو يعلم كلّ ما في القرآن الكريم، وهو نقطة باء البسملة، فليس ذلك من الغلوّ، بل هذا من أدنى المعرفة بأسرار أمير المؤمنين، وما عرفه إلاّ اللّه ورسوله، كما قاله النبيّ الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)،

الصفحة 82
فحديث النقطة جاء في كتاب الحافظ البرسي (مشارق أنوار اليقين) كما جاء في غيره.

أجل:

حديث النقطة يعدّ من الأحاديث الصعبة المستصعبة التي لا يتحمّلها إلاّ مَلَك مقرّب أو نبيّ مرسل أو مؤمن امتحن اللّه قلبه بالإيمان، فإنّه يعتبر من أسرار آل محمد (عليهم السلام)، وإنّه رشحة من رشحات سرّ الولاية العلوية، ولاية أمير المؤمنين أسد اللّه الغالب علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حصن اللّه الحصين الذي مَن دخله كان آمناً، كما مَن دخل حصن التوحيد وكلمة (لا إله إلاّ اللّه) كان آمناً من عذاب اللّه سبحانه وخزي الدنيا والآخرة، ومن كلّ شين وألم وسقم وأمراض روحية، ومن الصفات الرذيلة والأخلاق المذمومة.

فحديث النقطة بحر زاخر متلاطم الأمواج، وقمر زاهر متلألىء الأفواج، وشمس مضيئة، وكواكب زاهية في سماء العلم والفضيلة، يعجز القلم عن بيانه ويكلّ اللسان عن تبيانه.

ولكنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه، والميسور لا يسقط بالمعسور، وبداية مسيرة ألف ميل خطوة، فلنغترف من عذب مناهل حديث النقطة غرفة، عسى أن نروي أكباداً حرّى ونفوساً متعطّشة لمعرفة الحقائق وكسب المعارف الإلهية.

فالروايات ـ من السنّة والشيعة ـ التي تشير إلى أنّ كلّ العلوم والفنون والمعارف والحقائق من الأوّلين والآخرين، وأسرار الكون، وعلم اللّه سبحانه بعد الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، إنّما هي عند مولى الموحّدين، وإمام المتّقين، وأمير المؤمنين، وقائد الغرّ الميامين، وسيد الأوصياء المنتجبين، أخ الرسول، وزوج البتول، وأبي السبطين: الحسن والحسين، ذلك أسد اللّه ورسوله وخليفته

الصفحة 83
ووصيّه، مولانا وطبيب نفوسنا وحبيب قلوبنا، إمام الهدى، علي بن أبي طالب المرتضى، عليه وعلى ابن عمّه رسول اللّه وأهل بيتهم أفضل صلوات المصلّين.

فلا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين، أي إمام حقٍّ ظاهر البرهان وتامّ البيان، وقد علّمه اللّه سبحانه علم ما كان وعلم ما يكون وما هو كائن، وقد زقّه النبيّ ذلك العلم زقّاً، وعلّمه ألف باب من العلم ينفتح من كلّ باب ألف باب.

ثمّ العلم والخير والحقّ كلّه في القرآن الكريم، وكلّ ما في القرآن هو في سورة الحمد ـ كما مرّ بيان ذلك إجمالا ـ، وكلّ ما في الحمد إنّما هو في البسملة، وكلّ ما في البسملة إنّما هو في الباء، وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) وروحي فداه هو نقطة باء البسملة.

وأمّا بيان ذلك فنشير إلى بعض الوجوه على نحو الاجمال والإشارة ـ والحرّ اللبيب تكفيه الإشارة ـ وربّما بعض النفوس لقصورها أو تقصيرها لا تستوعب ذلك فتنكر تلك المعاني السامية وربّما تعاديها ـ فإنّ الناس أعداء ما جهلوا ـ، ولكنّ المنصف العاقل يستمع القول فيتّبع أحسنه، وما لا يستوعبه يردّه إلى أهله...

الأوّل ـ قال اللّه تعالى في كتابه الكريم: {وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأشْهَدَهُمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ}(1).

الآية الشريفة وما بعدها تذكر الميثاق من بني آدم على الربوبية، وهي

____________

1- سورة الأعراف، الآية 172.


الصفحة 84
من أدقّ الآيات القرآنية معنىً وأعجبها نظماً.

وقد تعرّض كثير من العلماء الأعلام إلى تفسيرها وبيانها، وللعلاّمة الطباطبائي في تفسيره القيّم (الميزان) تحقيق ظريف ومطالب قيّمة في هذا الباب(1).

وجاء فيه: قوله: {وَأشْهَدَهُمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ} ينبىء عن فعل آخر إلهيّ تعلّق بهم بعد ما أخذ بعضهم من بعض وفصل بين كلّ واحد منهم وغيره، وهو إشهادهم على أنفسهم. والإشهاد على الشيء هو إحضار الشاهد عنده وإراءته حقيقته، ليتحمّله علماً تحمّلا شهودياً، فإشهادهم على أنفسهم هو إراءتهم حقيقة أنفسهم ليتحمّلوا ما اُريد تحمّلهم من أمرها، ثمّ يؤدّوا ما تحمّلوه إذا سُئلوا.

ثمّ يقول: فالإنسان في أي منزل من منازل الانسانية نزل، يشاهد من نفسه أنّ له ربّاً يملكه ويدبّر أمره، وكيف لا يشاهد ربّه وهو يشاهد حاجته الذاتية؟ وكيف يتصوّر وقوع الشعور بالحاجة من غير شعور بالذي يحتاج إليه؟ فقوله: {ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ} بيان ما اُشهد عليه، وقوله: {قالُوا بَلى شَهِدْنا} اعتراف منهم بوقوع الشهادة وما شهدوه، ولذا قيل: إنّ الآية تشير إلى ما يشاهده الإنسان في حياته الدنيا أنّه محتاج في جميع جهات حياته من وجوده وما يتعلّق به وجوده من اللوازم والأحكام، ومعنى الآية: أنّا خلقنا بني آدم في الأرض وفرّقناهم وميّزنا بعضهم من بعض بالتناسل والتوالد، وأوقفناهم على احتياجهم ومربوبيتهم لنا فاعترفوا بذلك قائلين: بلى شهدنا أنّك ربّنا.

ثمّ يقول (قدس سره): وقد طرح القوم عدّة من الروايات تدلّ على أنّ الآيتين تدلاّن على عالم الذرّ، وأنّ اللّه أخرج ذرية آدم من ظهره، فخرجوا كالذرّ،

____________

1- راجع الميزان 9: 306 ـ 331.


الصفحة 85
فأشهدهم على أنفسهم، وعرّفهم نفسه، وأخذ منهم الميثاق على ربوبيته، فتمّت بذلك الحجّة عليهم يوم القيامة. وقد ذكروا وجوهاً في إبطال دلالة الآيتين عليه، وطرح الروايات بمخالفتها لظاهر الكتاب.

فيذكر السيد وجوهاً ستة، ثمّ يقول: هذه جملة ما أوردوه على دلالة الآية وحجية الروايات، وقد زيّفها المثبتون لنشأة الذرّ، وهم عامة أهل الحديث وجمع من غيرهم من المفسّرين بأجوبة.

فيذكر أجوبة الوجوه الستة، ويقول: هذا ملخّص ما جرى بينهم من البحث في ما استفيد من الآية من حديث عالم الذرّ إثباتاً ونفياً، واعتراضاً وجواباً، واستيفاء التدبّر في الآية والروايات، والتأمّل فيما يرومه المثبتون بإثباتهم ويدفعه المنكرون بإنكارهم يوجب توجيه البحث إلى جهة اُخرى غير ما تشاجر فيه الفريقان بإثباتهم ونفيهم.

فيذكر العلاّمة وجهاً ثالثاً بقريحته العرفانية اللطيفة بعد أن يشكل إشكالات عديدة على من يقول بعالم الذرّ كما عند المشهور، كما يشكل على النافين له، ويقول: ومقتضى هذه الآيات أنّ للعالم الإنساني ـ على ما له من السعة ـ وجوداً جميعاً عند اللّه سبحانه، وهو الذي يلي جهته تعالى ويفيضه على أفراده، لا يغيب فيها بعضهم عن بعض، ولا يغيبون عن صانعه، وهذا هو الذي يسمّيه اللّه سبحانه بالملكوت، ويقول: {وَكَذلِكَ نُرِيَ إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ}(1)، ويشير إليه بقوله: {كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها

____________

1- سورة الأنعام، الآية 75.