(ص 147- 160)

الفصل الثاني

ابو طالب والد امير المؤمنين (ع)

 

أبو طالب (رض) الدلالات العلمية للنصوص: 1- اسلام ابي طالب. 2- ابو طالب حامي رسول الله (ص). 3- ابو طالب والحثّ على الايمان بالاسلام. 4- خاصيّة محمد (ص) وايمان ابي طالب. 5- مغزى الزعم بكفر ابي طالب. ملخص الدلائل العلميّة على ايمان ابي طالب.


---------------------

أبو طالب (رض)

كان ابو طالب بن عبد المطلب «منيعاً عزيزاً في قريش»[1] انتهت اليه الزعامة المطلقة في مكة. ولم تكن زعامته مجرد سلطة قبلية، بل كان له شرف سقاية الحجيج الوافدة على مكة. و«كانت قريش تطعم [ ايضاً ولكن ] اذا أطعم ابو طالب لم يطعم يومئذٍ احد غيره»[2]. وفي ذلك دلالة على شرفه ومنـزلته الاجتماعية والدينية الابراهيمية.

واهم المحطات في حياة ابي طالب اثنتان. الاولى: ضمّه رسول الله (ص) اليه. والثانية: ايمانه بالاسلام عند ظهور الدعوة. فقد قام ابو طالب بضمّ رسول الله (ص) اليه عند وفاة جدّه عبد المطلب. وله (ص) من العمر ثمان سنوات. وكان حبّه حبّاً شديداً ، ويخصّه بالطعام ويهتم بكل ما يتعلّق بشؤونه الخاصة والعامة. ولا شك ان اهتمام ابي طالب برسول الله (ص) بعد الرسالة يدلّ على ايمانه بمحمّد (ص) وبرسالته السماوية الجديدة ويؤيد ذلك رواية مروية عن الامام الصادق (ع) ان رسول الله (ص) قال: «ان اصحاب الكهف اسروا الايمان وأظهروا الكفر، فآتاهم الله اجرهم مرتين. وان ابا طالب أسرّ الايمان وأظهر الشرك فآتاه الله اجره مرتين»[3]. وللمقارنة بين اصحاب الكهف وابي طالب وجه مشرق يتلخّص بمشاطرتهما ظروف الظلم القاسية التي كان يمرّان بها، وبقوة ايمانهما المستور عن عيون الاعداء. ولا ريب ان مناصرة ابي طالب ومؤازرته لرسول الله (ص) تعكس قوة الايمان القلبي برسالة الدين السماوية، في وقت كان ابو طالب يعاني اشدّ المعاناة من تسفيه قريش وحطهم لمنـزلته، وهو صاحب المنـزلة الاجتماعية الرفيعة. وعلى أي تقدير، فالمشهور شهرة عظيمة ان ابا طالب لم يغادر هذه الدنيا حتى قال: لا اله الا الله ، محمد رسول الله. توفي ابو طالب وهو يومئذٍ ابن بضع وثمانين سنة في النصف من شوال في السنة العاشرة من ظهور الاسلام. وكان عمر علي (ع) يوم وفاة والده (رضوان الله عليه) عشرين عاماً.

 

الدلالات العلمية للنصوص

كان ابو طالب من أعظم المدافعين عن رسول الله (ص) ورسالته السماوية امام قريش. وكان لذلك الدفاع منشأٌ دينيٌّ _ لا وضعاً قبلياً _ يدلّ على ايمان ابي طالب بالاسلام وحثّه ابناءه علياً (ع) وجعفراً وعقيلاً على الايمان بالدين الجديد ومناصرة زعيمه محمد (ص).

1- اسلام ابي طالب:

لم يراود علماء الاسلام المنصفين ومحققوه ادنى شك في اسلام ابي طالب وايمانه الشديد بالرسالة السماوية الجديدة. فقد تضافرت الادلة التأريخية على ذلك. ومن تلك الادلة:

اولاً: القول المروي عن ابي بكر بن ابي قحافة: «ان ابا طالب ما مات حتى قال: لا اله الا الله، محمد رسول الله...»[4].

ثانياً: قول عمر بن الخطاب مخاطباً عثمان بن عفان في كلمة يقولها العبد فتحرم عليه النار: «هي كلمة الاخلاص التي أمر بها رسول الله (ص) عمّه ابا طالب عند الموت شهادة ان لا اله الا الله...»[5]. وهذه الرواية وسابقتها تدلان على ايمانه قبل وفاته بفترة قصيرة. ولكن التحقيق ان ايمانه كان قبل ذلك بفترة طويلة، كما نلمس بعد لحظات، من مخاطبته النجاشي. ولا يمكن ان يخاطب النجاشي بتلك الافكار ما لم يكن مسلماً يدافع عن اخوته في العقيدة من ظلم قريش.

ثالثاً: الابيات المنسوبة لابي طالب في مخاطبته النجاشي وحضه على حسن الجوار:

ليعلم خيار الناس ان محمداً            وزيراً لموسى والمسيح بن مريمِ

أتانا بهدى مثل ما أتيا به                  فكلٌ بأمر الله يهدى ويعصم

وانكم تتلونه في كتابكم                بصدق حديث لا حديث المرجم

وانك ما تأتيك منها عصابة           بفضلك الا ارجعوا بالتكرم[6]

ولو جمعنا تلك الادلة التأريخية لافضت بنا الى نتيجة واحدة، وهي: ايمان ابي طالب واعتناقه الاسلام، بالرغم من اختلاف توقيت ذلك الايمان. فبعضهم زعم بأنه اسلم وهو على فراش الموت وهو ضعيف، والآخر أكّد على اسلامه في حياته قبل هجرة المسلمين الاولى الى الحبشة وهو ما تؤكده تلك الابيات المنسوبة له الموجّهة الى النجاشي وهو قوي ومتين، وعلى أي تقدير، فان المقدار المتيقن عند الفريقين ان ابا طالب آمن بالله وبدينه ومات مسلماً مؤمناً، وبكى النبي (ص) لفقده وترحم عليه. وهذا يكفي للتدليل على اسلامه وايمانه.

ولو كان كافراً لما جاز لرسول الله (ص) حبّه لقوله تعالى: (لا تجد قَوماً يُؤمِنونَ باللهِ واليَومِ الآخِرِ يُوادّونَ مَن حآدَّ اللهَ ورسولَه...)[7].

وابو طالب كان مؤمناً بشخصية محمد (ص) الرسالية قبل المبعث ايضاً. ويؤيد ذلك خطبة النكاح المشهورة التي ألقاها شيخ الاباطح عند نكاح محمد (ص) خديجة، وتبدأ بالقول: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية ابراهيم وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلداً حراماً وبيتاً محجوباً، وجعلنا الحكّام على الناس»[8]. ثمّ يسترسل قائلاً: «ان محمداً بن عبد الله اخي من لا يوازن به فتىً من قريش الا رجحَ عليه برّاً وفضلاً، وحزماً وعقلاً، ورأياً ونبلاً، وان كان في المال قُلٌ فانما المال ظل زائل، وعاريةٌ مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما احببتم من الصداق فعليَّ، وله والله بعدُ نبأ شائع وخطب جليل»[9]. وليس من عرف الكريم ان يعلم نبأه الشائع ويتوقع له الخطب الجليل، ثم يعانده ويكذبه!! 

2- ابو طالب حامي رسول الله (ص):

وكان اقتصاد قريش في القرن السادس الميلادي قائماً على التجارة بين اليمن والشام والعراق. وكان ابو طالب يحترف بما احترف به قومه. فخرج في احدى سفراته بمحمد (ص) وهو فتىً في الثالثة عشرة من عمره الى الشام. وكان محمد زكياً نجيباً، ودلائل الطهر والنقاء بادية على وجهه ومحياه. فلما نزل بصرى وهي مدينة قديمة فيها صومعة الراهب المشهور «بحيرا»، رآه ذلك الراهب المشهور بالتقوى والصلاح فقال: سيكون من هذا الفتى امر عظيم ينتشر ذكره في مشارق الارض ومغاربها. وقد صدقت تلك النبؤة فيما بعد. ولكن تحقيق تلك النبؤة لم يكن خالياً من ثمن باهض دفعه ابو طالب شخصياً نتيجة ايمانه برسالة ابن اخيه. فقد حاربته قريش وحاولت اهانته والحط من كرامته، وهو على ما هو عليه من كبر السن وجلالة المقام.

لقد كان ابو طالب من اعظم حماة رسول الله (ص) في اوائل دعوته الناس الى الاسلام. وكان ناصره والمدافع عنه ايما دفاع. ويساند تلك الفكرة أدلة مهمة وردت في المصادر التأريخية:

(منها): ما ذكره محمد بن سعد كاتب الواقدي في طبقاته: «ان ابا طالب دعا بني عبد المطلب فقال لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم امره فاتبعوه واعينوه ترشدوا»[10]. وما زالت قريش كافّة عنه (ص) حتى توفي ابو طالب (رضوان الله عليه).

و(منها): ما رواه ابن الاثير عن ابن عباس عندما نزلت (وأنذِر عَشيرَتَكَ الأقرَبينَ)[11] قام (ص) بدعوة عشيرته فكذبه ابو لهب مخاطباً القوم: لقد سحركم صاحبكم[12]. فقال ابو طالب مستهيناً باستنكار ابي لهب مخاطباً رسول الله (ص): «ما احبّ الينا معاونتك، واقبالنا لنصيحتك وأشدّ تصديقنا لحديثك. وهؤلاء بنو ابيك مجتمعون، وانما انا احدهم، غير اني أسرعهم الى ما تحبّ، فامضِ لما اُمرت به فوالله لا ازال احوطك وامنعك...»[13].

و(منها): ما عاناه ابو طالب من حصار بني هاشم في الشعب. فعندما علمت قريش ان ابا طالب ابا خذلان رسول الله (ص) وتسليمه اليهم، مشوا اليه بعُمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي _ وكان اجمل فتىً في قريش _ فقالوا له: يا ابا طالب، هذا عمارة بن الوليد أنهد فتىً[14] في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصره، فاتخذه ولداً فهو لك، وأسلم لنا هذا ابن اخيك الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرّق جماعة قومك لنتقتله، فانما هو رجل برجل. فقال ابو طالب: والله لبئس ما تسومونني! تعطوني ابنكم اغذوه لكم، واعطيكم ابني تقتلونه! هذا والله ما لا يكون ابداً[15].

وفي ضوء ذلك، قام ابو طالب بدعوة بني هاشم وبني عبد المطلب لحماية رسول الله (ص) بوجه فحول قريش، فاجتمعوا اليه وقاموا معه واجابوه الى ما دعاهم اليه من الدفاع عن رسول الله (ص)، الا ما كان من ابي لهب.

وطال البلاء على المسلمين والفتنة والعذاب، فحبسوا الضعفاء منهم وأوثقوهم بالقيد، وجعلوهم في حرّ الشمس على الصخر والصفا، وامتدّت ايام الشقاء عليهم ولم يصلوا الى محمد (ص) لوقوف ابي طالب الى جنبه. وعندها اجمعت قريش على كتابة صحيفة بينها وبين بني هاشم تعاقدوا فيها الا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم، وكانت تلك الصحيفة من ابشع العقود واغربها في تأريخ العرب. فكيف يوقّع المرء على عقد فيه أذاه وضرره ومعاناته؟ لكنه الاكراه والظلم الذي مارسته قريش ضد المسلمين. فكتبوا الصحيفة وعلّقوها في جوف الكعبة تأكيداً على انفسهم . وانحازت هاشم وعبد المطلب، فدخلوا كلهم مع ابي طالب في الشعب فاجتمعوا اليه، وخرج منهم ابو لهب الى قريش فظاهرها على قومه.

فضاق الامر ببني هاشم وعدموا القوت، الا ما كان يحمل اليهم سرّاً وخفية، وهو شيء قليل لا يمسك ارماقهم، وأخافتهم قريش مدّة ثلاث سنين، فلم يكن يظهر منهم احد، ولا يدخل اليهم احد. وكان ذلك اشد ما لقي رسول الله (ص) واهل بيته بمكة ، حتى مُزّقت الصحيفة وخرج بنو هاشم من حصار الشعب.

ولا شك ان معاناة ابي طالب لم تكن في محلّها لو لم يكن مؤمناً برسالة محمد (ص). والا، فكيف يصبر شيخ الاباطح مدة ثلاث سنين في الشعب وبطون اهله وعشيرته خاوية، يأكلون ما تنبت الارض من حشائش وما يصل اليهم مما لا يسدّ الرمق لولا ايمانه العميق برسالة ابن اخيه (ص)؟ 

3- ابو طالب والحثّ على الايمان بالاسلام:

وكانت دعوة ابي طالب ابنه علياً (ع) للايمان برسالة محمد (ص) والدفاع عنها ومؤازرتها حجة اخرى في هذا الطريق. فقد روى الخوارزمي مناشدة ابي طالب ابنه علياً (ع): «يا بُنيّ انصر ابن عمّك ووازره»[16]. ومقتضى منطوق الرواية ان المعركة ضد الشرك تقتضي المناصرة والمؤازرة من قبل المؤمنين حتى يصلوا الى قلوب الناس، ويحركوها من اجل الايمان بالله سبحانه وبرسالته السماوية. وكان تأكيد ابي طالب على ذلك يعكس مقدار الفهم الذي كان يتمتع به نحو الدين الجديد. فكان يحثّ علياً (ع) قائلاً: «يا بُنيّ الزم ابن عمك، فانك تسلم به من كل بأس عاجل وآجل...

ان الوثيقة في لزوم محمد              فاشدد بصحبته على ايديكما»[17]

ووجه الدلالة هنا ان مخاطبته علياً (ع) بـ «ابن عمك» اشعارٌ له (ع) بأنهما من شجرة واحدة وأصل واحد طيب طاهر. وقوله: تسلم به من كل بأس، هو السلامة الاخروية من سخط الله سبحانه وعذابه والسعادة الدنيوية عبر الايمان بالدين الجديد. 

4- خاصية محمد (ص) وايمان ابي طالب:

ولولا خاصية النبوة وايمان ابي طالب لما كان شيخ قريش ورئيسها يمدح ابنَ اخيه محمداً، وهو شاب قد رُبّيَ في حجره يتيم الابوين، فيقول فيه:

وتلقوا ربيعَ الابطحين محمداً           على ربوةِ في رأسِ عنقاء عطيلِ

وتأوى اليه هاشم، إن هاشماً            عرانين كعبٍ اخرٌ بعدِ أولِ

ومثل قوله:

وابيضَ يُستسقى الغمامُ بوجههِ         ثِمالُ اليتامى عصمةٌ للاراملِ

يطيف به الهُلاّك من آل هاشمٍ          فهم عنده في نعمةٍ وفواضلِ

ينقل ابن ابي الحديد في شرحه على نهج البلاغة عن علي بن يحيى البطريق قوله: «فان هذا الاسلوب من الشعر لا يمدح به التابع والذُّنابي من الناس، وانما هو من مديح الملوك والعظماء، فاذا تصورت انه شعر ابي طالب، ذاك الشيخ المبجّل العظيم في محمد (ص)، وهو شابٌ مستجير به، معتصم بظلّه من قريش، قد رباه في حجره غلاماً، وعلى عاتقه طفلاً، وبين يديه شاباً، يأكل من زاده، ويأوي الى داره، علمت موضع خاصية النبوة وسرها، وان امره كان عظيماً، وان الله تعالى اوقع في القلوب والانفس له منـزلة رفيعة ومكاناً جليلاً»[18]. وعلمت ايضاً منـزلة ابي طالب ذاك الشيخ العظيم وايمانه برسالة محمد (ص) وتواضعه لابن اخيه اليتيم الذي كان يرى فيه نور النبوة وجلالها وجمالها. ومن اجل ذلك كان ابو طالب يخشى على رسول الله (ص) كيد الاعداء من المشركين واليهود وغيرهم. وقد ورد ما يشير الى ذلك، كما في امالي ابي جعفر محمد بن حبيب منقولاً في «شرح النهج»: ان ابا طالب كان كثيراً ما يخاف على رسول الله (ص) البيات اذا عرف مضجعه، فكان يقيمه ليلاً من منامه، ويُضجع ابنه علياً مكانه، فقال له علي (ع) ليلة: يا أبتِ، اني مقتول، فقال له:

اصبرن يا بُنيَّ فالصبر أحجى               كلّ حيٍ مصيرهُ لشعوبِ[19]

قدّر اللهُ والبلاء شديدٌ                      لفداءِ الحبيبِ وابن الحبيبِ

لفداءِ الأغرِّ ذي الحسَب الثا               قبِ والباعِ والكريم النجيبِ

إن تصبك المنون فالنبل تَبرى              فمصيبٌ منها، وغيرُ مصيبِ

كلُّ حيّ وإن تملّى بعمرٍ                   آخذٌ من مذاقِها بنصيب

فاجاب علي (ع)، فقال له:

اتأمرني بالصبرِ في نصرِ أحمدٍ              ووالله ما قلت الذي قلتُ جازعا

ولكنني أحببتُ أن ترى نصرتي           وتعلم أني لم أزل لك طائعا

ساسعى لوجه اللهِ في نصرِ أحمدٍ          نبيّ الهدى طِفلاً ويافعا[20]

 5- مغزى الزعم بكفر ابي طالب:

وكان من لوازم الصراع الاجتماعي في عصر ما بعد رسول الله (ص) الطعن بايمان ابي طالب لأحد أمرين. الاول: ان الطعن باسلام ابي طالب كان من اجل خدش شخصية علي (ع) الرسالية. والثاني: ان الطعن باسلام ابي طالب كما مفاده تقوية موقف اخيه العباس حيث تمكنت ذريته لاحقاً من استلام الحكم وتأسيس فيما سُمّي بالدولة العباسية على انقاض حكم الامويين.

فاما الاول فان اتهام ابي طالب بالكفر كان يؤمّل فيه أن يكون مبرراً للطعن بشخصية امير المؤمنين (ع) لاحقاً. فتكفير ابي طالب هي بوابة لزعزعة الشخصية الرسالية لابنه (ع). فكانوا يتصورون ان الصاق تهمة الكفر بابي طالب ستكون عامل خدش في شخصية الامام المعصوم (ع) واخراجاً له من مفهوم الآية الكريمة الموجهة لرسول الله (ص): (... وتقلُّبَكَ في السّاجِدينَ)[21]، حيث كان (ص) ينتقل بين الاصلاب الطاهرة والارحام الزكية.

حتى وضعوا حديثاً عنه (ص) يزعم: «... ان ابا عبد الله [أباه] وآمنة [أمّه] وابا طالب [عمه] جمراتٌ من جمرات جهنم»[22]. وحسبهم انه روي عنه (ص) ان جبرئيل (ع) خاطبه (ص) بالقول: ( ان الله مشفّعك في ستة: بطنٍ حملتك: آمنة بنت وهب ؛ وصُلب أنزلك: عبد الله بن عبد المطلب ؛ وحِجر كفلك: ابي طالب ؛ وبيتٍ آواك: عبد المطلب ؛ وأخ كان لك في الجاهلية _ قيل: يا رسول الله، وما كان فعله؟ قال: كان سخيّاً يطعم الطعام ويجود بالنّوال _ ؛ وثدي ارضعتك: حليمة بنت ابي ذؤيب)[23]. ولا شك ان مفهوم الشفاعة منحصر في اسقاط العقوبة عن المؤمنين المذنبين، لكنها لا تشمل الكافرين كما جاء في الذكر الحكيم: (استغفر لَهُم أو لا تستغفر لَهُم إن تَستَغفِر لَهُم سَبعينَ مَرَّةً فَلَن يَغفِرَ اللهُ لَهُم...)[24]. فتكون شفاعته للمؤمنين من ارحامه، كما هو واضح في البطن الذي حملته، والصلب الذي انزله، والحجر الذي كفله، والبيت الذي آواه، والاخ الذي كان له قبل الاسلام، والثدي الذي ارضعه. ولا يمكن ان ننفي الايمان عن هؤلاء الاطهار من ارحامه، بل يفترض ان لهؤلاء ذنوباً تمحوها شفاعته (ص). ومن الجليّ ان منطوق الرواية يدلّ على تقييد الشفاعة هنا بارحامه فقط. ولكن بموجب القاعدة وبضميمة روايات اخر ندرك ان الوارد لا يقيد المورد. فتكون شفاعته عامة لكل المؤمنين المذنبين.

وسياق الحديث منسجم مع اخلاقية الاسلام ورحمته، ومتوافق مع المشهور عنه (ص): نقلنا من الاصلاب الطاهرة الى الارحام الزكية. فوجب بهذا ان يكون اباؤه كلهم منـزهين عن الشرك، لانهم لو كانوا عَبدة أصنام لما كانوا طاهرين[25].

واما الثاني فان الطعن باسلام ابي طالب يؤدي الى تقوية موقف العباس عم النبي (ص)، حيث تمكنت ذرية العباس من اقامة الدولة العباسية. وكان ذلك الالصاق ضعيفاً في حينه، بحيث ان عبد الله بن عباس حينما سُئل هل ان ابا طالب مات كافراً، اجاب:

كذبتم وبيت الله نسلم احمداً                      ولما نقاتل دونه ونناضل

ونتركه حتى نصرع حوله                         ونذهل عن ابنائنا والحلائل[26]

ولكن المنقّب في التأريخ الاسلامي يجد ان قضية اسلام ابي طالب لم تُثر الا بعد تسلم بني العباس السلطة، خصوصاً خلال فترة المنصور العباسي. ولاشك ان العباسيين يرجعون الى العباس بن عبد المطلب الذي اسلم لاحقاً، بينما يرجع الطالبيون من بني هاشم الى ابي طالب الذي زُعم بانه لم يعلن اسلامه. وفي ذلك دليلان.

الاول: ان معاوية الذي حارب علياً (ع) بشتى الاساليب لم يطعن باسلام ابي طالب، مع انه لم يُعرَف عن معاوية انه رعى يوماً عهداً ولا ذمةً مع الامام (ع). وكان علي (ع) يهاجم معاوية في امه هند، وابيه ابي سفيان من مذامّ ومثالب. ولكن معاوية لم يشر الى عدم اسلام ابي طالب. وهذا دليل على ان اسلام ابي طالب كان امراً واضحاً للجميع، بحيث لم يجرأ معاوية على التشكيك فيه في تلك الفترة من تأريخ الاسلام.

الثاني: في (المعاني) باسناده فيه رفع عن موسى بن جعفر (ع) فيما جرى بينه وبين هارون الرشيد وفيه:

قال هارون: فلم ادعيتم انكم ورثتم رسول الله (ص) والعم يحجب ابن العم، وقبض رسول الله (ص) وقد توفي ابو طالب قبله والعباس عمه حي...

فقلت: ان النبي (ص) لم يورّث من لم يهاجر ولا أثبت له ولاية حتى يهاجر.

فقال: ما حجّتك فيه؟

قلت: قول الله تبارك وتعالى: (... والذينَ آمَنوا ولَم يُهاجِروا ما لَكُم من ولايَتِهم من شيءٍ حتى يُهاجِروا...)[27]. وان عمي العباس لم يهاجر.

فقلا: اني سائلك يا موسى هل افتيت بذلك أحداً من اعدائنا ام اخبرت احداً من الفقهاء في هذه المسألة بشيء؟

فقلت: اللهم لا وما سألني عنها الا امير المؤمنين _ يعني هارون الرشيد _[28].

والتحقيق، ان كلا الامرين وجدا في نفوس زعماء الصراع الاجتماعي ما يحقق مآربها في تضعيف شخصية ابي طالب واتهامها بالكفر وانها جمرة من جمرات جهنم. وعلى أي حال، فان ابا طالب كان عميد البيت الهاشمي وراعيه خلال الفترة التأريخية الحرجة التي ظهر فيها الاسلام. حيث رعى النبوة والامامة في بيته وغذاها بجميل اخلاقه. واسلم على يدي رسول الله (ص) في وقت كانت قريش تخشى شيخ الاباطح وترهبه. واضمر اسلامه، ولكن لم يضمر حمايته لرسول الله (ص) بالغالي والنفيس.

 

ملخص الدلائل العلمية على ايمان ابي طالب

ونعرض هنا ملخص الافكار التي وردت حول ايمان ابي طالب عبر النقاط التالية:

1 _ كان ابو طالب يعتقد بلغوية عبادة الاصنام وبطلانها، ولم يسجل له التأريخ انه عبد صنماً او سجد لوثن ابداً، وكان ابوه عبد المطلب مثل ذلك تماماً.

2 _  ان ابا طالب لم ينكر على ابنه علياً (ع) الايمان بمحمد (ص) وبرسالته السماوية ولم يزجره. مع ان المعروف ان الابناء على دين آبائهم. وكانت العرب تحض أبنائها على الايمان بمعتقداتهم وعاداتهم. وقد اشار القرآن المجيد الى ذلك على لسانهم: (... إنّا وَجدنا آباءَنا على ذلِكَ وإنّا على آثارِهِم مُقتَدونَ)[29]. بل انه امر ابنه جعفراً بأن ينضم الى اخيه علي (ع) في الصلاة مع النبي (ص). وفي ذلك قال شعراً:

ان علياً وجعفراً ثقتي                       عند مُلِمِّ الخطوب والنُّوَبِ

لا تخذلاه، وانصرا ابن عمكما             أخي لأمي، من بينهم، وأبي

والله لا أخذل النبي ولا                    يخذله من بنيَّ ذو حسبِ

3 _ ان ابا طالب لم ينكر على زوجته فاطمة بنت اسد اسلامها. فكانت ثاني امرأة تدخل الاسلام بعد خديجة بنت خويلد. فلو لم يكن ابو طالب مسلماً لما أقرَّ خروجها الى عقيدة منافية تماماً لعقيدته.

4 _ ان الرابطة الدينية بينه وبين محمد (ص) كانت أقوى من روابط النسب والسبب. وكان ابو طالب وابو لهب من اعمام رسول الله (ص). فلو كانت القبلية هي التي دعت ابا طالب لمناصرة ابن اخيه، فلماذا لم تكن تلك القبلية ذاتها مدعاة لمناصرة ابي لهب له؟ فكلاهما من اعمام رسسول الله (ص)، وكلاهما يرجعان نسباً اليه في نفس الرتبة.

ان عقيدة ابي لهب الوثنية الفاسدة قد اخذت جميع آفاق عقله وتفكيره، بينما اخذت عقيدة ابي طالب التوحيدية جميع آفاق عقله وتفكيره. فكانت مناصرته لرسول الله (ص) مصداقاً لذلك التفكير. وكان ابو لهب مصداقاً لتفكيره الوثني[30]. اذن نستنتج من ذلك ان الرابطة العشائرية لم تكن تدفع ابا طالب نحو مناصرة ابن اخيه، بل كانت الرابطة الدينية وانوار النبوة وجلالها وجمالها هي التي تدفع ابا طالب نحو اتباع النبي الأمّي ابن اخيه اليتيم (ص).

5 _ تحمّل ابو طالب في مناصرة رسول الله (ص) الكثير من المحن والمصاعب، كالعزلة الاجتماعية في شعب ابي طالب ثلاث سنوات متواصلة مع بني هاشم، والتحديات الاجتماعية التي كان يتعرض لها من فحول قريش المشركين. ولكنه كان صامداً وثابتاً في نصرة محمد (ص) في كل ظرف وفي كل موقع. وبقي كذلك محامياً عنه (ص) وعن دعوته حتى وفاته (رضوان الله عليه).

(تليها ص 161- 170)

 


1 «انساب الاشراف» - البلاذري ج 2 ص 23.

2 م. ن. – ج 2 ص 23.

3 «شرح نهج البلاغة» ج 14 ص 70، 71.

4 «شرح نهج البلاغة» ج 3 ص 316.

5 «المستدرك على الصحيحين» ج 1 ص 351.

6 م. ن. – ج 2 ص 623.

7 سورة المجادلة: آية 22.

8 «شرح نهج البلاغة» ج 14 ص 70.

9 م. ن. – ج 14 ص 70.

10 «الطبقات الكبرى» - لابن سعد. ج 1 ص 75.

11 سورة الشعراء: آية 214.

12 «اسنى المطالب» - الوصابي باسناده عن امير المؤمنين (ع). الباب الثالث ص 12.

13 «الكامل في التأريخ» - ابن الاثير. ج 2 ص 60 – 61.

14 انهد فتىً: اشده واقواه.

15 «سيرة ابن هشام» ج 1 ص 275.

16 «المناقب» - الخوارزمي. ص 78.

17 «شرح نهج البلاغة» ج 14 ص 70، 75.

18 م. ن. – ج 14 ص 63.

19 الشعوب: المنية.

20 «شرح نهج البلاغة» ج 14 ص 64.

21 سورة الشعراء: آية 219.

22 «شرح نهج البلاغة» ج 14 ص 67.

23 م. ن. – ج 14 ص 67.

24 سورة التوبة: آية 80.

25 «شرح نهج البلاغة» ج 14 ص 67.

26 «توضيح الدلائل على تصحيح الفضائل» - الايجي. القسم الثاني ص 242. مخطوطة.

27 سورة الانفال: آية 72.

28 تجد الرواية في كتاب «الاختصاص» المنسوب للشيخ المفيد.

29 سورة الزخرف: آية 23.

30 «يوم الدار» - طالب الرفاعي. ص 123.