(ص 161- 170)

الفصل الثالث

فاطمة بنت اسد ام علي (ع)

 

فاطمة بنت اسد الدلالات العلمية للنصوص معاني الأمومة: 1- الحبّ والتقبل العائليين. 2- هل يمكن احتلال دور الأم؟ أم طالب: الأمومة التوحيدية الصادقة.


________________________________________________

فاطمة بنت أسد

فاطمة بنت اسد بن هاشم ابن عبد مناف، اجتمع نسبها بنسب النبي (ص) في هاشم الجد الثاني. فكانت اول هاشميّة ولدت هاشمياً، كما المحنا الى ذلك آنفاً. وهي اول امرأة بايعت محمداً رسول الله (ص) بمكة بعد خديجة (ع)، وكانت اول امرأة بايعت رسول الله (ص) من النساء، وهي اول من هاجر من النساء من مكة الى المدينة ماشية حافية[1]. فكانت رضوان الله عليها من السابقات الى الايمان برسالة محمد (ص) بعد خديجة وعلي (ع).

والمشهور عنها أنها كانت تعتني برسول الله (ص) فتجوع وتشبعه وتعرى وتكسيه وتمنع نفسها طيب الطعام وتطعمه تريد بذلك وجه الله الكريم عزّ وجلّ والدار الآخرة، كما نعاها رسول الله (ص) بمثل تلك الكلمات عندما توفيت فلا ريب انه (ص) كان ينـزلها بمنـزلة أمّه ويكرمها في حياتها ومماتها.

وفي الرواية انه لما ماتت فاطمة أم علي بن ابي طالب، ألبسها رسول الله (ص) قميصه[2] ثمّ كفّنت بعد ذلك فوقه واضطجع في قبرها ودعا لها، منادياً الذي يحيي ويميت وهو حيّ دائم لا يموت: «اغفر لأمي فاطمة بنت اسد ولقّنها حجتها وأوسع عليها في مدخلها بحقّ محمد نبيّك والانبياء الذين من قبلي فانك أرحم الراحمين»[3]. فقالوا لرسول الله (ص): ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه، فقال (ص): «... ان هذه المرأة كانت أمي بعد أمي التي ولدتني، إن أبا طالب كان يصنع الصنيع وتكون له المأدبة. وكان يجمعنا على طعامه، فكانت هذه المرأة تفضّل منه، كله نصيبنا، فأعود فيه. وان جبرئيل (ع) أخبرني عن ربي عزّ وجل انها من أهل الجنة...»[4].

 

الدلالات العلمية للنصوص

1- يستفاد من تلك النصوص ان ابا طالب لم يكن وحده مدافعاً عن رسول الله (ص) ومحامياً له، بل كانت زوجته ام طالب تكرمه (ص) وترعاه في شؤونه البيتية كما ترعى ولدها علياً (ع). وهذا الوجه يعكس وحدة بيت الموحدين وتماسكه في قضايا الرسالة والحياة. ولولا رعايتها لرسول الله (ص) في الطفولة لكان الاهمال قد أحدث شرخاً في الجانب العاطفي من شخصيته الشريفة خصوصاً وانه (ص) كان يتيم الابوين. فلأُم طالب دور عظيم في التخفيف عن آلام رسول الله (ص) ومعاناته زمن الطفولة.

2- ان نزول رسول الله (ص) في قبرها وإلباسها قميصه وتكفينها وحفر لحدها بيده الشريفة قبل ذلك، كله يدلّ على أنها كانت جزء من البيت النبوي في اسلامها وايمانها. فكل فعل يقوم به رسول الله (ص) له مغزى رسالي ديني وقد مات في حياته (ص) عددٌ من ارحامه وأفراد عشيرته، فلم يفعل ذلك معهم. فكان استفهام أصحابه بأنهم لم يروه يصنع بأحد ما صنع بأم طالب في محلّه. لانهم يفهمون انه لا يتصرف الا بوحي الرسالة الالهية الموحاة اليه.

3- حاولت بعض الروايات ان تجعل من اعتناء فاطمة بنت اسد برسول الله (ص) من باب الاهتمام بسد حاجاته المادية من طعام وكساء فحسب، وهو لا شك مهم لانه (ص) كان يتيم الأبوين. ولكن قراءة معمّقة لحياة أم طالب تكشف عن ثقافتها الدينية ، وانها كانت تهتم بمحمد (ص) من باب مقدمات التهيئة الالهية لمستقبله الجليل.

4- كان من آثار الصراع الاجتماعي بين بني هاشم وبني اميّة، ان السلطة الظالمة زعمت انها ماتت قبل الهجرة، من اجل التشكيك في اسلامها ايضاً. ومن ثم التشكيك بشخصية ابنها امير المؤمنين (ع). ولكن ذلك الزعم لم يكن ذا بال. خصوصاً وان رسول الله (ص) فعل عند وفاتها، على رؤوس الاشهاد، ما لم يفعله مع غيرها. 

معاني الأمومة

قال رسول الله (ص) عندما دفن ام طالب: «... ان هذه المرأة كانت امي بعد امي التي ولدتني...»[5]. وقد توفي والده «عبد الله» وهو في بطن امه، وتوفيت امه آمنة بنت وهب وهو في السادسة من عمره[6]، فتكفله عبد المطلب ثم ابو طالب. فما معنى الامومة الاعتبارية تلك؟

لا شك ان الامومة من أعظم المسؤوليات التي تستطيع المرأة تحملها. فالام ترى في طفلها الضعيف كياناً متعطّشاً لطلب الطعام، والكساء، والملجأ، والحبّ، والتشجيع. فوظيفة الامومة لا تنقطع بل تستمر دوماً مع الحياة . والامومة تختلف عن الزواج، لان الزواج يمكن ان ينتهي بالطلاق، بينما لا يمكن ان تنتهي الامومة بالتخلي عن الطفل. فالطفل دائماً يحتاج الى اشباع حاجاته العاطفية والنفسية والجسدية من قِبل الام.

 

الحب والتقبّل العائليين:

ان الطفل او الصبي يحتاج في حياته الطويلة الى حب وتقبّل عائليين. وعندما يشعر الصبي بعمق انه محبوب عائلياً، فان شخصيته العاطفية تنمو بتكامل واضطراد. خصوصاً عندما تُبنى قواعد الثقة بينه وبين والديه، وبينه وبين الافراد الذين يحيطون به.

وقد كان رسول الله (ص) يشعر _ وهو صبي _ ان بيت ابي طالب كان مكاناً آمناً ومنبعاً للحبّ والألفة والتقبّل العائلي والطعام والمأوى النفسي. وكان لام طالب (رضوان الله عليها) دور كبير في تأمين ذلك. وعندما احس ذلك الصبي العظيم (ص) ان العالم الصغير من حوله عالم انسجام وحبّ ورحمة، بدأ يبني علاقة الأمومة مع امه الاعتبارية ام طالب.

ان المراحل التي يمر بها الانسان في حياته من طفولة وصبا وبلوغ متصلة بعضها ببعض، فاذا انتهت مرحلة من تلك المراحل تهيأ الانسان للدخول في مرحلة اخرى. فمن تلك المراحل التي يمر بها الطفل: مرحلة الاعتماد الكامل على الأم أو المرضعة، مرحلة الاستقلالية النسبية والأمن من المحيط المجهول، مرحلة الاحساس بالحب والحنان من قِبل الأبوين. وربما تتداخل تلك المراحل مع بعضها البعض، الا ان المرحلة الاخيرة هي من اهم مراحل تكامل نمو الانسان في الطفولة. فالحب والحنان يساعدان الطفل على الدخول من بوابة النمو العقلي السليم. واذا حُرم الطفل من الحب والحنان ايام الصبا، فانه سيحمل الكثير من العقد النفسية والشعور بالنقص وعدم القدرة على التفكير. ومن هنا كان دور ابي طالب وزوجته عظيماً في بناء شخصية محمد اليتيم (ص). فعن طريق الحب والحنان والاعتناء بمأكله وملبسه وتشجيعه على الاندماج مع الجو العائلي، قامت ام طالب بمهامِّ دور الأم الحنون لابنها الاعتباري الذي كان يحمل هموم الكون والحياة وتقديم الخيارات له ليختار الافضل.

ولا يشك احد ان استقرار شخصية رسول الله (ص) الفكرية والعاطفية كان بفضل الحب والحنان اللذان أفاضهما ابو طالب وزوجته عليه (ص) زمن الصبا. وبذلك، فعندما بلغ مبلغ الرجال وتوجه الى غار حراء لعبادة الله عزّ وجلّ كان (ص) قد وضع مرحلة الحب والحنان اللذين أشبعتهما عائلة ابي طالب وراءه. وبدأ ينظر الى الخلق والخالق والوجود، وبدأ يعبد الخالق الواحد وهو في شخصية فكرية وعاطفية متكاملة لا يشوبها نقص عاطفي او نفسي.

ان البيوت التي تربي أبناءها على العقل والحكمة، هي نفس البيوت التي تغمرهم فيها بالحب والدفء والحنان. وعندها يتعلّم الصبي طريقة اختيار القرار، وطبيعة التعامل الاجتماعي، والكفاءة في تأدية الواجبات المناطة به. ومنها ينطلق الانسان الى المجتمع مسلّحاً بالخبرة الأسرية من اجل استثمارطاقاته وتوظيفها لخدمة الناس. والخبرة الأسرية تعني سلوك الصبي أو الرجل سلوكاً عرفياً يتقبّله المجتمع . ولو كانت عائلة ابي طالب وثنية لعلّمت أبناءها وبضمنهم محمد (ص) أساليب عبادة الوثن، ولكنها كانت عائلة توحيدية ابراهيمية علّمت أبناءها معاني التوحيد والعبودية لله الواحد الأحد وعلمتهم بأن لهم خالقاً واحداً هو الله سبحانه.

فالجو الذي كانت تشيعه ام طالب في وسطها الأسري كان جوّاً توحيدياً مؤمناً برسالة ابراهيم ورسالة موسى وعيسى (عليهم السلام)، ورافضاً عبادة الاصنام والوثنية في وقت كانت اجواء مكة وازقتها تعج بالثقافة الوثنية التي جعلت لله عزّ وجل اكثر من شريك.

 2- هل يمكن احتلال دور الأم ؟

والسؤال الذي نحاول الاجابة عليه هو: هل ان ام طالب نجحت في احتلال موقع آمنة بنت وهب ام رسول الله (ص)؟

ان الامومة على نوعين: جعلية واعتبارية. فالامومة الجعلية مرآة للعلاقة الطبيعية التي تُنشئها الام مع وليدها الصغير. بينما تكون الامومة الاعتبارية وسيلة تعويض تقوم بها امرأة صالحة لإحداث آصرة الامومة مع طفل لم تلده. ولا شك ان اهم خطوة قامت بها ام طالب مع محمد (ص)  وهو صبي هي اقامة آصرة الامومة. وتلك الآصرة يمكن اقامتها عن طريق الحنان والحب والرحمة واشباع الحاجات العاطفية للطفل او الصبي. وبذلك تستطيع امرأة مثل ام طالب احتلال موقع ام رسول الله (ص)  الى حد انه يصفها بتعبير «امّي بعد امّي التي ولدتني...». واذا اضفنا الى شخصية ام طالب: العلم الابراهيمي التي كانت تحمله، تبيّن لنا انها لم تكن مجرد امرأة تعيش عصراً جاهلياً، بل كانت مؤمنة موحدة عالمة ومربية توحيدية من الدرجة الاولى. ولم يكن محمد (ص) آخر صبي عاش مع ام طالب (رض).

بل عاش علي (ع) مع امه في بيت واحد حتى بلغ السادسة من عمره. وما ان بلغ الربيع السادس من عمره حتى ضمه رسول الله (ص) اليه في بيته.

 

أم طالب: الامومة التوحيدية الصادقة

لا شك ان الامومة وظيفة تُكلّف بها المرأة بسبب طبيعتها التكوينية، وبسبب قدرتها على منح الحب والحنان لوليدها الصغير. ولا شك ان الام توفّر لوليدها الأمان من المحيط المجهول الذي يرى نفسه فيه. واكثر الامهات منحاً للأمان هي الأم التي تصمم حياتها على اساس العلم والمعرفة. فهنا تحاول الأم العارفة ان تزرع في ذهن وليدها افكاراً صحيحة واقعية عن العالم الذي يعيش فيه طفلها، بينما تحاول الام الجاهلة ان تحشو ذهن وليدها بمعلومات اشبه ما تكون بالخرافات عن ذلك المحيط. ومن هنا نعلم اهمية الأم العارفة التي تضطلع بنقل ثقافتها الدينية الى أبنائها وبناتها. وقد كانت ام طالب (رضوان الله عليها) مثالاً رائعاً من امثلة الأمومة المصحوبة بالمعرفة والايمان. والدليل على ثقافتها التوحيدية هو:

1- دعاؤها عندما اخذها الطلق بجنينها علي (ع): «ربّ اني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، واني مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل، وانه بنى البيت العتيق، فبحقّ النبي الذي بنى هذا البيت وبحقّ المولود الذي في بطني لما يسرت عليّ ولادتي»[7].

2- قولها عندما جاءت بابنها علي (ع) وليداً: «اني  فضلّت على من تقدمني من النساء لان آسية بنت مزاحم عبدت الله سراً في موضع لا يحب الله ان يعبد فيه الا اضطراراً، وان مريم بنت عمران هزّت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رطباً جنياً، واني دخلت بيت الله الحرام فأكلت من ثمار الجنة وأرزاقها...»[8].

3- ما فعله رسول الله (ص) عند وفاتها قائلاً بأنها أمّه بعد أمّه التي ولدته[9].

ولو حللنا قولها عند ولادتها ابنها علياً (ع) للاحظنا بأن لديها علماً ابراهيمياً حول الانبياء والظروف التي مرّوا بها من ابراهيم الخليل (ع) وحتى عيسى (ع). ولا شك ان الديانة الابراهيمية التوحيدية كان يؤمن بها الثلّة الطيبة من بني هاشم من اجداد رسول الله (ص) كعبد المطلب وأبي طالب وعبد الله ابي النبي (ص).

وبكلمة، فان ثقافة ام طالب الابراهيمة التوحيدية لم يكن امراً خارجاً عن مقتضيات سلالة النبوة ودوحة المصطفى (ص). ولا شك ان تلك الثقافة التأريخية حول الانبياء (ع) وذلك الايمان بالله الواحد الاحد كان لهما الاثر البالغ على طهارة علي (ع) وصلابة منشأه وحسن توجهه، وهو لا يزال غضّاً صغيراً يرضع من امه معاني الحكمة والتوحيد.

وبطبيعة الحال، فان الأبوين يحاولان دائماً تربية أبنائهما بما يتناسب وقيمهما المذهبية. فاذا كانا يؤمنان بالتوحيد نشأ ابنهما موحِّداً، واذا كانا يؤمنان بالشرك نشأ مشركاً. وكانت فاطمة بنت أسد (رضوان الله عليها) تحاول ان تبني اولادها على اساس الطهارة والتبرأ من عبادة الاوثان، وعلى اساس تحمل المسؤولية في اخيار عقيدتهم الدينية التوحيدية وعلى اصل طاعة الأبوين. ومن هنا ندرك ان التعلم الاجتماعي الذي استقاه علي (ع) من امه في السنوات الست الاولى من حياته كان نابعاً من مصدر توحيدي نقي. ومن الطبيعي فعندما يحاول الطفل اكتشاف الاشياء والاحداث في حياته المبكرة، فان سلوكه سيكون محدوداً بحدود سلوك افراد عائلته الصغيرة بالعموم وسلوك امه بالخصوص. ولذلك فان أي تأثير لام طالب على ابنها علي (ع) يفهم على اساس انه تأثيرٌ له جذور ابراهيمية توحيدية، وليست له جذور وثنية بالمرة.

(نهاية ص 170)

 


1 «تذكرة الخواص» - سبط ابن الجوزي ص 10.

2 البسها قميصه: أي وضعه عليها.

3 «كفاية الطالب» للشنقيطي ص 22. و«المناقب» للخوارزمي ص 13.

4 «المستدرك على الصحيحين» ج 3 ص 108.

5 «المستدرك على الصحيحين» ج 3 ص 108.

6 «سيرة ابن هشام» ج 1 ص 177.

7 «امالي الشيخ الصدوق» ص 114 ح 9.

8 «معاني الاخبار» ص 62 ح 10.

9 «المستدرك على الصحيحين» ج 3 ص 108.