(ص 171- 196)

الفصل الرابع

مع رسول الله (ص) ايام الطفولة والصبا

 فترة الطفولة والصبا: جنباً الى جنب مع رسول الله (ص) الدلالات العلمية للنصوص الاجواء الوثنية في مكة التعليم في الصغر: 1- الاستعداد الذاتي. 2- طرق التعلم الديني. إليات التعليم النبوي: 1- اللغة والالفاظ: أ- اللغة والنفس. ب- اللغة والثقافة الدينية. 2- الدين. 3- العواطف: التنمية الاخلاقية والعاطفية. 4- الاخلاق فترة التحصيل مع رسول الله (ص): 1- اهتمامات المعلّم والتلميذ. 2- علي (ع) والتربية النبوية الحقة.

________________________________________________

فترة الطفولة والصبا: جنباً الى جنب مع رسول الله (ص)

بعد ان تزوج رسول الله (ص) بخديجة بنت خويلد (رضوان الله عليها)، انتقل من دار عمه ابي طالب الى بيت الزوجية الجديد. وبعد احد عشر عاماً من زواجه من خديجة ضم (ص) علياً (ع) اليه. فقد «كان من نعمة الله تعالى على علي بن ابي طالب (ع) ان قريشاً [قبل الاسلام] اصابتهم شدة وكان ابو طالب ذا عيال. فقال رسول الله (ص) للعباس: ان اخاك ابا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى فانطلق بنا فلنخفف من عياله. فقال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا ابا طالب، فقالا له: انا نريد ان نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما ابو طالب: اذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما. فاخذ رسول الله (ص) علياً فضمّه اليه. واخذ العباس جعفراً فضمّه اليه، فلم يزل علي مع النبي (ص) حتى بعثه الله عزّ وجل فتابعه وآمن به وصدقه»[1].

ومن كلام له (ع): «انا وضعت في الصغر بكلاكل[2] العرب، وكسرت نواجم قرون[3] ربيعة ومضر. وقد علمتم موضعي من رسول الله (ص) بالقرابة القريبة والمنـزلة الخصيصة . وضعني في حجره وانا ولد يضمني الى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه[4]. وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه»[5]. والظاهر ان ذلك كان قبل ان يضمه اليه (ص)، فمضغ الشيء واطعامه يصدق على وضع الطفل الصغير الذي لم تظهر أسنانه أو لا يملك قواطع تقوى على المضغ. ثم يقول: «... وما وجد لي كذبةً في قول ولا خطلةً[6] في فعل»[7]. وهو يدلّ على مراحل لاحقة في حياته، وربما بعد انضمامه (ع) الى بيت رسول الله (ص).

وفي كتاب «مطالب السئول» ان النبي (ص) رباه «وازلفه وهداه الى مكارم الاخلاق وثقفه»[8]. وبالاجمال، فقد كان علي بن ابي طالب (ع) في حجر رسول الله (ص) قبل الاسلام، وهي ميزة لم يختصّ بها احدٌ غيره.

ومن كلام له (ع) متحدثاً عن اخلاقية رسول الله (ص): «ولقد قرن الله تعالى به (ص) من لَدُنْ أن كان فطيماً أعظمَ ملكٍ من ملائكته، يسلكُ به طريقَ المَكارمِ، ومحاسنَ أخلاقِ العالَم، ليلَهُ ونهارَه. ولقد كنت اتبعهُ اتّباع الفصيل اثر أمه، يرفع لي في كل يوم علماً من اخلاقه، ويأمرني بالاقتداء به... ولقد كان يجاور بكل سنة بحِراء[9] فأراه ولا يراه غيري»[10].

 

الدلالات العلمية للنصوص

يُستنتج مما ذكر من نصوص ان طفولة علي (ع) كانت ارضاً بكراً لرسول الله (ص) يغرس فيها ما يشاء من علم ومعرفة وحكمة ودين. ويمكن استلهام ذلك من النقاط التالية:

1-كانت مبادرة رسول الله (ص) بسئوال عمه العباس للتخفيف عن ابي طالب، ثم اختياره لضم علي (ع) الى جنبه قضية متميزة. فتلك القضية لم تكن مجردة عن مضامينها الرسالية والدينية. خصوصاً اذا ما لوحظ اعجازية ولادة علي (ع) في الكعبة المشرفة، والبركة والخير للذين رافقا تلك الولادة، واهتمام رسول الله (ص) بذلك. فلو كانت القضية مجرد اختيار عابر لاختار (ص) جعفراً مثلاً. ولكن قضية الاختيار كانت قضية محكمة ليكون علي (ع) الى جنب رسول الله (ص) يصنع الاحداث الجسيمة اللاحقة ويشارك في توجيهها. ويؤيده كلامه (ع): «... وقد علمتم موضعي من رسول الله (ص) بالقرابة القريبة والمنـزلة الخصيصة...». ولا تأتي المنـزلة الخصيصة الا بميزة يمتاز بها المُنـزَل عند المُنـزِل.

2- اذا ضممنا مناصرة ابي طالب لرسول الله (ص) بعد النبوة ورعايته قبلها، لاستنجبنا بان تركه قرار الاختيار لرسول الله (ص) كان قراراً حكيماً، خصوصاً ان ابا طالب كان يلحظ الاهتمام الذي كان يوليه رسول الله (ص) لعلي (ع) وهو لما يزل حدثاً صبياً. ولا شك ان رسول الله (ص) كان مصمِّماً على اختيار وزيره وناصره. فكان سؤاله (ص) ابا طالب سؤال تأدب فضلاً عن كونه سؤال اقتضاء.

3- مع ان المؤرخين لم يذكروا على وجه التحديد السنة التي ضُمّ فيها علي (ع) الى بيت النبي (ص)، لكن المقطوع به ان ذلك كان بعد زواجه (ص) بخديجة (رضوان الله عليها). والمفترض ان علياً (ع) كان صبياً عمره ست سنوات، لان المشهور انه اسلم (ع) وهو في السنة الثالثة عشرة من عمره. فيكون بقاؤه مع النبي (ص) قبل اسلامه سبع سنوات كما سنبحث ذلك في الفصل القادم باذنه تعالى.

4- ان من آثار التربية النبوية لعلي (ع) في تلك السن المبكرة هي انها رسّخت الخصال النبوية فيه (ع)، فشبّ معها ذلك الصبي المتميز على منهج رسالي مرسوم. ولا شك ان اشتمال النبي (ص) على سجايا النبوة وشمائلها كان امراً عظيماً تقف امامه العقول منبهرة والعواطف جياشة والعيون خاشعة. فهو صاحب الجلال والكمال والجمال النبوي. فلا ريب ان نرى علياً (ع) يتعلم من رسول الله (ص) كمال الادب وعظمة الخُلق وعفة اللسان وسماحة النفس والشجاعة والأيد. كما اشار الى ذلك بقوله: «... ولقد كنت اتبعه اتّباع الفصيل اثر أمّه، يرفع لي في كل يوم علماً من اخلاقه...».

بل انه (ع) شهد علامات النبوة التي اعترت رسول الله (ص) بعد نزول الوحي. وهو الذي قال: «كنا مع رسول الله (ص) بمكة، فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل، الا قال له: السلام عليك يا رسول الله...»[11]. وهو منسجم مع اعجازات الرسالة السماوية، والقدرة الالهية على فعل الاشياء الخارقة للعادة. مع اننا نعلم بان الشجر والجبل من الاشياء الصماء التي لا تعقل ولا تنطق، ولكن ينطقها الذي يُنطق كل شيء.

والى ذلك اُشير في حاشية «سيرة ابن هشام» قول السهيلي: «وهذا التسليم _ أي قول الاشياء الصماء السلام عليك يا رسول الله (ص) _ الاظهر فيه ان يكون حقيقة، وأن يكون الله انطقه انطاقاً، كما خلق الحنين في الجذع. ولكن ليس من شرط الكلام _ الذي هو صوت وحرف _ الحياة والعلم والارادة. لانه صوت كسائر الاصوات، والصوت عرض في قول الاكثرين...»[12].

وفي رواية مروية عن الامام الصادق (ع): «كان علي (ع) يرى مع النبي (ص) قبل الرسالة الضوء ويسمع الصوت»[13]. والمراد من الضوء والصوت ضوء الوحي وصوته. وهذا لا يتنافى مع جلال النبوة وحرمتها، فالموحى اليه هو رسول الله (ص) فقط. ولكن لكون علي (ع) الوصي والوزير والخليفة من بعده (ص) فانه كان يرى ويسمع. ولا شك ان الامر مقيّد بزمان سبق زمن الرسالة. وهذا يؤكد ان النبي (ص) كان يمر بمرحلة اعداد وتهيئة للنبوة.

5- لم يكن للذين حاربوا علياً (ع) بعد ظهور الرسالة من ميزة القرب من اجواء الوحي وعطر النبوة. فقد كان ابو سفيان ومعاوية وعمر يعيشون اجواء الوثنية في بيوتهم. هنا لابد من التوقف قليلاً لبحث وجهٍ من وجوه الاجواء الوثنية في مكة في الوقت الذي كان علي (ع) يعيش في بيت رسول الله (ص) اجواء الطهر والوحي والارتباط بالسماء.

 

الاجواء الوثنية في مكة

وكانت مكة تعيش قبل الاسلام أجواءً تسيطر عليها الافكار الاجتماعية الوثنية. وكان الذين دخلوا الاسلام لاحقاً وتنعموا بمرافقة النبي (ص) وصحبته، انفسهم من الناشطين في فعاليات ذلك المجتمع الجاهلي.

فقد كان ابو بكر يعيش مع والده «ابو قحافة» الذي كان اجيراً عند «عبد الله بن جدعان» للنداء على طعامه[14]. والى هذا اشار امية بن الصلت في قصيدته التي يمدح فيها عبد الله بن جدعان:

له داع بمكة مشمعل                             وآخر فوق دارته ينادي[15]

وكان «عبد الله بن جدعان» نخّاساً يبيع الجواري[16] في الجاهلية.

       اما عمر بن الخطاب فقد كان دلالاً يسعى بين البائع والمشتري[17]. وقيل انه كان في الجاهلية مبرطشاً[18] وهو «الذي يكتري للناس الابل والحمير ويأخذ عليه جعلاً».[19]

وطبيعة اسلام عثمان بن عفان [20] تكشف عن المحيط الذي كان يعيش فيه. قال البلاذري: «ولما اسلم عثمان بن عفان اوثقه عمه الحكم بن ابي العاص ابن امية، رباطاً وقال: أترغب عن دين آبائك الى دين مُحدَث، والله لا احلّك ابداً، فلما رأى صلابته في دينه تركه. وحلفت امه (اروى بنت كريز) ألا تأكل له طعاماً، ولا تلبس له ثوباً، ولا تشرب له شراباً حتى يدع دين محمد، فتحولت الى بيت اخيها (عامر بن كريز) فاقامت به حولاً، فلما يئست منه رجعت الى منـزلها. قالوا: وأتى عثمان ابا احيحة فقال له: اني قد آمنت واتبعت محمداً (ص) فقال: قُبّحِتَ وقُبّحَ ما جئت به ثم خرج من عنده وأتى ابا سفيان بن حرب، فاعلمه اسلامه فعنفه»[21].

اما معاوية بن ابي سفيان، فقد اسلم مع أبيه وأمه وأخيه يزيد يوم فتح مكة[22]. والمقطع التالي يكشف عن الوضع الاجتماعي والاخلاقي الذي كان يعيشه اولئك النفر قبل الاسلام:

لما عزم النبي (ص) على فتح مكة، لجأ ابو سفيان الى العباس عمّ النبي مضطراً، والتمسه ان يأخذه الى رسول الله (ص). فاردفه العباس على بغلة رسول الله (ص) واتى به الى النبي (ص) بعد ما مكث ابو سفيان عشرين سنة عدواً لرسول الله (ص) يهجو المسلمين ويهجونه[23] ويعاديه عداوة لم يعادها أحدٌ قط. قال العباس لابي سفيان: ويحك اسلم واشهد ان لا اله الا الله، وان محمداً رسول الله.

فحين عرض النبي (ص) الاسلام على ابي سفيان قال له: كيف اصنع بالعزّى؟ فسمعه عمر بن الخطاب من وراء القبة فقال له: ت خ ر أ عليها، فقال له ابو سفيان: ويحك يا عمر، انك رجل فاحش[24]. فاسلم في الظاهر ولم يؤمن بقلبه. وذلك لما رواه المقريزي باسناده ان ابا سفيان دخل على عثمان، حين صارت الخلافة اليه، فقال: قد صارت اليك بعد تيم وعدي، فأدرها كالكرة واجعل اوتادها بني امية فانما هو الملك ولا ادري ما جنة ولا نار[25]. وفي رواية اخرى انه قال: أهل في الدار احد غير بني امية؟ وكان اعمى فقيل له: لا. فقلا: تلقفوها يا بني امية تلقف الصبيان للكرة، فوالله ما من جنة ولا نار ولا حساب ولا عقاب.

اما هند زوجة ابي سفيان فقد كانت من اعداء الاسلام ومناصري الشرك والوثنية. يقول ابن الطقطقي: «وكانت في وقعة اُحد، لما صرع حمزة بن عبد المطلب (رضي الله عنه) عم رسول الله (ص) من طعنة الحربة التي طعنها [وحشي] جاءت هند فمثّلت بحمزة وأخذة قطعة من كبده فمضغتها حنقاً عليه لانه كان قد قتل رجلاً من اقاربها، فلذلك يقال لمعاوية: ابن آكلة الاكباد. ولما فتح النبي (ص) مكة حضرت اليه متنكرة في جملة نساء من نساء مكة أتين ليبايعنه، فلما تقدمت هند لمبايعته اشترط (صلوات الله عليه وآله) شروط الاسلام عليها، وهو لا يعلم انها هند. فأجابته بأجوبة قوية على خوفها منه. فمما قال لها وقالت:

قال لها (ص): «تبايعنني على ان لا تقتلن اولادكن». وكانوا في الجاهلية يقتلون الاولاد.

فقالت هند: اما نحن فقد ربيناهم صغاراً وقتلتهم كباراً يوم بدر.

فقال (ص): «وعلى ان لا تعصينني في معروف».

قالت: ما جلسنا هذا المجلس وفي عزمنا ان نعصيك.

قال (ص): «وعلى ان لا تسرقن».

قالت: والله ما سرقت عمري شيئاً اللهم الا انني كنت آخذ من مال ابي سفيان شيئاً في بعض الوقت. وكان ابو سفيان زوجها حاضراً. فحينئذٍ علم رسول الله (ص) انها هند.

فقال (ص): هند؟

قالت: نعم يا رسول الله. فلم يقل شيئاً لان الاسلام جبّ ما قبله.

ثم قال (ص): «وعلى ان لا تزنين».

قالت: وهل تزني الحرة؟ قالوا: فالتفت رسول الله (ص) الى العباس (رضي الله عنه) وتبسم»[26].

فلا ريب ان الاسر الجاهلية في مكة وغيرها كانت ترتكب اعمالاً تتناسب مع الوضع الجاهلي السائد من عبادةٍ للاصنام وشربٍ للخمر وانتهاكٍ للحرمات. بينما كانت اسرة رسول الله (ص) واجداده من بني هاشم من الاسر الموحّدة التي لم تلوّثها الجاهلية بأعرافها وتقاليدها ومعتقداتها.

 

التعلم في الصغر

سمعنا آنفاً قوله (ع) وهو يشير الى معلمه الاول رسول الله (ص): «... ولقد كنت اتبعه اتّباع الفصيل اثر امه، يرفع لي في كل يوم علماً من اخلاقه...»[27]. فماذا نستقرأ من ذلك؟

من الطبيعي ان ذهن الصبي صفحة بيضاء مستعدة لالتقاط العلم والمعرفة. والتعلم في الصغر يغير سلوك الانسان تغييراً نهائياً، لان العلم ذاته يؤدي الى ترجمة عملية للمعلومات المخزونة عند الفرد منذ الطفولة. فاذا كان العلم الذي يستلمه الانسان في الصغر علماً الهياً، فان ذلك سوف يرفعه الى مستويات من الكمال والجمال عندما يبلغ مبلغ الرجال. وكان في شخصية الصبي العظيم (ع) بذور الاستعداد الاستثنائي للاخذ من رسول الله (ص) معاني التوحيد وطبيعة الخلق والوجود وخصوصية العبودية لله سبحانه.

 1- الاستعداد الذاتي:

وكان ذلك الاستعداد الهائل عند علي (ع) لتقبل العلم الالهي واستيعابه نابعاً عن شخصيته الفريدة (ع) ولم يكن مستنداً على الاسلوب التعليمي التقليدي في مجازاة الطفل ثواباً أو عقاباً.

ولا شك ان انتقال علي (ع) الى بيت رسول الله (ص) وهو في ربيع صباه، يعني انه (ع) سوف يكون قادراً _ عبر التعليم النبوي _ على صقل دوافعه الدينية نحو الخالق عزّ وجل، وعلى تنمية مواقفه الفكرية مع الشريعة القادمة، وعلى ترسيخ الجمالية الدينية والاخلاقية السماوية التي كان يتمتع بها نبي الرحمة (ص) في شخصيته (ع). وكان لتلك التربية النبوية أثرٌ واضحٌ في قدراته اللغوية في الفصاحة والبلاغة، وأثرٌ أوضح في مهاراته الذهنية والعقلية فيما يتعلق باستيعاب قضايا الخلق والايجاد والوجود والحياة استيعاباً لم يسبق له مثيل. فلا عجب ان نسمع رسول الله (ص) يقول عنه (ع) يوماً: «انا مدينة العلم وعلي بابها»[28].

 2- طرق التعلم الديني:

لو طالعنا وصايا رسول الله (ص) لعلي (ع) في كتاب «تحف العقول عن آل الرسول (ص)» لابن شعبة الحراني (من اعلام القرن الرابع الهجري) وهو من علماء الامامية الافذاذ ومن مشايخ الشيخ المفيد (ت 413 هـ)، لاكتشفنا بعضاً من اساليب التعليم النبوي لعلي (ع). فهو يقول (ص):

«يا علي: ان من اليقين ان لا تُرضي احداً بسخط الله...

يا علي: انه لا فقر اشد من الجهل...

يا علي: آفة الحديث الكذب...

يا علي: عليك بالصدق ولا تخرج من فيك كذبة ابداً...

يا علي: في التوراة اربع الى جنبهن اربع: من اصبح على الدنيا حريصاً اصبح وهو على الله ساخط...

يا علي: قلة طلب الحوائج من الناس هو الغنى...»[29].

وهذا الاسلوب في التعليم النبوي لعلي (ع) يختلف عن التعليم التقليدي لعامة الافراد، بالامور التالية:

أ- ان التعلم النبوي لا يخضع لتعليمات الحوافز العادية التي يمارسها عامة الناس، ذلك ان شخصاً كعلي (ع) يستلهم العلم الضروري في حياته الرسالية من رسول الله (ص). وهو مقدار يزيد ولا ينقص. بينما يستند التعلم التقليدي على عملية الحافز- الاسجابة عند الصبي فمن خلال الخبرة المتمادية خلال مراحل الطفولة والصبا، يتعلم الانسان الكثير من المعارف والعادات الاجتماعية. وكلما يختبر الانسان حافزاً في عملية التعليم، يستجيب له عبر المحاكاة والتقليد. فاذا رأى الفرد مجتمعه مؤمناً بالوثنية، وهذا هو الحافز، فانه يستجيب له بالايمان بالوثنية عبر محاكاة القوم وتقليدهم وهذه هي الاستجابة. بينما يخضع العلم الالهي المكتسب من معصوم كرسول الله (ص) لعملية استيعاب استثنائية وقدرة عظيمة. وتلك القدرة توفّرت عند علي (ع) فكان العلم بالرسالة السماوية والايمان بها من هذا القبيل. فلم يؤمن علي (ع) بالاصنام ولا بالاوثان، لان علمه لم يكن مقتبساً من المجتمع. بل كان علمه (ع) مستلهَماً من سلوك رسول الله (ص) لفظاً وعملاً

ب- ان عملية التعلم التقليدي عملية تدريجية بطيئة. بينما تكون عملية التعلم السماوي عملية استيعاب سريعة بحيث يسقط الحساب الزمني فيها. فما يأخذه الانسان العادي خلال عمر طويل، قد يأخذه المعصوم (ع) خلال فترة زمنية قصيرة. وهذا يفسر لنا نطق عيسى (ع) وهو المهد، وإيتاء يحيى (ع) الحكم صبيّاً، وامامة الامامين الجواد والمهدي (عليهما السلام)، وهما في مرحلة الصبا.

وما أخذه علي (ع) خلال سبع سنوات قبل الاسلام، أي منذ كان عمره ست سنوات وحتى بلوغه الثالثة عشرة، كان كافياً لاستيعاب مفردات الرسالة الجديدة عندما اسلم. فكان اسلامه (ع) اسلام وعي وفهم لا اسلام تقليد ومحاكاة. والى ذلك أشار (ع) في مخاطبته معاوية:

سبقتكم الى الاسلام طراً                      غلاماً ما بلغتُ أوان حلمي[30]

ج- ان عملية التعلم التقليدية عند الاطفال تخضع لعملية جزائية ثواباً أو عقاباً. أي انها تخضع اما الى الثناء على الطفل واطراءه من قبل أبويه عند تعلمه امراً ما، أو الى توبيخه وضربه عند اتضاح جهله وعدم نباهته. بينما تخضع عملية التعلم السماوي الى الاستعداد الخاص للمعصوم (ع) لاستيعاب كمّية واقعية هائلة من المعلومات عن الحياة والوجود والخلق والخالق والشريعة والقانون ؛ بل كل ما يتعلق بالحياة الدنيوية ومقدار عظيم من خفايا الحياة الأخروية.

وفي كل تلك الحالات تكون النتيجة ان المعصوم (ع) ينشأ مسلّحاً بفهم شامل وكامل للأحكام الواقعية والقضايا الحقيقية، بينما ينشأ الفرد الذي لم يوهب تلك النعمة ناقصاً في اداركه للواقع ومحدوداً في كمية المعلومات التي يتقبلها.

 

آليات التعليم النبوي

كان رسول الله (ص) جادّاً في طلب علي (ع) وهو في ربيع الصبا، من اجل هدف خُطط له، وهو بناء شخصيته بناءً فيه مصلحة للاسلام الى يوم القيامة. وكان رسول الله (ص) مهتمّاً بعلي (ع) من اجل ان يبني في شخصيته الرسالية أربعة اركان هي: اللغة، والدين، والعاطفة، والاخلاق. واجتماع تلك الاركان في شخصية واحدة كشخصية علي (ع) كفيلٌ بصنع قدوة من الطراز الاول بعد رسول الله (ص). فهو الذي جمع كتاب الله المجيد وفسره وبيّن محكمه من متشابهه وظاهره من باطنه وناسخه من منسوخه، وهو الذي قام بجميع مهمات الولاية الشرعية من بعد رسول الله (ص). وبقي الفكر الرسالي لامير المؤمنين (ع) مُشعّاً، فيما جُمعَ ابلغ ما قاله في كتاب «نهج البلاغة» يهدي للأجيال المتلاحقة نور الرسالة . وبقيت شجاعته مضرب الامثال ورمز انتصار الايمان على الشرك. وبقيت اخلاقه منار هداية للعالمين . وبقي زهده وتقواه وتعبده، المثال الذي يحتذى في كل عصر ومصر.

1- اللغة والالفاظ:

ان اهم المهارات التي يتعلمها الفرد في مرحلة الصبا هي اللغة والفصاحة التي ينبغي ان يمارسها خلال مراحل حياته الجديدة. ونظرة معمقة لبلاغة امير المؤمنين (ع) نلحظ المسحة النبوية في عباراته من إحكام العبارة، وقوة المضمون، ومقدار اليقين في منطوق الكلمات ومفاهيمها.

أ - اللغة والنفس:

فان أهم ما يولده حسن تعلم اللغة عند الانسان هو السلوك اللفظي النظيف، وجمال التعبير الذي ينقل المعنى الى المخاطبين بصورة دقيقة وسليمة وخالية من الاضطراب والتشويش. وهذا الامر ينطبق على صورتين: الخطابة والكتابة. فالالفاظ او الحروف حالة توسطية في الخطاب بين المخاطَب والمخاطِب.

فاذا تعلم الفرد كلمة «السيف» مثلاً فانه يستطيع ان يستبدلها في ذهنه ويتلفظ بكلمة «الحُسام» لنفس المعنى المطلوب. واذا تعلم لفظة «اللبون» فانه يستطيع استبدالها بلفظة «الناقة». واذا تعلم كلمة «الآنّة» فانه يستطيع استبدالها بكلمة «الشاة».

فهنا لعب التوسط دوراً في اختيار الالفاظ التي تشترك في نفس المعاني . فالاصل ان يدرك الانسان معاني الاشياء، ثم يتعلم الالفاظ المرتبطة بها حتى يستطيع لاحقاً ايصالها الى الناس عبر تراكيب متعددة بليغة في غاية الدقة والجمال.

وكان علي (ع) يتعلم طبيعة اللغة الدينية من رسول الله (ص) مستنداً على ابعاد ثلاثة، لمسناها بوضوح خلال مراحل حياته اللاحقة الخصبة بالمعاني والاحداث. وتلك الابعاد هي:

الاول: البُعد التقييمي، وهو الذي يقيّم المعاني ويميزها على اساس الخير والشر، والمصلحة والمفسدة. بل على اساس مطلق الملاكات الخاصة بالاحكام والوقائع. كما نلمس ذلك من مطاوي الذكر الحكيم. يقول تعالى: (... ونَبلُوكُم بالشرِّ والخيرِ فِتنَةً وإلينا تُرجَعونَ)[31]، (ولا يَحسبنَّ الذينَ يَبخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضلِهِ هوَ خيراً لَهُم بَل هُوَ شَرٌّ لَهُم...)[32]، (إنَّ الذينَ كَفَروا مِن أهلِ الكِتابِ والمشركينَ في نارِ جهنَّمَ خالِدينَ فيها أولئِكَ هُم شَرُّ البَريّة)[33]، (إنَّ الذينَ إمَنوا وعَمِلوا الصالِحاتِ أولئكَ هُم خَيرُ البَريّة)[34].

يقول الامام (ع) في التفريق بين الإمرَة الخيرة والإمرَة الشريرة، في رده على الخوارج: «أما الإمرة البرّة فيعملُ فيها التقيُّ، وأما الإمرة الفاجرةُ فيتمتع فيها الشقيُّ الى ان تنقطع مدّتُهُ وتُدركهُ مَنيته»[35].

ويقول (ع) في صفة خلق الله الانسان وإعطائه القدرة على التمييز بين الحق والباطل: «... ثم نفخ فيها من روحه فمثُلتْ انساناً ذا أذهانٍ يُجيلُها، وفكرٍ يتصرفُ بها، وجوارحَ يختدمها[36]، وأدواتٍ يقلّبها، ومعرفةٍ يفرقُ بها بين الحق والباطل»[37].

الثاني: بُعد الفعالية والنشاط، وهو الذي يميز المعاني على اساس النشاط والخمول، والفعالية وغير الفعالية، والمقاومة والإذعان. يقول تعالى: (مَن عَمِلَ صالِحاً فلنفسهِ ومَن أساءَ فَعَلَيها...)[38]، (... فَضّلَ اللهُ المُجاهِدينَ بأموالِهم وأنفُسِهِم على القاعِدينَ دَرجةً...)[39]، (واللهُ فَضّلَ بعضَكُم على بَعضٍ في الرزقِ...)[40]، (...قُل هِل يَستَوي الذينَ يَعلَمونَ والذينَ لا يَعلَمونَ...)[41].

يقول الامام (ع) في التمييز بين فعالية «الاجر الأخروي» وعدم فعالية «الأجر الدنيوي»: «الناس في الدنيا عاملان: عاملٌ عمل في الدنيا للدنيا، فقد شغلته دنياه عن آخرته، يخشى على من يخلُفُه الفقرَ، ويأمنهُ على نفسهِ، فيُفني عمره في منفعة غيره.

وعاملٌ عمل في الدنيا لما بعدها، فجاءه الذي له من الدنيا بغير عملٍ، فأحرز الحظّين معاً، ومَلك الدارين جميعاً، فأصبح وجيها[42]ً عند الله، لا يسأل الله حاجةً فيمنعه»[43].

الثالث: بُعد الامكانية او الطاقة الكامنة، وهو الذي يميز المعاني على اساس القوة والضعف، والجدية والهزل، والمتانة والهزالة. يقول تعالي: (إنَّهُ لقَولٌ فَصلٌ وما هُوَ بالهَزلِ)[44]، (... فخُذها بِقوّةٍ وأمُر قَومَكَ يأخُذوا بأحسَنِها...)[45]، (وأعدّوا لَهُم ما استَطعتُم مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيلِ...)[46]، (وكأيِّن مِن قَريَةٍ هيَ أشدُّ قُوّةً مِن قَريَتِكَ التي أخرَجتكَ أهلَكناهُم...)[47]، (... ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ ضَعفٍ قُوّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعدِ قُوّةٍ ضَعفَاً وشَيبَةً...)[48].

ويقول الامام (ع)  في التمييز بين: القوة (مثل تصغير الدنيا، والخروج من سلطان الشهوة، والجدّ، وعدم الشكوى) والضعف (مثل تعظيم الدنيا، وسلطان الشهوة، وعدم الجدّ، والشكوى): «كان لي فيما مضى أخٌ في الله، وكان يُعظِمُهُ في عيني صغر الدنيا في عينه، وكان خارجاً من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجدُ ولا يكثرُ إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتاً فإن قالَ بذّ القائلينَ[49] ونَقع غليل السائلينَ[50].

وكان ضعيفاً مستضعفاً! فإن جاء الجدُّ فهو ليثُ غابٍ[51]، وصِلُّ[52] وادٍ. لا يُدلي بحجةٍ[53] حتى يأتيَ قاضياً. وكانَ لا يَلومُ أحداً على ما يَجِدُ العُذرَ في مثلِهِ حتى يسمعَ اعتذارهُ. وكانَ لا يَشكو وَجعاً إلاّ عندَ بُرئِهِ. وكان يقولُ ما يفعَلُ ولا يَقولُ ما لا يفعلُ. وكانَ إذا غُلِبَ على الكلام لم يُغلَب على السكوت، وكانَ على ما يَسمَعُ أحرَصَ منهُ على أن يتكلّمَ. وإذا كانَ بَدَههُ[54] أمرانِ نظرَ أيهما أقربُ الى الهَوى فخالَفَهُ.

فعليكم بهذه الخلائق فالزموها وتنافسوا فيها، فإن لم تستطيعوها فاعلموا ان أخذ القليل خير من ترك الكثير»[55].

ولا شك ان تلك الابعاد الثلاثة ساهمت في فهم معمق لفسحة الافكار الدينية. لان فهم الفوراق بين الخير والشر، والنشاط والخمول، والقوة والضعف تؤدي بالانسان الى فهم أكثر عمقاً للتكاليف الشرعية من حرمة ووجوب، وكراهية وندب. ولا شك ان ذلك الفهم غير منفصل عن فهم آخر وهو ادراك ملاكات الاحكام ومقتضياتها واسسها، وهو ما نسميه بأساس الدين.

 ب - اللغة والثقافة الدينية:

وتعتبر اللغة جزءً من الثقافة الدينية، فالاتصالات اللفظية بين الدين والمكلفين من الناس تحدد طبيعة فهم الأوامر والنواهي الشرعية.

ولا شك ان اللغة تتأثر تأثراً عظيماً بالثقافة الاجتماعية، ذلك لان الانسان يكتسب اللغة عن طريق التعلم لا عن طريق الوراثية الجينية. واكتساب علي (ع) لغته من رسول الله (ص) في سن الطفولة يعني ان نشاطه اللفظي في مقتبل حياته سيكون نشاطاً لفظياً شرعياً، ويعني ايضاً ان ثقافته التي تعدّ جزءً من تركيبته اللغوية هي ثقافة دينية سماوية لا ثقافة اجتماعية، كما كان حال الرعيل الاعظم من المسلمين في ذلك الوقت.

فان اهمية اللغة في الرسالة الدينية تكمن في ضخامة مصادرها من حيث الكلمات والمصطلحات والجمل التي تستطيع حمل مفاهيم عملاقة عن الحياة والكون والخلق والحياة الآخرة. فالبليغ يستطيع ان يستخدم عدداً غير محدود من الكلمات والاصطلاحات لحمل المعاني الى جميع الناس مؤمنين كانوا بالرسالة او كافرين بها.

وبكلمة، فان رسول الله (ص) خلق في علي (ع) في تلك المرحلة من التربية اللغوية وما بعدها امرين:

الاول: القابلية على نقل المعاني الدينية في كلمات قليلة مضغوطة لكنّها ملوّنة مليئة بالمعاني، مثل قوله (ع): «وأيمُ الله لأبقرنّ الباطل، حتى أُخرج الحقّ من خاصرته»[56]، وقوله (ع): «لسانُ العاقلِ وراء قلبهِ، وقلبُ الأحمقِ وراء لسانهِ»[57]. وقوله (ع): «أوصيكم بتقوى الله الذي أعذر بما أنذر، واحتج بما نهج...»[58] ونحوها.

الثاني: القابلية على اعطاء الافكار الدينية صيغة ثنائية، وهو تبيين الأمر او النهي من وجه، وتبيين الأثر الذي يترتب عليه من وجه آخر، مع رابط محكم بينهما. ومن ذلك قوله (ع): «لا تستحِ من إعطاء القليل، فان الحرمان أقلّ منه»[59]. فهنا أمر بالانفاق من جهة، وبيّن الاثر الذي يترتب على عدم الاعطاء من جهة اخرى. ولكن الجهتين مترابطتان بشكل محكم. وشبيه ذلك قوله (ع): «... لا رأي لمن لا يُطاع». وهنا نفي الرأي عند العصيان وكأن الذي لا يُطاع لا رأي له، مع جودة رأيه. لكن الذي يُطاع يعدّ له رأيٌ حتى لو كان قبيحاً.

ومن هنا فقد كان علي (ع) بعد بزوغ فجر الاسلام يتحرك باعتباره لسان الاسلام الناطق بالحق والقوة والبلاغة، وكانت كلماته البديعة تعيش عطرة في الوسط الاسلامي الجديد.

ولا شك ان البشرية تعيش في عالم اجتماعي يخضع لتأثير اللغة ومفرادتها كوسط لتعبير. فمفاهيم العالم الخارجي تنتقل الى الذهن _ بطريقة غير واعية _ عن طريق اللغة التي اعتاد الافراد على التحدث بها وفهم معانيها المتباينة. وهنا يأتي دور الدين لبناء حقائق ذهنية جديدة أو امضاء حقائق قديمة عن طريق اللغة الدينية. فقد أمضى الاسلام العقود مثلاً ووضع لها اطاراً شرعياً كعقود البيع والشراء والزواج، ولكنه جاء بحقائق جديدة عن العبادات كالصلاة والصيام والزكاة والحج. فاللغة الدينية خلقت حقائق اجتماعية خارجية، في حين عجزت اللغة العرفية عن ايجادها فضلاً عن تطبيقها. وهذا واضح، لان اللغة الدينية تعاملت مع الأشياء الثابتة في الحياة الانسانية الاجتماعية والفردية كالعقود والملكية والعقوبات والعبادات، وتعاملت مع المتغيرات الحياتية كالمعاملات والعلاقات الانسانية.

وهنا لعبت الالفاظ دوراً في بناء ثقافة اجتماعية دينية جديدة، وكان رائد تلك الثقافة الجديدة: القرآن الكريم وهو كلام الله الجيد، ثم رسول الله (ص) الذي لا ينطق عن الهوى، ثم علي بن ابي طالب (ع) بلغته الدينية الفريدة. وبذلك خلقت تلك الافكار التي حملها الدين الجديد ثقافة اجتماعية ودينية متميزة.

2- الدين:

ان تأثير رسول الله (ص) على التركيبة الذهنية لعلي (ع) وهو في مقتبل العمر انعكس على فهم يفصح عن ان الخالق عزّ وجلّ هو الذي يضع الطبيعة النهائية للحقيقة على شكل مجموعة من الافكار والتصورات تسمى ديناً، بحيث تهدي الانسان الى حياة سعيدة عن طريق الاحكام والالزامات. فلا شك ان الدين السماوي يصور للانسان طبيعة النظام الكوني بما فيه من صور غاية في الدقة والصنع والنظام _ في المجرات والكواكب والنجوم _ ويصور له الحياة الآخرة، ويصنع له حياة دنيوية آمنة. وبكلمة، فان الدين يصمم للانسان حياة تعبدية واجتماعية اخلاقية نظيفة، ويكيّفه لتقبل فكرة الموت والآخرة بما فيها من نعيم او جحيم.

ونظرة الى فكرة الامام (ع) عن الدين تؤكد لنا ما ذهبنا اليه، فقد قال (ع) بخصوص الدين: «لا دين الا بمعرفة، ولا معرفة الا بتصديق، ولا تصديق الا بتجريد التوحيد، ولا توحيد الا بالاخلاص...»[60]، و«ان مالك الموت هو مالك الحياة وان الخالق هو المميت وان المُفني هو المُعيد وان المُبتلي هو المعافي، وان الدنيا لم تكن لتستقيم الا على ما خلقها الله تبارك وتعالى عليه من النعماء والابتلاء والجزاء في المعاد او ما شاء مما لا نعلم...»[61].

ومن هنا كان فهم الدين على اساس انه حقيقة من الحقائق التي تحيط بالفرد، وتؤثر تأثيراً بالغاً على حياته الشخصية والاجتماعية. فالدين لا يمثل معرفة مجردة كالفلسفة مثلاً، ولا يمثل عملاً مجرداً كاداء الحركات في العبادات مثلاً، بل انه يمثل ايماناً واحساساً يسيطران على جوارح الانسان. فهو معرفة، وعمل، وشعور، وعقلانية.

والاصل في الالهام الديني عند المعصوم (ع) هو الفهم الداخلي الذاتي للخصوصيات الدقيقة، او ما يعبر عنه بفهم ملاكات الاحكام والمصالح والمفاسد وطبيعة الحقوق والواجبات ورتب التكاليف ومقتضياتها.

واذا آمنا بذلك، فلابد ان نؤمن بأن تأثير التعليم النبوي على علي (ع) في قضايا الدين تضمنت مساحتين:

الاولى: المعاني. وهي معاني الخلق والوجود، والموت والحياة، والبقاء والفناء، والخير والشر، والمعاناة والألم، والالزامات الدينية من اوامر ونواهي. ومن الطبيعي فان المشاكل التي تحملها تلك المعاني لا يفك رموزها ولا يحل غوامضها الا الدين. وقد كان رسول الله (ص) القمة في فهم معاني الوجود والحياة والموت من أي من الأنبياء السابقين (عليهم السلام). وكان علي (ع) يرى ذلك ويستلهم منه المعاني والعبر، ويتعلم مفردات ذلك من الدين الجديد عبر شخصية رسول الله (ص) وما نزل عليه من القرآن العظيم.

الثانية: القدسية والقدرة الخارقة، وهما من متعلقات الانبياء (ع). ومعنى القدسية هو الارتباط بالغيب بشكل من الاشكال. ومعنى القدرة الخارقة هي قابلية النبي (ص) على خرق قوانين الطبيعة. وكان علي (ع) يرى معجزات رسول الله (ص) في تلقيه الوحي وفي الاسراء والمعراج، وفي استنـزال النصر من عند الله عزّ وجلّ. وكان يرى ارتباط رسول الله (ص) بالخالق عزّ وجلّ عبر جبرئيل (ع). فكان لابد ان تخشع جوارحه لتلك الاحداث، وتترك تأثيرها الصاعق على شخصيته الاجتماعية والدينية، في وقت كانت مكة بازلامها تغطّ في عبادة الاوثان والتماس شفاعة الاحجار.

وصفات مثل القدسية والقدرة الخارقة اذا امتلكهما الانسان، كان لابد ان تجعله متميزاً عن الآخرين متفوقاً عليهم. ذلك لان الذي يمتلك تلك القدسية في الارتباط بالغيب وتلك القدرة الخارقة على صنع الاحداث يجعل توقعات الآخرين لافعاله واقواله فوق التوقعات الطبيعية، فيكون متميزاً عنهم. أي ان الذي يدعي النبوة لابد ان يقدم لنا قدراته الخارقة التي تجعلنا نصدقه ونؤمن به وبرسالته. وبكلمة، فان اهم اهداف القدرة الخارقة التي يمتلكها النبي (ص) هو ان يصدّق الناس انه صادق فيما يدعيه. وان اهم اهداف القدسية هو الكمال في ايصال الرسالة من السماء الى الارض وأهلها. وعندها يكون النبي (ص) قد امتلك كل ادوات التبليغ من بشارة او انذار، وحاول استعمالها في عمله الشاق.

وقد كان علي (ع) يعيش تلك الأجواء العطرة الحبلى بالاحداث العظيمة مع رسول الله (ص) يستلهم منه كل ما يمكن استلهامه والانقياد له والتأسي به. 

3 - العاطفة: التنمية الاخلاقية والعاطفية

ان التنمية الاخلاقية لشخصية الانسان مرتبطة بشكل وثيق بالدين. فالدين يربي الانسان على التعاون الاجتماعي ونبذ العدوان، ويربيه على سلوك طريق الخير ونبذ طريق الشر، ويربيه على التفكر دائماً في الخالق والاعتبار بما خلق وصوّر.

وبصورة أعم، فان العافة اذا هذبت بطريقة دينية فان الانسان سوف يستفيد من ثمار ثلاثة ابعاد في شخصيته:

الاول: السلوك الصحيح. وهو السلوك المستند على دوافع الخير ومقاومة اغراءات الدنيا ومفاسدها. وهنا يصبح سلوك الانسان معبّراً عن الشخصية الاخلاقية التي يحملها. بمعنى ان الشخصية التي تحمل مجموعة كاملة من الفضائل اقلها مقاومة الاغراء لكسر القواعد الشرعية، تستطيع ان تستند على دوافع الخير دائماً.

الثاني: العاطفة السلمية النقية من الرذائل. وهي العاطفة التي تُنمّي ارادة النفس اللوامة في ذات الانسان، وتجعل في مواجهة التفكير بالذنب طرقاً انتقادية ذاتية. فالانسان يفكر بمعاقبة نفسه ان هي تجرأت على مولاها وسلكت في طريق المعصية. هنا يصبح التفكير بالذنب ولوم الانسان ذاته من اهم القواعد الاخلاقية للشخصية الدينية. وهذا البعد على جانب عظيم من الاهمية. فقد اقسم القرآن المجيد بتلك النفس اللوامة، فقال: (... ولا أُقسِمُ بالنفسِ اللوّامَةِ)[62].

الثالث: الحكم على الاشياء ضمن اطار الاخلاق الدينية. وهي قابلية لا تنمو عند الانسان ما لم يمر بمراحل تربوية على فهم قضايا الخير والشر، والمصلحة والمفسدة، وملاكات الاحكام التي أنشأها الباري عزّ وجلّ. واعلى مستويات الاخلاق هو ان تؤدى الاعمال دون النظر الى حجم المكافأة او العقوبة التي تنتظر العامل. بل ان الطاعة والتذلل للمولى سبحانه، ومقاومة اغراءات المعصية هو اهم ثمار الحكم على الاشياء ضمن الاطار الاخلاقي للدين. وقد اشار علي (ع) الى ذلك المعنى بالقول: «عبدتك لا خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك وانما وجدتك اهلاً للعبادة فعبدتك».

ولا شك ان العلم بالقيم الاخلاقية في الصغر له تأثير بالغ على السلوك الاخلاقي للانسان عندما يشبّ ويكبر، خصوصاً عندما يلمس اهمية العلاقة بين العلم النظري للاخلاق والمصاديق التي تمثله. وهذا ما رأيناه في شخصية علي (ع) المقاتل، العابد، الخليفة، الزاهد.

وبكلمة، فقد كانت عملية تنمية الاخلاق عند الامام (ع) منذ الصغر نافذة لترسيخ قيم الخير في شخصيته في نواحي الصدق والامانة والاستقامة والاخلاص للمبدأ الذي يعتنقه. ولم تقتصر العاطفة الانسانية على القضايا المعنوية التي كانت تعيش في ذهن الامام (ع)، بل تعدت الى قضايا جسدية كالشجاعة والبطولة والاقدام. فالعواطف تشمل الامور النفسية كالخوف والغضب والفرح. وتشمل الامور الجسدية، التي هي اثر من آثار القضايا النفسية، مثل مصاديق الشجاعة والتضحية بالنفس.

والمتفق عليه بين علماء النفس ان عواطف الانسان مكتسبة عن طريق التعلم. فالطفل الرضيع لا يخاف الظلام، ولكن الخوف من الظلام مكتسب عن طريق محيط الانسان ؛ فقد يتعلم الطفل الخوف من امه التي تخاف من الظلام مثلاً. وفي ضوء ذلك نفهم ان علياً (ع) تعلم الشجاعة والاقدام من مربيه الاول رسول الله (ص). فقد كان رسول الله (ص) لا يهاب الموت، فلا غرابة ان نسمع علياً (ع) يقول: «كُنّا إذا احمرَّ البأسُ اتقينا برسول الله (ص)، فلم يكن أحدٌ منّا أقربَ الى العدوِّ منه»[63]. فشجاعة الامام (ع) كانت امتداداً لشجاعة رسول الله (ص) التي غيرت وجه العالم الى ابد الدهر.

4- الاخلاق:

والصعيد الاخلاقي في مجهود النبي (ص) التربوي اكتسب علياً (ع) صفاتاً في ابعادٍ ثلاثة ايضاً، هي: العبد المتعلق بالسلوك، والبعد المتعلق بالصفات كالخصال والشهامة والشجاعة، والبعد المتعلق بالحكم على الاشياء عبر التمييز بين الخير والشر والمصلحة والمفسدة.

أ- البعد السلوكي: وهو يعني تربية علي (ع) على تنمية دافع الخير في شخصيته (ع)، وتهذيب نفسه على مقاومة اغراءات الدنيا من مال وجاه وحب للغرائز الجسدية. وبذلك اصبحت شخصية علي (ع) _ بفضل تربية رسول الله (ص) _ شخصية اسلامية تُستلهم منها مبادئ الفلسفة الاخلاقية في الاسلام.

والشخصية الاخلاقية تعني الكيان الذي يحمل جميع القيم الدينية ويطبقها، كالصدق والامانة والشهامة والشجاعة والتعفف والتعبد والزهد والتقوى. ولذلك فان الشخصية الاخلاقية لا تستطيع ان تعبد الصنم مثلاً، لانها تعلمت على مقاومة اغراءات التقليد الاجتماعي. والشخصية الاخلاقية لا تستطيع ان تظلم الناس، لانها بُنيت على اساس قيم العدالة الدينية والاجتماعية. والشخصية الاخلاقية لا تستطيع ان تتمتع بملذات الدنيا المادية، لانها تنظر ابداً الى السماء والحياة الآخرة حيث ترى فيها وجودها الحقيقي.

ب- البعد الصفاتي: وتعني قيام شخصية علي (ع) على اصل الخصال السماوية التي وضعته على سلم العصمة، فقوله (ع): «يا دنيا غري غيري ...» يعني انه كان (ع) يرى مجرد الطموح والنظر الى ملذات الدنيا على اساس انه عمل لا اخلاقي. ولذك فانه يريد ان يعلمنا طرد شبح تلك الذنوب قبل ان تصل الى مخيلتنا. فان الاغترار بالدنيا مرتبة سابقة لمرتبة الوقوع في الذنب وما يلحقه من آثار.

ج- الحكم على الاشياء: ان القابلية على ربط الاشياء بالحكم الشرعي في الحلية والحرمة والخير والشر والمصلحة والمفسدة، نابع من تمتع علي (ع) بمعيارشرعي سماوي نطلق عليه لفظ «العصمة». وقد اثبتت الايام بعد وفاة رسول الله (ص) معرفته بشروط الحكم الشرعي وظروف انشائه وملاكاته، ومعرفته ايضاً بواقعية الربط بين الحكم والموضوع في مواقع التطبيق. ولا شك ان العلم بالاخلاق الدينية عند علي (ع) كان له تأثير حاسم على سلوكه الاخلاقي بين الناس. ولذلك فقد اخذ بطريق الزهد والتواضع ومساعدة الضعفاء والمحرومين وتثبيت اسس العدالة في المجتمع ومحاربة الظالمين، لان الاخلاق السماوية التي تعلمها من معلمه الاصيل (ص) كانت ترشده الى ذلك.

 

فترة التحصيل مع رسول الله (ص)

ان الفترة الفريدة التي قضاها علي (ع) في بيت رسول الله (ص) تعتبر من اخصب فترات التحصيل العلمي في حياته الشريفة (ع). فتلك الفترة علمته:

أولاً: عبادة الخالق الواحد عزّ وجلّ عبر الانعزال عن المجتمع الوثني في مكة، والمكوث اياماً في المغارات والجبال المنعزلة للتأمل في آثار الخالق من اجل معرفته والتذلل بين يديه.

ثانياً: اجتناب الوثنية وعبادة الاصنام. فعلي (ع) _ على خطى رسول الله (ص) _ لم يعبد صنماً قط. واذا اردنا التعبير الفلسفي فاننا نقول بالصيغة الفلسفية: ان الطبيعة الانسانية لانسان كعلي (ع) مستقلة عن تأثيرات الثقافة الاجتماعية. أي ان المعصوم (ع) لا يخضع في ادراكه وتفكيره للمؤثرات الاجتماعية كالفقر والغنى، والشرك والوثنية فيقتبس منها. بل ان ادراكه الديني والاجتماعي مستقل عن تلك التأثيرات، ولذلك فان ما نتلقاه عن المعصوم (ع) _ نبياً كان او اماماً _ هو نبع صافي مستمدٌ من السماء لم يلوّث بأفكار الناس او فلاسفتهم او مفكريهم. فعلي (ع) اجتنب عبادة الاوثان، لان طبيعته الفكرية كانت مستقلة عن تأثيرات الثقافة الاجتماعية، وخاضعة فقط لتأثيرات رسول الله (ص) الذي كان خاضعاً لتأثيرات الوحي.

ثالثاً: تحصيل المعرفة الاساسية عبر التمييز الابتدائي بين الحق والباطل، والمعبود والعابد، والخالق والمخلوق. فالمجتمع الانساني _ وبسبب اختلاف الدوافع والنيات والرغبات _ يعيش حالة تناقض وصراع بين قوى الخير والشر. 

1- اهتمامات المعلّم والتلميذ:

وقد كان رسول الله (ص) قبل المبعث مربياً قضى جلّ وقته في تربية تلميذ واحد. فلابد ان يحمل ذلك التلميذ كل اهتمامات الاستاذ الكبير ويجعلها حقلاً للتطبيق. والشاب الذي انهى تلك المرحلة من التعليم وهي مدة سبع سنوات، لابد وانه تمتع بآثار تلك المراحل من التنمية الفكرية والروحية والجسدية، فاصبح يملك جسداً قوياً وعقلاً قوياً. وتلك العلاقة الثابتة بين قوة الجسد وقوة العقل تطرد الرغبات الدنيوية التي يتمتع بها عادةً عامة الناس. فقوة جسد الامام (ع) لم تكن تعني انه يحتاج الى طعام اكثر من اجل إبقاء تلك القوة. بل كان يضع الحجارة على بطنه من الجوع ولم يثنه ذلك عن القتال، ولم يفت عضده من تدمير حصون خيبر، ومبارزة فرسان العرب. وقوة عقل الامام (ع) لم تكن تعني انه يحتاج الى الاقتباس من الآخرين في العلم الديني والقرآن والتفسير والشريعة، بل كان هو مصدر العلم الديني بعد وفاة رسول الله (ص).

ومن الطبيعي فان من ملامح التعليم النبوي لامير المؤمنين (ع) هو نقل ثقافة الرسالة الجديدة الى جيل علي بن ابي طالب (ع) الشاب. خصوصاً اذا ما عرفنا ان الفارق بين رسول الله (ص) وعلي (ع) كان ثلاثين عاماً. وكان علي (ع) رائد ذلك الجيل الذي حمل الرسالة بعد وفاته (ص).

ان التعليم النبوي لعلي (ع) كان امراً حتمياً لابد منه. لان الرسالة السماوية جاءت من اجل ان تبقى على وجه الارض، لا ان تذهب مع قائدها. ولذلك كان تعليم علي (ع) اوليات الايمان والفكر الديني ومبادئ الامامة، وهو في باكورة عمره، امراً في غاية الاهمية.

فعندما نقرأ «نهج البلاغة» المتضمن لخطب امير المؤمنين (ع) ومواعظه ورسائله فكأنما نقرأ فكر رسول الله (ص) وخطبه ومواعظه. وعندما ندرس عدالة الامام (ع) فكأنما ندرس عدالة رسول الله (ص). وعندما ندرك شجاعة امير المؤمنين (ع) فكأنما تتمثل لنا شجاعة رسول الله (ص). وبكلمة، فان رسول الله (ص) صاغ في شخصية علي (ع) منذ السادسة من عمره الامامة والعدالة والفصاحة والشجاعة والحلم والتقوى.

2- علي (ع) والتربية النبوية الحقة:

ان قابلية علي (ع) على استيعاب التعاليم النبوية تعني قابليته على استثمار تلك التعاليم عملياً عندما تتطلب الحاجة ذلك، خصوصاً عندما يغيب شاخص النبوة عن الحياة الاجتماعية الدنيوية. بمعنى ان الصبي الذي كان يرعاه رسول الله (ص) رعاية علمية دينية لابد ان يشعر بالتكليف في شغل موقع رسول الله (ص) بعد وفاته. فهو (ع) من خلال تلك العملية التعليمية التأديبية الكبرى له الحق اولاً وأخيراً في شغل موقع قيادة الامامة اكثر من اولئك الذين كانوا يعيشون خارج بيت رسول الله (ص). فعلي (ع) كان كفوءاً لخلافة رسول الله (ص) بفضل تلك التربية وذاك التحصيل الذي قضاه الامام (ع) في كنف محمد (ص) قبل البعثة وبعدها.

وبتعبير آخر، فان المسؤولية الاخلاقية لامير المؤمنين (ع) كانت تقتضي ان يحمل الرسالة الدينية بعد رحيل رسول الله (ص)، لانه (ع) كان يعي معنى العبودية لله عزّ وجل يوم كان تحت رعاية اعظم مخلوق عبَدَ الله سبحانه، ولانه (ع) كان اعلم من في الارض بأحكام الرسالة السماوية ومبادئها وعقائدها بعد رحيل النبي (ص).

وبفضل تلك التربية كان علي (ع) يلتذ بعبادة الله في الحرب والقتال، والزهد والتقوى، والخطب والمواعظ، وتلاوة القرآن وصيانته من يد التحريف، والحلم والصفح، ومقارعة الظالمين والمشركين والمنافقين، واحقاق الحق وازهاق الباطل، وتثبيت اركان العدالة بين الناس. وبكلمة، فان التربية النبوية للامام (ع) كانت تربية اخلاقية دينية اكثر منها مجرد إطعام أو إيواء أو إكساء.

ان رسول الله (ص) لم يعلّم عليّاً (ع) في مرحلة الصبا: عناصر الأعداد، والاشكال، والكتابة، لانه (ص) لم يكن يعرف الكتابة ولا القراءة. فقد كان (ص) أُمّياً، لكن الله سبحانه اكرمه بنعمة الادراك النبوي والالهام والوحي. وهي نعمة عظيمة بدون شك، لانها تتضمن مراحل متكاملة من فهم الدين بما فيه من اوامر والزامات ونواهي واخلاق. وهذه اهم من المعارف البشرية التي تأتي عن طريق الكتابة والقراءة. فان العلم المكتسب من الكتابة والقراءة محدود بطبيعته بحدود الطاقة البشرية التي تمدّه. ولكن العلم الالهي الوارد عن طريق الالهام والوحي فيض من العلم السماوي الذي لا ينضب ولا يقتر.

فكان من اهداف التعليم النبوي لعلي (ع) تنمية القوى الجسدية والعقلية والروحية الهائلة التي كان يحملها. وتقوية انسجام تلك القوى مع بعضها البعض، ومع الخالق عزّ وجلّ، وتوجيهها نحو المجتمع الانساني الذي يكلّف بدعوته الى الاسلام. فلم يكن علي (ع) مجرد خازن معلومات عن الحياة والعناصر التي تتحكم فيها، بقدر ما كان مجمعاً لقوى هائلة تريد نشر الاسلام وتطبيقه على وجه الارض.

ولم يكن التعليم النبوي عرضاً مجرداً للافكار، بل كان عملية بناء شخصيته (ع) في جوانب: العاطفة، والمشاعر، والشريعة، والعقل، والتفكر في الله سبحانه، والبلاغة، والشجاعة، والحلم، والتقوى، والاخلاق.

وهذه كلها لبنات في شخصية امير المؤمنين (ع). فشخصية علي (ع) كانت تقتضي ان يكون التعليم النبوي لها متكاملاً. وهذا اللون من التعليم لا يتم الا لمن كان له استعداد هائل لذلك. وقد كان هو المرشح الاوفر حظاً لتلك المهمة الصعبة، ولذلك اجتباه رسول الله (ص) من ابي طالب يوم الشدة التي اصابت قريشاً.

واذا كان هناك من يضع خطاً فاصلاً بين المعرفة والايمان. باعتبار ان المعرفة لا تؤدي دائماً الى ايمان. فيزعم بأن معرفة الدين قد لا تؤدي الى الايمان به. نقول: ان تربية رسول الله (ص) لامير المؤمنين (ع) في المراحل الاولى من حياته كانت تلغي ذلك الخط الفاصل يبن المعرفة والايمان. لأن المعرفة النبوية تؤدي الى اكتشاف الحقائق اليقينية. واليقين يؤدي الى ايمان راسخ بالخالق عزّ وجلّ. ولذلك كان امير المؤمنين (ع) يقول: «لو كشف الغطاءُ ما ازددتُ يقيناً»[64]. بمعنى ان حجم التعليم الذي تلقاه من رسول الله (ص) ومن الكتاب المجيد اوصلاه الى معرفة الحقائق اليقينية بما هي حقائق. فلا يحتاج الى كشفها الى اثباتات اضافية ولا يطلب بعدها دلائل اُخر. وهنا اثمر التعليم النبوي لعلي (ع) انضج ثمراته الشرعية والعقلية.

(تليها ص 197- 216)


1 «ذخائر العقبى» - رواه محب الدين الطبري باسناده عن مجاهد بن جبير ص 58. و«نور الابصار» - رواه الشبلنجي ص 89. و«المناقب» - الخوارزمي. الفصل الرابع ص 17.

2 الكلاكل: الصدور، وعُبّر بها عن الاكابر.

3 النواجم من القرون: الظاهرة الرفيعة أي الاشراف.

4 العرف: الرائحة الزكية.

5 «نهج البلاغة» - خطبة 192 ص 376.

6 الخطلة: واحدة الخطل. وهو الخطأ ينشأ عن عدم الرويّة.

7 «نهج البلاغة» - خطبة 192 ص 376.

8 «مطالب السئول في مناقب آل الرسول» رواه عن محمد بن طلحة ص 28. مخطوطة.

9 حِراء: غار في جبل ثور بين مكة ومنى وكان (ص) يتعبد فيه.

10 «نهج البلاغة» خطبة 192 ص 376.

11 «كشف الغمة» - الاربلي ج 1 ص 86.

12 «سيرة ابن هشام» ج 1 ص 250 هامش 4.

13 «شرح نهج البلاغة» ج 4 ص 315.

14 «الانساب» للكلبي. ص 2. مخطوط.

15 «الاغاني» ج 8 ص 4. و«تاج العروس» ج 5 ص 295 مادة «جدع».

16 «حياة الحيوان» ج 1 ص 194.

17 «حياة الحيوان» ج 1 ص 194.

18 «النهاية» لابن الاثير ج 1 ص 119. و«القاموس» في صفحة 364 مخطوط تحت كلمة «المبرطش».

19 «تاج العروس» ج 4 ص 107.

20 «الانساب» للكلبي ص 4. رواه ابو عبيدة بن سلامة.

21 «انساب الاشراف» ج 5 ص 2.

22 «تطهير الجنان واللسان» - ابن حجر الهيثمي. ص 8.

23 «المغازي» للواقدي ج 2 ص 807.

24 «السيرة الحلبية» ج 3 ص 18.

25 «النـزاع والتخاصم» - المقريزي ص 20.

26 «الفخري في الآداب السلطانية والدول الاسلامية» - ابن القطقطي ص 103.

27 «نهج البلاغة» خطبة 192 ص 376.

28 «تذكرة الخواص» - سبط ابن الجوزي ص 48.

29 «تحف العقول» - ابن شعبة الحراني ص 6 – 42.

30 «نظم درر السمطين» ص 82. و«منتخب كنـز العمال» - المتقي الهندي ج 5 ص 40.

31 سورة الانبياء: آية 35.

32 سورة آل عمران: آية 180.

33 سورة البينة: آية 6.

34 سورة البينة: آية 7.

35 «نهج البلاغة» خطبة 40 ص 83.

36 يختدمُها: يجعلها في خدمة مآربه.

37 «نهج البلاغة» خطبة 1 في صفة آدم ص 29.

38 سورة فصلت: آية 46.

39 سورة النساء: آية 95.

40 «سورة النحل: آية 71.

41 سورة الزمر: آية 9.

42 وجيهاً: ذا منـزلة عليّة من القرب الى الله عزّ وجل.

43 «نهج البلاغة» - المختار من حكم امير المؤمنين (ع) ومواعظه. حكمة 260 ص 661.

44 سورة الطارق: آية 13 – 14.

45 سورة الاعراف: آية 145.

46 سورة الانفال: آية 60.

47 سورة محمد: آية 13.

48 سورة الروم: آية 54.

49 بذَّ القائلين: سبقهم وغلبهم.

50 نقع غليل السائلين: أزال عطشهم.

51 ليثُ غابٍ: اسدُ غابة يستوكرُ فيها الاسد.

52 الصلّ: الحية.

53 لا يُدلي بحجّةٍ: أي لا يُحضر الحجة الا...

54 بدهَهُ الامر: فجأه وبغَتَهُ.

55 «نهج البلاغة» - المختار من حكم امير المؤمنين (ع) ومواعظه. حكمة 280 ص 665.

56 «نهج البلاغة» خطبة 103 ص 182.

57 م. ن. – المختار من حكم امير المؤمنين (ع). حكمة 36 ص 610.

58 م. ن. – خطبة 82 ص 126.

59 م. ن. حكمة 62 ص 614.

60 «تحف العقول» - خطبة الامام (ع) في التوحيد ص 45.

61 م. ن. من وصايا امير المؤمنين (ع) ص 49.

62 سورة القيامة: آية 2.

63 «نهج البلاغة» - من غريب كلامه حديث 9 ص 658.

64 «شرح بن ميثم البحراني على كلمات الامام علي (ع)» ص 52.