(ص 197 -216 )

الفصل الخامس

 الايمان بالله سبحانه والتصديق برسوله (ص)

 

علي (ع): الايمان بالله سبحانه والتصديق برسوله (ص). الجمع بين روايتين حول اسلام علي (ع) . الدلالات العلمية للنصوص: 1- الاسبقية في الاسلام: أ- مغزى الاسبقية في الاسلام. ب- الاسبقية في الاسلام: الجنبة الفلسفية. 2- مغزى اختلاف الروايات في سنه (ع) عند اسلامه: أ- الهدف من تزوير سن علي (ع) عند اسلامه. ب- علي (ع) و«زمن فترة الوحي». 3- الاحتجاج في فضل علي (ع): استدلال مدرسة المأمون. 4- خلاصة المطلب . الايمان بالرسالة.

________________________________________________

علي (ع): الايمان بالله سبحانه والتصديق برسوله (ص)

روت الكثير من كتب الحديث ان علياً (ع) كان: «اول من اسلم مع رسول الله (ص)»[1]. ويؤيده قول رسول الله (ص): «اولكم وارداً عليَّ الحوض اولكم اسلاماً علي بن ابي طالب (ع)»[2]. والمروي عن عمر بن الخطاب قال: «كنت انا وأبو عبيدة وابو بكر عند النبي (ص) اذ ضرب على منكب علي بن ابي طالب (كرم الله وجهه)، فقال: يا علي، انت اول المؤمنين ايماناً، وانت اول المسلمين اسلاماً، وانت مني بمنـزلة  هارون من موسى»[3]. وروى البلاذري في «انساب الاشراف» عن معاذة العدوية، قالت: «سمعت علياً على منبر البصرة يقول: أنا الصدّيق الاكبر، آمنت قبل أن يؤمن ابو بكر واسلمت قبل ان يسلم»[4]. وروى النسائي في «الخصائص»: «قال علي (رضي الله عنه) انا عبد الله واخو رسول الله، وانا الصدّيق الاكبر، لا يقولها بعدي الا كاذب، آمنت قبل الناس سبع سنين»[5].

وكان (ع) اول من اسلم من الذكور، فقد «آمن برسول الله (ص) معه وصدق ما جاء من الله»[6]. وكان عمره عندما اسلم «ثلاث عشرة سنة وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال ابو عمر ابن عبد البر: هذا اصح ما قيل في ذلك»[7]. و«لم يعبد الاوثان قط، ومن ثم يقال (كرم الله وجهه)...»[8]، دون غيره من الصحابة[9].

وقد اشار رسول الله (ص) عند مخاطبته ابنته فاطمة الزهراء (ع) الى فضائل علي (ع) التي كان على رأسها قدم اسلامه، فقال (ص): «أما ترضين اني زوجتك اقدم امتي سلماً واكثرهم علماً واعظمهم حلماً»[10]. وروى المتقي الهندي قول رسول الله (ص) لعلي (ع): «يا علي اخصمك بالنبوة ولا نبوة بعدي. وتخصم بسبع ولا يُحاجُكَ فيها احد من قريش: (1) انت اولهم ايماناً بالله، (2) واوفاهم بعهد الله،  (3) واقومهم بأمر الله، (4) واقسمهم بالسوية، (5) واعدلهم في الرعية، (6) وابصرهم بالقضية، (7) واعلمهم عند الله مزية»[11].

ولا شك ان الايمان بالاسلام كان يقتضي اداء الصلاة خشوعاً لله سبحانه وتعالى. فكان هو «اول من صلى مع النبي (ص)»[12]. وقد ورد في الروايات عن احد شهود العيان واصفاً صلاة علي (ع) وخديجة (رض) ورسول الله (ص) فيقول: «كنتُ امرءً تاجراً فقدمت الحج فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة وكان امرءً تاجراً. فوالله اني لعنده بمنى اذ خرج رجل من خباء قريب منه فنظر الى الشمس فلما رآها مالت قام يصلي. قال: ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج منه ذلك الرجل فقامت خلفه تصلي، ثم خرج غلام حين راهق الحلم من ذلك الخباء فقام معه يصلي. قال: فقلت للعباس: من هذا يا عباس؟ قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن اخي. فقلت: من هذه المرأة؟ قال: هذه امرأته خديجة ابنة خويلد. قلت: من هذا الفتى؟ قال: هذا علي بن ابي طالب ابن عمه. فقلت: فما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي وهو يزعم انه نبي ولم يتبعه على امره الا امرأته وابن عمه هذا الفتى وهو يزعم انه سيفتح عليه كنوز كسرى وقيصر»[13]. والظاهر ان ذلك كان بعد دعوة عشيرته الاقربين. والا، فقد كانت الدعوة سرية قبل ذلك. ووجه الدلالة انه (ع) كان يعبد الله _ وهو على ابواب البلوغ _ مع محمد (ص) يوم كان الناس، وبضمنهم الكثير من الذين تصدوا لولاية الامر لاحقاً، غارقون في عبادة الاصنام والايمان بالوثنية.

وكان رسول الله (ص) اذا اراد الصلاة خرج الى شعاب مكة مستخفياً ويُخرج علياً (ع) معه «فيصليان ما شاء الله. فاذا قضيا صلواتهما وأمسيا، رجعا الى مكة...»[14]. وروي ايضاً انه صلى (ع): «مستخفياً قبل ان يصلي مع النبي (ص) احد، سبع سنين واشهر...»[15]. ولا تنافي بين الصلاة جهراً او الصلاة خفيةً، فلكل موضعه التأريخي. فقد صلى في الغار مستخفياً قبل البعثة وبعدها، وبعد دعوة العشيرة الاقربين ادى صلاته جهراً. وروى الحضومي باسناده عن حبة العرني قال: «رأيتُ علياً (رضي الله عنه) على المنبر يقول: اللهم لا اعرف لك عبداً من هذه الامة عَبدَكَ قبلي غير نبيك (ص). لقد صليت قبل ان تصلي الناس»[16].

الجمع بين روايتين حول اسلام علي (ع):

يمكن الجمع بين رواية النسائي الناطقة عن علي (ع): «آمنت قبل الناس سبع سنين»[17]، وبين رواية الشنقيطي القائلة بأن علياً (ع) اسلم وهو «ابن ثلاث عشرة سنة»[18] عبر ثلاثة احتمالات:

الاول: انه اسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فيكون عمره عندما اسلم بقية الناس عشرين سنة. أي بعد عشر سنوات من بدء الدعوة. ولا شك ان الدعوة الى الاسلام في مكة استمرت ثلاث عشرة سنة. وهذا الاحتمال ضعيف. ذلك انه لا يمكن ان تنحصر دعوة رسول الله (ص) بشخصين هما: خديجة (رض) وعلي (ع) خلال فترة طويلة نسبياً وهي عشر سنوات. اضف الى ذلك ان علياً (ع) قال: «آمنت قبل الناس سبع سنين». ولم يقل (اسلمتُ قبل الناس سبع سنين). نعم، قال في موضع آخر: «اسلمت قبل الناس». ولم يحدد الفترة الفاصلة بين اسلامه واسلام بقية الناس.

الثاني: انه (ع) اراد من قوله: آمنت قبل الناس سبع سنين، هو التكثير اللفظي للسنين، لا بمعنى عدد محدد من السنين. وهذا الوجه ضعيف ايضاً لان التكثير اللفظي يستدعي المبالغة في الفترة التي سبقت ايمانه او اسلامه عن بقية الناس. ولا وجه له.

الثالث: انه آمن بالتوحيد والعقيدة الابراهيمية عندما ضمه رسول الله (ص) وهو ابن ست سنوات، فيكون اظهار اسلامه بعد سبع سنوات من ذلك التأريخ أي عندما كان ابن ثلاث عشرة سنة. ولا شك ان الايمان غير الاسلام. فقد كان علي (ع) مؤمناً بالله الواحد الاحد منذ نعومة اظفاره من خلال ما درسناه من تعليم رسول الله (ص) له في المرحلة الحساسة من عمره. وعندما بُعث رسول الله (ص) بالاسلام اعلن اسلامه ونطق بالشهادتين لفظاً وقلباً. خصوصاً خلال الدعوة السرية التي استمرت ثلاث سنوات.

ولا شك انه (ع) اول من صلى بعد رسول الله (ص) وخديجة (رض) بعد البعثة. ولكن رسول الله (ص) كان يصلي لله سبحانه في غار حراء بتمجيده وحمده وذكره، وهذا لا يتنافى مع قوله (ع) انه صلى مستخفياً «قبل ان يصلي مع النبي (ص) احد، سبع سنين واشهر...»[19]. وهذا الوجه اقرب احتمالاً. ذلك لان الله عزّ وجل عندما أمر نبيه (ص) باظهار دينه بعد ثلاث سنين من مبعثه بالقول: (فاصدَع بِما تُؤمَرُ وأعرِض عَنِ المُشرِكينَ)[20]، (وأنذِر عَشيرَتَكَ الأقرَبينَ . واخفِض جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنينَ)[21] بدأ رسول الله (ص) بدعوة الناس للدين الجديد علناً. وبدأ الاسلام ينتشر بين الناس. فأقرب الآراء اذن ان علياً (ع) آمن بالله سبع سنين قبل ان يعلن اسلامه. آمن وهو في السادسة من عمره، واعلن اسلامه وهو في الثالثة عشرة من العمر.

ويقوي ما قلناه من ان هناك تمييزاً بين الايمان والاسلام في رواية الحضرمي التي ذكرت بأن رسول الله (ص) قال لعلي (ع): «يا علي انت اول المؤمنين ايماناً، وانت اول المسلمين اسلاماً...»[22]. ووجه الدلالة ان علياً (ع) كان اول المؤمنين ايماناً بالله وبالعقيدة التوحيدية يوم كان اغلب الذين اسلموا لاحقاً يتعبدون بالوثنية آنذاك. وهو (ع) اول المسلمين اسلاماً يوم اعلن اسلامه بعد مجيء الوحي على رسول الله (ص)، فكان اولهم من حيث الاسبقية الى اعلان اسلامه. وقد فرّق القرآن المجيد بين الايمان والاسلام على لسان قول الاعراب: (قالَتِ الأعرابُ آمنّا قُل لَم تُؤمِنوا ولكن قُولوا أسلمنا ولَمّا يَدخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُم...)[23]. الا ان المشهور بين العلماء انه (ع) اسلم وهو ابن عشر سنوات.

وتذكر المصادر التأريخية المشهورة انه بعد اظهار علي (ع) اسلامه على الملأ بفترة لا نعرف مدتها بدقة، اسلم الناس. فاسلم زيد بن حارثة، وابو بكر، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن ابي وقاص، وطلحة بن عبيد الله. وبعد هؤلاء اسلم عدد آخر من الافراد كأبي عبيدة بن الجراح، وابو سلمة، والارقم ابن ابي الارقم وغيرهم. وما كان (ص) يدعو أحداً من هؤلاء الى الاسلام الا كان عنده نظر وتردد وكبوة، أي تأخير وقلّة اجابة[24] عدا علي (ع) الذي لمسنا مقدار يقينه برسالة محمد (ص). ثم دخل الناس في الاسلام أرسالاً من الرجال والنساء.

 

الدلالات العلمية للنصوص

عصفت بفكرة أسبقية علي (ع) للاسلام رياحٌ شديدةٌ قادها بعض الرواة في مدرسة الصحابة، وهو أمرٌ يدعو الى الاسف والاسى. والانصاف ان علياً (ع) اسلم في سنٍّ قريب من البلوغ يجوز عليه الحكم، وكان كاملاً راشداً. وسوف نلمس ذلك باذنه تعالى في المباحث التالية:  

1- الاسبقية في الاسلام:

للاسبقية في الاسلام اهمية عظيمة، ولذلك نرى احتدام الادعاءات باسبقية فلان على فلان ومحاولة اثبات ذلك بطرق تأريخية وروائية مختلفة. ولا نستطيع ادراك اهمية اسبقية علي (ع) الى الاسلام. الا بدراسة مغزى الاسبقية من الناحيتين الشرعية والفلسفية. 

أ - مغزى الاسبقية في الاسلام:

ان اهمية اسبقية علي (ع) في الايمان بالرسالة تعني انه بقي صافي الفكر والروح ولم يتشرب بالفكر الوثني. فقد كان طاهراً منذ البداية ولم تنجسه الجاهلية بمدلهمات ثيابها على الصعيدين الروحي والفكري. وقد اشار تعالى الى ذلك في كتابه المجيد بالقول: (والسابِقونَ السابِقونَ. أولئكَ المُقرَّبونَ)[25]. وقد استند العلامة الحلي (ت 726 هـ) الى ما رواه احمد بن حنبل في مسنده ابن عباس من عدة طرق «ان علياً (ع) اول من اسلم»[26] في اثبات امامة امير المؤمنين (ع)[27].

والاصل في الاسبقية للاسلام ان طهارة السابق تبقى ملازمة له طول حياته، ولذلك فهو لا ينحرف لاحقاً اذا تعرض لظروف قاسية. وقد لاحظنا ان علياً (ع) بقي ثابتاً راسخاً في الايمان بعد وفاة رسول الله (ص) رغم المحن والمصاعب العظيمة التي تعرض لها. في حين عصى البعض النبي (ص) في مواطن كثيرة مثل: واقعة اُحد وحُنين ومخالفة وصية النبي (ص) عند الاجتماع في سقيفة بني ساعدة. 

ب- الاسبقية في الاسلام: الجنبة الفلسفية

تعدُّ الشخصية الانسانية نظاماً مفتوحاً تدخل فيه الطاقة وتخرج منه باستمرار، وما يبقى من طاقة يُحفظ في الذاكرة ثمّ يخرج ببطء أيضاً على مر السنين. ونقصد بالطاقة: المعرفة والعلم. وما يصبُّ في ذهن الانسان من علوم او ملاحظات يراها في الخارج تترجم لاحقاً على شكل صور ذهنية، وأقوال وأفعال لفظية أو مكتوبة، وحركات معبّرة، ومواقف اجتماعية، وفهم ذاتي واجتماعي، ومواصفات شخصية عامة اكتسبت صفة الفضيلة او الرذيلة ، وفهم ذاتي واجتماعي، ومواصفات شخصية عامة اكتسبت صفة الفضيلة او الرذيلة. ومن خلال تلك الطاقة يصوغ الانسان انبساط تعامله مع الاخرين او انقباضه، ويصوغ ايضاً قوة الارتباط بمعتقده او يقدّر ضعف ذلك الارتباط، وكونه صالحاً كي يكون قدوة للآخرين او عدم صلاحه لذلك. وكل انسان يستطيع ان يحمل القلم بيده، ولكن القدرة على الكتابة لا تتوفر لكل فرد ما لم يكن متعلماً. وحتى الذين يعرفون الكتابة فإن عمق مؤلفاتهم يختلف من واحد لآخر بالدرجة لا بالرتبة. فالصحبة مع رسول الله (ص) قضية شبيهة بالقلم الذي يمسكه صاحبه ممن يعرف الكتابة ممن لا يعرفها.

ومن هنا نفهم مغزى الاسبقية في الاسلام. فالذي يشبّ على الايمان بالله سبحانه ورسوله (ص) وبكتابه المجيد منذ نعومة اظفاره، فكأنما يمتلىء من طاقة العلم والمعرفة الدينية حداً بحيث لا تخرجُ منه الا الحكمة والعلم. وتكون صوره الذهنية غنية بأجواء الوحي وكلام الله سبحانه والرسالة التي يحتكّ بمصداقها وصاحبها (ص) كل يوم. فعلي (ع) عندما يتكلّم لا يخرج من فمه الشريف الا جواهر الافكار الدينية. وعندما يخطب تنـزل الكلمات الشرعية النقية كالزلال العذب بين شفتيه الشريفتين. فهو لا يخلط الصور الذهنية للوثنية بالصور الذهنية للاسلام كما كان يفعل بعض المسلمين، لانه عاش (ع) مع رسول الله (ص) يتلقى منه العلم والمعرفة عن النبع الصافي المتصل بالسماء. وعندما كان يتصرف مع الآخرين، فقد كان سلوكه نابعاً من السلوك الديني النظيف الذي علمه إياه رسول الله (ص). وبذلك فقد كان سلوكه (ع) وعواطفه وافكاره نابعة من تأثيرات النبي (ص) قبل البعثة وبعدها، ومن كتاب الله المجيد، وما اوتي من نعمة ادراك الاسلام بصورته الواقعية.

والاسبقية في الاسلام والتعلم من رسول الله (ص) لم تقتصر على السلوك الفكري او الذهني، بل تعدت الى الدوافع الانسانية مثل الحاجات الجسدية الضرورية كالطعام والشراب والنوم. فقد كان طعام علي (ع) يشبه طعام رسول الله (ص) من حيث الزهد والتعفف عن ملء البطن، وكان اهل بيت النبوة (ع) قليلاً من الليل ما يهجعون، وكانوا بالاسحار يمارسون العبادة ويستغفرون، وكانوا يتلون كتاب الله ليل نهار. وقد كان شد الحجر على البطن من الجوع، والحرمان من النوم بسبب العبادة سمة من سمات اولئك «السابقون السابقون».

ولا شك ان الاسبقية في الاسلام اعطت علياً (ع) شخصية دينية ناضجة تشعر بامتداد عمق التكليف وانتشاره في كل مساحة من مساحات ذهنه وجسده، وعلاقة خشية وخوف من الله عزّ وجلّ، واطمئنان عاطفي وروحي بتقبل التضحيات والخسارة في سبيل الله، وثقة مطلقة ويقين قاطع بالمولى عزّ وجلّ، وادراك واقعي للاحكام والعقائد، وذاتية مملؤة تعرف موقعها في الحياة والمجتمع والكون. وتلك كانت فلسفة حياة كاملة عند علي (ع).

وبالجمال، فان الاسبقية في الاسلام حددت لعلي (ع) حاجاته الدينية والدنيوية، وتصوراته الذهنية عن الخلق والوجود، وموقفه الثابت من الاحداث والقضايا الخارجية، وخطه في العقيدة والحكم والقرار وخطط العمل لنصر الاسلام ضد الشرك والنفاق والقسط والنكوث والمروق.

لقد منحت الاسبقية لعلي (ع) علماً، وجعلته عبداً وسيداً في نفس الوقت: عبداً لله سبحانه بكل ما تعنيه العبودية من معنى، وسيداً على نفسه بكل ما تعنيه كلمة السيادة من سيطرة على الشهوات والرغبات. واصبح علي (ع) مكتفياً ذاتياً لا يحتاج الى مساعد او مستشار يستشيره في الاحكام الشرعية، كما كان الخلفاء الاوائل مثلاً يعانون منه. واصبح لا يطمع الا في مرضاة الله سبحانه كما كان يقول: «الله لو ادخلني الله النارَ وله في ذلك رضى، ما قلت انها النار ولكن قلت انها الجنة، لان جنتي رضاه». بينما كان الآخرون من بني امية وغيرهم يطمعون في السلطة والمنـزلة الاجتماعية واللذائذ الدنيوية. 

2- مغزى اختلاف الروايات في سنه (ع) عند إسلامه:

اختلفت الروايات في سنه (ع) عندما اسلم. فقد روى احمد بأن علياً (ع) اسلم وعمره خمس عشرة سنة او ست عشرة سنة[28]، وقال الكلبي: اسلم وهو ابن سبع سنين، وقال مجاهد وابن اسحاق: اسلم وهو ابن عشر سنين[29]. وروى الهيثمي: اسلم علي وهو ابن ثمان سنين[30]. وروى ابن عساكر: انه اسلم وهو ابن تسع سنين[31]. وفي رواية اخرى: انه اسلم وهو ابن احدى عشرة سنة[32]. وروى الشنقيطي: انه (ع) اسلم وهو ابن ثلاث عشرة سنة[33].

وبذلك فقد ترواح الزعم في سنه عندما اسلم: بين سبع، وثمان، وتسع، وعشر، واحدى عشرة، وثلاث عشرة، وخمس عشرة، وست عشرة سنة. وهذا الاختلاف الشاسع المزعوم في عمر امير المؤمنين (ع) عندما اسلم له دلالة مهمة. 

أ - الهدف من تزوير سن علي (ع) عند اسلامه:

فالهدف في تزوير سن علي (ع) عندما اسلم هو ان يقال: ان علياً (ع) اسلم وهو حديث السن لا يجوز عليه الحكم، وابو بكر اسلم وهو مستكمل العقل يجوز عليه الحكم. وبمعنى اخر ان علياً (ع) اسلم وهو لا يعي ما كان يفعل لانه صبي، بينما اسلم ابو بكر وهو في كامل وعيه لانه كان راشداً. فيكون ايمانه اشد تماسكاً من ايمان علي (ع). ولذلك فان خلافته كانت شرعية وصحيحة.

ولكن ذلك يرد من وجوه:

ان قول الامام علي (ع): «... آمنت قبل ان يؤمن ابو بكر واسلمت قبل ان يسلم»[34]، و«... آمنت قبل الناس سبع سنين»[35]، و«... ما اعرف احداً من هذه الأمة عَبدَ الله بعد نبينا (ص) غيري. عبدت الله قبل ان يعبده احد من هذه الامة...»[36]، يدل على ان ايمانه كان ايمان تكليف لا ايمان صبيان كما كانوا يزعمون. فالاسلام والايمان والعبادة تعني كلها انه (ع) كان واعياً تماماً لمقتضياتها، وهو الامام المعصوم (ع) الذي لا يجاريه احد من الصحابة في ادراكه لاحكام الشريعة السماوية الخاتمة.

فعندما يشير رسول الله (ص): ان علياً (ع) كان اول الناس ايماناً واسلاماً، يعني ان علياً (ع) كان محكوماً بالتكاليف الشرعية _ بالمقدار الذي نزل منه ذلك الوقت _ لا انه (ع) كان مجرد صبي قاصر لا يعي ما يفعل. وهو زعم ينتهك _ على اقل التقادير _ حرمة رسول الله (ص). فكيف يصح ان يقول الذي لا ينطق عن الهوى (ص) بان علياً (ع) كان اول الناس اسلاماً، وهو يقصد ذلك الصبي القاصر؟ فلابد ان يكون علياً (ع) عند اسلامه على وعي كامل بمقتضيات ذلك الايمان واحكامه وتكاليفه الشرعية.

والعصمة تقتضي ان يعبد الله سبحانه في أي سن كان. فالتصديق حتى لو كان في سن مبكرة، فانه تصديق وعي وادراك والهام بالنسبة للمعصوم (ع). وقد قال عيسى (ع) وهو في المهد: (... إنّي عبدُ اللهِ إتانيَ الكِتابَ وجَعَلَني نَبيّاً)[37]، بعد ان اشارت اليهم امه مريم (ع) بتكليمه: (فأشارت إليهِ قالوا كَيفَ نُكلِّمُ مَن كانَ في المَهدِ صَبيّاً)[38]، ووصف يحيى (ع) بالقول: (يا يَحيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَةٍ وآتَيناهُ الحُكمَ صَبيّاً)[39]. وفي ذلك روى الخوارزمي: «كان اول ذكر من الناس آمن برسول الله (ص) معه وصدق ما جاء من الله: علي بن ابي طالب... وكان مما انعم الله به على علي بن ابي طالب انه كان في حجر رسول الله (ص) قبل الاسلام»[40].

وعن الزرندي: «قال سلمان (رضي الله عنه): اول هذه الامة وروداً على رسول الله (ص) اولها اسلاماً، وان علي بن ابي طالب اولنا اسلاماً... وقال: والصحيح انه اسلم قبل البلوغ كما ورد في شعره حين فاخر معاوية وقال:

سبقتكم الى الاسلام طراً                    غلاماً ما بلغتُ أوان حلمي[41]

وإن تم ذلك، فقد كان علي (ع) غلاماً ليس كبقية الغلمان. بل غلام رباه رسول الله (ص) سبع سنين. وقوله (ع)، غلاماً ما بلغتُ أوان حلمي يؤيد انه كان على مشارف البلوغ. وذلك لا يقدح في ان يكون علي (ع) كامل الادراك عندما اسلم. فان بعض الانبياء بعثوا في دور الصبا. فقد آتى الله يحيى الحكم صبياً وعيسى الذي تكلّم في المهد صبياً، كما المحنا الى ذلك سابقاً. 

ب - علي (ع) وزمن «فترة الوحي»:

قال ابو عبيدة في فضائل القرآن (صحيح البخاري _ باب بدء الوحي الى رسول الله (ص)): حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن ابن ابي نجيح عن مجاهد، قال: «ان اول ما نزل من القرآن (اقرأ باسمِ رَبِّكَ الذي خَلَقَ) و(ن والقَلَمِ)...».

ولم تنـزل بعد نزول آية (اقرأ باسمِ رَبِّكَ) الى ثلاث سنوات آية من القرآن، وتسمّى تلك المدة بـ «زمن فترة الوحي». ثم اخذ القرآن ينـزل على النبي (ص) منجَّما[42]ً وكان ذلك مثار تشكيك المشركين، فاجاب عنه تعالى: (وقالَ الذينَ كَفَروا لولا نُزِّلَ عليهِ القُرآنُ جُملَةً واحِدَةً، كَذلِكَ لنُثبّت بِهِ فؤادَكَ ورتلّناه تَرتيلاً)[43].

وبالاجمال فان روح القرآن وأهدافه الكلية قد تجلّت في قلب رسول الله (ص) (إنّا أنزلناهُ في لَيلَةِ القَدرِ)[44]، و(إنّا أنزلناهُ في لَيلَةٍ مُبارَكَةٍ...)[45]، (نَزَلَ بِهِ الرُوحُ الأمينُ . على قَلبِكَ...)[46]، ولكنه (ص) اخذه عن الوحي منجَّماً على مدى سنين: (وقُرآناً فَرَقناهُ لِتَقرأهُ على الناسِ على مُكثٍِ ونَزّلناهُ تَنـزيلاً)[47].

قال ابن اسحاق: «ثمّ فَتَرَ الوحي عن رسول الله (ص) فترة من ذلك، حتى شقّ ذلك عليه فأحزنه ؛ فجاءه جبريل بسورة الضحى، يُقسم له ربه، وهو الذي اكرمه بما اكرمه به، ما ودّعه وما قلاه، فقال تعالى: (والضُّحى . والليلِ إذا سَجى. ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى)[48]. يقول: ما صَرَمك فتركك، وما ابغضك منذ احبك. (وللآخِرَةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الأولى)[49] أي: لما عندي من مرجعك اليّ خيرٌ لك مما عجلّت لك من الكرامة في الدنيا...»[50].

ووجه الدلالة هنا ان عدم نزول الوحي منذ نزول آية: (اقرأ باسمِ رَبِّكَ الذي خَلَقَ)[51] لمدة ثلاث سنوات، يقوّي الرأي القائل بان الذين اسلموا في تلك الفترة كانت زوجته خديجة (رض)، ولاحقاً ابن عمه علي بن ابي طالب (ع)، ثم مولاه زيد بن حارثة الذي اصبح بعد وفاة رسول الله (ص) عثماني الهوى. وكانت الدعوة خلال تلك السنوات الثلاث سرية. والظاهر ان الذين اسلموا من غير ما ذُكر خلال تلك الفترة قد اسلموا في الاشهر الاخيرة من السنة الثالثة، لان اسلامهم كان قطعاً بعد اسلام علي بن ابي طالب (ع) حيث دعاه رسول الله (ص) خلال تلك الفترة من عمر الدعوة السرية عندما تجاوز العاشرة من عمره بفترة زمنية، بعد ان اعدّه اعداداً كاملاً لمستلزمات الاسلام. وقد اثبتنا ان اسلام الآخرين كان بعد اسلام علي (ع)، فقد كان اول الناس اسلاماً. ولا شك ان علياً (ع) كان مؤمناً بالله الواحد عزّ وجلّ منذ ان ضمّه رسول الله (ص) اليه وهو في الربيع السادس من عمره المبارك.

وعلى أي تقدير، فقد كان اسلامه (ع) اسلام وعي وتفكر بحيث يستطيع ان يعبد الله سبحانه في حالة من حالات الادراك والكمال. 

3 - الاحتجاج في فضل علي (ع): استدلال مدرسة المأمون

احتج المأمون العباسي على الفقهاء في فضل علي (ع). ولم يكن المأمون من اتباع مدرسة اهل البيت (ع)، ولكن الظرف السياسي الموالي للتشيع في زمانه كان يستدعي ان يحاجج اصحاب المدارس الأخرى بأفضلية اهل البيت (ع) ومظلوميتهم. وكان هدف ذلك هو امتصاص النقمة السائدة على خلفاء بني العباس من قبل الامة.

قال المأمون لاسحاق بن ابراهيم القاضي: «يا اسحاق، أي الاعمال كانت افضل يوم بعث الله رسوله؟

قلت: الاخلاص بالشهادة.

قال: اليس السبق الى الاسلام؟

قلت: نعم.

قال: اقرأ ذلك في كتاب الله تعالى يقول: (والسابِقُونَ السابِقُونَ . أولِئكَ المُقَرَّبُونَ)[52] انما عنى من سبق الى الاسلام، فهل علمت احداً سبق علياً (ع) الى الاسلام؟

قلت: يا امير المؤمنين، ان علياً اسلم وهو حديث السن لا يجوز عليه الحكم، وابو بكر اسلم وهو مستكمل يجوز عليه الحكم.

قال: اخبرني ايهما اسلم قبل؟ ثم اناظرك من بعده في الحداثة والكمال.

قلت: علي اسلم قبل ابي بكر على هذه الشريطة.

فقال: نعم، فاخبرني عن اسلام علي حين اسلم لا يخلو من ان يكون رسول الله (ص) دعاه الى الاسلام او يكون الهاماً من الله؟

قال: فاطرقت.

فقال لي: يا اسحاق، لا تقل الهاماً فتقدمه على رسول الله (ص)، لان رسول الله (ص) لم يعرف الاسلام حتى اتاه جبرئيل عن الله تعالى.

قلتُ: اجل، بل دعاه رسول الله (ص) الى الاسلام.

قال: يا اسحاق، فهل يخلو رسول الله ص) حين دعاه الى الاسلام من ان يكون دعاه بأمر الله او تكلف ذلك من نفسه؟

قال: فاطرقت.

فقال: يا اسحاق، لا تنسب رسول الله الى التكلف، فان الله يقول: (... وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفينَ)[53].

قلت: اجل يا أمير المؤمنين، بل دعاه بأمر الله.

قال: فهل في صفة الجبار جلّ ذكره ان يكلّف رسله دعاء من لا يجوز عليه حكم؟

قلت: أعوذ بالله.

فقال: أفتراه في قياس قولك يا اسحاق ان علياً اسلم صبياً لا يجوز عليه الحكم، وقد كلف رسول الله (ص) دعاء الصبيان الى ما لا يطيقونه فهو يدعوهم الساعة ويرتدون بعد ساعة، فلا يجب عليهم في ارتدادهم شيء ولا يجوز عليهم حكم رسول الله (ص) أترى هذا جائزاً عندك ان تنسبه الى الله عزّ وجلّ؟

قلت: أعوذ بالله.

قال: يا اسحاق، فاراك انما قصدت لفضيلة فضل بها رسول الله (ص) على هذا الخلق أبانه بها منهم ليعرف مكانه وفضله ولو كان الله تبارك وتعالى امره بدعاء الصبيان لدعاهم كما دعا علياً؟

قلت: بلى.

قال: فهل بلغك ان رسول الله (ص) دعا احداً من الصبيان من اهله وقرابته، لئلا تقول ان علياً ابن عمه؟

قلت: لا اعلم، ولا ادري فعل او لم يفعل.

قال: يا اسحاق، أرأيت ما لم تدره ولم تعلمه هل تُسأل عنه؟

قلت: لا.

قال: فدع ما قد وضعه الله عنا وعنك»[54].

 

تحليل استدلال المأمون:

وفي احتجاج المأمون افكار لابد من عرضها بالشكل التالي:

أ _ انه (ص) دعا علياً (ع) للاسلام بأمر الله.

ب _ ان علياً (ع) عندما اسلم لم يكن صبياً لا يجوز عليه الحكم.

ج _ ان دعوة علي (ع) للاسلام كان لفضيلة تخصه (ع).

د _ ان رسول الله (ص) لم يدعُ احداً من الصبيان من اهله وقرابته الى الاسلام.

ولكن هذا الاحتجاج _ على متانته _ لا يمكن ان يؤخذ على تلك الصورة ما لم يهذّب تهذيباً علمياً. فعلي (ع) وقت البعثة ليس كبقية الصبيان، بل كان انساناً على اعتاب الرجولة قد امتلأ من علم رسول الله (ص)، ورضع من بيت النبوة، واستنشق من عبير الوحي، وكان يسمع الصوت ويرى الضوء قبل الرسالة وجبرئيل في الغار يعلّم رسول الله (ص) معاني التوحيد.

وتلك فضيلة عظيمة من فضائل علي (ع) التي اختص بها دون غيره من الناس. وبكلمة، فقد كان امير المؤمنين (ع) مؤهلاً _ بفضل التربية النبوية _ لتقبل الاسلام والايمان به لانه كان مؤمناً في الاصل بالتوحيد والعقيدة الابراهيمية. بينما كان الامر يتطلب مع بقية الناس مرحلتين. الاولى: الكفر بالوثنية وترك عبادة الاصنام. والثانية: الايمان بالله الواحد الاحد وبرسالته السماوية الجديدة.

 

4 _ خلاصة المطلب:

نستنتج مما ذُكر ان علياً (ع) كان قد ضُمّ الى رسول الله (ص) يوم كان في ربيعه السادس، وآمن بالله عزّ وجلّ عن وعي وادراك فور انضمامه الى النبي (ص). وهو يطابق قوله: «آمنت قبل الناس سبع سنين»[55]. فبقي مع رسول الله (ص) سبع سنين فكان اول المؤمنين ايماناً. واسلم عندما بلغ الثالثة عشرة من عمره وهو اصح ما قيل في ذلك[56]، فكان اول المسلمين اسلاماً. وكان (ع) الصديق الاكبر، آمن قبل ان يؤمن ابو بكر، واسلم قبل ان يسلم[57]. ويؤيد ما ذكرناه رواية الخوارزمي في «المناقب» من انه (ع) صلى «مستخفياً قبل ان يصلي مع النبي (ص) احد، سبع سنين واشهر...»[58]. والمشهور ان خديجة (رض) كانت تصلي معهم بعد البعثة. بينما نفهم من منطوق رواية الخوارزمي ان علياً (ع) كان يصلي مع النبي (ص) ولا احد معهما نفس تلك الفترة التي قضاها في بيت رسول الله (ص) قبل البعثة. وخير المؤيدات ايضاً رواية سلمان (رض) التي قال فيها: اسلم (ع) قبل البلوغ كما ورد في شعره الذي فاخر فيه معاوية بأنه اسلم عندما كان غلاماً ما بلغ اوان حلمه[59].

اجمالاً، فقد كان النبي (ص) يصلي لله عزّ وجلّ قبل الاسلام. فكان علي (ع) اول من صلى معه. وهذا يعني ان علياً (ع) كان مهيئاً ومعدَّاً لدخول الاسلام من اوسع ابوابه. فقد مارس مع رسول الله (ص) شتى الوان التعبد والتذلل والخشوع للخالق عزّ وجلّ قبل البعثة. وما ان صدع رسول الله (ص) بالرسالة حتى آمن بها علي (ع) بكل جوارحه.

  

الايمان بالرسالة

ان معنى الايمان - باطلاقه اللفظي- هو ان يضع الانسان ثقته بالشيء او القضية التي اعتنقها واعترف باحقيتها. فالايمان يعني بناء جسر من الثقة والاطمئنان يبن المؤمن والرسالة التي آمن بها. ومن هذا المنطلق فان الايمان بالرسالة يبتني على اربعة اسس:

الاول: الاعتقاد بالحقائق المنّـزلة عن طريق الوحي، والتي ليس لنا سبيل الى معرفتها الا عن طريق نبي مرسل يوحى اليه من قبل السماء. وقد كان ايمان علي (ع) بحقائق التنـزيل ايماناً راسخاً، ولذلك كان رسول الله (ص) يخاطبه قائلاً: «انت اول المؤمنين ايماناً وانت اول المسلمين اسلاماً...»[60]. أي انك اول من اعتقد بالحقائق السماوية المنـزلة عليَّ وانك اول من وضع ثقته بالرسالة السماوية التي جئتُ بها. وبتعبير ثالث، ان علياً (ع) عندما آمن برسول الله (ص)، فانه (ع) آمن بكل ما كان يحمله نبي الرحمة (ص) من احكام وعقائد ومفاهيم وقيم واخلاق.

الثاني: ان اعلى درجات الايمان هو ان يصل الى مرحلة اليقين والقطع لا مجرد المعرفة او الرأي. وقد كان ايمان علي (ع) في قمة سلّم اليقين والقطع لانه ايمان المعصوم المدرِك لرسالة الدين في الحياة الانسانية. بينما كان ايمان البقية من قريش وغيرها يتراوح بين المعرفة والرأي. فاذا ارتفع في سلم المعرفة اقترب من ايمان اهل البيت (ع) كايمان ابي ذر وعمار وسلمان والمقداد، واذا ارتفع في سلم الرأي الشخصي ابتعد عن اهل البيت (ع) كايمان الطلقاء ونحوهم. ولكن درجة اليقين التي كان قد وصلها ايمان علي (ع) جعلته اوفى الناس بعهد الله، واقومهم بأمر الله، واقسمهم بالسوية، واعدلهم في الرعية، وابصرهم في القضية، واعظمهم عند الله مزيةً، كما عبّر عن ذلك رسول الله (ص) في مخاطبته امير المؤمنين (ع)[61].

ولا شك ان ارتقاء الايمان بالرسالة الى درجة اليقين يعني اجتيازاً لحدود المعرفة العقلية من اجل الدخول الى عالم آخر يتجرد عن كل الشكوك والاوهام والمخاوف من العقوبة. فالايمان اليقيني بالله وبرسالته السماوية لا يرتفع فوق الرأي الشخصي فحسب، بل يرتفع فوق حدود المعرفة العقلية التي يجهد الافراد العاديون امثالنا في استيعابها. بينما يستقر الايمان المستند على الرأي الشخصي في القعر، لانه ايمان لا يستند الى ادنى درجات القطع. ولذلك ما كان رسول الله (ص) يدعو احداً من الناس الى الاسلام الا كانت فيه عنده كبوة (أي تأخير وقلة اجابة) ونظر وتردد[62]، كما المحنا الى ذلك اكثر من مرة. ولكنّ علياً (ع) كان قمةً في اليقين والقطع بصحة رسالة محمد (ص).

وفي ضوء ذلك، نقرر بأن الايمان له مراتب ثلاث:

1 _ مرتبة الايمان السطحي المستمد من الرأي الشخصي المجرد عن المعرفة. وامثلته ايمان اولئك الذين لم يكن لهم مفر الا الايمان الظاهري، كايمان الطلقاء والذين استسلموا عندما استشعروا قوة الاسلام، ولكنهم رجعوا الى الجذور الجاهلية عندما حانت الفرصة لذلك لاحقاً.

2 _  مرتبة الايمان المستند على المعرفة الحقة المبنية على مصادر الدين. وهو ايمان النخبة الصالحة من صحابة رسول الله (ص) وامير المؤمنين (ع) كابي ذر وعمار وسلمان والمقداد وامثالهم.

3 _  مرتبة الايمان المستند على اليقين. ولا ايمان بعد ذلك يستطيع الانسان حمله، على الصعيد الذهني او القلبي. وهذا هو ايمان علي بن ابي طالب وائمة الهدى (ع) برسالة رسول الله (ص). وهو القائل (ع): «لو كشف الغطاء ما ازددتُ يقيناً»[63].

الثالث: ان معرفة الحقيقة شيء والايمان بها شيء آخر. فقد يحصل للفرد علم بان الله عزّ وجل واحد، ولكنه لا يؤمن بتلك الحقيقة. وقد يحصل للانسان علم بأن محمداً (ص) رسول الله حقاً، ولكنه يظل كافراً بتلك الحقيقة. وربما تواجد اكثر من صحابي في وقائع تأريخية اثنٍى فيها رسول الله (ص) على علي (ع) ومنحه فيها مقعد الولاية الشرعية، ولكنهم لم يؤمنوا بها مع انها كانت حقيقة.

فالايمان بالحقيقة الدينية اذن هو الذي يُثقل الميزان، لا معرفة الحقيقة معرفة مجردة. وعندما كان علي (ع) يرى الحقائق السماوية النازلة على نبي الرحمة (ص) ناصعة اماه، لم يقف منها موقف الحياد، بل آمن بها بقوة. فمعرفة الحقيقة الدينية عند علي (ع) كان يعني الايمان بها.

الرابع: ان ايمان علي (ع) برسالة محمد (ص) لابد ان يكون جزءً من التصميم الالهي للحياة. فشخصية بهذا الوزن وذاك الحجم في الصورة الاسلامية، لابد ان تُخلق مع الاسلام من أجل اكتمال تلك الصورة. فايمان علي (ع) لم يكن قراراً عشوائياً، او حكم صبي كما يزعمون، بل كان جزءً من التصميم الالهي لمستقبل هذا الدين. وهذا لا يقلل من فضائله (ع)، بل كان في علم الله عزّ وجلّ ان تكتمل صورة الاسلام بوجود علي (ع) بعد رسول الله (ص).

ولا شك ان الامام (ع) _ على الرغم من حداثة سنه _ لم يكن ليؤمن برسالة لولا انه رأى دليلاً حاسماً على صدقها. والمعجزات التي ظهرت على النبي محمد (ص) وانجاز ما وعده الله سبحانه، وقدسية الرسول والرسالة، كلها تعطي شخصية عظيمة كشخصية علي (ع) الدليل على التصديق الكامل بها. ويؤيده قوله (ع) عندما سأله السائل: هل رأيت ربك؟ فأجابه (ع): او اعبد ما لا ارى؟ ثمّ عاد السائل: وكيف تراه؟ فرد عليه: «لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان...». فقد ادرك علي (ع) بقلبه الخافق حقائق الرسالة الجديدة وآمن بها.

ومن الطبيعي فان ايمان الامام (ع) برسالة السماء كان مستنداً على قطعية الدليل الذي رآه في شخصية رسول الله (ص)، وعلى يقينية الدليل في رسالة القرآن المجيد. وهذا يدعونا للايمان بأن علياً (ع) عندما آمن بالاسلام لم يكن صبياً يقلّد الآخرين. بل كان مسلّحاً بالمعارف التي تعلمها من النبي (ص). فكان على وعي تام بمقتضيات الايمان بالرسالة الجديدة على الصعيدين العقلي والروحي. ولم يكن يُعهد عن رسول الله (ص) انه كان يدعو الصبيان والاحداث الى الاسلام، بل كان يدعو من يجد فيه الكفاءة والاهلية لتقبل الدين الجديد بأفكاره وتكاليفه. فيكون ايمان علي (ع) المسلّح بالمعارف التوحيدية، بوابة من بوابات الخير المنهمر على البشرية، كما سنلمس ذلك لاحقاً.

 

 


1 «المستدرك على الصحيحين» ج 3 ص 136. و«سنن الترمذي. ج 5 ص 306. و«مسند احمد»     ج 4 ص 371. و«تاريخ مدينة دمشق» - ترجمة الامام علي بن ابي طالب (ع) ج 1 ص 63، حديث 99.

2 «المناقب» - الخوارزمي. الفصل الرابع. ص 17. و«المستدرك على الصحيحين» ج 3 ص 136.

3 «وسيلة المال في عدّة مناقب الآل». رواه الحضرمي باسناده عن عمر بن الخطاب. الباب الرابع ص 211

4 «انساب الاشراف» - البلاذري باسناده عن معاذة العدوية. ج 2 ص 146. و«تاريخ مدينة دمشق»     ج 1 ص 53 حديث 90 و«منتخب كنـز العمال» ج 5 ص 40.

5 «الخصائص» - رواه النسائي باسناده عن عمرو بن عبادة بن عبد الله ص 3.

6 «المناقب» - الخوارزمي. الفصل الرابع ص 17.

7 «كفاية الطالب». رواه الشنقيطي باسناده عن ابن عمر ص 9.

8 «الصواعق المحرقة» - ابن حجر ص 71.

9 «مفتاح النجاء» - البدخشاني. ص 35.

10 «منتخب كنـز العمال» باسناده عن معقل بن يسار ج 5 ص 31.

11 «المصدر السابق» باسناده عن معاذ. ج 5 ص 33 – 34.

12 «المناقب» - الخوارزمي. الفصل الرابع ص 20 باسناده عن زيد بن ارقم. و«الخصائص» رواه النسائي ص 2. و«انساب الاشراف» - البلاذري ص 93. و«الفضائل» رواه احمد ج 1 ص 121.

13 «مسند احمد» - رواه احمد باسناده عن اسماعيل بن أياس بن عفيف الكندي عن ابيه عن جده. ج 1 ص 209. ورواه النسائي في «الخصائص» ص 3.

14 «مطالب السّئول» ص 28. و«سيرة ابن هشام» ج 1 ص 259، 263.

15 «المناقب» - الخوارزمي. الفصل الرابع ص 21.

16 «وسيلة المآل» - رواه الحضرمي باسناده عن حبة العرني. الباب الرابع ص 211.

17 «الخصائص» - رواه النسائي باسناده عن عمرو بن عبادة بن عبد الله ص 3.

18 «كفاية الطالب». رواه الشنقيطي باسناده عن ابن عمر ص 9.

19 «المناقب» - الخوارزمي. الفصل الرابع ص 21.

20 سورة الحجر: آية 94.

21 سورة الشعراء: آية 214 _ 215.

22 «وسيلة المآل» رواه الحضرمي باسناده عن عمر بن الخطاب. الباب الرابع ص 211.

23 سورة الحجرات: آية 14.

24 «سيرة ابن هشام» ج 1 ص 269.

25 سورة الواقعة: آية 10 – 11.

26 «مسند احمد» ج 4 ص 371.

27 «نهج الحق وكشف الصدق» - العلامة الحلي. باب الاخبار المتواترة عن النبي (ص) الدالة على امامة علي (ع) _ حديث 2 ص 101.

28 «الفضائل» ج 1 حديث 119، رواه احمد باسناده عن قتادة عن الحسن. و«العقد الفريد» _ ابن عبد ربه ج 4 ص 311.

29 «تفسير الثعلبي» ص 420 مخطوط.

30 «تأريخ مدينة دمشق». ج 1 ص 32، رقم 61. رواه الهيثمي عن عروة بن الزبير.

31 «المصدر السابق» ج 1 ص 33 حديث 62. رواه ابن عساكر باسناده عن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن ابي طالب.

32 «المصدر السابق» ج 1 ص 35 حديث 65. رواه ابن عساكر باسناده عن محمد بن عبد الوهاب عن الحسين بن الوليد.

33 «كفاية الطالب» ص 9. رواه الشنقيطي باسناده عن ابن عمر.

34 «انساب الاشراف» ج 2 ص 146.

35 «الخصائص» - عن النسائي باسناده عن عمرو بن عبادة بن عبد الله ص 3.

36 «الخصائص» ص 3.

37 سورة مريم: آية 30.

38 سورة مريم: آية 29.

39 سورة مريم: آية 12.

40 «المناقب». الفصل الرابع ص 17. رواه الخوارزمي باسناده عن محمد بن اسحاق.

41 «نظم درر السمطين». ص 82. و«منتخب كنـز العمال». ج 5 ص 40.

42 يقال: نَجمَّتُ المال، إذا أدّيته نجوماً. والنَجمُ: الوقت المضروب.

43 سورة الفرقان: آية 32.

44 سورة القدر: آية 1.

45 سورة الدخان: آية 2.

46 سورة الشعراء: آية 193 – 194.

47 سورة الاسراء: آية 106.

48 سورة الضحى: آية 1 – 3.

49 سورة الضحى: آية 4.

50 «سيرة ابن هشام» ج 1 ص 258.

51 سورة العلق: آية 1.

52 سورة الواقعة: آية 10 – 11.

53 سورة ص: آية 86.

54 «العقد الفريد» - ابن عبد ربه. ج 5 ص 94.

55 «الخصائص» - عن النسائي باسناده عن عمرو بن عبادة بن عبد الله ص 3.

56 «كفاية الطالب». رواه الشنقيطي باسناده عن ابن عمر ص 9.

57 «انساب الاشراف» - البلاذري باسناده عن معاذة العدوية. ج 2 ص 146.

58 «المناقب» - الخوارزمي. الفصل الرابع ص 21.

59 «نظم درر السمطين» ص 82 عن الزرندي.

60 «وسيلة المآل». الباب الرابع ص 211.

61 «منتخب كنـز العمال» باسناده عن معاذ. ج 5 ص 33 – 34.

62 «سيرة ابن هشام» ج 1 ص 269.

63 «شرح ابن ميثم البحراني على كلمات الامام علي (ع)» ص 52.