(ص 251- 268)

الفصل الثامن

 الهجرة الى المدينة

 

طبيعة الهجرة الى المدينة ومقتضياتها * الهجرة في القرآن الكريم: آيات الهجرة: 1- الطائفة الاولى: في صفة المهاجرين. 2- الطائفة الثانية: نفي ولاية غير المهاجرين وادانتهم. 3- الطائفة الثالث: الهجرة الى الله ورسوله. 4- الطائفة الرابعة: مساعدة المهاجرين في سبيل الله * الهجرة: الابعاد الدينية والاجتماعية: 1- الهجرة الى المدينة: الهجرة الحقيقية. 2- التكيّف بعد الهجرة * اخلاقية رد الامانات الى الناس.

-----------------------
 

طبيعة الهجرة الى المدينة ومقتضياتها

هاجر رسول الله (ص) من مكة الى المدينة غرّة ربيع الاول من السنة الثالثة عشرة من المبعث، وفي تلك الليلة بات امير المؤمنين (ع) على فراش النبي (ص)، كما اشرنا الى ذلك آنفاً. وكان علي (ع) « يجهز النبي (ص) حين كان بالغار، ويأتيه بالطعام [بعد ان] استأجر له ثلاث رواحل، له (ص) ولابي بكر ودليلهم عبد الله بن أرقط، وخلّفه النبي (ص)... وأمره أن يؤدي عنه امانته ووصايا من كان يوصي اليه، وما كان يؤتمن عليه من مال [فانما كان يسمّى الامين]، فأدى امانته كلّها... وأمر النبي (ص) علياً (ع) ان يلحقه بالمدينة، فخرج علي (ع) في طلبه بعد ما أخرج اليه فكان يمشي من الليل، ويكمن بالنهار حتى قدم المدينة. فلما بلغ النبي (ص) قدومه قال: ادعوا لي علياً، فقالوا: انه لا يقدر ان يمشي فأتاه النبي (ص) فلما رآه النبي (ص) اعتنقه وبكى رحمة له مما رأى بقدميه من الورم وكانتا تقطران دماً...»[1]. ثم « دعا له بالعافية ومسح رجليه فلم يشتكهما بعد ذلك»[2].

و«روى الثعلبي في تفسيره قال: لما اراد النبي الهجرة خلّف علياً لقضاء ديونه وردّ الودايع التي كانت عنده»[3]. وعلّق السيد ابن طاووس في طرائفه: «ثم العجب انه ما كفاه ذلك كله حتى يقيم ثلاثة ايام بمكة بعد النبي (ص) يردّ الودائع، ويقضي الديون ويجهّز عياله ويسدّ مسده، ويحمل حرمه الى المدينة بقلب راسخ ورأي شامخ»[4]. وهاجر (ع) الى يثرب وله ثلاث وعشرون سنة، وللنبي (ص) ثلاث وخمسون، ولفاطمة (ع) ثمان سنين.

واول ما نزل النبي (ص) حين هاجر من مكة الى المدينة في قباء. واول مسجد بُني في الاسلام وهو مسجد قباء يبعد عن المدينة، بالحساب المتري، ثلاث كيلو مترات ونصف. وبقي رسول الله (ص) في قبا مدة عشرين ليلة ينتظر قدوم امير المؤمنين (ع). ومدة بقائه في قبا كان (ص) يصلي قصراً.

 

الهجرة: في القرآن الكريم

الهَجرُ في اللغة: ضد الوصل. يقال هَجَرَهُ هَجراً وهِجراناَ. والاسم: الهِجرَةُ. والهِجرَتان: هجرةٌ الى الحبشة، وهجرةٌ الى المدينة. والمهاجَرةُ من أرضٍ الى أرضٍ: تركُ الوطن[5].

ومع ان القرآن الكريم تعرض الى موضوع الهجرة في مواطن عديدة، الا انه لم يعرّفها، بل ترك تحديدها تعرفها الى العرف الاجتماعي. فما يعرفه العرف من الهجرة ينطبق على منطوق الآية الشريفة، كا هو الحال في قوله تعالى: (يا أيُّها الذينَ آمَنوا أوفُوا بالعٌقودِ...)[6]، فترك تعريف معنى العقد الى العرف الاجتماعي. وكذلك ترك تحديد معنى الهجرة الى العرف.

والملاحظ ان الآيات القرآنية التي تناولت الهجرة انما قصدت الهجرة الى المدينة، ولم تشر الى هجرة الحبشة. ولذلك فاننا نميل الى اعتبار اطلاق لفظ «الهجرة» على «الخروج الى الحبشة» اطلاقاً مجازياً. والا فلم تكن تلك هجرة دائمية. بل كانت هجرة مؤقتة باذن من الله ورسوله من اجل الامن والراحة من أذى مشركي مكة وعذابهم وفتنتهم. ولذلك يطلق على الهجرة الاولى الى ارض الحبشة الخروج الى الحبشة. ولا يطلق على الهجرة الثانية الى المدينة الخروج الى المدينة.

وقد خرج جعفر بن ابي طالب (رض) الى الحبشة، ولكن علياً (ع) لم يخرج اليها، بل بقي مع رسول الله (ص) يحميه ويحمي الرسالة ضد الشرك. وكان مجموع الذين ذهبوا الى الحبشة ثلاثة وثمانين رجلا[7]ً.

ولكن الهجرة الى المدينة كانت هجرة حقيقية، لان رسول الله (ص) كان عازماً على تأسيس دولته الدينية هناك. وكان مصمماً على التعامل مع الاحداث تعاملاً عالمياً لا ينحصر بأم القرى او قريش او العرب، بل الدنيا كلها. فكانت الهجرة الى المدينة دائمية ولم تكن عملية مؤقتة. 

آيات الهجرة:

ويمكننا تصنيف الآيات القرآنية التي وردت في الهجرة الى اربع طوائف هي: في صفة المهاجرين المؤمنين، وادانة الذين لم يهاجروا من دار الشرك او حرمانهم من بعض حقوقهم، وتقييد الهجرة بكونها في سبيل الله، وضرورة مساعدة المهاجرين. 

1- الطائفة الاولى: في صفة المهاجرين

لقد انحصر المسلمون في تلك الفترة بالخصوص بطائفتين، هم: المهاجرون الذين هاجروا من مكة الى المدينة، والانصار وهم الذين آووا النبي (ص) واحتفوا بالمؤمنين المهاجرين ونصروا الله ورسوله (ص). وعدا ذلك، كان هناك قليل ممن آمن بمكة ولم يهاجر.

فجعل الله بين المهاجرن والانصار ولاية شرعية: (إنَّ الذينَ آمَنوا وهاجَروا وجاهَدوا بأموالِهم وأنفُسهِم في سَبيلِ اللهِ والذينَ آوَوا ونَصَروُا أولئِكَ بَعضُهُم أولياءُ بَعضٍ...)[8]. ووصف أعمالهم بأنها اثر من آثار الايمان الحق: (والذينَ آمَنوا وهاجَروا وجاهَدوا في سَبيلِ اللهِ والذينَ آوَوا ونَصَروا أولِئكَ هُمُ المُؤمِنونَ حَقّاً لَهُم مَغفِرَةٌ ورِزقٌ كَريمٌ)[9]، ثم وصف الذين هاجروا لاحقاً بالقول: (والذينَ آمَنوا مِن بَعدُ وهاجَروا وجاهَدوا مَعَكُم فأولئكَ مِنكُم...)[10]. وفضّل الله عزّ وجلّ المهاجرين ورفع درجتهم: (الذينَ آمَنوا وهاجَروا وجاهَدوا في سَبيلِ اللهِ بأموالِهِم وأنفُسِهِم أعظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وأولئكَ هُمُ الفائزونَ)[11].

فمن صفات الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذين آووهم ونصروهم:

1- ولاية بعضهم على بعض، أي التولي بين المهاجرين والانصار، عدا ولاية الارث لانها مختصة بالارحام والقرابة.

2- انهم مؤمنون حقاً. فقد اثبتوا في اعمالهم وافعالهم انهم اتصفوا بالصفات الحقيقية للايمان. فوعدهم الله بالمغفرة والرزق الكريم.

3- ان الهجرة كانت من لوازم الايمان، فكان يسبق الكلام عن الهجرة كلام عن الايمان بصيغة: الذين آمنوا وهاجروا... فنستفيد مفهوماً ان الاعمال من غير ايمان بالله عزّ وجلّ _ وبضمنها الهجرة _ لا فضل لها ولا درجة لصاحبها عند الله.

4- اظهار صفة التفاضل بين المهاجرين وغير المهاجرين من المؤمنين. فالمؤمن المهاجر اعظم درجة عند الله، لانه بذل ما استطاع في سبيله عزّ وجلّ، من الايمان والهجرة والجهاد. 

2 - الطائفة الثانية: نفي ولاية غير المهاجرين وادانتهم

وهي على قسمين:

الاول: نفت فيه الولاية بين المؤمنين المهاجرين والانصار من جهة وبين المؤمنين غير المهاجرين الباقين في مكة من جهة اُخرى، الا ولاية النصرة اذا استنصروهم بشرط ان يكون الاستنصار على قوم ليس بينهم وبين المؤمنين ميثاق. وفي ذلك قال تعالى: (... والذينَ آمَنوا ولَم يُهاجِروا ما لَكُم مِن ولايَتهم مِن شَيءٍ حتّى يُهاجِروا وإنِ استَنصَروُكُم في الدينِ فَعَلَيكُم النَّصرُ إلاّ على قَومٍ بَينَكُم وبَينَهُم ميثاقٌ...)[12]. وما نزل في قوم من المشركين اظهروا الايمان للمؤمنين ثم عادوا الى مقرهم وشاركوا المشركين في شركهم: (... فلا تتخِذوا مِنهُم أولياءَ حتّى يُهاجِروا في سِبيلِ اللهِ...)[13] فنهاهم عن ولايتهم الا ان يهاجروا في سبيل الله، فان تولوا فليس عليهم فيهم الا اخذهم وقتلهم. فكان على المؤمنين ان يكلّفوا هؤلاء المعنيين بالآية بالمهاجرة، فان اجابوا فليوالوهم. وان تولوا فليقتلوهم.

والثاني: ادانت الذين ظلموا انفسهم بالاعراض عن دين الله وترك اقامة شعائره من جهة وجودهم في بلاد الشرك ولم يهاجروا الى بلاد الله الواسعة التي يُعبد فيها الله سبحانه دون خوف. فقال تعالى: (إنَّ الذينَ تَتَوفّاهُمُ الملائِكَةُ ظالِمي أنفُسهِم قالوا فيمَ كُنتُم قالوا كُنّا مُستَضعَفينَ في الأرضِ قالوا ألَم تَكُن أرضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِروا فيها فأولئكَ مأواهُم جَهنَّمُ وساءَت مَصيراً)[14]. وفي الآية استثناء منقطع بالمستضعفين الذين لا يتمكنون من الهجرة: (إلاّ المُستَضعَفينَ مِنَ الرجالِ والنساءِ والوِلدانِ لا يَستطيعُونَ حيلَةً ولا يَهتَدونَ سَبيلاً)[15].

ونستلهم مما ذكر من آيات هذه الطائفة مما يلي:

1- حرمان المؤمن غير المهاجر من حق الولاية على المؤمن المهاجر. ذلك لان المؤمن في مجتمع الشرك لا يستطيع ان يمارس امور الدين بوحي ارادته، بل ان الاكراه والضغط من قبلهم يستوجب التقية احياناً.

2- ان امتحان المشركين الذين اظهروا الايمان في البداية وعادوا الى شركهم، كان عن طريق تكليفهم بالمهاجرة الى دار الاسلام. فإن أجابوا كان على المؤمنين موالاتهم. وإن لم يستجيبوا كان على المؤمنين قتلهم. ولكنهم لم يستجيبوا الى ذلك، ففشلوا في الامتحان، وحقّ عليهم القتل لانهم مشركون.

3- ان الهجرة من دار الشرك الى دار الاسلام حيث يعبد الله هي الطريق الوحيد للتخلص من عذاب الله. ففي دار الاسلام يكمن المجال الحقيقي للايمان والعمل والقدرة على نشر الاسلام وتطبيق مصاديق الدين في العدالة بين الناس.

3- الطائفة الثالثة: الهجرة الى الله ورسوله

وهي كناية عن المهاجرة الى ارض الاسلام حيث يتمكن فيها المهاجر من العلم بكتاب الله وسنة رسوله (ص) والعمل بهما. قال تعالى: (ومَن يُهاجِر في سَبيلِ اللهِ يَجد في الأرضِ مُراغَماً كثيرَاً وسَعَةً ومَن يَخرُج مِن بَيتِهِ مُهاجِراً الى اللهِ ورَسولِهِ ثُمَّ يُدركهُ المَوتُ فقَد وَقَعَ أجرُهُ على اللهِ وكان اللهُ غَفوراً رحيماً)[16]، (والذينَ هاجَروا في اللهِ مِن بَعدِ ما ظُلِمُوا لنبوِئَنَّهُم في الدُنيا حَسَنَةً ولأجرُ الآخِرَةِ أكبَرُ لَو كانُوا يَعلَمونَ . والذينَ صَبَروا وعلى ربِّهِم يَتَوكَّلونَ)[17]، (والذينَ هاجَروا في سَبيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أو ماتُوا لَيرزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزقاً حَسَناً وإنَّ اللهَ لَهُوَ خَيرُ الرازقينَ)[18]، (فآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنّي مُهاجِرٌ الى ربِّي إنَّهُ هُوَ العزيزُ الحَكيمُ)[19]. والمراد بالمهاجرة الى الله هنا هو هجرة الوطن والخروج الى بلد ليس للمشركين فيه دخل فيمنعونه من عبادة الله. والمهاجرة الى الله من المجازات العقلية.

وقد قيد تلك الآيات: الهجرة، بكونها في الله أو في سبيل الله، لان المثوبة تترتب على صالح العمل. ولا يكون العمل صالحاً ما لم يثبت خلوص النية لله سبحانه، وما لم تنتفِ المقاصد الدنيوية والمصالح الشخصية.

ونفهم من آيات هذه الطائفة:

1- وقوع الاجر على الله للمهاجر إذا ادركه الموت من وفاة أو قتل، وهو استعارة لفظية بالكناية عن لزوم الاجر والثواب له تعالى واخذه ذلك في عهدته. والرزق الحسن هو الاجر العظيم.

2- ان الهدف من الهجرة الى دار الايمان وترك دار الشرك هو طلب مرضاة الله وتقوية المجتمع الاسلامي عبر الانسجام والاتحاد والتعاون على البر والتقوى، واعلاء كلمة التوحيد، ونشر العدل بين الناس. بينما كانت الطائفة التي لم تهاجر في سبيل الله تنصر الشرك. ولو أخذنا الآيات على اطلاقها لاستنتجنا بان على المسلم ان يقيم اقامة دائمية في دار الايمان حيث يتمكن فيها من تعلم احكام الدين، ويقدر على اقامة شعائره والعمل باحكامه.

3- قُيدت الهجرة في الله بقيد الظلم الذي تعرض له المسلمون في مكة. ويفهم من تقدير آية (والذينَ هاجَروا في سَبيلِ اللهِ مِن بَعدِ ما ظُلِمُوا...)[20]: الذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا فيه. أي ان المبرر الذي دعى المؤمنين للهجرة هو: ظلم الظالم في دار الشرك، وحاجة الاسلام الى المسلمين المهاجرين في دار الاسلام.

4- ان اقامة احكام الدين في دار الاسلام تساعد بشكل حاسم على اقامة المجتمع الذي يُعبد فيه الله سبحانه، ولا يحكم فيه الا بالعدل والاحسان. ولذلك ذيّلت الهجرة بالقول: (لَنُبوّئنَّهُم في الدنيا حَسَنَةً...) وهو الوعد الجميل بالمجتمع الديني الصالح المستقر.

5- الملازمة بين الهجرة والمحن التي تلازم المهاجر، ولذلك نلحظ توصيف المهاجرين بانهم اناس يتحلون بالصبر والتوكل: (... والذينَ صَبَروا وعلى ربِّهم يَتَوكَّلُونَ)[21].

4- الطائفة الرابعة: مساعدة المهاجرين في سبيل الله

فقد حثّت الآيات الكريمة الاثرياء على عدم التقصير في ايتاء اولي القرابة والمساكين والمهاجرين في سبيل الله من مالهم: (ولا يأتَلِ أولوا الفضلِ مِنكُم والسعةِ أن يُؤتوا أولي القُربى والمَساكينَ والمهاجرينَ في سَبيلِ اللهِ...)[22]. وهذه الآية وردت في معرض حديث الافك، وحثت أولئك الذين أرادوا قطع الايتاء ان يستمروا على ادامة المساعدة. وآية اُخرى تقول: (للفُقراءِ المُهاجِرينَ الذينَ أُخرِجوا مِن ديارِهم وأموالِهم يَبتَغُونَ فَضلاً من اللهِ ورِضواناً ويَنصُرونَ اللهَ ورسولَهُ أولئكَ هُمُ الصادِقُونَ)[23]. وهذه الآية بيّنت وجه صرف الخمس في هؤلاء الفقراء المهاجرين ؛ وإعطائهم ايّاه يعدُّ صرفاً له في سبيل الله.قيل ان النبي (ص) قسّم فيء بني النضير بين المهاجرين ولم يعط منه الانصار شيئاً الا رجلين من فقراءهم أو ثلاثة. والمراد من المهاجرين هم من هاجر من المسلمين من مكة الى المدينة قبل الفتح وهم الذين اخرجهم كفار مكة بالاكراه فتركوا ديارهم وأموالهم وهاجروا الى دار الاسلام.

ونستفيد من ظواهر آيات هذه الطائفة:

1- ان المهاجرين اصبحوا من الفقراء، وامسوا مصداقاً من مصاديق صرف الخمس في سبيل الله. ذلك لانهم اضطروا للهجرة من دار الشرك الى دار الاسلام وهي مدينة رسول الله (ص)، وتركوا أموالهم ومساكنهم، تضحيةً منهم في سبيل الله.

2- الحثّ على مساعدة المهاجرين في سبيل الله _ على سبيل الاستحباب _ لانهم فقراء ضحوا بأموالهم ومتعلقاتهم الاجتماعية من اجل الدين. وورود الآية في معرض حديث الافك لا يخصص المورد، بل يمكن أخذ الآية على اطلاقها.

 

الهجرة: الابعاد الدينية والاجتماعية

تعني الهجرة[24] حركة الافراد بصورة نهائية الى مكان جديد، بعد ان يقطعوا مسافة طويلة بواسطة أو مشياً على الاقدام. فالافراد الذين ينتقلون من قريتهم الى قرية مجاورة لا يُعتبر تحركهم هجرة، ولا الذين ينتقلون الى منطقة بعيدة بشكل مؤقت مع انه قد يطلق على ذلك «هجرة» مجازاً. ولكن الهجرة تتلب: الابتعاد عن الوطن مسافة بعيدة، والبقاء في الوطن الجديد بصورة دائمية ونهائية. وقد كانت الهجرة من مكة الى يثرب في غرة ربيع الاول من السنة الثالثة عشرة من المبعث النبوي الشريف هجرة حقيقية، لانها كانت تعني الابتعاد عن الوطن مسافة طويلة، ولان النية كانت استحداث مدينة دائمية لعاصمة الاسلام. وقد تحقق ذلك. ولكن الذهاب الى الحبشة من قبل جعفر بن ابي طالب وعدد من المسلمين تسمّى هجرة مجازاً. فهي ليست هجرة حقيقية لان النبي (ص) لم يكن يفكر ببناء دولته في الحبشة، ولا الاستقرار فيها. 

1- الهجرة الى المدينة: الهجرة الحقيقية

ولا شك ان الذهاب الى يثرب من قبل المسلمين لم يكن مجرد انتقال عابر من مدينة الى اخرى، بل كانت حركة مخطط لها وكانت هجرة في سبيل الله. وقد أشار القرآن المجيد الى ذلك بالقول: (الذينَ آمَنوا وهاجَروا وجاهَدوا في سَبيلِ اللهِ بأموالِهِم وأنفُسِهِم أعظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ...)[25]. وفلسفة الهجرة من مكة الى المدينة _ التي نوّرها رسول الله (ص) بوجوده فيها _ تستبطن فكرة تصرح بانه كانت هناك فرصة لتثبيت الاسلام في موقع آمن ونشره في العالم، بعد ان كان محصوراً في بيوت معدودة في مكة. فلم تكن تلك الهجرة اذن اقتصادية او اجتماعية بل كانت دينية وجهادية بكل ما تعنيه الكلمة. وعندما نتحدث عن الهجرة وندرسها، فان ما يعنينا منها هو المهاجر، فهو أصل الهجرة، ومن أجله ومن اجل الفكرة التي يحملها تمت تلك العملية الشاقة.

والمحور في شخصية المهاجر هو شعوره بالطموح نحو المستقبل، وامتلاء نفسه بالامل في التغيير والبناء. فالفرد الذي لا يقتنع بدوره الاجتماعي والديني في بلده، يبدأ بالتفكير بالهجرة الى مكان جديد من اجل غد مشرق ومستقبل أفضل. وقد كان المهاجرون المسلمون الى المدينة يحلمون بتحدي المشركين ومقاتلتهم بالسيف حتى تنتشر كلمة التوحيد في جميع أنحاء الارض. وكان طموحهم يتجاوز اطار الصحراء العربية ليصل الى العالم كله.

ولا شك ان الاضطهاد الديني يُعدّ من اهم العوامل التي تدفع الانسان للهجرة من بلده. وقد عانى رسول الله (ص) وعلي (ع) وبقية المسلمين من ظلم قريش ومحاربتها للدين الجديد. ولذلك فقد كانت الهجرة عملية حتمية. لان التقية مقيدة بعدم القدرة على مواجهة الظالم، ولا يمكن ان تؤدي وظيفتها في ظرف كان يتطلب الانطلاق والتحرك والجهاد في سبيل الله ومقاتلة المشركين. وقد اُستخدمت التقية على نطاق ضيّق في قضية عمار بن ياسر ومسلمين مستضعفين آخرين. ولكن استثمار رخصة التقية لا يمكن ان يستمر هكذا فيختنق الدين، فكان لابد من التحرك باتجاه المدينة.

وكان ذلك التحرك الجماعي للمسلمين في السنة الثالثة عشرة من المبعث قد غيّر الخريطة السكانية والسياسية لمكة والمدينة. ذلك ان المهاجرين المسلمين كانوا اصحاب عقيدة يطمحون من هجرتهم تحقيق اهدافهم في نشر الدين الجديد، ولم يكونوا مجرد مهاجرين من اجل مصالح شخصية محدودة وأمل بالاسترخاء، خصوصاً اهل بيت النبوة (ع) ابتداءً برسول الله (ص) وعلي (ع) وبقية بني هاشم كحمزة وجعفر الذي كان في الحبشة، مروراً بأصحاب رسول الله (ص) كعمار وسلمان وأبي ذر والمقداد وغيرهم، وانتهاءً ببقية المسلمين.

فالهجرة المباركة تلك يمكن تشخيص ملامحها عبر تشخيص اهدافها والقوة التي كانت تضعها في المؤمنين بالدين الجديد. فقد كان الجو الايماني الملتهب ضدّ المشركين، والامداد المعنوي الذي كان يمدّه نزول القرآن المجيد على النبي (ص)، وقيادة رسول الله (ص) للمواجهة بين الايمان والكفر من العوامل الحاسمة في شحن شخصيات المهاجرين. ولم يكن رسول الله (ص) ليهاجر في البداية ليأمن أذى المشركين، بل كان (ص) من أواخر من هاجر. وكان علي (ع) آخر من هاجر من المسلمين مع الفوطم. وبذلك فقد ضرب رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) أروع الامثلة في القيادة الدينية وعدم الاكتراث بالموت.

وفي ضوء ذلك فاننا عندما ننظر الى تلك الهجرة التأريخية العظمى، فاننا لا ننظر الى حجم المهاجرين وطبيعة شبكتهم الاجتماعية والانسانية، بل ننظر الى النوعية التي هاجرت مع رسول الله (ص) وغيّرت وجه التأريخ وأصبحت قدوة للاجيال الانسانية المتلاحقة. وفيهم اهل بيت النبوة (ع).

ومن اللافت للنظر ان المسلمين هاجروا بشكل مجموعات وجماعات صغيرة وكبيرة، فكان سلوكهم سلوكاً جمعياً يحمي بعضهم بعضاً عدا علي (ع). فقد هاجر علي (ع) مع الفواطم وكان حاميهم الوحيد من أعداء جمعوا كل قواهم المعنوية لمحاربة بطل الاسلام. وكان لحوقهم لعلي (ع) وهو على اطراف مكة ماشياً نحو المدينة خير دليل على ذلك. ولكن علياً (ع) وشجاعته الاستثنائية المستمدة من الايمان بالسماء، جعلتهم يرجعون عن مطاردته فضلاً عن مقاتلته.

لقد كان الايمان الذي دفعه (ع) للهجرة بتلك الطريقة العلنية المتحدية لقريش هزيمة نفسية للمشركين وانتصار للاسلام وأبطاله. فقد نام على فراش النبي (ص) فادياً نفسه، ومكث ثلاثة ايام يردّ الودائع الى اصحابها، وأخذ الفواطم في هجرته (أمه فاطمة بنت اسد ، وفاطمة الزهراء (ع) بنت رسول الله (ص)، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب وقيل انها فاطمة بنت حمزة بن عبد المطلب) ودافع عنهن دفاع الابطال عندما ارادت قريش مهاجمتهم. فأي اهانة وجهها عليٌ (ع) لقريش، وأي تمريغ بالتراب مرّغ أنف قريش؟

وأهم من ذلك ان أخطر ما في الهجرة التأريخية من مكة الى المدينة كان: حفظ شخصية رسول الله (ص)، وبذلك حُفظت بيضة الاسلام. وتمت صيانة النبوة والامامة الى أجل مرسوم، حتى تحقق أهدافهما على الارض. 

2 - التكيّف بعد الهجرة

وكانت الهجرة تقتضي تكيّفاً انسانياً واجتماعياً مع البلد الجديد وأهله. وقد استقبلت المدينة المهاجرين من مكة واحتضنتهم، ولكن بقيت شريحة من اهل يثرب تعمل ضدّ الاسلام، وهم الذين اتخذوا صفة النفاق والكيد ضد الدين الجديد. وكان في مقدمتهم عبد الله بن ابي سلول، رأس النفاق. وقد وصفهم القرآن الكريم بالقول: (ولِيَعلَمِ الذينَ نافَقوا وقيلَ لَهُم تَعالَوا قاتِلوُا في سَبيلِ اللهِ أوِ ادفَعوا . قالوا لَو نَعلَمُ قِتالاً لاتبعناكُم هُم لِلكُفرِ يِومئذٍ أقربُ منهُم للإيمانِ يقولونَ بأفواهِهِم ما لَيسَ في قُلُوبهم واللهُ أعلَمُ بِما يَكتُمونَ)[26]، (الذينَ قالوا لإخوانِهم وقَعَدوا لَو أطاعونا ما قُتِلوا قُل فادرَأوا عن أنفُسِكُمُ المَوتَ إن كُنتُم صادِقين)[27]. فهؤلاء المنافقين خذلوا المسلمين لاحقاً قبل ان تبدأ المعارك الكبرى، وثبطوا الناس عن القتال فكانوا اقرب الى الكفر منهم الى الايمان. فليس غريباً ان يعادي هؤلاء المنافقون المهاجرين ويعتبرونهم ثقلاً جديداً على مدينتهم.

لقد رافقت عملية الهجرة مشقة عظيمة انحصرت بشخصيات المهاجرين كالبعد عن الاهل وصعوبة التكيّف وضنك العيش، الا ان طبيعة المبادرة بقيّت بيد النبي (ص). فهو الذي كان يقود مجتمع المدينة وينظّم شؤون الدولة والافراد بما كان يوحيه اليه وحي السماء. فقد آخى (ص) بين المهاجرين والانصار، وآخى (ص) بينه وبين علي (ع)، وهو الذي كان يدعوهم جميعاً للقتال فيساهموا فيه ويشتركوا في تحمّل أعبائه الباهضة عدا ما يكون عند بعض الذين في قلوبهم مرض.

ولا شك ان المؤاخاة التي أعلنها رسول الله (ص) بين المهاجرين والانصار كان لها هدفان. الاول: اعادة تأهيل المهاجرين نفسياً واجتماعياً. والثاني: دمج مجتمع المهاجرين بمجتمع الانصار وتوحيدهم عقائدياً تحت راية الاسلام.

بينما كانت مؤاخاته (ص) مع علي (ع) تهدف الى تثبيت موقع علي (ع) منه (ص) ومن الرسالة ايضاً، حتى لا يفقد الذين اعماهم الحقد الجاهلي نظرتهم الواقعية لشخصيته الرسالية (ع) في خضمّ مشقة الهجرة وواقع المجتمع الجديد.

«قال ابن اسحاق: وآخى رسول الله (ص) بين اصحابه من المهاجرين والانصار... ثم اخذ بيد علي بن ابي طالب، فقال: هذا اخي»[28] ثمّ علّق ابن اسحاق قائلاً: «فكان رسول الله (ص) سيد المرسلين، وامام المتقين ، ورسول ربّ العالمين، الذي ليس له خطير[29] ولا نظير من العباد، وعلي بن ابي طالب (رضي الله عنه) أخوين»[30]، بينما كان حمزة بن عبد المطلب اسد الله واسد رسوله (ص) وعم رسول الله (ص)، وزيد بن حارثة مولى رسول الله (ص) أخوين[31].

وعلّق السهيلي على ذلك على ما في هامش «سيرة ابن هشام»: «آخى رسول الله (ص) بين أصحابه حين نزلوا بالمدينة، ليذهب عنهم وحشة الغربة، ويؤنسهم من مفارقة الاهل والعشيرة، ويشدّ أزر بعضهم ببعض. فلما عزّ الاسلام، واجتمع الشمل، وذهبت الوحشة انزل الله سبحانه: (... وأُولوا الأرحامِ بَعضُهُم أولى ببعضٍ في كِتابِ اللهِ...)[32] يعني في الميراث. ثم جعل المؤمنين كلهم اخوة فقال: (إنَّما المؤمنونَ إخوَةٌ...)[33] يعني في التوادد، وشمول الدعوة»[34].

وقد كانت تلك الهجرة فريدة من نوعها، لان المهاجرين كانوا بحاجة الى تكيّف اجتماعي ؛ بينما كان المهاجرون والانصار معاً بحاجة الى تكيّف عقلي ونفسي مع العقيدة الجديدة. ولذلك كان دور علي (ع) الفكري والحربي البطولي والروحي وزهده في الحياة _ في دار الهجرة الجديد _ مهماً في تثبيت اسس الاسلام ورسالته الخالدة. وبالخصوص من خلال كفاحه مع جيش النبي (ص)، وجهاده في نشر مباني تلك العقيدة وتعليم القرآن، وضربه المثل الأعلى في القدوة.

ولم يكن التكيّف الاقتصادي للمهاجرين سهلاً، فقد بقي اغلبهم فقراء من أهل الصفة والفاقة، لا يملكون ما ينفقون. يروى ان صهيباً حين أراد الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكاً حقيراً، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد ان تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك! فقال لهم صهيب: أرأيتم ان جعلت لكم مالي أتخلّون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال: فاني جعلت لكم مالي. قال: فبلغ ذلك رسول الله (ص). فقال: ربح صهيب ربح صهيب[35].

وكان المهاجرون يصحبون رسول الله (ص) ويشتركون في قتال المشركين في الحروب التي خاضها (ص). وبقي علي (ع) زاهداً في معاشه وحياته. فقد كان يقاتل قتال الابطال ويشد على بطنه الحجر من الجوع.

ولكن التكيّف الاجتماعي والنفسي السريع كان مصحوباً بنـزول القرآن المجيد على النبي (ص) وايصاله الى المسلمين جميعاً. وكان القرآن وسنّة رسول الله (ص) تخلق وضعاً قانونياً جديداً للمجتمع الاسلامي الحديث، خصوصاً فيما يتعلّق بالعقود، والنكاح، والارث، والتعامل مع المؤمنين، والعبادات الجماعية. فكانت الاحكام الشرعية تثري المجتمع الجديد بقوانين النظام والحركة والعمل المشترك.

ان التكيّف السريع الذي تمّ بين المهاجرين والانصار كان متوقعاً على المدى القصير. لان الطرفين كانا يحملان تشابهاً وانسجاماً في التركيبة الثقافية والاجتماعية والاقصادية. ولكن ظهر الاختلاف واضحاً جلياً يوم السقيفة بعد وفاة رسول الله (ص) عندما تنادوا: منّا امير ومنكم امير[36].

ولكن علياً (ع) الذي آخاه رسول الله (ص) مع نفسه أول الهجرة لم يكن يفكر بذلك الفصل بينه وبين رسول الله (ص)، كما كان بعض الانصار والمهاجرين يفكر بعد وفاته (ص). فقد كان الانسجام الديني تاماً بينهما (عليهما السلام)، بل كان علي (ع) جزءً من رسول الله (ص) يحمل هم العقيدة، وينظر الى ما بعد فترة المصاعب والمشاق، وكان (ع) يرى اهداف الاسلام المستقبلية بنور الله عزّ وجلّ.

لقد كانت حياة علي (ع) مبنية على الهجرة في سبيل الله، والحركة من موضع الى آخر من أجل اعلاء الاسلام. فقد انتقل من مكة الى المدينة، ومن المدينة الى الكوفة، وانتقل في معاركه من المدينة الى البصرة، ومن الكوفة الى الشام. وبكلمة، فلم يركن الى العيش الرغيد في منطقة آمنة يسترخي فيها، كما كان البعض يتوقع. بل كان يتحرك _ بيقين _ حيث ما يُرضي الله تعالى ويُرضي رسوله (ص).

 

اخلاقية رد الامانات الى الناس

أقام علي (ع) بمكة بعد هجرة النبي (ص) الى المدينة يرد الودائع ويقضي الديون[37]. وكان وضعه (ع) الامني مع المشركين في مكة خطيراً للغاية، فما الذي دعاه  لذلك؟

ان الحديث عن رد الامانات الى الناس يقودنا الى الحديث عن الاخلاقية الدينية عند علي (ع) والتي تعلمها من رسول الله (ص).

فلا شك ان اهم ثمار الشخصية الاخلاقية التي كان يحملها (ع) هو ان سلوكه بين الناس كان ترجمة عملية لمفاهيم الدين. فهو الاسلام المتحرك في المجتمع، ومن هنا كان سلوكه الاخلاقي متطابقاً مع النظرية الاخلاقية للسماء. ومن الطبيعي فان السلوك الاخلاقي في رد الامانات والودائع وقضاء الديون يساهم في نشر الانسجام الديني والاخلاقي بين الناس. ومع ان مجتمع مكة كان مشركاً، الا ان العديد من افراده كانت عندهم القابلية على اعتناق الاسلام اذا لمسوا من أحكام الدين تغييراً في حياتهم الاجتماعية والاخلاقية.

فكان رد الامانات التي كانت بعهدة رسول الله (ص) الى الناس مهمة _ من الناحية الاخلاقية _ الى درجة ان تلك الاهمية كانت متناسبة مع حجم الخطورة التي كان يواجهها علي (ع) وهو في مكة دون مناصر. ورد الامانات تعدُّ من القيم الاخلاقية التي يحنُّ لها المجتمع الانساني ايّاً كان منشأه وايّاً كانت اهدافه وطموحات اعضائه ومنتسبه. ولا شك ان فضيلة الوفاء برد الامانة كان قد أمضاها الدين الحنيف، بينما اوكل رسول الله (ص) علياً (ع) بتنفيذ تلك المهمة الصعبة. ومن هنا نفهم امضاء الدين الاتفاق الاجتماعي حول الوفاء برد الامانة، لانها عمل خير يؤدّي _ عاجلاً أو آجلاً _ الى استتباب الامن الاجتماعي والاقتصادي بين الناس، واظهار الروحية المثلى للمسلم الملتزم بتعاليم الاسلام. وبذلك فقد عمل الاسلام في انارة الامور التالية:

اولاً: ان الوفاء برد الامانات كان عملاً اخلاقياً امضى فيه الاسلام عمل رسول الله (ص) قبل البعثة وبعدها. حيث اؤتمن (ص) على اموال الناس وحاجاتهم، ولذلك شاع عنه (ص) بانه الصادق الامين.

ثانياً: لم تؤخذ في قضية الوفاء برد الامانة حجم الخسارة والربح من حيث احتمالية مقتل علي (ع) من قبل مشركي قريش او انزال مطلق الاذى به (ع). وبذلك يعدُّ الوفاء برد الامانة من الاعمال الاخلاقية التي تنظر الى قيمة العمل، لا الى حجم الربح والخسارة.

ثالثاً: ان الوفاء برد الامانات طُبّق على المجتمع الوثني الكافر. حيث ان اغلب الذين ائتمنوا محمداً (ص) بعد البعثة ولم يهاجروا الى المدينة وبقوا في مكة كانوا من الذين لم يسلموا بعد. ولذلك بقي علي (ع) في مكة لردها. ولو أسلموا لهاجروا. نعم بقي عدد قليل من المسلمين في مكة في الخفاء. ولكن لسان دليل الروايات المتعلق بهذه المسألة لا يخص تلك القلّة، بل ان ظهور اللفظ يدل على اطلاقها على المسلمين وغيرهم. وفيه قوله تعالى: (إنَّ اللهَ يأمُركُم أن تؤدّوا الأماناتِ الى أهلِها...)[38]. وردّ الامانة الى الكافر فضلاً عن المسلم تعدُّ قيمة أخلاقية مُثلى تبناها الاسلام، وحثّ اتباعه والمؤمنين به على تطبيقها في حياتهم.

رابعاً: متانة الرابط بين الاخلاق والدين. فالاسلام هو الذي امر برد الامانات الى اهلها، حتى لو كان اصحابها من المشركين. فيكون الوفاء برد الامانات من القيم الدينية الاجتماعية. ذلك ان الدين واحكامه الشرعية تدعوان الى القيم الاخلاقية الفاضلة، وحتمية تطبيقها على النظام الاجتماعي.

خامساً: كان الوفاء برد الامانات من قبل الدين احتراماً للفرد المؤتمِن، ولا يمثّل احتراماً لسلطة المشركين من قريش. وبذلك فقد كان الحكم هنا تحكيماً للحق على الباطل على مستوى شريحة خاصة من الافراد من الذين وضعوا ثقتهم برسول الله (ص).

وبكلمة أخيرة، فان الوفاء برد الامانات الى اهلها كشف عن قدرة الدين الفعالة على التمييز بين الابعاد الموضوعية والذاتية للقيم الاخلاقية. فقد كانت تضحية الامام (ع) في البقاء ثلاثة ايام متواصلة في مكة تضحية ذاتية، رغم المخاطر المحيطة به، من اجل ان يبقى موضوع الوفاء برد الامانات حكماً ثابتاً يلتزم به المؤمنون الى يوم القيامة.

(نهاية ص 268)


[1] «تأريخ مدينة دمشق»  ترجمة الامام علي بن ابي طالب (ع) – ابن عساكرج 1 ص 138، الحديث 189.

[2]  «اعلام الورى» - الطبرسي ص 190.

[3]  نقلها المجلسي في «بحار الانوار» ج 19 ص 86 الطبعة الحديثة، ج 6 ص 422 الطبعة القديمة.

[4]  الطرائف - ابن طاووس ج 1 ص 34.

[5]  «الصحاح». مادة (هجر) ج 2 ص 851.

[6]  سورة المائدة: آية 1.

[7]  «سيرة ابن هشام» ج 1 ص 353.

[8] سورة الانفال: آية 72.

[9]  سورة الانفال: آية 74.

[10]  سورة الانفال: آية 75.

[11]  سورة التوبة: آية 20.

[12] سورة الانفال: آية 72.

[13]  سورة النساء: آية 89.

[14] ) سورة النساء: آية 97.

[15]  سورة النساء: آية 98.

[16]  سورة النساء: آية 100.

[17]  سورة النحل: آية 41 – 42.

[18]  سورة الحج: آية 58.

[19]  سورة العنكبوت: آية 26.

[20]  سورة النحل: آية 41.

[21]  سورة النحل: آية 42.

[22]  سورة النور: آية 22.

[23]  سورة الحشر: آية 8.

[24]  هذا المعنى منتزع من استقراء موسع لتأريخ البشرية.

[25] سورة التوبة: آية 20.

[26]  سورة آل عمران: آية 167.

[27]  سورة آل عمران: آية 168.

[28]  «سيرة ابن هشام» ج 2 ص 150.

[29]  ليس له خطير: أي ليس له نظير.

[30]  «سيرة ابن هشام» ج 2 ص 150.

[31]  م. ن. – ج 2 ص 150.

[32]  سورة الانفال: آية 75.

[33]  سورة الحجرات: آية 10.

[34]  «سيرة ابن هشام» ج 2 ص 150 هامش رقم 4.

[35]  «سيرة ابن هشام» ج 2 ص 121.

[36] «نهج البلاغة» - مقدمة خطبة 62. ص 103.

[37]  «الطرائف» - ابن طاووس ج 1 ص 34.

[38]  سورة النساء: آية 58.