(ص 269- 284)

 الفصل التاسع

      في المدينة

 

علي (ع) في المدينة: المهمات الجديدة * الدلالات العلمية للنصوص * مقدمات حول كتابة القرآن الكريم * علي (ع) وجمع القرآن الكريم:   1- كاتب الوحي (ع). 2 -كتّاب آخرون. 3- العلّة في تعدد كتّاب الوحي. 4- فنيّة كتابة القرآن. 5- فلسفة كتابة الوحي.

--------------
 

علي (ع) في المدينة: المهمات الجديدة

اهتم امير المؤمنين (ع) وهو في المدينة بالقرب من رسول الله (ص)، بالقرآن الكريم أيما اهتمام. وقد كان ذلك الاهتمام غير منفك عن اهتمام آخر وهو اهتماماته الحربية في المعارك والغزوات التي ابقت شوكة الدين قوية فعالة عجز المشركون عن كسرها . ولكن الاهتمام بالقرآن الكريم كان اهتماماً استثنائياً، فلا عجب ان يقول (ع): «والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما أُنزلت وأين نزلت، وأن ربي وهب لي قلباً عقولاً ولساناً سؤولاً »[1]. واهتم بالخصوص بـ «جمع القرآن على عهد رسول الله (ص)»[2] حتى يُصان من التحريف بعد وفاة خاتم الانبياء (ص).

وقد كان النبي (ص) يبذل الوقت والجهد لتعليم علي (ع) معاني القرآن الكريم وأسراره وخفاياه. وكان الامام (ع) يجهر بذلك مصرحاً: «ما نزلت على رسول الله (ص) آية من القرآن الا أقرأنيها وأملاها عليَّ فكتبتها بخطي وعلّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، ودعا الله عزّ وجلّ ان يعلمني فهمها وحفظها. فما نسيت آية من كتاب الله عزّ وجلّ ولا علماً أملاهُ عليَّ فكتبته وما ترك شيئاً علمه الله عزّ وجل من حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي، وما كان او يكون من طاعة او معصية الا علمنيه وحفظته، فلم أنس منه حرفاً واحداً. ثم وضع يده على صدري ودعا الله تبارك وتعالى، بأن يملأ قلبي علماً وفهماً، وحكمةً ونوراً، ولم أنسَ من ذلك شيئاً ولم يفتني من ذلك شيء لم أكتبه...»[3].

وكان علي (ع) يعلم الناس القرآن وأحكام الدين، ويؤيده رواية عن الامام ابي جعفر (ع) يقول فيها: «كان علي (ع) اذا صلى الفجر لم يزل معقّباً الى ان تطلع الشمس. فاذا طلعت اجتمع اليه الفقراء والمساكين وغيرهم من الناس ليعلمهم الفقه والقرآن»[4]. والظاهر ان ذلك كان في عهد خلافته. ولكن لا يتنافى انه حصل في عهد النبي (ص) أيضاً. فكان الناس يسمعون من رسول الله (ص) نصوص القرآن الكريم، وكانوا يسمعون من علي (ع) تفسيرها في مسجد المدينة. ولا يتنافى ايضاً أن علياً (ع) كان يجهد في تحفيظ الناس آيات القرآن المجيد . ويؤيده قول عبد الله بن مسعود: «قرأت سبعين سورة من فيّ رسول الله (ص). وقرأت البقية على اعلم هذه الامة بعد نبينا (ص) علي بن ابي طالب (ع)»[5].

 

الدلالات العلمية للنصوص

1- كان الامام (ع) مستوعِباً لمفردات القرآن الكريم استيعاباً تاماً من حيث الايمان والفهم والادراك والتأويل والتفسير، بالاضافة الى الحفظ والكتابة. فكان القرآن محور حياة علي (ع)، في العمل والجهاد والخطاب والتبليغ.

2- لم ينقل لنا التأريخ ان صحابياً أدرك فهم علوم القرآن الكريم وتعلمها من رسول الله (ص) كما أدركها علي (ع) وتعلمها منه (ص). فقد تعلم (ع) الناسخ والمنسوخ، والتأويل والتفسير، والمحكم والمتشابه، والحلال والحرام، والعام والخاص، والمطلق والمقيّد، والمجمل والمبيّن، والرخص والعزائم، والاداب والسنن. وهذا العلم الرباني بكتاب الله من قبل علي (ع) كانت له آثار خطيرة على مجمل حياته مع رسول الله (ص)، وبعد وفاته (ص)، وخلال فترة الانتظار، وفي فترة الخلافة وحتى استشهاده.

3- لم يحفظ علي (ع) القرآن لمجرد الاستظهار، بل كان يتعلمه من النبي (ص) من اجل تعليمه للمسلمين ايضاً. ولا شك ان تجمع الفقراء والمساكين في المسجد بعد طلوع الشمس ، وتعليمهم الفقه والقرآن له مغزى كبير، وهو: ان هؤلاء المستضعفين كانوا يرون في احكام الدين بريق أملٍ ، يحقق لهم العدالة والكرامة وعبادة الخالق عزّ وجلّ بحرية. أي انهم كانوا يرون في الدين الجديد بريق أملٍ في الحياة المملوءة بالمعاني الجليلة السامية.

 

مقدمات حول كتابة القرآن الكريم

لا شكّ ان الثقافة المكتوبة لم تكن متداولة بشكل واسع قبل الاسلام، بل كانت الثقافة الاجتماعية ثقافة شفهية. ولذلك فقد اُشير الى المعلقات السبعة التي علقها العرب على جدار الكعبة قبل الاسلام، بشيء من الاهتمام والاكبار. لانه كان من النادر كتابة المواد الثقافية أو قرائتها. وعندما جاء الاسلام أحدث ثورة حقيقية في الثقافة المكتوبة ، خصوصاً عند كتابة القرآن زمن رسول الله (ص). ومن اجل فهم الاجواء التي كانت سائدة زمن كتابة القرآن الكريم لابد من ترتيب النقاط التالية:

1- ان الذين كانوا يعرفون الكتابة في الصدر الاول من الاسلام قليلون. وكان منهم علي بن ابي طالب (ع)، وأبيّ بن كعب الانصاري، وزيد بن ثابت، ومعاوية بن ابي سفيان «بعد عام الفتح»، وعبد الله بن سعد بن ابي سرح «الذي ارتدّ في حياة النبي (ص) وأمر (ص) بقتله»، وعثمان بن عفان، وآخرون.

2- انتشرت الكتابة في المدينة بعد هجرة رسول الله (ص). فعندما وقعت غزوة بدر الكبرى وتمّ تأسير سبعين رجلاً من مشركي قريش وكان فيهم عدد من الكتّاب، قَبِلَ رسول الله (ص) من الاميين الفدية بالمال، وجعل فدية الكاتبين منهم تعليمهم المسلمين القراءة والكتابة. فكلّف كل أسير بتعليم عشرة من الافراد. وبذلك انتشرت الثقافة المكتوبة للقرآن في تلك المرحلة. وازدهرت الامصار الاسلامية بنعمة الثقافة الاسلامية، وبقيت الاُمية الصرفة بين الاعراب من البدو في الصحراء العربية.

3- لابد من التمييز بين من كان يكتب الرسائل والعهود زمن النبي (ص) وبين من كان يكتب الوحي ويجمع القرآن. فان في كتابة القرآن وجمعه أثراً عظيماً في حفظ الاسلام وعدم تحريف الكتاب المجيد. بينما لم يكن ذلك الاثر في كتابة الرسائل. فهذا عبد الله بن أرقم كان كاتباً للرسائل فقط، ولم يرد انه كان كاتباً للقرآن. قال في «الاستيعاب» في ترجمة عبد الله بن أرقم: «انه كان من المواظبين على كتابة الرسائل عن النبي (ص) عبد الله بن أرقم الزهري...»[6].

وقد وقع في خطأ عدم التمييز بين كتابة الرسائل وكتابة القرآن بعض كبار المؤرخين. ومنهم اليعقوبي في تاريخه حيث أطلق الكلام حول كتّاب الوحي ولم يقيده بكتابة الوحي او الرسائل او العهود، فقال: «وكان كتّابه الذين يكتبون الوحي، والكتب ، والعهود، علي بن ابي طالب، وعثمان بن عفان، وعمرو بن العاص بن أمية، ومعاوية بن ابي سفيان، وشرحبيل ابن حسنة، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، والمغيرة بن شعبة، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وحنظلة بن الربيع، وأبي بن كعب، وجهيم بن الصلت، والحصين النميري»[7].

4- ان الكتابة اذا كانت مجردة من مضامينها الرسالية، فانها لا توجب شرفاً ولا منـزلة ولا تثمر في صيانة كتاب الله المجيد. فقد كان عبد الله بن سعد كاتباً لكنه ارتد وبات يشهّر بالنبوة لعدم ايمانه بعمله الذي كان يؤديه. وكان معاوية قد اعلن اسلامه قبل وفاة رسول الله (ص) بخمسة أشهر فقط وطرح نفسه الى العباس ليشفع له الى رسول الله (ص) فيعفو عنه[8]. ومع ذلك فقد زعم بانه كان من كتّاب الوحي. نعم، ربما كتب شيئاً من الرسائل للنبي (ص) في اواخر حياته، ولكن لم تتفق الاخبار انه كان كاتباً للوحي.

 

علي (ع) وجمع القرآن الكريم

كان موضوع كتابة القرآن المجيد زمن رسول الله (ص) أمراً في غاية الاهمية. ذلك ان القرآن اذا لم تتم كتابته وامضاؤه من قبل النبي (ص) في حياته، فانه سيكون عرضة للاخذ والرد واختلاف المسلمين عندما يرحل (ص) الى العالم الآخر. فكان من اهتمامات علي (ع) الرئيسية كتابة القرآن المجيد في المدينة خلال حياة رسول الله (ص).

1 - كاتب الوحي (ع):

تعلم امير المؤمنين (ع) القراءة والكتابة في مكة، ولكن المصادر التأريخية لم تذكر لنا طريقة التعلم ولا اسلوبها. وعلى أي تقدير، فان الذي يهمنا من قدرة علي (ع) على الكتابة والقراءة هو كتابة القرآن الكريم وجمعه في حياة رسول الله (ص). وحسبما يساعد عليه الدليل فقد ثبت ان علياً (ع) كان كاتب الوحي لرسول الله (ص). فقد نقل العلامة المجلسي (ت 1111 هـ) عن «بصائر الدرجات»: «عن ابي جعفر (ع) قال: كان جبريل يُملي على النبي (ص) وهو يُملي على علي (ع)...»[9]. وكتب ابن شهرآشوب في «المناقب» قائلاً: «افلا يكون علي (ع) اعلم الناس وكان مع النبي (ص) في البيت والمسجد يكتب وحيه، ومسائله، ويسمع فتاواه، ويسأله. وروي ان النبي (ص) كان اذا نزل عليه الوحي ليلاً لم يصبح حتى يخبر به علياً (ع) واذا اُنزل عليه نهاراً لم يمس حتى يُخبر به علياً»[10].

والى ذلك أشار ابن عبد ربه في فصل صناعة الكتاب: «فمن أهل هذه الصناعة علي بن ابي طالب كرّم الله وجهه وكان مع شرفه ونبله وقرابته من رسول الله (ص) يكتب الوحي»[11]. والغريب استغرابه بالقول: وكان مع شرفه ونبله وقرابته من رسول الله (ص) يكتب الوحي. وهل كتابة الوحي الا شرف لا يستحقه الا علي (ع)!

وقد احتج (ع) حول معرفته بالقرآن المجيد وعلومه على جماعة من المهاجرين والانصار فقال: «يا طلحة ان كل آية انزلها الله تعالى على محمد (ص) عندي باملاء رسول الله (ص) وخط يدي وتأويل كل آية أنزلها الله تعالى على محمد (ص) وكل حلال وحرام أو حد ، أو حكم، أو شيء تحتاج اليه الامة، الى يوم القيامة فهو عندي مكتوب باملاء رسول الله (ص) وخط يدي حتى إرش الخدش». ويمكن عطف ما ورد عنه (ع) على ما تقدم: «ما دخل رأسي نوم ولا غمض [جفني] على عهد رسول الله (ص) حتى علمتُ من رسول الله (ص) ما نزل به جبرئيل في ذلك اليوم من حلال أو حرام، أو سنّة أو أمر، أو نهي، وفيما نزل، وفيمن  تنـزّل...»[12]. وما ورد في كتاب «سليم بن قيس»: جلستُ الى علي (ع) بالكوفة في المسجد والناس حوله، فقال: «سلوني قبل ان تفقدوني ، سلوني عن كتاب الله ، فوالله ما نزلت آية من كتاب الله الا وقد أقرأنيها رسول الله (ص)، وعلّمني تأويلها، فقال ابن الكواء: فما كان ينـزل عليه وانت غائب؟ فقال: بلى ، يحفظ عليَّ ما غبتُ، فاذا قدمتُ عليه قال لي يا علي، أنزلَ الله بعدك كذا وكذا فيقرأنيه، وتأويله كذا وكذا فيعلمنيه»[13].

فنستنتج من كل ما تقدم ان علياً (ع) كان يكتب الوحي في كل مرة ينـزل فيه، وكان يحفظ آياته عن ظهر قلب، وكان يدوّن القرآن مع هامش يذكر فيه العام والخاص، والمطلق والمقيّد، والمجمل والمبيّن، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، والرخص والعزائم، والآداب والسنن.

قال الرافعي في «اعجاز القرآن»: «واتفقوا على ان من كتب القرآن وأكمله، وكان قرآنه أصلاً للقرآنات المتأخرة : علي بن ابي طالب، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود»[14]. وبذلك، فلم يكن علي (ع) وحده كاتباً للوحي، بل كان معه آخرون ممن كتبوا الوحي بدقة، وفي ذلك نكتة مهمة وخطيرة نتعرض لها بعد قليل.

2- كتّاب آخرون:

كتب القرآن المجيد بأمر رسول الله (ص) افراد آخرون بجانب علي (ع) منهم: زيد بن ثابت، واُبي بن كعب الانصاري، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح.

والكتابة في ذاتها ليست منقبة اذا لم تكن نابعة من الايمان بقيمة المكتوب وقداسته. فهذا «عبد الله بن سعد بن ابي سرح» أخو عثمان من الرضاعة نزلت فيه آية: (ومن أظلمُ مِمَّنِ افتَرى على اللهِ كَذِباً أو قالَ أُوحيَ اليَّ ولَم يُوحَ إليهِ شيءٌ ومَن قالَ سأُنزِلُ مِثلَ ما أنزَلَ الله...)[15]. فعندما اسلم عبد الله بن ابي سرح «قدم المدينة، وكان له خط حسن، وكان اذا نزل الوحي على رسول الله (ص) دعاه فكتب ما يمليه عليه رسول الله (ص)، فكان اذا قال له رسول الله (ص): سميع بصير، يكتب سميع عليم. واذا قال له: والله بما تعملون خبير، يكتب بصير. ويفرّق بين التاء والياء. وكان رسول الله (ص) يقول: هو واحد فارتد كافراً ورجع الى مكة»، وقال لقريش: «والله ما يدري محمد ما يقول، انا اقول مثل ما يقول فلا ينكر علىَّ ذلك وأنا انزل مثل ما ينـزل ». فأنزل الله على نبيه (ص) في ذلك: (ومَن أظلَمُ مِمَّنِ افتَرى على اللهِ كَذِباً أو قالَ أُوحيَ اليَّ ولَم يُوحَ اليهِ شيءٌ ومَن قالَ سأُنزِلُ مِثلَ ما أنزلَ اللهُ...)[16].

فلما فتح رسول الله (ص) مكة أمر بقتله. فجاء به عثمان بن عفان فأخذ بيده _ ورسول الله في المسجد _ فقال: يا رسول الله اعفو عنه. فسكت رسول الله (ص). ثم أعاد، فسكت. ثم أعاد، فقال: هو لك. فلما مر، قال رسول الله (ص) لاصحابه: ألم أقل من رآه فليقتله؟ فقال رجل: عيني اليك يا رسول الله ان تشير اليَّ بقتله فأقتله. فقال رسول الله (ص): ان الانبياء لا يقتلون بالاشارة. فكان من الطلقاء[17].

ثم اورد عن «معاني الاخبار» حديثاً قال الصدوق في ذيله: وانما كان النبي (ص) يقول له فيما يغيره: «هو واحد». لانه لا ينكتب ما يريد عبد الله بن ابي سرح، انما ينكتب ما كان يمليه (ص). فقال (ص): هو واحد غيّرت أم لم تغيّر لم ينكتب ما تكتبه، بل ينكتب ما امليه عن الوحي، وجبرئيل يصلحه. وفي ذلك دلالة للنبي (ص) على صدق نبوته.

وقال الصدوق: وجه الحكمة في استكتاب النبي (ص) الوحي معاوية وعبد الله بن سعد بن ابي سرح، وهما عدوان، هو ان المشركين قالوا: ان محمداً يقول هذا القرآن من تلقاء نفسه، ويأتي في كل حادثة بآية... الى ان قال: فاستعان في كتب ما ينـزل عليه في الحوادث الواقعة بعدوين له في دينه عدلين عند أعدائه، ليعلم الكفار والمشركون ان كلامه في ثاني الامر كلامه في الاول غير مغيّر، ولا يزال عن جهة فيكون ابلغ للحجة عليهم. ولو استعان بوليين مثل سلمان وابي ذر وأشباههما لكان الامر عند أعداءه غير واقع هذا الموقع، وكان يتخيّل فيه التواطي والتطابق. فهذا هو وجه الحكمة في استكتابهما. 

3- العلّة في تعدّد كتّاب الوحي:

وكانت العلّة الرئيسية في تعدّد كتّاب الوحي هو ان لا تختلف الامة بعد رسول الله (ص) في قضية القرآن، كما اختلفت في قضية الولاية الشرعية والامامة. وقد وعد الله سبحانه وتعالى بحفظه من كل تحريف، كما نستظهر من قوله: (إنّا نَحنُ نزّلنا الذِّكرَ وإنّا لَهُ لَحافِظونَ)[18].

لقد كان رسول الله (ص) أميّاً لا يقرأ ولا يكتب بدلالة نص القرآن المجيد: (الذينَ يَتّبعونَ الرَّسولَ النَّبيَّ الأميَّ الذي يَجِدُونَهُ مَكتُوباً عندَهُم في التَوراةِ والإنجيلِ...)[19]، (وما كُنتَ تتلوا مِن قَبلِهِ مِن كِتابٍ، ولا تَخُطُّهُ بِيَمينِكَ إذاً لارتابَ المُبطِلونَ)[20]. وكان (ص) لا يستطيع كتابة ما ينـزل اليه من وحي، بل كان بعد نزول الوحي اليه يحفظ القرآن النازل من آية او سورة ويبلّغها الناس، ثمّ يُقرىء علياً (ع) ونخبة من الفائزين بشرف صحبته (ص)، ويستحفظهم اياها.

وكانوا اذا نقلوا عن النبي (ص) شيئاً من القرآن ترددوا عليه غير مرة، يتلونها امامه حتى يزداد تثبتهم من حفظها. ثم يذهبون وعلى رأسهم علي (ع) فيكتبونها ثمّ يعلّمون الناس الآيات الجديدة النازلة عليه (ص).

وبسبب تعدد كتّاب الوحي،فقد حُفظ القرآن الكريم من التحريف والتزييف. وقد كانت كل العوامل الاجتماعية خلال القرن الاول الهجري مهيّأةً للتلاعب بالكتاب الكريم، ولكن وعد الله تعالى بحفظه جنّب الامة تلك الجريمة. وكان تعدّد كتّاب الوحي من اهم العوامل التي حفظت القرآن. 

4- فنّية كتابة القرآن:

ومن شدة اهتمام النبي (ص) بكتابة القرآن الذي كتب في عهده وفي حضرته انه كان يُنسَخ على الصحف. وفي رواية اسلام عمر بن الخطاب دلالة بليغة على ذلك: قال له رجل من قريش: ان أختك قد صبأت (أي خرجت عن دينك) فذهب الى بيتها ولطم اخته لطمة شجّ بها وجهها. فلما سكت عنه الغضب نظر فاذا صحيفة في ناحية البيت فيها: (بسمِ اللهِ الرحمنِ الرَحيمِ . سَبَّحَ للهِ ما في السماواتِ والأرضِ وهُوَ العَزيزُ الحَكيمُ... إن كُنتُم مؤمنينَ)[21]، واطلع على صحيفة اُخرى فوجد فيها: (بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ . طه ما أنزلنا عليكَ القُرآنَ لِتَشقى... لَهُ الأسماءُ الحُسنى)[22]. واذا صحت الرواية، فهذا يعني ان القرآن كان متداولاً بين المسلمين مستنسخاً على شكل صحف.

وكان علي (ع) يكتب القرآن على جرائد النخل، واكتاف الابل والصحف والحرير والقراطيس وما تيسر من ادواتٍ للكتابة والتصحيف. وكان (ص) يأمره بوضع الآيات في مواضعها في القرآن. وبكلمة، فان نص القرآن وترتيبه كان أمراً توقيفياً منه (ص) بأمر الوحي. فقد روى العياشي (ت 320 هـ) _ وهو من كبار محدثي الامامية _ في تفسيره في ذيل رواية له: قال علي (ع): ان رسول الله (ص) أوصاني اذا واريته في حفرته ان لا اخرج من بيتي حتى اؤلف كتاب الله، فانه في جرائد النخل، وفي اكتاف الابل. وفي رواية علي بن إبراهيم (ت 307 هـ) _ وهو من ثقات المحدثين _ عن الامام جعفر الصادق (ع) قال: ان رسول الله (ص) قال لعلي (ع): يا علي ان القرآن خلف فراشي في الصحف والحرير والقراطيس، فخذوه واجمعوه ولا تضيعوه كما ضيّعت اليهود التوراة، وانطلق علي (ع) فجمعه في ثوب اصفر ثم ختم عليه[23].

وما روي ان علياً (ع) قد جمع القرآن بعد وفاة النبي (ص) مباشرة يُردّ عليه بأنه لم يكن جمعاً اصطلاحياً، بل أمر تدقيق وحفظ وصيانة وعناية.

ففي كتاب «سليم بن قيس» عن سلمان (رض): ان علياً (ع) بعد وفاة النبي (ص) لزم بيته واقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه، فلم يخرج من بيته حتى جمعه، وكان في الصحف والشظاظ[24]، والاسيار[25] والرقاع... الى ان قال: فجمعه في ثوب واحد وختمه[26].

وقد أوصى رسول الله (ص) علياً (ع): يا علي هذا كتاب الله خذه اليك. فجمعه علي (ع) في ثوب ومضى الى منـزله، فلما قبض النبي (ص) جلس (ع) فألفه[27] كما انزل الله وكان به عالماً.

والخلاصة، أن علياً (ع) كان قد كتب القرآن الكريم في حياة رسول الله (ص) آية آية، وكان يُعرض ذلك عليه (ص) فيُمضيه. وكان على الامام (ع) بعد وفاة رسول الله (ص) ان يقوم بجمع تلك الصحف وتدقيقها من اجل الاطمئنان على سلامتها، مصداقاً لوعده تعالى بحفظ الكتاب المجيد من التلاعب والتزييف.

وكانت ادوات تدوين القرآن الكريم المستخدمة في ذلك الوقت:

1- الرقاع: جمع رقعة، وتكون من جلد او ورق.

2- العسب: جمع عسيب، وهو جريد النخل بعد تجريده من الخوص يكتب على الطرف العريض منه.

3- اللِخاف: جمع لَخفة، وهي صفائح الحجارة الرقاق.

4- الاكتاف: جمع كتف، وهو العظم العريض من عظام البعير او الشاة، اذا جفّ كتبوا عليه.

5- الاقتاب: جمع قتب، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليحمل عليه. حيث كانوا ينقشون عليه الحروف والكلمات.

6- الحرير: وكان يكتب عليه. 

5- فلسفة كتابة الوحي:

عندما نستخدم لفظ «القراءة» أو «الكتابة»، فاننا لابد ان نستخدم معهما القرينة ونحدد نوع القراءة والكتابة. فالقراءة أو الكتابة حقيقة ثقافية من حقائق الدين. وذلك لسببين:

الاول: ان الكتاب السماوي الذي يأتي به الدين، هو الطريقة المكتوبة لمخاطبة اهل الارض. والا، فلا يصحّ تسمية الخطاب الشفهي كتاباً.

الثاني: ان المبادئ الدينية لابد ان تُحفظ مكتوبة او مخطوطة من اجل ان تستعملها الاجيال اللاحقة مصونة من أي تغيير او تزييف.

والقاعدة ان الكتابة متلازمة مع القراءة، فلا قيمة للمكتوب اذا لم يُقرأ. فالعلاقة غير قابلة للتفكيك هنا بين الخطاب السماوي _ المكتوب _ وبين المكلّف القادر على قراءة ذلك الخطاب. وهذا هو الذي دعا رسول الله (ص) _ وهو النبي الامي_ الى حثّ المسلمين على تعلّم القراءة والكتابة، خصوصاً في غزوة بدر عندما اشترط على اسراه الذين يجيدون ذلك الفن تعليم المسلمين القراءة والكتابة مقابل اطلاق سراحهم. فما لم تكن الامة متعلمة، تقرأ وتكتب، فانها لا تستطيع فهم معاني القرآن العظيم. ذلك لان الكتاب _ بمعناه التركيبي _ يعني مجموعة من الكلمات والحروف المنظّمة التي لا تفهمها الا الشريحة التي درست وتعلّمت انطباق الالفاظ اللغوية على معانيها الفكرية عبر الحروف والكلمات.

وفي ضوء تلك الافكار نقرر ان من ميزات الكتاب المخطوط:

1- القابلية على استنساخه وتكثيره بكميات أكبر ونشره على مساحة أوسع في الولايات والامصار، بشرط ان تكون الامة مثقفة ومتدينة وقادرة على القراءة.

2- قابلية الكتاب المخطوط على حفظ المادة المخطوطة من الضياع والتحريف.

وكتابة الوحي هنا مقيّدة تماماً بالنقل الامين لالفاظ القرآن الكريم على الورق أو على ادوات الكتابة السائدة في ذلك الزمان على شكل حروف وكلمات. فهي لا تتضمن ابداعاً للافكار والآراء، او تبادلاً للقيم بين الكاتب والقارئ، ولا تتضمن أحكاماً يصدرها المؤلف. فالكتابة هنا مختصة فقط بالامانة القصوى والدقة المتناهية في نقل الخطاب الشفهي الى مادة مكتوبة. فكاتب الوحي يحتاج - ضمن خصائصه- الى ملكة في التقوى والخوف من الله ويقين تام بالدرجة الاولى، وقدرة على القراءة والكتابة بالدرجة الثانية. وقد كان افضل المرشحين لذلك العمل على الاطلاق: علي بن ابي طالب (ع). وكان البقية من الافراد من اتجاهات ومشارب شتى مثل: زيد بن حارثة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن ابي سرح وغيرهم من الذين كتبوا القرآن، انما سمح لهم رسول الله (ص) بالكتابة كان من اجل اتمام الحجة على الاعداء. والا فان خط علي (ع) كان كافياً لحفظ القرآن الكريم.

ولا شك ان التسلح بالسلاح اللفظي والعقلي من اجل نقل المادة الشفهية الى مادة مكتوبة، ينبغي في حالة كتابة الوحي ان يكون خالياً من أي تعبير شخصي أو رأي فردي. وهو ما قصدناه للتوّ بالتقوى واليقين عند الكاتب. فالكاتب هنا موظف فقط لاتمام تلك العملية الامينة وهي نقل المادة الشفهية الى مادة مكتوبة. فهنا لا يحق للكاتب مطلقاً التلاعب بأفكار الكتاب الالهي من خلال اضافة كلمة أو حذف آية او تبديل معناها. ولذلك فعندما حاول عبد الله بن ابي سرح التلاعب بالفاظ القرآن الكريم عند تدوينه عبر تبديل (سميع بصير) بـ (سميع عليم) أو تبديل (والله بما تعملون خبير) بـ (والله بما تعملون بصير) نزل فيه قرآن يُدينه واستحق القتل على ذلك، لانه اضاف من هواه وعقله الفاسد اضافات الى اقدس كتاب سماوي موجّه بلغة الخالق عزّ وجلّ الى المخلوقين المكلّفين.

وفي اغلب الحالات يكون الكاتب - الذي توفرت فيه شروط التقوى واليقين- هو القارئ الاول للكتاب. فما بالك بعلي (ع) والقرآن، فلم يكن علي (ع) كاتب الوحي فحسب، بل كان أكثر الناس قراءةً لكتاب الله المجيد، واكثرهم استلهاماً لمعانيه وأفكاره واحكامه بعد رسول الله (ص).

وليس غريباً ان نجزم بان الحفاظ على القرآن المجيد مصوناً بين الدفتين عبر التدوين، ساهم دون شك في حفظ أفكار القرآن، ومفاهيمه، وكلماته، ورسالته السماوية في الهداية. وبذلك اصبح الكتاب السماوي المجيد يعيش فيما وراء حدود الاجيال، والثقافات، والعلوم، والمعرفة الحقة المتجددة مع تغيير المجتمعات الانسانية.

وبكلمة فان القرآن عندما دُوِّن، فانما اُريد له ان يكون الكتاب الاول المقروء عند اهل الارض. فهو كتاب السماء الخالد لهداية البشر الى خالقهم وبارئهم عزّ وجلّ. ذلك ان الثقافة الرسمية للاسلام ودولته مستمدة بشكل مباشر من مفاهيم القرآن الكريم وأفكاره واحكامه. وهنا اصبح القرآن الكريم، كتاب الامة الاول الذي تعتني به وتقرأه، فكان الجهد الذي بذله علي (ع) بالدرجة الاولى وبعض الصحابة في الدرجة الثانية في كتابة القرآن الكريم موفقاً في تحمل مسؤولية حفظ كتاب الله المجيد وصيانته من كل تحريف في وقت كان المجتمع العربي الاسلامي يعيش حالة استثنائية مريرة من حالات تزوير احاديث النبي (ص) وسنته الشريفة بما يخدم السلطة وأهدافها.

ولا شك ان كتابة الوحي كانت متعلقة بقطبين هما: القراءة والمجتمع. فتدوين القرآن الكريم انما تمّ من اجل ان تقرأ الامة كتابها السماوي وتهتدي بهديه. فـ«القراءة والمجتمع» تعني هنا انه يمكن للدين تحديد حجم المخاطَبين ومقدار تماسكهم الاجتماعي وتركيبتهم الطبقية وقلوبهم وضمائرهم عبر الخطاب الالهي الموجّه لهم. وبتعبير آخر، فان القرآن المكتوب يصل الى جميع طبقات المجتمع القادرة على القراءة من أغنياء وفقراء، وتجار وعمال، ومزارعين وكسبة، وعلماء ومفكرين، وفقهاء ومحدثين، ويخاطب كل مجموعة باللغة التي تفهمها. فـ «القراءة والمجتمع » تعبّر عن حجم الرباط العقلي والروحي الذي يقوم القرآن الكريم بشدّ المجتمع به، افراداً وجماعةً. وبالتالي يقوم القرآن بشدّ الفرد والجماعة بالله سبحانه وتعالى وباحكامه وتشريعاته. ولذلك كان على الملايين من الامة الاسلامية في كل لحظة من لحظاتها وعلى مدى الزمن ان تقرأ ذلك الكتاب العظيم.

وهنا ينبغي ملاحظة نقطة مهمة اُخرى وهي ان القرآن الكريم يخاطب العقل البشري. فهو ليس كتاباً دُوِّن في زمن معين فخالط الوضع الاجتماعي في ذلك الزمان مشاعر الناس، وليس كتاباً دُوِّن في مكان معين فانبهر الناس بمؤلفه واسلوبه الفكري ومشاعره القومية. بل ان القرآن الكريم يمثّل الكليات التي ارادت السماء أن تنقلها الى الارض. فهو كتاب لم يقيّد بحدود القومية ولا اللغة والزمن والتأريخ والثقافة. بل هو أكبر من حجم القومية واللغة والزمن والتأريخ والثقافة. لان هذا الكتاب المجيد ينقل قارئه الى عالم السماء والآخرة والتوحيد والعظمة والجبروت.

ولذلك كان تدوينه وصيانته من اعظم الاعمال التي قام بها علي (ع) جنباً الى جنب بطولاته المشهودة وزهده وتعففه. ذلك ان القرآن _ الذي يعبّر عن كلام الله سبحانه _ كتابٌ حيٌّ كُتبت له الحياة الى الابد. والموت الثقافي للكتب يحصل فقط لتلك التي يخطها الانسان بيمينه. فمن المعلوم ان 99% من الكتب التي تُكتب تندثر بعد فترة زمنية معينة، ويبقى منها اقل من 1 % فقط تتداوله الاجيال. وحتى ان ما تتداوله الاجيال يندثر رويداً رويداً بسبب اختلاف كليات الازمنة المتلاحقة. فتلك الكتب تفقد نكهتها واسلوبها ومشاعر مؤلفيها بعد عدد غير محدّد من السنين. اما كلام الله عزّ وجلّ وكتابه القرآن المجيد فانه محفوظ ومصان الى يوم القيامة. وهذا يفسّر لنا الاهتمام البالغ للامام (ع) بكتابة القرآن الكريم وجمعه في حياة رسول الله (ص)، والاهتمام الشديد بتدقيقه والاعتناء به بعد وفاته (ص).

(تليها ص 285 - 322)


[1]  «المناقب» - الخوارزمي. الفصل الرابع ص 46.

[2]  «توضيح الدلائل على تصحيح الفضائل» - الايجي ص 418.

[3]  «بحار الانوار» - رواه المجلسي باسناده عن سليم بن قيس الهلالي. ج 19 ص 26 الطبعة القديمة.

[4]  «شرح نهج البلاغة» ج 4 ص 109.

[5] «ينابيع المودة» - المودة الثالثة ص 247. رواها مير سيد علي الهمداني باسناده عن هاشم بن البريد.

[6]  «الاستيعاب» - القرطبي. ترجمة عبد الله بن أرقم.

[7]  «تأريخ اليعقوبي» ج 2 ص 64.

[8]  «نهج الحق وكشف الصدق» - العلامة الحلي ص 11.

[9]  «بحار الانوار»  الطبعة الجديدة ج 18 ص 270. نقلها عن «بصائر الدرجات» عن العباس بن معروف عن حماد بن عيسى عن ربعي بن زرارة عن ابي جعفر (ع).

[10]  «المناقب» - ابن شهر آشوب ج 2 باب المسابقة الى العلم.

[11] «العقد الفريد» - ابن عبد ربه ج 3 ص 5 فصل صناعة الكتاب.

[12]  مقدمة «تفسير مرآة الانوار» عن ابي خالد الواسطي عن زيد بن علي (ع).

[13] «كتاب سليم بن قيس» ص 171.

[14]  «اعجاز القرآن» - الرافعي. ص 35.

[15]  سورة الانعام: آية 93.

[16]  سورة الانعام: آية 93.

[17]  «بحار الانوار» الطبعة القديمة ج 19 باب 3. و«تفسير القمي» سورة الانعام: آية 93.

[18]  سورة الحجر: آية 9.

[19]  سورة الاعراف: آية 157.

[20]  سورة العنكبوت: آية 48.

[21] سورة الحديد: آية 1 – 8.

[22]  سورة طه: آية 1 – 8.

[23]  «تفسير القمي» - علي بن إبراهيم بن هاشم القمي. رواها عن ابي بكر الحضرمي عن الامام الصادق (ع).

[24] شظاظ: خشبة عقفاء تدخل في عروتي الجواليق «الوعاء».

[25]  السيار: مجمع السير وهو القدة المستطيلة من الجلد. والقَدُّ هو جلد المعز المشقوق طولاً.

[26]  كتاب «سليم بن قيس» ص 65.

[27]  التأليف: الجمع، ومنه قوله تعالى: (... فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخواناً) سورة آل عمران: آية 103.