ص 285 - 322)

الفصل العاشر

 الحياة العائلية

 

علي (ع): الحياة العائلية * الدلالات العلمية للنصوص * الحياة الزوجية لامير المؤمنين (ع): 1- الخصائص المستقاة من رسول الله (ص). 2- وظائف الزواج العلوي. 3- التركيبة العلوية. 4- الاسرة الشريفة: قمة القيم الاخلاقية * كفاح الاسرة العلوية: 1- معنى الجوع في العائلة. 2- الطعام وأساليب استهلاكه في العائلة. 3- مشقّة فاطمة الزهراء (ع) * زي فاطمة الزهراء (ع): 1- أسلوب الحجاب الشرعي. 2- وظائف الحجاب الشرعي * تعدد الزوجات بعد وفاة فاطمة (ع): 1- زواج الأماء: أ- معنى العبودية والتحرر. ب- الفوارق يبن الرق في الاسلام والعبودية الحديثة. 2- مغزى تعدد الزوجات: أ- الاقتداء برسول الله (ص). ب- زوجات امير المؤمنين (ع).

----------------
 

علي (ع): الحياة العائلية

تبدأ حياة امير المؤمنين (ع) الزوجية باقترانه بسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع). وكان علي (ع) يومئذٍ ابن خمس وعشرين سنة، وكانت فاطمة بنت عشر. فقد ولِدت فاطمة (ع) بمكة بعد النبوة بخمس سنين، وزوجه اياها رسول الله (ص) في شهر رمضان من السنة الثانية من للهجرة. وبنى بها الامام في شهر ذي الحجة من السنة ذاتها، أي بعد حوالي اربعة أشهر من اتمام العقد. والى مجمل ذلك اشار رسول الله (ص): «ان الله امرني ان ازوّج فاطمة من علي»[1]. ودعا (ص) الله بجمع شملهما وسعادة جدّهما وبمباركته عليهما وان يخرج منهما كثيراً طيباً[2]. والمشهور ان مهرها كان اربعمائة مثقال فضة[3]. وهو مبلغ زهيد، بالمقارنة مع الاموال التي كانت تُبذل في مكة في مناسبات مشابهة. وكان متاع البيت الجديد عبارة عن فراش من خيش مصر (وهو من أردأ الكتّان) محشواً بالصوف، وقطعاً من اُدم (وهي جلود الحيوانات المدبوغة)، ووسادة من اُدم حشوها ليف النخل، وعباءة خيبرية، وقربة للماء، وكيزانٍ (أوعية ماء)، وجرارٍ، ومطهرة للماء، وستر صوف رقيق اشتراه علي (ع) من صداقها (ع)[4]. ومع قلّة المتاع والزاد، الا ان علياً (ع) كان كفؤاً لها في الدين. وقد نُقل عنه (ص): «لولا علي لم يكن لفاطمة كفءاً».

وفي المأثور انه «لما جهز رسول الله (ص) فاطمة الى علي (رض) بعث معهما بخميل. قال عطاء: ما الخميل؟ قال: قطيفة (وهو دثارٌ مَخمَلٌ)، ووسادة من اُدم حشوها ليف واذخر (نوع من النبات) [5] وقربة، كانا يفترشان الخميل ويلتحفان بنصفه»[6].

وكانت حياتهما المنـزلية شاقة للغاية يشهد لهما تعففهما وزهدهما في الدنيا. فهذا ابو نعيم يروي ان فاطمة بنت رسول الله (ص) طحنت «حتى مجلت يدها (أي ثُخن جلدها)[7] ورئي اثر قطب الرحى في يدها»[8]. وفي موضع آخر: «ان فاطمة كانت حاملاً، فكانت اذا خبزت اصاب حرف التنور بطنها، فأتت النبي (ص) تسأله خادماً فقال: لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع، أوَ لا أدلّكِ على خير من ذلك؟ اذا أويت الى فراشك تسبّحين الله تعالى ثلاثاً وثلاثين وتحمدينه ثلاثاً وثلاثين وتكبّرينه أربعاً وثلاثين»[9]. ويؤيد ما كانت عليه من المشقة ما رواه أحمد: «ان بلالاً بطأ عن صلاة الصبح، فقال له النبي (ص) ما حبسك؟ فقال: مررت بفاطمة وهو تطحن والصبي يبكي، فقلت لها: ان شئيت كفيتك الرحى وكفيتني الصبي، وان شئت كفيتك الصبي وكفيتني الرحى، فقالت: أنا أرفق بابني منك، فذلك حبسني . قال (ص): فرحمتها رحمك الله»[10].

وكانت (ع) تطوي الايام بلا طعام. كما تحكي الرواية بأن علياً قال لها يوماً: هل عندك شيء تطعميني؟ قالت: لا والله يا ابا الحسن ما عندنا منذ ثلاث شيء الا شيء أُثرك به على نفسي وعلى ابنيّ قال لها: فهلاّ أعلمتيني؟ قالت: اني لاستحيي من ربي أن أكلّفك ما لا تقدر عليه...»[11]. يقول امير المؤمنين (ع): «كنا مع النبي (ص) في حفر الخندق اذ جاءته فاطمة بكسرة من خبز فرفعتها اليه، فقال: ما هذه يا فاطمة؟ قالت: من قرص اختبزته لابنيَّ جئتك منه بهذه الكسرة، فقال: يا بنية أما انها لاول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاث»[12].

وكان رداؤها الحياء والحجاب الشرعي. ومع ان بيتها كان ملحقاً بمسجد رسول الله (ص)، الا ان الروايات لم تذكر ان أحداً رأى وجهها. وحتى عندما خطبت الخطبة المشهورة في مسجد رسول الله (ص) بعد وفاة ابيها (ص) كان الحجاب ضارباً أطنابه على وجهها فضلاً عن جسدها. وكان ملبسها في غاية التواضع.

ولدت فاطمة (ع): الحسن والحسين وزينب الكبرى وام كلثوم (زينب الصغرى)[13]. وسقط محسن عندما اُقتحمت دارها بعد وفاة أبيها (ص) فاحتمت بالباب فكُسر ضلعها (ع) واسقطت جنينها. وبعد ذلك قضت نحبها (ع) وسنها ثماني عشرة سنة وخمسة وسبعون يوماً[14]. واختلفت اقوال المؤرخين حول مدة حياتها بعد النبي (ص)، فقيل: اربعين يوماً[15]، وقيل: شهرين[16]، وقيل: ثلاثة أشهر[17]، وقيل: ستة أشهر[18].

وعلى أي تقدير، فان فاطمة (ع) كان غاضبة على ابي بكر وعمر اللذين غصباها حقها وآذاها. فكان البيت النبوي فيما بعد وفاة رسول الله (ص) يعيش حالة من حالات الحزن الشديد والالم بفقدان النبي (ص) ونكث العهد. ولا نعرف على وجه الدقّة تاريخ وفاتها او موضع قبرها لحدّ اليوم. ولم يتزوج علي (ع) عليها في حياتها اجلالاً لها وتكريماً لعصمتها حتى استشهدت صلى الله عليها وعلى ابيها وعلى زوجها وبنيها.

استمرت الحياة الزوجية بين علي وفاطمة (عليهما السلام) حوالي ثمان سنوات، ثم انتهت باستشهادها (ع). وبعد انتقالها الى عالم الجوار الابدي (ع)، بقي الامام (ع) وحيداً مع ابنيه الحسن والحسين (ع) وابنتيه زينب وام كلثوم الى ان تزوج بعددٍ من النساء، منهن:

1- (امامة بنت ابي العاص)، وامها زينب بنت خديجة بنت خويلد، وولدت له محمداً الاوسط الذي استشهد في كربلاء.

2- (خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية) وولدت له: محمداً الاكبر (ابا القاسم).

3- (ام حبيبة بنت ربيعة) وولدت له توأماً: عمر، ورقية.

4- (ام البنين بنت حزام بن خالد الكلابية) وولدت له: العباس، وجعفر، وعثمان، وعبد الله الشهداء مع اخيهم الحسين (ع) بكربلاء.

5- (ليلى بنت مسعود الدارمية) ولدت له: محمداً الاصغر (ابا بكر)، وعبيد الله الشهيدين مع اخيهما الحسين (ع) بكربلاء.

6- (أسماء بنت عميس الخثعمية) وولدت له: يحيى الذي توفي صغيراً قبل ابيه، وعوناً.

7- (ام سعيد بن عروة بن مسعود الثقفي) وولدت له: ام الحسن، ورملة.

و(أمهات اولاد شتى) ولدن: نفيسة (ام كثوم الصغرى)، وزينب الصغرى، ورقية الصغرى، وام هانىء، وام الكرام، وجمانة (ام جعفر)، وامامة، وام سلمة، وميمونة، وخديجة، وفاطمة.

وبكلمة، فقد كان لعلي (ع) 27 ولداً، منهم اربعة عشر من الذكور، والباقي من الاناث. وكان عنده يوم استشهاده من النساء اثنتان وعشرون، منهن اربع زوجات: امامة بنت اخت فاطمة الزهراء (ع) من امها، وليلى بنت مسعود، وأسماء بن عميس، وأم البنين الكلابية، و18 امهات اولاد.

 الدلالات العلمية للنصوص

1- تشير جميع الدلائل العلمية والتأريخية الى ان زواج علي (ع) بفاطمة (ع) كان امراً من الله عزّ وجلّ. وقد كان ابو بكر وعمر يطمحان في التزوج من فاطمة الزهراء (ع)، ولكن رسول الله (ص) كان يعرض عنهما ويقول مرة: ان أمرها الى ربها[19]، واخرى كان يقول لهما: حتى ينـزل القضاء[20]. وكلا الجوابين يفضيان الى ان رسول الله (ص) كان ينتظر امر السماء فيها. وفي ذلك دلالة على فضل علي (ع) وكفائته حيث انتخب لها.

علماً بأن رسول الله (ص) تزوج ابنتي ابي بكر وعمر وهما عائشة وحفصة.

2- ان ما ميز حياة علي (ع) العائلية ومن قبله رسول الله (ص) أنهما ساوى نفسيهما مع افقر فقراء بلاد الاسلام، بل حتى الفقير المدقع لا يتحمل حرماناً كليّاً من الطعام ثلاثة ايام بلياليها. ولم يكن الحرمان مقصوراً على الطعام والشراب، بل كان يمتدّ الى اغلب المباحات الحياتية من اثاث ومتاع تقتضيه مستلزمات العيش الاجتماعي في الاسرة . ومن هنا ندرك بساطة متاع فاطمة (ع) وخشونة ملبسها وملبس زوجها. فقد روي ان علياً (ع) عندما اشترى بصداق فاطمة الزاهراء (ع) متاع بيته نظر اليه رسول الله (ص) فبكى ثم رفع رأسه الى السماء وقال: اللهم بارك لقوم جُلَّ أوانيهم الخزف[21] - [22]. والاواني المصنوعة من الطين المفخور هي اقل ما يستطيع الزوج ان يقدمه لاسرته الجديدة. وكانت نساء مكة في ذلك الزمان يفترشن الحرير ويلبسن ما تنتجه الصين والهند من ملابس تنقلها لهم القوافل العابرة الى الشام. فلا شك ان وضع فاطمة الزهراء (ع) كان وضعاً استثنائياً تحدثت عنه نساء مكة انذاك.

3- ان فاطمة (ع) لم تكن لتسأل رسول الله (ص) خادماً لولا انها كانت لا تطيق عمل البيت وهي على ما هي عليه من طهارة النفس والروح والجسد مشغولة بذكر الله عزّ وجلّ. وقد كان علاجها متناسباً مع شخصيتها الدينية الرسالية، لقد كان علاجها التسبيح والتكبير والتحميد. فكان سؤالها أباها عمّن يساعدها في ادارة أعمال البيت مبرراً على الصعيدين العرفي والاخلاقي، لان تلك التكاليف كانت تمنعها بعض الوقت عن تمام الانشغال بالله سبحانه، واداء حق الزوجية والأمومة. وقد كانت الواجبات البيتية في ذلك الزمان تقتضي الخدمة والمساعدة من الغير، لان الجهد كان يبذل من اجل اتمام اعمال البيت باليد، فلم تكن هناك غسّالة تعمل بالبرق لغسل الملابس، ولم يكن هنا طبّاخ غازي أو نفطي لطهي الطهام، ولم تكن هناك انابيب لنقل المياه المصفاة. فكان غسل الملابس وطهي الطعام ونقل المياه يتطلب جهداً ووقتاً لا يطيق الفرد القيام به لمفرده. وكانت فاطمة الزهراء (ع) يتيمة من طرف الام وليس لها عم أو عمة، ولا خال أو خالة على الارجح. وليس لها اخ أو اخت من أبيها تركن اليهم وقت الشدة.

4- كانت الفترة التي عاشها علي (ع) تستدعي تأليف القبائل، فكان (ع) يتزوج من سائر القبائل العربية من اجل تثبيت الاسلام. في حين كانت القبائل تتشرف بالانتساب اليه (ع) عن طريق الزواج . ولاشك ان قضية الاماء أو ملك اليمين كانت منتشرة في ذلك العصر، فكان اشراف المسلمين يشترونهن من اجل تثبيتهن على الاسلام ثم يطلق سراحهن، فكنّ يفضلن البقاء مع ازواجهن (سادتهن) المؤمنين في مرحلة الحرية. فلم يكن غريباً ان نرى امير المؤمنين (ع) قد تزوج بهذا العدد من الزوجات. فقد كان العرف الاجتماعي يقتضي ان يتزوج القائد من اطراف القبائل العربية. يضاف الى ذلك ان بعضهن كن ارامل يعشن حياة الفقر مع ابنائهن اليتامى، فكان يشار اليه بأبي الارامل والايتام. وملك اليمين على الاغلب من الارامل اللاتي فقدن ازواجهن في الحروب، او اليتامى اللآتي فقدن آبائهن في الحروب ايضاً.

 الحياة الزوجية لامير المؤمنين (ع)

يتطلب الزواج تنظيماً جديداً للعلاقات الاجتماعية، بما فيها السكن الجديد للزوج والزوجة والعلاقات السببية الناتجة من آثار الزواج. ويُعدُّ الزواج في العرف العلمي تحالفاً بين مجموعتين من الافراد ستربطهما لاحقاً رابطة الدم والرحم. فالمجموعة الاولى تمثل الزوجة وأرحامها، والمجموعة الثانية تمثل الزوج وأرحامه. ولا شك ان الزواج يقوي الآصرة القائمة بين عائلتي الزوجين. ومن هذا الاطار ننظر الى زواج امير المؤمنين (ع)، فقد اقترن ببنت خاتم الرسل والانبياء (ص). وهذا الاقتران يحمل دلالات دينية واجتماعية وفكرية لا يمكن المرور عليها من دون دراستها دراسة علمية دقيقة. فان من مقتضيات اقترانهما ان بيت النبوة والامامة بات مركز اهتمام المسلمين جنباً الى جنب مع القرآن الكريم. ذلك لان اهل بيت النبوة (ع) كأسرة مكونة من رسول الله (ص) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهما السلام) كانت مصدر العطاء الفكري العملي بعد القرآن الكريم. وكانت القدوة الاخلاقية العليا للامة على مر الزمن.

وبالاجمال، فان من آثار زواجهما كان تهيئة نسل طاهر معصوم يحفظ رسالة الاسلام الى يوم القيامة بعد ان كان ذلك الاقتران تحالفاً قدسياً بين النبوة والامامة، أي بين محمد رسول الله (ص) وعلي وصي رسول الله (ص) من اجل الاسلام واعلاء كلمة الله سبحانه.

وتشكيل عائلة عن طريق الزواج الشرعي يتبلور من عمل مشترك وتعاون متضافر يقوم به الزوجان، وصورته الكلية: وظيفة الزوجة داخل البيت ووظيفة الزوج خارج البيت. وفي ضوء ذلك تتوضح صورة الحقوق والواجبات داخل الاسرة. وليس هناك من حاجات مادية كثيرة في اسرة النبي (ص) والاسرة العلوية (ع). فقد كان الخبز هو المصدر الرئيسي لرزق العائلة، وكان التعبد والخشوع وقراءة القرآن اهم ما يشغل البيت وأعضاءه. وكانت فاطمة (ع) تعمل ضمن حدود بيتها بما يستلزم الامر من خدمات، وكان (ع) يعمل ويكدح من اجل سد رمق عائلته. ولكن اساس العائلة العلوية قائمٌ على طاعة الله سبحانه وعبادته والجهاد في سبيله مهما كلّف ذلك من تضحيات. 

1- الخصائص المستقاة من رسول الله (ص):

ضمت اسرة علي وفاطمة (عليهما السلام) ثلاث خصائص مستقاة من رسول الله (ص) وهي: الارث، والخلافة «الولاية»، والنسب. فالارث كان متمثلاً بانتقال ملكية رسول الله (ص) الى ابنته الوحيدة (ع) من خديجة بنت خويلد[23]. والخلافة او الولاية كانت متمثلة بانتقال المنصب الالهي الى علي (ع) بالامامة، لانه لا نبي بعد رسول الله (ص). والنسب كان متمثلاً بانتقال العوامل الوراثية النبوية من رسول الله (ص) الى ابنته الطاهرة فاطمة (ع)، ومن فاطمة وعلي (ع) الى ذريتهما الطيبة الطاهرة. فكانت الذرية الطاهرة تحمل صفات جدها (ص) وخصاله الحميدة في الكرم والشجاعة والاخلاص والتضحية والتفاني والعلم والتقوى والتعبد.

ولا شك ان انتقال الملكية، والمنصب الالهي، والعوامل الوراثية بشكلٍ متوازٍ في اسرة واحدة، يشكل ظاهرة فريدة في الاسلام. فلم توفق اسرة رسالية الى مثل ذلك التوفيق العظيم. فلابد ان تكون حياة علي (ع) الزوجية ظاهرة فريدة لم تتكرر في التأريخ الديني على الارض.

والخصوصية في ذلك تكمن في ان التزاوج بين فردين من اشراف القوم يعني استمرار الفكرة او الرسالة التي يحملانها الى الجيل الجديد عبر ذريتهما. ولذلك فان اقترانهما يعني انتصاراً للفكرة التي يحملانها. بمعنى ان عملية التزاوج تلك تعكس مبدأ الحفاظ على الرسالة الدينية اكثر مما تعكس مجرد اشباع العواطف والرغبات المشروعة.

وتوكأً على عكازة تلك الفكرة نفهم ان عملية الزواج العرفية تقوم على اساس انها علاقة بين رجل وامرأة اعترف بها المجتمع واقرها. بينما نفهم ان لزواج علي وفاطمة (علهما السلام) _ اضافةً الى الاقرار الاجتماعي به _ إقراراً آخر، وهو اقرار السماء وايمان الملائكة بملاكه ومصلحته. ويؤيده قول رسول الله (ص): «ان الله امرني ان ازوج فاطمة من علي»[24].

ومعناه ان شرعية زواج علي (ع) من فاطمة (ع) لم تكن حسبما يقتضيه العرف الاجتماعي والديني على الارض فحسب، بل كانت لشرعية ذلك الزواج قدسية معينة في السماء، ذلك لان للزوجين خصائص روحية وعقلية وطاقات كامنة لا يعدلها شيء. فالمرأة التي لها منـزلة دينية كفاطمة بنت رسول الله (ص) لابد ان تقترن برجل له منـزلة دينية كعلي بن ابي طالب (ع)، حتى يكون الزواج متكافئاً في عالمي الشهادة والغيب. والتكافؤ كان مخصوصاً في العصمة في فهم احكام الدين وادراك معانيه العظيمة. ومع ان للنسب دوراً وشرفاً ايضاً، الا انه ليس الاصل. لان جعفر بن ابي طالب[25] كان ينبغي ان يكون كفؤاً لفاطمة (ع)، لو اخذنا بنظرية النسب. ولكنه لم يكن كفؤاً لانه لم يكن يمتلك تلك العصمة في ادراك الدين كما كان يمتلكها علي (ع).

ولا شك ان الموافقة المتبادلة بينهما على الاقتران دون شروط مادية دنيوية، تكشف عن ان الزوجين كانا يرتضيان الحياة الجديدة بما فيها من قدسية وتعبد لله سبحانه، وبما فيها من قدوة طيبة ومنار هداية للمجتمع الاسلامي. فالاقتداء بالاسرة النبوية _ العلوية كان مثار فخر للمسلمين على طول الدهر لانها كانت تمثل الاسرة الامثل والاتقى والاطول بقاءً في تأريخ القيم والمثل السماوية.

واذا كان الزواج الشرعي _ بشكله العام المطلق _ يعطي المرأة زوجاً يعترف به المجتمع، فان زواج فاطمة (ع) من علي (ع) بالخصوص اعطاها كفؤً في فهم الدين وادراك الشريعة السماوية. ولم يسبق اننا قرأنا في التأريخ الديني ان السماء قد صممت زواجاً يبن فردين طاهرين كما تذكره الروايات بالنسبة لعلي وفاطمة (عليهما السلام)، كما اشار (ص): «ان الله امرني ان ازوج فاطمة من علي».

واذا كان الزواج يشكل عند الملوك انشاء عائلة سياسية شابة جديدة، وعند التجار يشكل انشاء عائلة تجارية جديدة، وعند العمال يشكل انشاء عائلة عمالية جديدة، فان عائلة فاطمة وعلي (عليهما السلام) اصبحت تشكل عائلة دينية لها قدسية فريدة. فقد بسط الوحي النازل على ابيها (ص) جناحيه السماويتين في بيتهما، وكان عبق النبوة وعطر العصمة واريج الامامة يشع من ارجاء ذلك البيت الطاهر. وبكلمة، فان وظيفة اهل بيت النبوة (ع) _ الاسرة الاولى في المجتمع الاسلامي _ كانت تتلخص بحمل المسؤولية الاخلاقية والشرعية من جل الحفاظ على الرسالة الالهية حية الى يوم القيامة.

ان اختيار الرجل زوجته، او المرأة زوجها، له علاقة مباشرة بالدور المتوقع الذي سوف تقوم به الزوجة او الذي سيقوم به الزوج في المستقبل. فالاختيار الزوجي هنا مرتبط بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهما. فالمَلِك مثلاً يختار زوجته لتصبح السيدة الاولى في المجتمع، ورئيس الدولة يختار قرينته لتشاركه همومه في الادارة الاجتماعية. ومن هذا المنطلق نتوقع من تزاوج الاشراف ثمرات على صعيد الدين والفكر والاجتماع والقدوة والمُثل العليا. وكلما كانت درجة الشرف عالية، كانت المسؤولية المتوقع تحملها من قبل الزوجين اثقل.

فكان تكافؤ الاسرة العلوية يُصبُّ في هذا المصبّ. فمعدن علي (ع) الرسالي يتكافأ مع اخلاقية فاطمة (ع) ومعدنها الطيب الطاهر المتصل بسلالة النبوة في التأريخ. والاصل في فكرة الزواج تلك انها كانت مبينة على تكافؤ عصمة علي (ع) مع عصمة فاطمة (ع). ومن هنا كان قول رسول الله (ص): «لولا علي لم يكن لفاطمة كفؤ». ولذلك، فانه (ص) لم يزوج فاطمة (ع) لابي بكر او عمر بن الخطاب، مع انهما كانا يترددان عليه (ص) ويسألانه عن فاطمة (ع). فكان يجيبهم ان امرها عند الله سبحانه. وهو جواب نبوي في غاية الادب يكشف عن انهما ليسا كفوءاً لسيدة نساء العالمين (ع) في العصمة في الدين، والطهارة في النسب.

لقد كان من ثمار بناء الاسرة العلوية هو انجاب ثلّة طيبة من ائمة الهدى (ع) حفظت رسالة الدين حيّة نابضة الى يوم القيامة. لقد كان الدور المتوقع لاسرة علي (ع) هو حفظ الدين من تلاعب الظالمين والطغاة وطلاب الدنيا، وصيانته من كل تحريف. 

2- وظائف الزواج العلوي:

حمل زواج علي وفاطمة (عليهما السلام) وظائف مهمة على صعيدي الدين والحياة، يمكن اجمالها بالنقاط التالية:

الاولى: الحفاظ على ذرية المصطفى (ص) حية نابضة على طول التأريخ. فكانت فاطمة الزهراء (ع) البنت الوحيدة لرسول الله (ص). وعن طريقها حُفظ نسل النبي (ص).

الثانية: تثبيت هوية الانتماء لاهل بيت النبوة (ع)، وتثبيت المنـزلة الدينية والجمع بين النبوة والامامة في بيت واحد وهو بيت رسول الله (ص). فقد كانت حجرة فاطمة (ع) في مسجد رسول الله (ص) تأخذ منه (ص) العلم والحكمة والقرآن، وتستلهم من اخلاقه الفاضلة أكمل الفضائل والخصال الدينية، وتشاركه كل يوم في العبادة والنقاء والطهارة الروحية. لقد سرت في شرايين الاسرة العلوية دماء رسول الله (ص) ودماء الامامة. فالابناء أخذوا من آبائهم علوم الدين وأخلاقية الرسالة، والبنات تعلمن الصفاء الروحي والثقافة الدينية من امهاتهن. وكلٌ سدد الآخر في تقواه وزهده وفصاحته وشجاعته.

الثالثة: بقيت أسرة آل البيت (ع) القدوة والمثل الاعلى في المجتمع الاسلامي. فهي العائلة المتكافئة في القيم الدينية، والعصمة، والممارسات التعبدية، والاخلاق، والصدق، والجهاد، وتحمل المشقة، والقناعة، وكل ما يحمله العلوّ الديني والشرف الاجتماعي من معانٍ سامية وأهداف عظيمة.

ولاشك ان الاختلاف السلوكي للمعصومين مثل علي (ع) وفاطمة (ع) ينبع من اختلافهما في الفسلجة والتركيبة الجسدية. ففاطمة (ع) كانت تمر بفترات الحمل والولادة والرضاعة وكانت تقوم بانجاز الاعمال المنـزلية وتربية الصغار، بينما كان علي (ع) يحرث الارض ويسقي الزرع وينقل الماء من اجل لقمة العيش. وكانت فاطمة (ع) تقوم بالمواعظ البليغة التي وصلتنا منها شذرات قليلة. بينما كان علي (ع) يعلّم القرآن واحكام الشريعة ويجاهد في سبيل الله ويقاتل المشركين . وهذا الاختلاف في وظيفتهما الفسلجية لا يعكس اختلافاً في درجة عصمتهما وادراكهما لاحكام الدين واهداف الشريعة. ولو كان هناك اختلاف لاختل ميزان التكافؤ الذي تحدث عنه رسول الله (ص) بينهما قبل الزواج.

والوظيفة الفسلجية للذكورة تقتضي القوة الجسدية، والتحرك السريع من مكان لآخر، والغياب عن الاسرة لفترة قد تقصر او قد تطول في الحروب والمعارك مع الشرك . بينما تقتضي الوظيفة الفسلجية للانوثة طاقة تحمل وصبر، وطاقة للمكث الطويل مع الاسرة من اجل الاهتمام بشؤون القاصرين وتربيتهم وتعليمهم، وقوة جسدية اقل من قوة الرجل. ولذلك كانت وظيفة القوامة على الرجل لا على المرأة، كما اشار تعالى: (الرجالُ قَوّامونَ على النساءِ بِما فَضّلَ اللهُ بَعضهُم على بَعضٍ...)[26].

والوظيفتان، على الصعيد الاجتماعي، تكمل احداهما الأخرى. فالمجتمع يتوقع من المرأة أداء دورها، كما يتوقع من الرجل ذلك. ولكن المجتمع العربي البدوي كان مجتمعاً عسكرياً محارباً يعتمد على القوة العضلية للرجل، ويعتمد على حجم قدرته على الاداء في ساحات المعارك. وكان علي (ع) القمّة في ذلك. ومع ذلك كان الدور الديني الرسالي لفاطمة الزهراء (ع) دوراً عظيماً لم تقلله قاعدة تحمل الرجل مسؤولية القيمومة على المرأة.

بمعنى آخر، ان فاطمة الزهراء (ع) كانت تطيع زوجها علي (ع) وتنتظر منه القيام بمسؤوليته المالية التي حددتها قاعدة القيمومة الشرعية، ولكن تلك الطاعة وتلك القاعدة لم تقلل اصلاً من العظمة الرسالية لفاطمة الزهراء (ع). وهنا يكمن الدرس الذي ينبغي ان نتعلمه من سلوكها الرسالي (ع). فطاعة الزوج والامتثال لقاعدة القيمومة لا يتقاطع مع عظمة المرأة دينياً ومع شرفها وعلمها وعصمتها في فهم احكام الشريعة.

وقد حارب الاسلام التطرف البدوي الذي كان يهين المرأة ويضعها في الدرجة الثانية من السلّم الاجتماعي. وقدم لنا مثالاً رائعاً للمرأة المؤمنة التي وُهبت ادراكاً دينياً كاملاً، وهو مثال فاطمة الزهراء (ع). ولم ينقل لنا التأريخ الاسلامي حتى رواية كاذبة عن صراع الانوثة والذكورة في الاسرة العلوية. فقد كانت فاطمة (ع) مطيعة لزوجها، وكان علياً (ع) يكنّ لها الاحترام اللائق بها. وعندما تكلّمت (ع) حول ارث ابيها (ص) بعد وفاته (ص)، في المسجد وبحضور ابو بكر وعمر، لم يمنعها (ع) من ذلك. ولم يعارضها عندما رفضت مقابلة الخليفة الاول بعد وفاة ابيها (ص). 

3- التركيبة العلوية:

لا شك ان للزواج اهدافاً اجتماعية ودينية وفسلجية. فالبناء بين الرجل والمرأة لابد ان يتمّ ضمن الضوابط الشرعية، والذرية تحتاج الى فترة طويلة نسبياً من العناية الشخصية والاهتمام من قبل الابوين، وتحتاج ايضاً الى عملية تهيئة دينية للدخول في المعترك الاجتماعي لاحقاً.

ان العصمة التي جمعت علياً وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين (عليهم السلام جميعاً) في اسرة واحدة، تعدّ رابطة دينية لم يسبق لها مثيل في الاديان التوحيدية. فالمجتمع الانساني يعيش فترة أطول من حياة العائلة الواحدة. ولكن اسرة امير المؤمنين (ع) عاشت وستعيش بعمر المجتمع البشري على الارض. ولذلك فاننا نقول بأن اهل بيت النبوة (ع) أكبر من التأريخ وأكبر من الحياة التي يحيونها في اطار الزمن وقيده المحدود.

فاننا بعد اربعة عشر قرناً نكتب عن حياة أمير المؤمنين (ع) وأسرته كما لو كانت تعيش بيننا اليوم. وسوف يفعل احفادنا كما فعلنا ان شاء الله تعالى. وقد فعل اجدادنا ذلك في الماضي ايضاً، جزاهم الله خيراً. وبكلمة، فان تركيبة الاسرة العلوية لم تنشأ لتعيش مثلاً لزمانها، بل انما انشأت لتعيش مثلاً للاجيال المتلاحقة الى يوم القيامة.

وقد كانت حياة الاسرة شاقة فيما يتعلق لسد الحاجات الجسدية من طعام وكساء، لان الاسرة العلوية كانت مصممة لكي تكون مثلاً تأريخياً للاجيال، وهو (ع) القائل: «ان الله تعالى فرض على ائمةِ العدلِ ان يُقدِّروا انفسهم[27] بضعفة الناس، كيلا يتبيَّغَ[28] بالفقير فَقْرُهُ [29].

وكانت عائلة سامية من ناحية العلاقات الانسانية. فقد حكمت الحياة العائلية للاسرة العلوية ضوابط اخلاقية دينية، منها: علاقة علي (ع) بفاطمة (ع)، وهو القائل (ع): «الغريبُ من لم يكن له حبيب»[30]. وعلاقة فاطمة (ع) بالحسنين (ع) واختيهما زينب (ع) وام كلثوم، وهو القائل (ع): «البشاشةُ حِبالةُ المودة»[31]. وعلاقة الحسنين (ع) واختيهما فيما بينهم، وهو القائل (ع): « التودُّدُ نصفُ العقل»[32]. وعلاقة النبي (ص) والامام (ع) بهم جميعاً، وهو القائل (ع): «مودة الاباء قرابة بين الابناء، والقرابةُ الى المودةِ أحوجُ من المودةِ الى القرابة»[33].

واذا اضفنا الى تلك العلاقات الحميمة: الادراك الكامل لمعاني الدين واحكامه وملاكاته، لتبين لنا ان آل البيت (ع) اختبروا العلاقات الانسانية من حيث تعاملهم مع الاخ او الاخت او الام او الاب خصوصاً بالنسبة للحسنين (عليهما السلام). نعم عاش رسول الله (ص) يتيماً وليس له اخ او اخت، ولكنه كان ملهماً يتصرف بما يمليه عليه الوحي. اما ائمة الهدى (ع) فكان علمهم مستلهماً من تعاليم رسول الله (ص). ولقد تبلور فضلهم من خلال قدرتهم على استيعاب ذلك العلم والعمل به.

وتلك العلاقات داخل الاسرة كانت تعبّر عن عبق النبوة واخلاقية الامامة والعصمة، وعن دور الدين واحكامه في بناء مستوى راقٍ من الاخلاق والفضيلة والتقوى والتعبد والاتصال بالخالق عزّ وجل عبر الصلاة والصيام والدعاء وترك الملذات الدنيوية. لقد كانت العلاقة الاسرية في ذلك البيت المبارك نظاماً للاحكام الشرعية، ولم يكن تجمع اولئك الطاهرين مجرد تجمع عشوائي لافراد جمعتهم العلاقة الجسدية ورابطة الدم. بل ان اجتماعهم كان اجتماع العلم والحكمة والقرآن. فكان اهل الكساء، وهو تعبير عن الكساء الذي جمعهم[34]، تعبيراً رمزياً من الاختبار الالهي لتلك النخبة الطيبة من الاطهار الذين لا يعرفون غير عبادة الله والجهاد في سبيله والتضحية من اجل نصرة دينه. وكأن المعادلة تقول ان كلمة: «اهل البيت (ع)»،  تعادل: « العبادة، والجهاد، والتضحية ».

وكانت فاطمة (ع) لا تلعب دور الام الحنون التي تظهر حنانها لاطفالها فحسب، بل كانت تغذيهم احكام الدين والاخلاق وضوابط العصمة. وكان علي (ع) يربي الحسنين (ع) على الامامة ودور الدين في المعترك الاجتماعي. بينما كان رسول الله (ص) يمدّ الاسرة الشريفة بمختلف وسائل الامداد الروحي السماوي وينقلهم الى عالم الاخلاق المثلى في كل لحظة من لحظات وجوده. 

4- الاسرة الشريفة: قمة القيم الاخلاقية

وبكلمة، فقد كانت تلك الاسرة الشريفة محطة لانظار علماء الكلام، والقانون، والشريعة، والاخلاق، والفلسفة. لانه لم تشهد الانسانية عائلة تجمعت فيها كل صفات الشرف والكمال والنبوة والامامة كأسرة أصحاب الكساء وهم النبي (ص) وعلي وفاطمة والحسنان (عليهما السلام). خصوصاً وان تلك الاسرة المتكاملة كانت تسكن على ارض مسجد واحد وهو المسجد النبوي.

ولا شك ان التضامن الروحي الذي كان يشد افراد الاسرة المعصومة لم يكن تضامناً عضوياً بحتاً يدور حول «عقد الزواج» المبرم بين علي وفاطمة (عليهما السلام) تحت نظر والدها رسول الله (ص)، بل كان تضامناً في اصل الدين وتضافراً بين النبوة والامامة من اجل الاسلام. أي ان الدعم السماوي لزواج علي (ع) بفاطمة (ع) والذي اعلنه رسول الله (ص) في غير مرة، كان دعماً من اجل منصب الامامة. فقد كان «عقد الزواج» الذي باركته السماء كان من اجل دعم تلك المنـزلة الرفيعة االتي نالها علي (ع). وحتى الواجبات البيتية، والحقوق، والالزامات الشرعية والاخلاقية بين اعضاء الاسرة كانت تمثّل القيم الدينية بأعلى صورها.

ففاطمة الزهراء (ع) كانت تقضي الليل في العبادة والدعاء والاستغفار، وكان علي (ع) يقضي الليل في الصلاة والدعاء والتهجد أيضاً. وبينما كانت (ع) تعمل جاهدة من اجل ترتيب القضايا المنـزلية، كان (ع) يعمل ويكدح خارج البيت من اجل كسب لقمة العيش. وكانت فاطمة (ع) تقبل بالقليل من الطعام والشراب، وزوجها (ع) زاهد لا يتعدى طعامه الخبز اليابس، وأولادها يطون الليل جوعاً وهم ساجدون لله سبحانه وينظرون الى طعامهم يسلّم الى المسكين والفقير والاسير وهم مطمئنون راضون بقدر الله، وابوها (ص) خاتم الانبياء وأفضل البشر على وجه الارض يأكل من خبز ابنته (ع) ولم يدخل في فمه طعام منذ ثلاثة ايام. فأي قدوة وأي مثل أعلى تقدمه لنا عائلة رسول الله (ص)؟

لقد كان بالامكان تبديل تلك الحياة العائلية الى حياة الطبقة الوسطى على الاقل، الا ان رسول الله (ص) وعلياً (ع) وفاطمة (ع) لا يقبلون بذلك. لان اهل بيت النبوة (ع) ارادوا ان يكونوا مثلاً ابدياً للنـزاهة والطهارة والعفة والزهد والتقوى. وقد اكرمهم الله تعالى لانهم كانوا اتقى الناس وأفضلهم وأقربهم الى السماء.

ومن نافلة القوم ان نذكر ان البيت النبوي كان مثالاً للسلام الديني والوئام الاجتماعي، فلم يكن هناك صراع على ملك زائل او صراع بين الانوثة والذكورة او صراع على ملذات الدنيا كالذي رأيناه بين هند وابي سفيان، حيث زعمت بأنها لم تسرق في عمرها شيئاً الا ما كانت تأخذ من مال زوجها ابي سفيان[35]. او الذي رأيناه بين عمر بن الخطاب قبل اسلامه وبين اخته، حيث لطم وجهها لطمة فشجّه وأدماه. ونحوها كثير من اساليب الصراع العضلي والفكري بين الرجال والنساء.

وليس غريباً أن نستوعب الفارق اذا فهمنا بان الاسرة العلوية كانت تمثّل قيم الدين بانصع صورها واجلى معانيها في التعاون والحب والتعبد والزهد والتقوى والجهاد في سبيل الله. بمعنى ان تلك الاسرة عكست السلوك المثالي الذي ينبغي ان يُحتذى من قبل المؤمنين بالاسلام وبرسوله (ص) وبولاية امير المؤمنين (ع).

وما كان يميز تلك الاسرة العلوية انها كانت تعيش اجواء الثراء الروحي والارتباط بالله تعالى في الوقت الذي كانت تعيش فيه الغربة الاجتماعية. فعندما كان آل الرسول (ص) يحاربون نظرياً الظواهر الجاهلية العالقة في المجتمع الجديد، كانوا في الوقت ذاته يخوضون جهاداً عملياً مريراً ضد مجتمع تربى على الاعراف الجاهلية القَبَلية. ولذلك كانت مهمتهم الاجتماعية والدينية صعبة وشاقة.

ولكن الذي خفّف من مشقة الصراع على الساحة الاجتماعية هو ان الارضية الدينية للانسجام النفسي والاجتماعي في الاسرة العلوية كانت ارضية صالحة، تحقق اهدافها في بناء مجتمع اسلامي مصغّر يذوب تماماً في المثاليات الدينية.

كفاح الاسرة العلوية

يمثّل الطعام وطريقة تحصيله وتناوله اهم اساليب الكفاح في الحياة الدنيوية. فالاسرة الزاهدة قد لا تكترث لالوان الطعام عدا ما يسدّ رمقها ويمدد في مسيرتها اللاحبة نحو العبادة وذكر الله تعالى. وكان جوع العترة الطاهرة جسدياً يقابله امتلاءٌ روحي، وطمأنينة بقضاء الله سبحانه، ورضى بحسن التوجه اليه. 

1- معنى الجوع في العائلة:

ان النقص في المواد الغذائية للعائلة يؤدي الى حرمان افرادها من حقهم الطبيعي في التغذي وتناول الطعام. والجوع الطبيعي قد يؤدي الى حالات مرضية تنتهي الى الموت. ولكن جوع العترة الطاهرة (عليهم السلام) كان من نوع آخر. ولنطلق عليه بـ « الجوع التعبدي ». فقد كان جوعاً بالاختيار، او حرماناً من اكل الطعام بالارادة لانشغالهم بقضية اهم وهي العبادة او الجهاد في سبيل الله او الشوق للحياة الآخرة. وتلك الحالة الجسدية النفسية ينبغي ان تُفهم على اساس انها لونٌ من الوان التقوى، وحب التقرب الى الله عزّ وجلّ عبر الزهد من ملذات الدنيا ومطايبها.

وعلى أي حال، فان الجوع يُضعف الانسان ويقعده عن القيام بمهماته، فكيف كانت العترة الطاهرة (عليها السلام) تشدّ الاحجار على بطنها في الوقت الذي كان تجاهد فيه الظواهر الوثنية والجاهلية؟ والمشهور عن رسول الله (ص) وعلي (ع) ان الجوع لم يثنهما عن الدخول في ساحات الوغى وقتال المشركين دون ان يدخل في جوفهما قطعة خبز يابس او حفنة تمر زهيدة لايام.

لا شك ان هذا الامر من الامور الخارقة للعادة التي لا نجد لها تفسيراً غير تعلّق العترة بالله سبحانه وتعالى. فهو تحمل ما لا يطاق بالنسبة الى عامة الناس. فلا يستطيع الانسان العادي _ مهما اوتي من قوة الصبر _ ان يصبر على طعام، اختياراً، عدة ايام دون ان يتناول شيئاً. ثم يقتحم جبهات القتال ليقاتل المشركين بضرواة وشجاعة لم يسبق لها مثيل.

ومن زاوية اُخرى، نقول ان الجوع عند الفرد العادي يؤدي الى الخمول والضعف والكسل. بينما كان جوع اهل البيت (ع) _ الذي كان اثراً من آثار الزهد _ باعثاً للعبادة والعمل والنشاط والجهاد في سبيل الله وحمل السلاح ومقاتلة اعداء الدين.

ولم يكن الزهد في طعام الاسرة العلوية مؤقتاً أو منحصراً بفترة معينة، بل استمر في جميع مراحل حياته (ع) وبضمنها فترة الخلافة العصيبة. فكان زهده (ع) مثار اعجاب الدنيا. فكيف يستطيع امام الحق (ع) تحقيق العدالة ما لم يسحق ذاته بمرارة الجوع والحرمان. وهو الذي قال لاحقاً: «... او بيتَ مبطاناً وحولي بطونٌ غرثى (جائعة) واكبادٌ حرَّى (عطشى)، او اكونَ كما قالَ القائلُ:

وحسبًكَ داءً أن تبيتَ ببِطنةٍ[36]                 وحولَكَ اكبادٌ تحِنُّ الى القِدِّ[37]

أأقنعُ من نفسي بأن يقالَ: امير المؤمنين، ولا اُشاركهم في مكاره الدهر، أو اكون اُسوةً لهم في جشوبةِ العيش (أي خشونته)...»[38].

بينما لم نلمس ذلك في بقية حكام المسلمين وامرائهم الذين كانوا يشبعون انفسهم وعوائلهم ومتعلقيهم وذويهم بالطعام على اقل التقادير، خصوصاً اولئك الذين نازعوا علياً (ع) ولايته وسلبوها منه ظلماً. ولكن امام الحق (ع) ابى الا ان يساوي نفسه مع افقر فقراء المجتمع الاسلامي. فكان يصنع لهم الطعام، ويمنح لهم العطاء، ويبقى وعائلته يشدّون الاحجار على بطونهم. 

2- الطعام وأساليب استهلاكه في العائلة:

ان طريقة استهلاك الطعام ليست طريقة فسلجية او بيولوجية، بل هي سلوك ثقافي ديني بالدرجة الاولى، حيث يلتزم الفرد بممارسته على ضوء احكام الرسالة التي يؤمن بها. فالافراد في مجتمع غير متدين يأكلون كل شيء قابل للاكل، وفي كل مكان، ومع أي فرد، وفي كل موقف. ولكن الدين حدد طبيعة الطعام في الحلية والاستحباب، والمقدار الذي يسمح بتناوله عن طريق الاعتدال، وما يقال قبل تناول الطعام وما يقال بعده من بسملة ودعاء وتمجيد لرازق الطعام عزّ وجلّ.

ومن هنا اصبح الطعام في عوائل الانبياء والاوصياء (ع) _ نوعيةً وحجماً _ يمثّل لوناً من الوان الزهد والتقوى وقوة الاتصال بالله عزّ وجلّ. ذلك ان السيطرة _ بهذا الشكل الصارخ _ على شهوة البطن تفتح بوابة القلب على الخالق تعالى، فتُستَثْمر بالعبادة وطاعة الله سبحانه. والعائلة التي تأكل الخبز وتأتدم بالملح والخل، وهي ما عليه من منـزلة سماوية واجتماعية رفيعة ، لابد ان تمثّل رمزً دينياً ومثلاً اعلى للمشاعر الانسانية حيث كانت تكتفي غالباً بالغذاء الروحي دون الغذاء الجسدي.

ان علياً (ع) عندما كان يجوع ليشبع الآخرين، كان ملاك حكمه ان الطعام ينبغي ان يشبع الجميع فلا يبقى فقير يتضور جوعاً وبجنبه غني يئنُّ من التخمة. فالفقر هنا، اذا وُجِد، فانه يعكس الفشل الاخلاقي الذي يتحمل مسؤوليته النظام الاجتماعي والسياسي الحاكم على الناس.

الا ان الاسلام _ الذي كان جوهر نظام دولة امير المؤمنين (ع) _ لا يرضى ان يبيت القائد مبطاناً وحوله بطون غرثى. فكان دستور حكومته (ع) يصرّح بان يشبع الناس اولاً عبر توزيع الثروة الاجتماعية بالعدالة والانصاف. وكان شدّ الحجر على البطن من الجوع تمريناً قاسياً في عائلة امير المؤمنين (ع) من البداية. ونفس المنطوق ينطبق على الحسنين (ع). ذلك ان تربية الحسنين (عليهما السلام) على الاكتفاء الروحي دون النهم الجسدي هو تهيئتهما لمنصب الامامة الروحية للمسلمين لاحقاً.

ولا شك ان طريقة فاطمة (ع) في توزيع طبق خبز الشعير لزوجها واولادها يكشف عن العلاقة المثالية بين الزوجة التقية العابدة تجاه اعضاء اُسرتها. فاجتماع الاسرة الطاهرة على طعام بتلك البساطة يعبّر ايضاً عن احترامهم للنعمة التي انعمها الله سبحانه عليهم واشتراكهم جميعاً في تناول ذلك الطعام البسيط. فكانت المائدة تهيأ ويوضع عليها الخبز والملح، وكان (ع) يفتتح باسم الله ويختتم باسم الله ويحمد الله ويشكره على النعمة. ويمتثل قوله (ص): «اللهم بارك لنا في الخبز، ولا تفرّق بيننا وبينه، فلولا الخبز ما صلينا ولا صمنا ولا ادينا فرائض ربنا»[39].

ولا يوجد في المجتمعات، كما يقول علماء الانثروبولوجيا والاجتماع، انسانٌ يعطي كل شيء يملكه الى الآخرين دون ان يُبقي لديه شيء. لان غريزة الانسان تدعوه لاشباع نفسه اولاً، او لابقاء شيء من الطعام على الاقل يسدّ به رمقه. ولكن علياً (ع) اعطى كل طعامه وطعام عائلته ثلاثة ايام متوالية للمسكين والفقير والاسير، ومنح خاتمه وهو راكع للفقير الذي جاء يسأل في مسجد رسول الله (ص) وهو لا يملك غيره، وأشبع الفقراء ايام خلافته ونام جائعاً يشدّ الحجر على بطنه.  فأي مثالية اخلاقية تلك التي مارسها امير المؤمنين (ع)؟

ان القوة الدينية التي تدفع الانسان وهب طعامٍ لا يملك غيره للآخرين دون ابقاء شيء له او لعائلته هي قوة عظيمة دون شك. والاقوى منها ان الواهب كانت لديه القدرة على اقتناء شتى الوان الطعام، ولكن تعلقه الروحي بالخالق عزّ وجلّ كان اقوى من غريزته في الشبع والامتلاء. فكان (ع) يفضّل الجوع اختياراً من اجل ان يساوي نفسه بأضعف الرعية، وكان يشدّ الحجر من اجل ان يبقى الرابط بينه وبين ربه متصلاً قوياً لا تزعزعه الرغبات ؛ وهو القائل (ع): «ولو شِئتُ لاهتديتُ الطريقَ، الى مُصفّى هذا العسلِ، ولُبابِ هذا القمحِ، ونسائجِ هذا القزِّ (الحريرِ). ولكن هيهات ان يغلبني هواي، ويقودني جشعي (حرصي) الى تخيّر الاطعمة، ولعل بالحجاز، أو باليمامةِ من لا طمع له في القرصِ (الرغيف) ولا عهد له بالشبع...»[40].

ومن هنا كانت طريقته في تناول الطعام والتعفف عن الامتلاء والزهد فيه، تحمل رمزاً دينياً يفصح عن ضرورة اشباع الناس جميعاً في المجتمع الديني، وعن احترام النعمة التي انعمها الله تعالى عليهم، وعن حسن التخفف من ثقل اعباء الحاجات الجسدية، والتوجه بالمقابل نحو اشباع الحاجات الوحية. 

3- مشقّة فاطمة الزهراء (ع):

تعني المشقة المنـزلية: حالة من حالات تحمل ما لا يطاق، او الاقتراب من العجز عن اداء التكليف بشكله المرْضي الكامل، تختبره المرأة في فترة من فترات حياتها. والمشقة تتعلق بالعمل الذي ينبغي انجازه اكثر مما تتعلّق بحالة المرأة المكلّفة بانجاز التكليف. فقد يتزاحم عملان لابد من انجازهما سوية، كأداء حق الله سبحانه وحق الزوج مثلاً. فهنا لا خيار للمرأة الا بتقديم احدهما على الاخر. فيكون تقديم حق الزوج على حق الله في العبادة إخلالٌ لحقوق العبودية. فالمشقة هنا اكثر ارتباطاً بطبيعة العمل الذي ينبغي انجازه وكماله، مما هي مرتبطة بحالة المكلّف. فقد تتحمل المرأة انجاز العمل مع تعبها، ولكنها قد لا تتحمل انجاز ذلك العمل ناقصاً. فتكون المشقة مرتبطة بنوعية التكليف وعدم القدرة على انجازه كاملاً.

وبكلمة، فان مشقة فاطمة (ع) عندما طلبت من ابيها (ص) خادماً، كانت متعلّقة بالعمل المنـزلي الذي تخاف عدم انجازه، مع ما هي عليه من العبادة والتنسك والذكر. فقد كانت تخشى ان المشقة التي كانت تمر بها في الجمع بين التعبد والاهتمام بشؤون الاسرة العلوية وقضايا الدعوة للاسلام قد تجعلها عاجزة عن اداء وظيفتها البيتية، وبذلك فقد يخدش ذلك حقوق زوجها علي (ع).

والمشقة تعني ايضاً اضطراباً في توقيت الاعمال البيتية وترتبها، كما لاحظنا في رواية انس بن مالك[41] عن بطء بلال عن الاذان لصلاة الصبح . فقد كانت (ع) تشعر بالتزاحم بين ان تطحن شعيراً كي تخبز لافطار الصباح، وبين ان تسقي صبيها حليباً. وهنا ازدحم المطلبان، فجاء بلال وطحن الشعير. ولا شك ان ذلك التضارب في التوقيت كان قد خلق وضعاً نفسياً وشعوراً بالأسف والاعتذار على عدم انجاز الاعمال في اوقاتها ترتيباً. ولذلك فقد حيا رسول الله (ص) بلالاً وقال له: رحمتها رحمك الله.

وبالاجمال، فان مشقة فاطمة بنت رسول الله (ص) كانت حالة سلوكية، فضلاً عن كونها حالة فسلجية، بمعنى ان مشقتها كانت من آثار كمالها وعفتها وزهدها وحبها للمحافظة على حقوق زوجها (ع) وعائلتها كاملة دون افراط او تفريط. والجمع بين ذلك وبين العبادة المشهودة لاهل البيت (ع) أمرٌ صعب. ولذلك فقد كان أداؤها الشرعي الطاهر في تأدية وظيفتها الشرعية والمنـزلية نابعاً من حالة نفسية قوية هائلة في تحمل المصاعب والشدائد، والرضا بقدر الله سبحانه وتعالى، ومحاولة أداء الواجب كاملاً في احسن الاحوال.

 زي فاطمة الزهراء (ع)

ان زي المرأة المقبول عقلاً وشرعاً هو الزي الذي يكسبها احتراماً اجتماعياً، ويحفظ لها جمالها وجلالها وعفتها. واللباس الديني للمرأة هو لباس ثابت التصميم لتغطية جسد المرأة عدا الوجه والكفين. وكل ما يضاف الى ذلك التصميم الاساسي، يتعلّق بدرجة رئيسية بالشعور والذوقية. وبدرجة أخصّ بأن كل قطعة تضاف الى ذلك الزي أو تحذف منه ترتبط بالذوق العام والثقافة الاجتماعية. 

1- أسلوب الحجاب الشرعي:

ولا شك ان لحجاب المرأة جذوراً دينيةً شرعيةً راسخةً، لان زي المرأة قضية اجتماعية قبل ان يكون قضية شخصية محضة. ولذلك فعندما ننظر الى زي فاطمة الزهراء (ع) فاننا نفعل ذلك من اجل فهم صورة الزي الديني للمرأة المسلمة . فهي التي تمسّكت (ع) بأصل الحجاب الشرعي في قوله تعالى: (قُل للمُؤمِنينَ يَغُضوا مِن أبصارِهِم ويَحفَظوا فُرُوجَهُم ذلِكَ أزكى لَهُم إنَّ اللهَ خَبيرٌ بِما يصنعونَ . وقُل لِلمؤمِناتِ يَغضُضنَ مِن أبصارِهِنَّ ويَحفَظنَ فُرُجَهُنَّ ولا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ منها ولِيَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ[42] على جُيُوبِهنَّ[43] ولا يُبدينَ زينَتِهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبائهِنَّ أو آباءِ بُعوُلَتِهِنَّ...)[44]، بالرغم من اختلاف الزي المقبول شرعاً عن الزي العربي المقبول عرفاً. وسيبقى هذا الزي الشرعي قائماً الى يوم القيامة بالرغم من التغيرات الاجتماعية التي طرأت وسوف تطرأ على المجتمعات الانسانية عبر السنين. بمعنى ان المجتمع الاسلامي صُمم من اجل ان يكيّف نفسه مع زي فاطمة الزهراء (ع) الذي يمثّل الحجاب الشرعي الصحيح.

ونستلهم من الآية الشريفة التي ذكرناها آنفاً ان غضّ البصر يشمل الرجال والنساء بقوله تعالى: (قُل لِلمؤمِنينَ يغُضُّوا مِن أبصارِهِم ... وقُل لِلمؤمِناتِ يَغضضنَ مِن أبصارِهِنَّ) الآية، وإن حفظ الفروج يشمل الرجال والنساء أيضاً بقوله تعالى: (... ويَحفَظوا فُرُوجَهُم... ويَحفَظنَ فروجهُنَّ...). بينما انحصرت الاحكام اللاحقة بالنساء وهي: عدم ابداء الزينة بشروط عبر قوله: (ولا يُبدينَ زينَتَهُنَّ إلاّ ما ظَهَرَ مِنها ... ولا يُبدينَ زينتِهُنَّ إلاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبائهنَّ...)، والحجاب بقوله تعالى: (وليضربنَ بِخُمُرِهنَّ على جُيُوبِهنَّ). وبذلك يكون الحجاب مقروناً بغضّ البصر، وحفظ الفرج، وعدم ابداء الزينة الا بشروط . فقضية الحجاب اذن ليست منفصلة عن النية السليمة والسلوك الاخلاقي من قبل الرجال والنساء في المجتمع.

اذن، ان اهم مسألة في قضية الحجاب الشرعي هو ان المرأة ينبغي ان تتقبل نفسياً ذلك الزي. فلبس الزي الشرعي يعني تعبيرٌ عن مشاعر الطاعة والتسليم للشريعة، ويعني ايضاً تعبيرٌ عن مشاعر الحب للنظام الشرعي الذي اوجب الحجاب حفظاً لسلامة المرأة وعفتها.

ولا شك ان لبس الحجاب الشرعي يفرض على المرأة سلوكاً شرعياً متناسباً مع التكاليف الدينية في العبادات والمعاملات . فهو بالاضافة الى كونه رمزاً تعبيرياً عن العفة والنظافة الاخلاقية والاجتماعية، فانه يحفظ المرأة من صراع الرغبات غير المشروعة التي لا يقرّها الدين. ذلك ان الدين يفتح الباب للزوجين للتمتع بكافة صوره المشروعة ومنها: الزي الزوجي _ الذي يضفي على جمال النفس جمالاً اضافياً _ فانه يحق لهما ارتداؤه من اجل التكامل واشباع ما تمليه رغبتهما. وعندما تتزي المرأة بالزي الذي يجملّها امام زوجها ، فانه يخدمها _ في الواقع _ في اكتشاف ذاتها ومواطن جمالها ؛ أي ان ما يُعدُّ جميلاً ومثيراً بين الزوج والزوجة ينبغي ان لا يخرج من اسوار البيت الزوجي. لان الشارع العام ملك المجتمع، وفيه يتعين على المرأة لبس الحجاب الشرعي.

فعندما نتحدث عن المرأة في المجتمع، فاننا نتحدث عن الحجاب الشرعي، وعندما نتحدّث عن المرأة في الاسرة فاننا نتحدث عن ابقاء المشاعر الطيبة بين الزوجة وزوجها ضمن الدائرة الاسرية الضيقة. فلا يمكن شرعاً للمرأة التعبير عن عواطفها للعالم الخارجي، عبر انتهاك قانون الحجاب. وهذا المقدار كان متمثلاً في البتول (ع). فقد كان حجابها في غاية الدقة، فلم يروَ ان احداً رأى وجهها او كفّيها. ولا عجب فهي من سلالة بيت النبوة والوحي والتنـزيل والقرآن المجيد: مع ان القاعدة جواز اظهار الوجه والكفين. ولكن اهل بيت النبوة (ع) لا يعملون الا بالمستحبات ويزيدون عليها.

اننا لو نظرنا الى الاسر الملكية الحاكمة في التأريخ، لرأينا ان نسائها يلبسن ارقى الازياء، وأفضل ما يُصمم من لباس. والاصل في ذلك انهم يريدون ان يبهروا الناس باسلوب حياتهم ونمطهم المعاشي المتميز. ولذلك فهم يبدلون ازياءهم في كل حين من الزمن. ولكن هؤلاء الملوك لا يمتثلون لواجبٍ ولا يتبعون ديناً، الا اللهم ما كان يصبّ في خدمة مصالحهم. ولذلك اشتهر في العلوم الاجتماعية: ان الملوك والامراء والملكات والاميرات حرّاس اوفياء لظاهرة تبدل الازياء.

ولكن الدين ورسالته الخالدة جعل من فاطمة الزهراء (ع) قدوة في ارتداء لباس التواضع، لباس العفة، لباس الفقراء وهي اغنى امرأة في الكون. فأبوها (ص) لو أراد تملّك الارض لفعل. ولكنه الزهد والتقوى والتعفف عن حب الدنيا ومتعلقاتها. ولذلك كان ثوبها (ع) من ابسط ثياب الناس وأقلّها كلفةً.

ان بساطة لباس المرأة المسلمة التي تأخذ من فاطمة الزهراء (ع) قدوة لها، يقلل من حجم الاستهلاك الاجتماعي للموارد الطبيعية. وهو بالتأكيد يفرز قضيتين:

الاولى: استمرارية الحجاب الشرعي باعتباره تكليفاً دينياً على المرأة، بالرغم من التغيّر الاجتماعي الذي يصيب المجتمعات.

الثانية: انه لا تزاحم بين اناقة المرأة في بيتها وامام زوجها، وبين الحجاب الشرعي عندما تخرج المرأة الى الساحة الاجتماعية. ولذلك فان فاطمة الزهراء (ع) عندما خرجت الى المسجد بعد وفاة أبيها (ص) بحضور الخليفة الاول اهتزّ لها المجلس وهي محجبة بحجاب الاسلام من أعلى رأسها الى أخمص قدميها.

2- وظائف الحجاب الشرعي:

ولا شك ان الدور الاساسي للحجاب الشرعي هو حفظ المرأة من تيار العادات القبلية الجاهلية وصيانتها من التحلل الاخلاقي. وهو بذلك يقدّم ثلاث وظائف:

الاولى: ان الحجاب الشرعي يعرض تجانساً نفسياً واجتماعياً بين النساء المسلمات في المجتمع. فالحجاب الشرعي يعكس التماسك الاخلاقي للتجمع النسوي داخل المجتمع الاسلامي. ولو اتبعت كل امرأة لباساً خاصاً بها بما تهوى نفسها لاضطربت الحياة الاخلاقية للمسلمين.

الثانية: ان الحجاب الشرعي يقدم مسيرة مستمرة للباس النسوي الاجتماعي. وصلة الحجاب بالماضي والمستقبل يذكرنا دائماً بحيوية الاسلام في الماضي والحاضر، ويعطينا الامل بان اجيالنا سوف تسترشد بهدي الاسلام وتتبع خطواته. والحجاب _ باعتباره واجباً شرعياً على النساء _ يعدُّ من الثوابت التي لا تقبل التغيير. وبذلك يكون التغيير الاجتماعي خاضعاً لمتطلبات الحجاب الشرعي للمرأة لا العكس. وبكلمة، فان حجاب المرأة المسلمة هو زي اليوم كما كان زي الامس، وكما سيصبح زي الغد باذنه تعالى.

الثالثة: كما ان الحجاب الشرعي يمنع الرغبات الغريزية غير المشروعة في الشارع الاجتماعي، فان زي التجمل الذي ترتديه المرأة امام زوجها يبقى اصل الذوق والاناقة والحركة بين الرجل والمرأة داخل الاسرة.

ان زي فاطمة الزهراء (ع) كان يتضمن شكلاً الزامياً للحجاب الديني، وكان يتضمن ايضاً ذوقاً شرعياً للزي النسوي. فالذوق الاسلامي العام في العفة والاخلاق والامانة والاخلاص والتقوى ينسجم مع مفردات ذلك الحجاب.

 تعدد الزوجات بعد فاطمة (ع)

لاحظنا ونحن ندرس الحياة العائلية للامام (ع) انه تزوج بعد استشهاد فاطمة الزهراء (ع) بالعديد من الإماء والارامل وغيرهنّ من النساء، فما مغزى التزوج بهذا العدد من الإماء او ملك اليمين؟ وما مغزى تزوج الامام (ع) من الارامل؟ وما مغزى التعدد بشكله العام؟ بحيث يكون عدد زوجاته اثنتين وعشرين زوجة: أربع زوجات وثماني عشرة ملك يمين. نتحدث اولاً عن زواج الإماء ومعنى العبودية والتحرر. ثم نتحدث بعد ذلك عن تعدد الزوجات.

1- تزوّج الإماء:

يعدّ التزوج من الإماء، انسب الطرق لتربية تلك الشريحة من الافراد التي اُريد لها الدخول في المجتمع الاسلامي والاندماج في عقائده وافكاره. ومع ان صورة الرق تبدو موحشة للوهلة الاولى، الا ان آثارها في كشف رحمة الاسلام للعبد أو الاَمة هي التي جعلت الإماء والعبيد من اكثر الناس تعلّقاً بالاسلام.

أ- معنى العبودية والتحرر:

يمكن تعريف العبودية او الرقيّة بأنها وضع يكون فيه الانسان تحت سلطنة ونظر انسان آخر أقوى، خلافاً لطبيعة الاشياء القاضية بحرية كل فرد. ويسمى الاول بـ «العبد» أو «الأمة»، ويسمى الثاني بـ «السيد». ويكون السيد مالكاً للعبد والأمة فهما «ملك يمين». ذلك لان العبودية تبطل حقوق الانسان القانونية او التشريعية في الحرية والاختيار. وبذلك يكون العبد مسلوب الاختيار والارادة تماماً فيما يتعلّق بالاشياء الخارجية غير القلبية. فهو مجرد ملك بيد انسان آخر أقوى. وسلب الشخصية الحقوقية من الانسان تفقد العبد او الأمة حرية اختيار الزوج، الا انها تُبقي الحياة الروحية منفتحة للتأثر والتغيير من اجل تحقيق الهدف الذي شُرّعت من اجله عملية الرقّ.

ولكن في البداية لابد لنا من معرفة حقيقة مهمّة وهي ان الرقيق كانوا محاربين منهزمين اوتي بهم وبمتعلّقيهم من خارج حدود المجتمع الاسلامي خلال المعارك التي كانوا يخوضونها ضدّ الاسلام والمسلمين. والاسترقاق في الاسلام يعدّ محاولة جادة لقطع جذور الثقافة الوثنية والاجتماعية التي يحملها المحارب ضدّ الاسلام رجلاً كان او امرأة. ولذلك فان الغاء الشخصية الحقوقية للعبد او الأمة هو الغاء للشخصية الوثنية او العلمانية التي يحملانها. ومن هذا المنظار فان تزويج الأمة عبر التملك هو افضل الطرق وانسبها لقطع جذور الالحاد والكفر والوثنية. بينما لا يمكن سلب الشخصية الحقوقية بالاسترقاق للفرد المنحرف المسلم داخل المجتمع الاسلامي لان هناك طرقاً اخرى للتعامل مع المنحرفين لا تقل جدية وحسماً مثل القصاص والقتل والقطع والتعزير.

ولاشك ان ألم انقطاع المرأة الكافرة خلال عملية الاسترقاق عن اقاربها وعشيرتها ينجبر بالعلاقة العائلية الجديدة التي يحاول ان ينشأها سيدها وعائلته. وقد كان امير المؤمنين (ع) مثالاً رائعاً لمدى احترام المرأة التي كانت تمرّ بتلك العملية الانتقالية الشاقة حتى تنال الحرية الحقيقية بقبولها الاسلام.

ولذلك فقد جعل (ع) يبته مدرسة لتربية الإماء على الاخلاق الرفيعة. فهنا لا ينبغي ملاحظة عدد الإماء بدون ملاحظة وظيفة الامام علي (ع) في تربيتهنّ، خصوصاً وان بلاد الاسلام كانت تتوسع في تلك الفترة ويدخل في الدين الحنيف افواج من مختلف الشعوب والملل والمذاهب. ومن هذا اللحاظ يمكن اعتبار بيت الامام (ع) مدرسة للتقوى والزهد والتعبد لا مجتمعاً للعبيد والإماء والشهوات.

ولا شك ان للاسلام اهدافاً سامية في عملية الرقّ، ولذلك شجّع على تحرير الرقاب المؤمنة، بل مطلق الرقاب. ففي قتل الخطأ أمر تعالى بكفّارة عتق رقبة فقال: (...ومَن قَتَلَ مؤمِناً خَطأً فتحريرُ رَقَبَةٍ مؤمِنةٍ وديَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهلِهِ...)[45]، (...فإن كانَ مِن قَومٍ عدوٍّ لَكُم وهُوَ مُؤمِنٌ فَتحريرُ رَقَبَةٍ مُؤمِنَةٍ...)[46]، (... وإن كانَ مِن قَومٍ بَينَكُم وبَينَهُم ميثاقٌ فَدِيَةٌ مُسلَّمَةٌ إلى أهلِهِ وتَحريرُ رَقَبَةٍ مؤمِنَةٍ...)[47]. وفي حنث اليمين المعقودة او الممضاة كفارة عتق رقبة مخيرة ضمن امور ثلاثة، فقال تعالى: (... ولكِن يؤاخذُكُم بِما عقّدتُمُ الأيمانَ فَكفّارَتُهُ إطعامُ عَشرَةِ مَساكينَ مِن أوسَطِ ما تُطعِمُونَ أهليكُم أو كِسوَتُهُم أو تَحريرُ رَقَبَةٍ...)[48]. وفي حكم الظهار كفارة تحرير رقبة، قال تعالى: (والذينَ يُظاهِرونَ مِن نسائِهم ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالوا فَتحريرُ رَقَبَةٍ مِن قَبلِ أن يتماسّا...)[49].

وفي استحباب نشر الرحمة والاحسان للمبتلين بنوائب الدهر، قال تعالى: (فلا اقتَحَمَ العَقَبَةَ . وما أدراكَ ما العَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ)[50]، وهو يبيّن كمال عناية الدين بفكّ الرقاب، وفيه ايضاً قوله تعالى: (ليسَ البرَّ أن تُولّوا وُجُوهَكُم قِبَلَ المَشرِقِ والمَغرِبِ ولكنَّ البرَّ مَن آمَنَ باللهِ واليَومِ الآخرِ والملائكةِ والكِتابِ والنَبيينَ وآتى المالَ على حُبِّهِ ذَوي القُربى واليَتامى والمَساكينَ وابنَ السبيلِ والسائلينَ وفي الرقابِ...)[51]، وجعل فكّ الرقاب من العتق ضمن موارد صرف الصدقات، فقال: (إنَّما الصَدقاتُ للفُقراءِ والمَساكينِ والعامِلينَ عليها والمُؤلَفَةِ قلُوبُهم وفي الرِّقابِ...)[52].

وبكلمة، فان الرقية في الاسلام لها اهداف اخلاقية سامية، ولا يمكن اخذها بنفس المنظار الذي سارت عليه اوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين حيث كانت العبودية العرقية من ابشع ما شهده الانسان من علاقات انسانية ظالمة بين الاقوياء والضعفاء. ولاهمية الموضوع وارتباطه بحياة الامام (ع)، كان لابد من الاسهاب في مناقشته.

ب- الفوارق بين الرق في الاسلام والعبودية الحديثة:

هناك فوارق جوهرية بين الرق في الاسلام والعبودية الحديثة التي مارسها الرجل الاوروبي الابيض خلال القرنين الماضيين. ودراسة دقيقة لتلك الفوارق تبين لنا التباين الاخلاقي بين تعاليم السماء وقانون الانسان الظالم. وعندها نفهم مغزى تزوج علي (ع) بذاك العدد من النساء.

1- ان الاصل في الرقية في الاسلام هو ان يتخلص الانسان الذي يمر بتلك العملية، من آثار الشرك ويتهيأ للدخول في الاسلام باعتباره دين الحرية والتحرر من الظلم وعبودية الانسان للانسان. بينما كان الاصل في العبودية التي مارسها الرجل الغربي الابيض هو اعتصار الجهد البدني للعبد اعتصاراً كاملاً في الزراعة والصناعة، رجلاً كان او امرأة، كبيراً كان او صغيراً. خصوصاً عندما افتَقَدَ اصحاب رأس المال القوة العاملة الرخيصة، عندئذٍ اتجهوا نحو استرقاق العبيد من افريقيا السوداء. فالعبودية الاوروبية كانت من اجل استغلال الانسان لاهداف غير نبيلة.

والذي يؤيد ان الرقية في الاسلام هي عملية اخلاقية للتخلص من آثار الشرك ان الفرد الذي يولد مسلماً لا يمكن ان يختبر عملية الاسترقاق، بل ان هناك طرقاً اخرى لمعالجة الانحراف عند المسلم اذا انحرف عن الجادة كالعقوبات او الغرامات او المقاطعة الاجتماعية في الحبس كما ذكرنا ذلك آنفاً

2- ان الرقية في الاسلام لا علاقة لها بلون البشرة، فقد يكون العبد ابيضَ وقد يكون أسودَ وقد يكون أصفرَ. فالمهم ان يمر الانسان المشرك بمرحلة انتقالية الى الاسلام، وتلك المرحلة تسمى رقّاً. اما العبودية التي قام بها الرجل الاوروبي الابيض فقد كانت مقيدة بلون البشرة وموجهة بالخصوص الى الأفارقة لان لون بشرتهم كان اغمق من لون بشرة الرجل الوروبي الابيض . فالعبودية الاوروبية كانت عبودية عرقية بالدرجة الاولى.

3- ان عملية الرق في الاسلام يمكن ان تفهم على اساس انها عملية مؤقتة لان الاسلام شجّع على عتق الرقاب ككفارة في قتل العمد، والافطار العمدي لاحد ايام شهر رمضان، وحنث اليمين، وظهار الزوج لزوجته. بينما تستمر عملية العبودية عند الرجل الاوروبي الابيض بصورة دائمة ؛ فليس هناك امد محدود لانتهاء الرقية. وتلك الفكرة تدعم رأينا في ان للاسلام اهدافاً نبيلة من استحداث عملية الاسترقاق في الحروب، كما لمسنا في الآيات القرآنية الكريمة التي قرأنها للتوّ.

4- ان الاَمة في الاسلام اذا قاربها سيدها وولدت له ولداً، تصبح اُماً من الناحية القانونية تسمّى «أم ولد» ويلحلق الولد بالاب . وبعد استرداد حريتها تبقى العلاقات النسبية والسببية واضحة ومعترفاً بها. بينما يختلف الاسترقاق عند الرجل الاوروبي الابيض، فاذا قارب السيد امته فان المولود يكون وليداً غير شرعي. ويترتب على ذلك ان الوليد لا يمكن الحاقه بالاب. وهذا هو مغزى تسمية داعية الحقوق المدنية الاسود «مالكوم اكس» اسمه بهذا الاسم، لان حرف اكس بالانكليزية يعني مجهولية الانتساب. فأطلق على نفسه هذا الاسم من اجل ادانة العبودية الحديثة والتظلم بأنه لا يعرف اباه الذي قارب تلك المرأة التي ولدته وهي في العبودية.

5- ان الرقية في الاسلام تعني ان الاَمة تعيش في بيت سيدها كأي امرأة اُخرى لها شخصيتها الانسانية، حتى تتعلم من افراد الاسرة العلاقات الشرعية وأخلاق الدين واحكام الشريعة بينما يعيش العبيد الذين استرقّهم الرجل الاوروبي الابيض خارج بيت السيد، وعلى الاغلب في مرابض الحيوانات والاصطبلات.

6- ان استمرار العبودية الاوروبية كان يؤدي الى معاناة جسدية ونفسية تؤدي احياناً الى التمرد والثورة والكفر بمعتقدات «السيد» الذي سبب تلك المعاناة للعبيد. واهم ثوراة العبيد هي ثورة سنة 1793 م في سانت دومنيكو «هايتي» حالياً، والشعور السلبي الذي يحسّ به السود في بلدان الغرب اليوم.

بينما يؤدي الرق في الاسلام في اغلب الاحيان _ وخصوصاً عند ائمة الهدى (ع)_ الى حالة عاطفية من الارتباط بين السيد والعبد كما نجد ذلك عندما كان الامام (ع) يقوم بتحرير الرقاب، او عندما تصدر هفوة من عبدٍ فيقول له (ع): انت حُر لوجه الله ونحوها.

ولم يرد في المتون التأريخية ان العبيد والاَماء في الاسلام قد قاموا بتمرّد او ثورة ضدّ الدين بل ان الذي حصل هو العكس تماماً. فقد آمنوا بالدين بعد انعتاقهم من الرقية، واحتلوا مكانهم الطبيعي في المجتمع، ورجعت اليهم شخصياتهم الحقوقية بعد ان سلبت مؤقتاً في المرحلة الانتقالية.

7- ان العبودية الاوروبية كانت تقتضي حرمان العبد من ثمار جهده البدني، وحرمانه ايضاً من براءة ذريته من العبودية فالاولاد الذين يولدن للعبيد تكتب عليهم العبودية منذ رؤيتهم نور هذا العالم الواسع الفسيح. وهكذا فان العبودية التي مارسها الرجل الاوروبي الابيض ضدّ الأفارقة كانت عبودية أجيال لا عبودية جيل واحد. اما الرق في الاسلام فقد كان منحصراً في تغيير الجيل الكافر، وكان الجيل الثاني مسلماً على الاغلب. فلم تكن رقية الاسلام رقية اجيال، بل ان هدفها تصحيح مسار الجيل المشرك حتى تؤمن بقية الاجيال بالواحد القهار عزّ وجلّ.

8- بينما كان الاسلام يحاول جاهداً التخلّص من الرقية عبر عتق الرقاب بشتى الوسائل من قبل المؤمنين ، كانت العبودية الاوروبية لا ترى نهاية لذلك النفق المظلم. فكان امداد العبيد _ كيد عاملة مجانية _ يأتي عن طريق الغارات على القبائل الافريقية. وكانت تجارة الرقيق اول مصادر الامداد. بينما كان المصدر الثاني اجبار العبيد على المخالطة ذكوراً واناثاً من اجل الانجاب. وكان الوليد من أب أو من أبوين من العبيد يُستعبد مباشرة بعد الولادة. اجمالاً، فقد كان الطفل يستلم مقعد امه في الحياة. فان كانت مستعبَدة فانه يصبح عبداً. وبذلك فقد كان الطفل البريء يحاكي وضع امه القانوني في كل الاحوال.

9- يقوم العبيد في المجتمع الاوروبي الابيض بتنشيط الاقتصاد لانهم اُجراء دون مقابل في الزراعة والصناعة ونحوها. فالعملية اذن لها اهداف اقتصادية راسمالية بالدرجة الاولى. اما الرقية في الاسلام فهي عملية لا تنظر للهدف الاقتصادي، بل تنظر للمصلحة العليا للانسان في التهيئة للانعتاق من الشرك والعبودية لغير الله سبحانه.

10- ان الولاء القلبي عند العبد تجاه سيده في العبودية الاوروبية يكاد يكون معدوماً، فالعبد لا يتعاون مع سيده الا تحت الاكراه الشديد. ولو انتهت فترة العبودية _ افتراضاً _ فان الكره المتبادل سيستمر ونراه موجوداً لحدّ اليوم في المجتمعات الغربية. بينما لم نلحظ ذلك في عملية الاسترقاق في التاريخ الاسلامي. فقد اعتنق اغلب الرقيق الاسلام، خصوصاً اولئك الذين عاشوا في كنف ائمة الهدى (ع).

وهنا كانت الاَمة في بيت الامام (ع) تتخلّص من آثار الشرك والوثنية، وتتهيأ للدخول في الاسلام باعتباره دين الفضائل والقيم الاخلاقية المثلى. خصوصاً وانها كانت تعيش في بيت سيدها كأي امرأة اُخرى لها شخصيتها الانسانية، تتعلم من افراد اسرة الامام (ع) العلاقات الشرعية واخلاق الدين واحكام الشريعة. ولا شك ان الولاء القلبي من قبل الاماء الثماني عشرة في بيت الامام قبل استشهاده (ع) كان محرزاً. ومن المؤكد تأريخياً انهنّ جميعاً اعتنقن الاسلام.

2- مغزى تعدد الزوجات:

يقول تعالى بشأن تعدد الزوجات: (... فانكِحُوا ما طابَ لَكُم مِنَ النِساءِ مَثنى وثُلاثَ ورُباعَ، فإن خِفتُم ألاّ تَعدِلوا فَواحِدَةً أو ما مَلَكَت أيمانُكُم...)[53]. فقد اعلن القران الكريم شرعية تعدد الزوجات، أربع كحد أقصى على شرط:

1- ان تتملك الزوجات حقوقاً متساوية على الاصعدة الشخصية والمعاشية وعلى صعيد العلاقة الخاصة. اما الميول القلبية الداخلية من الزوج تجاه أيٍ من الزوجات، فليس لها اعتبار على المسرح الحقوقي.

2- ان يكون لكل زوجة شخصية حقوقية مستقلة من قبيل ان لكل زوجة استقلالية ذاتية في قضايا تربية الاولاد ونمط الحياة ضمن اطار قيمومة الرجل وطاعته شرعاً.

3- ان يكونن من انساب مختلفة، فلا يجوز الجمع بين الاختين مثلاً.

ومن هنا نلحظ ان تعدد الزوجات في الاسلام يصبّ لصالح المرأة لانه ينظر الى القضية الحقوقية التي حُرمت منها. خصوصاً وان التعدد ينشأ غالباً من التزوج بالنساء الارامل أو الثيّبات او المطلقات او اللآتي خانهن التوفيق في زواج واحد ناجح. فالتعدد اذن أمرٌ اُريد منه معالجة مشكلة اجتماعية تخصّ المرأة، ولم يُرد منه حل مشكلة الرجل. وإن كان للرجل مشكلة وتمّ حلها بهذا الطريق فأمر مستطاب، ولكن اُريد من ذلك حل مشكلة المرأة بالخصوص. ولو أردنا البحث عن علّة تعدد الزوجات لوجدنا ان هناك اسباباً وجيهةً نلخصها بالنقاط التالية:

1- ان الحروب التي كانت مستعرة في ذلك الزمان، وفي كل زمان، تقتضي ان تزيد نسبة الرجال على النساء نسبة قليلة. بسبب مقتل العديد من الرجال في كل معركة. خُذ على سبيل المثال: معارك الجمل وصفين والنهروان حيث قُتل فيها عشرات الألوف. والحروب الضخمة في التأريخ حيث قُتل الملايين فيها. والحروب العالمية الحديثة حصدت ارواح عشرات الملايين من الرجال. فزيادة عدد النساء وقلّة الرجال يستدعي حكم التعدد.

2- ان الزواج في ظروف كتلك يُعيد الأمل الى المرأة بامكانية الحصول على حياة هانئة مع زوج يعترف به المجتمع. وذلك الأمل يبني تماسكاً في الحياة الاجتماعية الكلية للمجتمع الاسلامي.

3- ان شروط الحياة الاجتماعية وكميّة الغذاء المستهلك وشروط الحياة الصحية والنفسية ستكون افضل في اسرة كبيرة تجمع عدداً أكبر من الافراد، خصوصاً اذا كان على رأسها ولي مدبّر حكيم كالامام (ع).فالايتام يشعرون بأن لهم من يقوم مقام الاب، والارملة تشعر ان لديها زوجاً، والمطلقة تشعر ان شخصيتها المعنوية قد عادت الى وضعها الطبيعي، وهكذا.

4- ان التعاون المفترض بين الزوجات لاداء الاعمال البيتية يرفع كاهل تلك الاعمال عن كتف واحد ويوزّعها على عدّة نساء. وعندها يكون توزيع الاعمال والتربية المنـزلية عملية جماعية وليست عملية فردية يعجز عنها الفرد. وقد لاحظنا احتياج فاطمة الزهراء (ع) الى من يخدمها لان الاعمال المنـزلية كانت شاقّة، خصوصاً وان وسائل الخدمات كانت وسائل بدائية بالمقارنة معها اليوم. فكانوا ينقلون الماء بالقربة من النهر، وكانوا يجمعون الحطب للطهي والتدفئة، وكانوا يطحنون الشعير ويعجنونه لخبزه، وهكذا.

5- ان مشكلة وجود الارامل والمطلقات اللاتي شخونهن الحظ في الزواج من رجل اعزب مشكلة اجتماعية تسبب قهراً واحباطاً نفسياً للمرأة. مع ان هناك حاجات لا يقضيها الا الرجل. فتعدد الزوجات يحل تلك المشكلة حلاً جذرياً.

أ- الاقتداء برسول الله (ص):

وقد جمع رسول الله (ص) عدداً من الزوجات. ولابد من المرور على موضوع زيجات النبي (ص) من اجل فهم مغزى تعدد الزوجات عند علي (ع).

لقد تزوج رسول الله (ص) بخديجة (رض) وعاش معها نيفاً وعشرين سنة ، منها ثلاث عشرة سنة بعد نبوته قبل الهجرة من مكة الى المدينة.

وبعد الهجرة الى المدينة تزوج بعددٍ من النساء منهن البكر ومنهن الثيب، ومنهن اليافعة ومنهن العجوز. فقد بنى بالثيب مثل ام سلمة بعد ان تزوج بكراً مثل عائشة . وبنى بالعجوز مثل زينب بنت جحش وسنها يومئذٍ يربو على الخمسين بعد ان تزوج شابة مثل ام حبيبة.

وتذكر كتب السيرة انه تزوج بعضاً منهن للقوة والعضد، وبعضاً لاستمالة القلوب والتوقي من الشر، وبعضاً للانفاق عليهن وادارة معاشهن حتى تكون سنة جارية بين المؤمنين في حفظ الارامل والمطلقات والمسنات من الفقر والحاجة والمسكنة، وبعضاً لتثبيت حكم شرعي مثل تزوّجه بزينب بنت جحش حيث كانت زوجة لزيد بن حارثة الذي كان يدعى ابن رسول الله (ص) على نحو التبني فطلقها زيد وتزوجها النبي (ص) من اجل ابطال حكم جاهلي يقول بأن زوجة المدعو ابناً عندهم كزوجة الابن من الصلب.

وتزوج النبي (ص) لاول مرة بعد وفاة خديجة بسودة بنت زمعة وقد توفي عنها زوجها بعد رجوعه من الحبشة. ولو رجعت سودة _ وكانت مؤمنة مهاجرة _ الى اهلها وهم يومئذٍ كفار لفتنوها بالكفر.

وتزوج بزينب بنت خزيمة _ وكانت تسمى بأم المساكين لكثرة برّها بالفقراء _ بعد مقتل زوجها عبد الله بن جحش في اُحد. فكان زواجه اياها تكريماً لها وحفظاً لماء وجهها.

وتزوج بأم سلمة زوجة عبد الله ابي سلمة ابن عمة النبي (ص) وأخيه من الرضاعة، وهو اول من هاجر الى الحبشة. وكانت ذات دين وزهد وفضل، وكانت كبيرة في السن وذات ايتام. فلما توفي عنها زوجها تزوجها النبي (ص).

وتزوج بصفية بنت حييّ بن اخطب سيد بني النضير قُتل زوجها يوم خيبر وقُتل أبوها مع بني قريظة. وقد اصطفاها رسول الله (ص) من سبايا خيبر وأعتقها وتزوجها فوصل سببه ببني اسرائيل.

وتزوج بجويرية «برّة بنت الحارث» سيد بني المصطلق بعد غزوة بني المصطلق. وقد اسّر المسلمون منهم مائتي بيت من النساء والذراري. وعندما تزوجها رسول الله (ص) قال المسلمون هؤلاء أصهار رسول الله (ص) لا ينبغي اسرهم واعتقوهم جميعاً. فأسلم بنو المصطلق بذلك. وكان لذلك تأثير عظيم على العرب.

ثمّ تزوج بميمونة «برّة بنت الحارث الهلالية» وهي التي وهبت نفسها للنبي (ص) بعد وفاة زوجها الثاني. وقد نزل فيها القرآن.

وتزوج بأم حبيبة «رملة بنت ابي سفيان» وكانت زوجة عبيد الله بن جحش الذي هاجر معها الى الحبشة وتنصّر هناك بينما ثبتت هي على الاسلام. وكان ابوها أبو سفيان يؤلّب الناس على النبي (ص) ويجيّش الجيوش على الاسلام. فتزوّجها النبي (ص) وأحصنها.

وتزوّج بحفصة بنت عمر بعد مقتل زوجها خنيس بن حذاقة ببدر، وبقيت ارملة. ثمّ تزوج بعائشة بنت ابي بكر وهي بكر.

وقد خيّر (ص) نسائه بين التمتيع والسراح الجميل «وهو الطلاق» إن كنّ يردن الدنيا وزينتها، وبيّن الزهد في الدنيا وترك التزيين ان كنّ يردن الله ورسوله والدار الآخرة كما ورد في القرآن الحكيم: (يا أيُّها النَّبيُّ قُل لأزواجِكَ إن كُنتُنَّ تُرِدنَ الحياةَ الدُنيا وزينَتَها فَتعالَينَ أُمَتِّعكُنَ وأُسرِّحكُنَّ سراحاً جَميلاً . وإن كُنتُنَّ تُرِدنَ اللهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فإنَّ اللهَ أعدَّ لِلمُحسِناتِ مِنكُنَّ أجراً عَظيماً)[54].

وهكذا كان لتعدد الزوجات بُعد اجتماعي وديني عظيم. وقد سار امير المؤمنين (ع) على منهجٍ مشابه لمنهج رسول الله (ص). فتزوج الاماء والاربع. 

ب- زوجات امير المؤمنين (ع):

تزوج امير المؤمنين (ع) بنساء شتّى أغلبهنّ من الارامل والمطلقات، أمثال: أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي، وأم حبيبة بنت ربيعة، وخولة بنت جعفر بن قيس الحنفية، وأم البنين بنت حزام بن خالد الكلابية، وليلى بنت مسعود الدارمية، وأسماء بنت عميس الخثعمية، وأُمامة بنت ابي العاص.

ومن ملاحظة تلك الاسماء نلمس مصداقية امير المؤمنين (ع) حيث يقول: أنا أبو الارامل والايتام. وقد تأسّى برسول الله (ص)، من حيث تثبيت السبب الزوجي بين القبائل. ولكن المؤسف ان التأريخ لم يحتفظ لنا بلائحة تفصيلية عن وضع زوجاته (ع) فيما يتعلّق بالفقر والاملاق، كما احتفظ بزوجات رسول الله (ص).

 (نهاية ص 322)


 

[1]  «مجمع الزوائد» - الهيثمي باسناده عن عبد الله بن مسعود ج 9 ص 204. وقال: ورواه الطبراني ورجاله ثقاة.

[2]  «كفاية الطالب». رواه الشنقيطي باسناده عن انس بن مالك ص 86.

[3]  «الصواعق المحرقة» - ابن حجر. ص 84. و«ذخائر العقبى» - الطبري ص 29. و«كفاية الطالب» ص 298.

[4]  «المناقب» - الخوارزمي. الفصل العشرون ص 247.

[5]  اذخر: نبتٌ، الواحدة إذخِرَةٌ.

[6]  «مجمع الزوائد» رواه باسناده عن عبد الله بن عمر ج 9 ص 210.

[7]  مجلت: اذا ثخن جلدها وتعجر وظهر فيها ما يشبه البثر من العمل بالاشياء الصلبة الخشنة ومنه حديث فاطمة (ع) انها اشتكت الى علي (ع) مجل يديها من الطحن (النهاية لابن الاثير ج 4 ص 300).

[8]  «حيلة الاولياء» - ابو نعيم باسناده عن الزهري ج 2 ص 41.

[9]  «المصدر السابق» باسناده عن علي (ع) ج 2 ص 41.

[10]  «مسند احمد» باسناده عن انس بن مالك ج 3 ص 150.

[11]  «المعيار والموازنة» - الاسكافي رواه عن المقداد ص 236.

[12]  «ذخائر العقبى» باسناده عن علي (ع) ص 47.

[13]  «الطبقات الكبرى» ج 8 ص 17.

[14]  «وسيلة المآل» ص 179.

[15]  «نظم درر السمطين» ص 181.

[16]  «المستدرك على الصحيحين» ج 3 ص 163.

[17]  «الطبقات الكبرى» ج 8 ص 18.

[18]  «المستدرك على الصحيحين» ج 3 ص 162. و«مجمع الزوائد» ج 9 ص 211.

[19]  « المناقب » - الخوارزمي. الفصل العشرون ص 247.

[20] « مجمع الزوائد » ج 9 ص 204.

[21] الخَزَفُ: لاجَرُّ، وهو اناء الماء من الطين المفخور.

[22] «المناقب» - الخوارزمي. الفصل العشرون ص 247.

[23] المشهور ان فاطمة (ع) بنت رسول الله (ص) من خديجة، اما بقية بنات خديجة من غير النبي (ص) فكان يطلق عليهن مجازاً بنات رسول الله (ص).

[24]  «مجمع الزوائد» ج 9 ص 204.

[25]  جعفر بن ابي طالب: هاجر الى الحبشة في مجموعة من المسلمين تقدر بثلاثة وثمانين. وفي العام الثالث للهجرة رجع جعفر الى المدينة فقال رسول الله (ص): «ما ادري بايهما افرح بقدوم جعفر ام بفتح خيبر». ارسله رسول الله (ص) بقيادة جيش اسلامي الى مؤتة في السنة الثامنة، فابلى جعفر بن ابي طالب بلاءً حسناً، فقطعت يمينه فأخذ الراية بشماله ثم قطع شماله فضم الراية الى صدره حتّى خرّ صريعاً شهيداً في سبيل الله. وصفه رسول الله (ص) بجعفر الطيار لان الله تعالى ابدله عن يديه بجناحين في الجنة مع الملائكة.

[26] سورة النساء: آية 34.

[27]  يُقدِّروا انفسهم: أي يقيسوا انفسهم.

[28]  يتبيَّغ: يهيج به الالم فيهلكه.

[29]  «نهج البلاغة». خطبة 209 ص 408.

[30]  م. ن. – كتاب رقم 31 ص 513.

[31]  م. ن. – باب المختار من حكمه (ع) رقم 2 ص 602.

[32]  م. ن. – رقم 135 ص 632.

[33]  م. ن. – رقم 299 ص 668.

[34]  «الخصال» - للشيخ الصدوق. ج 2 ص 550.

[35]  «الفخري في الآداب السلطانية والدول الاسلامية» - ابن الطقطقي ص 103.

[36]  البِطنة: البطر والأشر.

[37]  القِدِّ: سير من جلد غير مدبوغ.

[38]  «نهج البلاغة». كتاب 45. الى عثمان بن حنيف ص 533.

[39] «الكافي» ج 6 ص 287.

[40]  «نهج البلاغة». كتاب 45. الى عثمان بن حنيف ص 532.

[41]  «مسند أحمد» باسناده عن انس بن مالك ج 3 ص 150.

[42]  الخُمُر: القناع.

[43]  الجيب: الصدر.

[44]  سورة النور: آية 30 – 31.

[45]  سورة النساء: آية 92.

[46]  سورة النساء: آية 92.

[47]  سورة النساء: آية 92.

[48]  سورة المائدة: آية 89.

[49] سورة المجادلة: آية 3.

[50] سورة البلد: آية 11 – 13.

[51]  سورة البقرة: آية 177.

[52]  سورة التوبة: آية 60.

[53]  سورة النساء: آية 3.

[54]  سورة الاحزاب: آية 29.