(ص 323- 350)

الباب الثالث

 الدفاع عن الاسلام: الجهاد المسلّح

 

الفصل الحادي عشر

معركة بدر الكبرى

 

علي (ع) ومعركة بدر الكبرى * صور من معركة بدر * الدلالات العلمية للنصوص: 1- علي (ع): قتل النصف ممن قُتل ببدر. أ- المغزى العسكري. ب- المغزى النفسي. ج- آثار قتل النصف: الرُعب! د- دور الملائكة في المعركة. 2- الجوانب الاجتماعية والاقتصادية للمعركة: أ- معركة بدر والظرف القانوني. ب- معركة بدر واقتصاد مكة. ج- معركة بدر: امتحان المسلمين.

----------------------
 

علي (ع) ومعركة بدر الكبرى

بدر اسم بئر على بعد 160 كيلو متراً عن المدينة. وقت المعركة المسماة باسم ذلك البئر، في السنة الثانية للهجرة يوم الجمعة 17 من شهر رمضان المبارك. وقبل وقوع القتال انزل الله تعالى على نبيه (ص): (وإن جَنَحُوا لِلسِّلمِ فاجنَح لَها...)[1]. فبعث (ص) الى المشركين ينهاهم عن القتال، فوافق عتبة بن ربيعة وقال: ما رد هذا قومٌ فافلحوا... يا معشر قريش انّ محمداً ابن عمكم فخلوه والعرب. فان يكُ صادقاً فأنتم أعلى عيناً به، وإن يكُ كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمره. فأبى ابو جهل ولم يقبل بأقلّ من القتال.

وكان علي (ع) حامل الراية في اول حرب يشارك فيها مع رسول الله (ص)، وهي اول حروب النبي (ص) أيضاً. وكان عمره (ع) يومذاك خمساً وعشرين سنة. والظاهر ان المعركة وقعت بعد عقد علي (ع) على فاطمة (ع) وقبل البناء بها.

بداية المعركة يصفها لنا رافع مولى رسول الله (ص) قال: «لما اصبح الناس يوم بدر اصطفّت قريش، امامها: عتبة بن ربيعة، واخوه شيبة، وابنه الوليد. فنادى عتبة رسول الله (ص): يا محمد اخرج لنا أكفاءنا من قريش فبرز اليهم ثلاثة من شباب الانصار. فقال لهم عتبة: من أنتم؟ فانتسبوا. فقال: لا حاجة لنا في مبارزتكم انما طلبنا بني عمنا، فقال رسول الله (ص) للانصار: ارجعوا الى مواقفكم. ثم قال: قم يا علي، قم يا حمزة، قم يا عبيدة، قاتلوا على حقكم الذي بعث الله به نبيكم. فقاموا فصفوا في وجوههم وكان على رؤوسهم البيض[2] فلم يعرفوهم، فقال عتبة: من انتم يا هؤلاء؟ تكلموا، فان كنتم اكفاءنا قاتلناكم. فقال حمزة بن عبد المطلب: انا حمزة بن عبد المطلب، انا اسد الله واسد رسوله. فقال عتبة: كفء كريم. وقال علي: انا علي بن ابي طالب. وقال عبيدة: انا عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. فقال عتبة لابنه الوليد: قم يا وليد ابرز لعلي: وكان اصغر الجماعة سنّاً. فاختلفا بضربتين أخطأت ضربة الوليد ووقعت ضربة علي (رضي الله عنه) على اليد اليسرى من الوليد فأبانتها، ثمّ ثنى عليه باخرى فخرّ قتيلاً»[3]. وبارز حمزة عتبة فقتله حمزة (رض). وبارز عبيدة شعبة، فأصاب سيف شعبة عضلة ساق عبيدة فقطعها فاستنقذه علي (ع) وحمزة (رض) وقتلا شيبة، وحُمِل عبيدة فمات بالصفراء[4].

وكان المهاجرون «يوم بدر سبعة وسبعين رجلاً وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلاً، وكان صاحب راية رسول الله (ص) علي بن ابي طالب (ع)»[5]. فيكون مجموع المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر مقاتلاً. وكان معهم فرَسان وسبعون بعيراً. فكان الرجلان والثلاثة يتعاقبون على بعير واحد. وكان المشركون تسعمائة وخمسين رجلاً بصحبة مائتي فرس وسبعمائة بعير.

من الناحية النفسية والعسكرية كانت معركة بدر الكبرى اعظم غزاة غزاها رسول الله (ص) وأشدها نكاية في المشركين «قُتل فيها سبعون من المشركين قتل علي (ع) نصفهم وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر...»[6]. وانجلت المعركة عن سبعين اسيراً من المشركين بالاضافة الى سبعين قتيلاً منهم وفرّ الباقون. واستشهد من المسلمين اربعة عشر رجلاً. قال تعالى مخاطباً المسلمين: (ولَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ وأنتُم أذلَّةٌ فاتّقوا اللهَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ)[7].

وبالرغم من اختلاف الروايات في عدد الذين قتلهم علي (ع) يوم بدر، الاّ ان المرجّح تأريخياً ان امير المؤمنين (ع) قتل النصف ممن قُتل ببدر أو قريباً منه، وكانوا من اكابر قريش وقادتهم. عندها نادى منادٍ من السماء يوم بدر: «لا سيف الا ذو الفقار، ولا فتى الا علي»[8]. يقول ابن شهر آشوب: «وجدت في كتاب المقفع قول هند:

أبي وعمي وشقيق بكري                     اخي الذي كان كضوء البدر

بهم كسرت يا علي ظهري[9]

وكان من جملة من قتلهم علي (ع) يوم بدر من بني امية:

1- حنظلة بن ابي سفيان اخو معاوية.

2- العاص بن سعيد العاص.

3- عقبة بن ابي معيط.

4- الوليد بن عتبة اخو هند وخال معاوية.

وقتل (ع) ايضاً:

5- ابا قيس بن الوليد أخا خالد بن الوليد.

واشترك في قتل:

6- عتبة وهو جد معاوية وهو اموي ايضاً.

وبذلك فقد قتل الامام (ع) في بدر وحدها من المشركين جد معاوية وخاله واخاه وبعضاً من عشيرته. وكان لذلك اثر بالغ في نفس ابن ابي سفيان بالخصوص والأمويين عموماً ضدّ امير المؤمنين (ع)، كما سنلمس ذلك لاحقاً في الفصول القادمة باذنه تعالى.

 صور من معركة بدر:

وقد تضمّنت واقعة «بدر» لقطات وصور وشواهد كثيرة تدلّ على المُثل التي يستطيع ان يخلقها الاسلام، ومقدار التضحيات التي يستطيع ان يقدمها المؤمنون به، ومن ذلك:

1- كان الآباء يقاتلون أبناءهم، والاخوة اخوتهم. فكان حمزة مع رسول الله (ص) وكان اخوه العباس مع المشركين. وكان علي بن ابي طالب (ع) مع رسول الله (ص) وكان اخوه عقيل بن ابي طالب مع المشركين. وكان عبيدة بن الحارث مع رسول الله (ص) وكان اخوه نوفل بن الحارث مع المشركين. وكان ابو بكر مع المسلمين وابنه عبد الرحمن يقاتل مع المشركين. وكان ابو حذيفة مع المسلمين وابوه عتبة مع المشركين. وقد اوردت الكتب التأريخية ان العباس وعقيل ونوفل قد اسلموا، ولكن المشركين اكرهوهم على الخروج يوم بدر. قال العباس: يا رسول الله انني كنت مسلماً، ولكن القوم استكرهوني. فقال (ص) له: الله اعلم باسلامك، اما ظاهر امرك فقد كان علينا.

2- ان علياً (ع) رأى أخاه عقيلاً مع اسرى المشركين، فتجاهله ولم يلتفت اليه. فقال له عقيل: يا ابن ام والله لقد رأيت مكاني. فتركه وحاد عنه، وهو اخوه لامه وابيه.

3- ان حارثة بن سراقة كان مع رسول الله (ص) فقُتل، فجاءت امه وقالت: يا رسول الله اخبرني عن ابني حارثة، ان كان في الجنة صبرت، والاّ ملئتُ الدنيا نياحة، فقال لها رسول الله (ص): «ويحك أهبلت؟ انها جنان ثمان، وان ابنك اصاب الفردوس الاعلى». فرضيت واطمأنت بقضاء الله سبحانه.

4- لما تهيأ المشركون للقتال قال رسول الله (ص) لاصحابه: قوموا الى جنة عرضها السماوات والارض. فقال عمير بن الحمام الانصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السماوات والارض! قال (ص): نعم، قال: بخ بخ... قال (ص): وما حملك على قول بخ بخ. قال: رجاء أن اكون من اهلها. فقال له النبي (ص): انك من اهلها. ولما سمع البشارة بالجنة رمى من يده تمرات كان يأكلها، وقال: لئن انا حييت حتى اكل تمراتي هذه انها لحياة طويلة. فبرز الى القتال وهو يقول:

ركضا الى الله بغير زاد                       الا التقى وطلب المعاد

والصبر في الله على الجهاد                    وكل زاد عرضة النفاد

غير التقى والبر والرشاد

وما زال يقاتل، حتى استشهد.

 الدلالات العلمية للنصوص

كانت معركة بدر الكبرى تحمل دلالات عظيمة في المواجهة المتفاقمة بين الايمان والشرك. فقد كانت تلك المعركة تحمل مفاتيح الانتصار او الهزيمة لكلا الطرفين المتصارعين. وحتى ان الرعب الذي دبّ في صفوف المشركين من سيف رسول الله (ص) وسيف علي (ع) وسيوف بقية المسلمين، والملائكة التي ساهمت في تكثير عدد المسلمين، كانت له ظروفه النفسية والقانونية التي تفصح عن قوة الايمان الخارقة واستحالة التعايش السلمي بين الشرك والايمان. 

1- علي (ع): قتل النصف ممن قُتل ببدر:

لقد افرغ الامام (ع) طاقته البطولية في اول معركة يخوضها ضد الشرك. فقد بثّ في ساحة المعركة رعباً نفسياً حقيقياً في قلوب المشركين. وكان (ع) اداة السماء في القاء الرعب في قلوبهم. فغيّرت تلك البطولة سلوك المشركين وبدلته من هجوم وشيك ضد المسلمين الى فرار اكيد وهزيمة نكراء وتحطيم لادارة الشرك والوثنية. 

أ- المغزى العسكري:

ان التوازن التسليحي بين جيشي المشركين والمسلمين _ على قلة عدد المسلمين _ يدعونا الى التأمل في اهمية الشجاعة الفردية ودورها الحاسم في نتيجة المعركة. فقد كان الفرَس والسيف والرمح والدرع ادوات المعركة واسلحتها. وتلك الاسلحة كانت تعطي المعركة نوعاً من الثبات الاستراتيجي، وتكشف عن شجاعة المقاتلين وبراعتهم في خوض القتال ببسالة. وهنا كان دور علي (ع) في المعركة حاسماً، لان بطولته الفريدة كانت ركناً اساسياً في انتصار المسلمين.

فلا شك ان قتله ذلك العدد الكبير من ابطال المشركين، كان لابد ان يقلب التوازن العسكري المتعارف بين الفريقين. ذلك لان تلك البطولة الفريدة ادخلت عاملاً جديداً على ساحة المعركة، وهو العامل النفسي. فالرعب النفسي الذي اصاب المشركين يوم بدر جعلهم يفرون من ساحة المعركة مذعورين.

وقد اشار القرآن الكريم في مواطن متعددة _ في بدر وغيرها _ عن انزال الرعب في قلوب المشركين من قبل الله سبحانه وتعالى. ولا شك ان لله جنوده في بثّ الرعب فيهم. فكان (ع) احد هؤلاء الجنود المكلّفين بتلك المهمة الشاقة. فقال سبحانه وتعالى في خصوص غزوة اُحد عندما حثهم على طاعته ونبههم على ان هزيمة المسلمين كانت من قبل انفسهم، لا منه عزّ وجلّ: (سَنُلقي في قُلُوبِ الذينَ كَفَروا الرُّعبَ بِما أشركُوا باللهِ ما لَم يُنـزِّل بِهِ سُلطاناً...)[10]. وفي خصوص غزوة بدر: (... سأُلقي في قُلُوبِ الذينَ كَفَرُوا الرُّعبَ فاضرِبُوا فَوقَ الأعناقِ...)[11]. وفي خصوص واقعة الخندق وما اعقبها من امر بني قريظة من اليهود: (... وقَذَفَ في قُلُوبِهُمُ الرُّعبَ فَريقاً تَقتُلُونَ وتأسرُونَ فَريقاً)[12]. وفي خصوص اجلاء بني النضير من اليهود لما نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين، ومقاتلة المسلمين لهم: (...فأتاهُمُ اللهُ مِن حَيث لَم يَحتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهمُ الرُّعبَ...)[13]. فكان وعداً جميلاً من الله سبحانه بان المؤمنين سينصروَن بالرعب، وقد كان رسول الله (ص) يذكر ذلك فيما حباه الله تعالى وخصه به من بين الانبياء (ع).

فغيّر ذلك العامل النفسي ميزان المعركة، مع ان جيش المسلمين لم يتجاوز ثلث جيش المشركين مع قلة العدة وشحّة الحديد. ولا شك ان تلك الشجاعة _ مضافاً الى عوامل اُخرى كالوعد الالهي بالنصر، ونزول الملائكة لتكثير عدد المسلمين في عيون الاعداء _ ولّدت عند المقاتلين حماساً واندفاعاً نحو الاستمرار في القتال حتى النصر النهائي على الشرك في الارض. وقلّة عدد المقاتلين في الطرف الاسلامي، والامداد الالهي عبر نزول الملائكة، لم يلغِ اهمية الحرب واحقيتها.

بل ان معركة بدر الكبرى كانت حرباً حتمية ضد المشركين كان لابد لها ان تقع. ذلك لانها كانت حالة دفاعية ضد هجوم وشيك من قبل قريش، وكانت عقوبة على جرائمهم في عبادة الاوثان، وكانت تعويضاً للمسلمين عما خسروه في مكة من مال ونفس وعرض. ولا شك ان انتصار المسلمين في معركة بدر الكبرى فتح البوابة لتثبيت دين التوحيد على الارض، واقامة العدالة في العالم.

وكانت اخلاقية رسول الله (ص) المستمَدة من الدين كفيلة بتحقيق ذلك، خصوصاً اذا ما علمنا بان رحمة الاسلام وتعاليمه واخلاقيته في القتال كان قد سجلها التأريخ بكثير من الاكبار والاجلال.

فالتأريخ عندما يتحدث عن المعارك فانه يمرّ على عللها واسبابها وبداياتها ونهاياتها بشكل سريع عابر، ولكنه يتوقف عند اخلاقية الاطراف المتحاربة. فيدرس سلوك المتحاربين واخلاقيتهم على ساحة المعركة. فالعظمة في شخصية المقاتل تتبلور عندما يتصرف ذلك المقاتل بوحي عقيدته، تحت ظل السيوف. بمعنى ان السيف اذا كان مرفوعاً على اساس الحق، فانه يكون سيفاً عادلاً لا يظلم ولا يجحف ولا ينتهك حرمات الناس. وقد كان علي (ع) قمة في ذلك. فقد كان يرفع السيف عن مدبِرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقاتل الا طغاتهم واعاظم مجرميهم.

ولذلك فان قتله (ع) للنصف ممن قُتل في بدر قد احدث ضجة نفسية عظيمة في صفوف المشركين وقلوبهم لم يخمد صداها ابداً. فقد كان ظهوره (ع) بتلك القوة الخارقة وهو في فورة الشباب، قد خلق صورة حقيقية من الرعب والقلق في نفوس المقاتلين عند عبدة الاوثان والاصنام. وبقيت تلك الصورة المرعبة شاخصة في كل المعارك التي خاضها فيما بعد. فمن الذي يواجه علياً (ع) فيفري جلده ويدخله جحيم الدنيا قبل الآخرة؟

ب- المغزى النفسي:

ان الحرب النفسية ضد العدو في ساحة القتال او حولها لا تقتصر على الدعاية الاعلامية. فالهدف من الحرب النفسية هو التأثير على رأي العدو وسلوكه في المعركة دون استخدام الموارد العسكرية والسياسية والاقتصادية. وبتعبير آخر، ان هدف الحرب النفسية هو اشعار العدو بان الجيش المقابل يمتلك اسلحة مادية وغير مادية تستطيع ان تحقق نصراً حاسماً في تلك المعركة. فكيف يستطيع المسلمون في تلك اللحظات الحاسمة اشعار العدو بانهم يمتلكون سلاحاً خارقاً يستطيع ان يحقق نصراً حاسماً عليهم؟ لا شك ان ذلك يتطلب امرين:

الاول: سلاح غير منظور قادر على محاربة العدو حرباً نفسية شرسة، وذلك بتكثير عدد المقاتلين في اعين العدو. فكانت ملائكة الرحمن التي ارسلها الله سبحانه، واشار لها الذكر الحكيم بالقول: (... إذ تَستَغيثُونَ رَبَّكُم فاستَجابَ لَكُم أنّي مُمِدُّكُم بِألفٍ مِنَ الملائِكَةِ مُردِفينَ)[14].

الثاني: سلاح منظور يراه العدو ويلمسه ويحسّ بعمق آثاره ومقتضياته، وهو علي بن ابي طالب (ع) البطل الذي ليس له مثيل.

فقد كانت البطولة الخارقة للامام (ع) احدى الوسائل المهمة لتلك الحرب النفسية. فقد قلبت بطولة الامام (ع) سلوك ابطال المشركين وجعلتهم ينهزمون امامه كالنمور المجروحة الكسيرة.

فالبطولة تحت هذا العنوان، كانت عملاً رمزياً خارقاً قام به علي (ع) من اجل اقناع الطرف المقابل بالفرار من ساحة المعركة. وقد وقع ذلك فعلاً، فبدأت فرسان العرب من المشركين تسابق الريح حتى لا يمسها حسام علي بن ابي طالب (ع).

وهذه الحرب النفسية افضل من الدعاية المنظّمة التي تستخدمها الجيوش بأمل تغيير سلوك العدو. ذلك لان الخطة التي استخدمها الامام (ع) لم تحتج الى عيون وجواسيس تنظر للعدو، ولم تحتج الى عمليات انتقام وحشية من اجل ارعابه، ولم تحتج الى عمليات لتنظيف دماغه او غسله. بل كانت شجاعة فائقة لبطل واحد، وضعت المعركة النفسية في الاطار الصحيح. فتلك المعركة النفسية كانت بحاجة الى سيف واحد وهو سيف ذو الفقار، والى فتى شجاع واحد وهو علي (ع) وعندها كانت المعركة النفسية في بدر الكبرى تحاول افساد علل المشركين الذين خرجوا الى تلك الآبار وفي قناعاتهم انهم سيهزمون المسلمين هزيمة قاسية سوف تتحدث عنها العرب مئات السنين.

ولكن سيف الامام (ع) قلب المعركة النفسية ضدهم لانه (ع) بقتل النصف ممن قُتل ببدر قد حطم اراداتهم ودمر نظامهم العسكري عبر قتله النخبة من ابطالهم.

وبطبيعة الحال، فان للحرب النفسية دوراً مؤثراً وفعالاً في تغيير موازين المعركة وقلبها ضد العدو. وفي ضوء هذا الاصل نستطيع ترتيب النقاط التالية:

1- ان الحرب النفسية تعدّ اليوم السلاح الرابع بعد سلاح الجو والبحر والبر، لانها اثبتت فعاليتها في تغيير سلوك العدو ونفسيته بما يخدم مصالح الطرف المحارِب.

2- كانت البطولة الشخصية في ذلك الزمان اهم الاسلحة والادوات في الحرب النفسية الناجحة. اما اليوم، فبسبب تقدم وسائل الاتصالات، فان الحرب النفسية اصبحت تتخذ أشكالاً اُخرى وانماطاً مختلفة. الا ان الهدف في كليهما ينحصر في دائرة واحدة وهي تغيير سلوك العدو. وهذا هو ما حققه سيف علي (ع) في بدر.

3- يمكن قياس فعالية الحرب النفسية ضد العدو عن طريق احصاء حناجر الفارين من المشركين وصيحاتهم في ساحة المعركة في بدر. كما يمكن قياس فعالية الحرب النفسية الحديثة عن طريق تغير الرأي العام واحساسه بالاحباط والهزيمة النفسية.

وكانت الخصائص البطولية للامام (ع) في عموم الحرب النفسية ضد المشركين تتضافر في ثلاثة وجوه:

الاول: معرفته الدقيقة بأفراد العدو من النخبة، وضبطهم في ساحة المعركة لمصارعتهم. ولنطلق عليه اصطلاح «تحديد الهدف»، كمبارزته الوليد بن عتبة، والعاص بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن ابي سفيان وطعيمة بن عدي، ونوفل بن خويلد.

الثانية: الخب والمواعظ والاشعار التي كان يستخدمها (ع) في زعزعة ثقة العدو بنفسه، في مواطن اُخرى بالاضافة الى بدر. مثل قوله لعمرو بن عبد ود في وقعة الاحزاب:

لا تعجلنّ فقد اتا              ك مجيب صوتك غير عاجزِ

ذو نبهة وبصيرة                  والصدق منجا كل فائزِ

اني لارجو ان اقيم                    عليك نائحة الجنائزِ

من ضربة نجلاء                  يبقى ذكرها عند الهزائزِ[15]

وقوله (ع) عند مبارزة مرحباً:

انا الذي سمّتني امّي حيدرة       كليث غابات كريه المنظرة

أوفيهم بالصاع كيل السندرة[16]

وقوله (ع) عند مبارزة ابي جرول يوم حُنين:

قد علم القوم لدى الصياح                اني لدى الهيجاء ذو نصاح[17]

ولنطلق عليه اصطلاح «زعزعة الهدف».

الثالث: الهجوم على العدو بكل بسالة، بدل الانتظار من اجل الدفاع. فالهجوم هو الذي يحقق الوصول الى الهدف وتحقيق المطلب بقتل العدو.

ففي «الارشاد» للشيخ المفيد (ت 413 هـ) ان امير المؤمنين (ع): «بارز العاص بن سعيد بن العاص بعد ان احجم عنه من سواه فلم يلبث ان قتله، وبرز اليه حنظلة بن ابي سفيان فقتله، وبرز اليه بعده طعيمة بن عديّ فقتله. وقتل بعده نوفل بن خويلد وكان من شياطين قريش، ولم يزل يقتل واحداً منهم بعد واحد حتى أتى على شطر المقتولين منهم وكانوا سبعين رجلاً، تولّى كافة من حضر بدراً من المسلمين مع ثلاثة آلاف من الملائكة المسوّمين قتل الشطر منهم[18]، وتولّى امير المؤمنين (ع) قتل الشطر الآخر وحده.

وفي «الارشاد» ايضاً: قد اثبتت رواة العامة والخاصة معاً اسماء الذين تولّى امير المؤمنين (ع) قتلهم ببدر من المشركين على اتفاق فيما نقلوه من ذلك واصطلاح. فكان ممن سمّوه: الوليد بن عتبة كما قدمنا وكان شجاعاً جريّاً وقاحاً فتاكاً تهابه الرجال. والعاص بن سعيد وكان هولاً عظيماً تهابه الابطال، وهو الذي حاد عنه عمر بن الخطاب. وطعيمة بن عديّ بن نوفل وكان من رؤوس اهل الضلال. ونوفل بن خويلد وكان من اشد المشركين عداوة لرسول الله (ص)، وكانت قريش تقدمه وتعظمه وتطيعه، وهو الذي قرن ابا بكر وطلحة قبل الهجرة بمكة وأوثقهما بحبل وعذبهما يوماً الى الليل حتى سُئل امرهما. ولما عرف رسول الله (ص) حضوره بدراً سأل الله ان يكفيه امره فقال: اللهم اكفني نوفل بن خويلد، فقتله امير المؤمنين (ع).

وقتل (ع) ايضاً: زمعة بن الاسود، والحارث بن زمعة، والنظر بن الحارث بن عبد الدار، وعمير بن عثمان بن كعب بن تيم عم طلحة بن عبد الله، وعثمان ومالك ابني عبيد الله اخوي طلحة بن عبيد الله، ومسعود بن ابي امية بن المغيرة، وقيس بن الفاكه بن المغيرة، وحذيفة بن ابي حذيفة بن المغيرة، وأبا قيس بن الوليد بن المغيرة[19]، وحنظلة بن ابي سفيان، وعمرو بن مخزوم، وابا منذر بن ابي رفاعة، ومنبّه بن الحجاج السهمي، والعاص بن منبه، وعلقمة بن كلدة، وابا العاص بن قيس بن عديّ، ومعاوية بن المغيرة بن ابي العاص، ولوذان بن ربيعة، وعبد الله بن المنذر بن ابي رفاعة، ومسعود بن امية بن المغيرة، وحاجب بن السائب بن عويمر، وأوس بن المغيرة بن لوذان، وزيد بن مليص، وعاصم بن ابي عوف، وسعيد بن وهب حليف بني عامر، ومعاوية بن [عامر بن] عبد القيس، وعبد الله بن جميل بن زهير بن الحارث بن اسد، والسائب بن مالك، وابا الحكم بن الاخنس، وهشام بن ابي امية بن المغيرة.

فذلك خمسة وثلاثون رجلاً سوى من اختلف فيه او شرك امير المؤمنين (ع) فيه غيره.

وليس غريباً ان يقول اسيد بن ابي اياس شعراً يحرّض مشركي قريش على علي (ع) كما ذكره صاحب «الارشاد» و«المناقب»:

في كلّ مجمع غاية أخزاكم               جزعٌ أبرّ على المذاكي القرّح

لله درّكُم ألّما تنكروا                   قد ينكر الحرّ الكريم ويستحي

هذا ابن فاطمة الذي أفناكم                 ذبحاً وقتلة قعصة لم تذبح

أعطوه خرجاً واتقوا تضريبه                 فعل الذليل وبيعة لم تربح

أين الكهول وأين كل دعامة           في المعضلات وأين زين الابطح

أفناهم قعصاً وضرباً يفترى              في السيف يعمل حدّه لم يصفح 

ج- آثار قتل النصف: الرعب!!

قال سبحانه وتعالى وهو يتوعد الكافرين: (سَنُلقي في قُلُوبِ الذينَ كَفَروا الرُعبَ بِما أشرَكوا باللهِ ما لَم يُنـزِّل بِهِ سُلطاناً ومأواهُمُ النّارُ وبِئسَ مَثوى الظالِمينَ)[20]. وهو وعدٌ جميل للمؤمنين بأنهم سينصروَن بالرعب.

وحالة الرعب تعدُّ سلوكاً دفاعياً من قبل الانسان اذا واجه موقفاً هائلاً، وعندها يتحفز فيه جهازه العصبي ويتزلزل. فالرعب هو حالة نفسية يختبرها الانسان الخائف لاجتناب الموت عبر الفرار او انهيار الاعصاب او الخلط على اقلّ التقادير. فالرعب في ساحة المعركة مرتبط بالاحساس بالخوف من المصير المجهول الذي سيواجه ذلك المرعوب.

وعندما يدبّ الرعب في طرف منكسر حربياً، فانّ الدافع نحو القتال سينكسر ويتشتت الجمع وتنحل فلوله. وأول ما يفكر به الجندي عند شعوره بالهزيمة النفسية، هو الفرار من ساحة المعركة. والفرار من الساحة يعني التخلي عن كل مستلزمات المقاتلة، وعندها تنفتح ابواب الانتصار للطرف المقابل. وما حصل في معركة بدر هو صورة حقيقية لهذا المنظر الذي لا يتكرر غالباً في المعارك. فبعد مقتل سادة قريش وأبطالهم من قبل الامام (ع) وبقية المسلمين ومشاركة الملائكة في الحرب النفسية، تشتت جمع المشركين وانكسرت شوكتهم.

والقاعدة ان الرعب حالة نفسية مشروطة تترك آثارها على الانسان الخائف او المرعوب على مستويين:

الاول: ان الرعب او الخوف الشديد يغيّر الدوافع الثانوية الباطنية عند الانسان، فيتغيّر عندها سلوكه على المدى البعيد. فعندما يكون الخوف دافعاً من دوافع السلوك، فان الخائف يكون اقرب الى سماع صوت الحق من الانسان الذي لا يعرف الا التحدي والطغيان والغطرسة.

الثاني: ان الخوف المشروط بشروط الظرف الخارجي، يغيّر سلوك الانسان الخائف وطبيعته عندما يكون الشرط قائماً. فاذا كان خوف المشركين هو احد آثار بطولة علي (ع) الخارقة، فان رعبهم لا يزول الا بزوال ذلك الظرف الخارجي. ووجود هذا الشرط الخارجي _ أي بطولة علي (ع) _ على ساحة الحرب يدفع بالمقاتل المرعوب الى الهرب من ساحة المعركة. فان الرعب الذي اصاب المشركين من سيف علي (ع) وهو الذي دخل المعركة الكبرى لاول مرة، كان رعباً حقيقياً دفعهم تحت قساوة الظرف الخارجي، الى الهزيمة والفرار من ساحة المعركة. وهي اول معركة رئيسية ضد الدين الجديد.

ذلك ان الرعب في المعركة يجعل المرعوب يعيش حالة نفسية واحدة وهي الضعف التام والعقم والعجز عن انجاز أي مكسب. وعندها يكون الفرار من القتال، الاسلوب الامثل بالخروج من ذلك المأزق الذي وُضع فيه. وكان ذلك في بدر يعني انتصاراً للدين الجديد ضد قوى الشرك المتمرسة في القتال والنهب والسلب وتسفيه عقيدة المستضعفين.

واذا ساور الرعبُ الانسانَ مرةً، فانه يبقى معه يتجدد كلما تجددت الظروف الخارجية التي أنشأته. بمعنى ان الذي خاف سيف علي (ع) وبطولته الخارقة في معركة بدر، فانه سيخافه في كل معركة لاحقة يلتحم فيها الطرفان. والرعب الذي اصاب المشركين المقاتلين في بدر، ترك آثاره على معركة اُحد أيضاً. فما ان بدأت الحرب ورأى المشركون سيف ذي الفقار يلمع ساطعاً تحت وهج شمس المعركة حتى انكسرت جفون سيوفهم وأداروا مسار خيولهم، وفرّوا مسرعين يولون الدبر. ولكن ما حصل في اُحد في المرحلة الثانية من المعركة من خسائر، كان بسبب عصيان الرماة لاوامر رسول الله (ص) كما سنرى في الفصل القادم بإذنه تعالى.

والذي حصل في الخندق لاحقاً، عندما برز علي (ع) لعمرو بن عبد ود وصرعه على مرأى من الجيشين يحكي نفس القصة، فانهزم عندها ابو سفيان وجنوده تحت جنح الليل بزعم انهم لا يستطيعون مقاتلة السماء التي تمثّلت بـ: سيف علي (ع)، والريح العاتية، ودعاء رسول الله (ص).

وبالاجمال، فان قتل ذلك العدد من المشركين في معركة بدر من قبل بطل واحد ترك رواسب الخوف والرعب في قلوب المشركين: (... سأُلقي في قلُوبِ الذينَ كَفَروا الرُّعبَ فاضرِبوا فَوقَ الأعناقِ واضرِبُوا منهُم كُلَّ بَنانٍ)[21]، وجعل المعركة بالنسبة لهم قضية لا يمكن ادارتها لصالحهم. فكان هروب المشركين وتوليهم عن الزحف وهزيمتهم القاسية، اهم آثار بطولة الامام (ع).

د- دور الملائكة في المعركة:

كان للملائكة دور كبير في معركة بدر، ذلك انها كانت الامداد الالهي للمسلمين المستضعفين قليلي العدّة والعدد. فمع انهم لم يقتلوا احداً من المشركين، الا ان اختلاطهم بالمسلمين طمأن قلوب المقاتلين المؤمنين وبثّ رعباً اضافياً في قلوب المشركين.

مقدمة حول طبيعة الملائكة:

وصف لنا القرآن الكريم الملائكة بأنها كائنات كريمة أكرمها الله عزّ وجلّ، وجعلها واسطة بينه تعالى وبين العالم المشهود. ومن صفاتها المذكورة في القرآن المجيد ما يلي:

أ- الطاعة التامة لمولاهم الحق فيما يأمرهم، فليست لهم ذاتية مستقلة في الارادة، ولا يستقلون بعمل ولا يغيّرون امراً امرهم الله تعالى، كما ورد في قوله تعالى: (...لا يَعصُونَ اللهَ ما أمَرَهُم ويَفعَلُونَ ما يُؤمَرونَ)[22]، (لا يَسبِقُونَهُ بالقَولِ وهُم بأمرِهِ يَعمَلُونَ)[23].

ب- انهم غالبون دائماً وغير مغلوبين لانهم يعملون بأمر الله وارادته: كما اشار الى ذلك: (... واللهُ غالِبٌ على أمرِهِ ولَكنَّ أكثَرَ النّاسِ لا يَعلَمُونَ)[24]، (... إنَّ اللهَ بالِغُ أمرِهِ...)[25]، (... وما كانَ اللهُ لِيُعجِزَهُ مِن شيءٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ...)[26].

ج- ان لهم مراتب ومقامات مختلفة من العلوّ والآمرية. والى ذلك اشار الذكر الحكيم على لسانهم: (وما منّا إلاّ لَهُ مَقامٌ مَعلُومٌ)[27]، (... قالُوا ماذا قالَ ربُّكُم قالوا الحقَّ...)[28]، (مُطاعٍ ثَمَّ أمينٍ)[29].

وتلك الصفات الفاضلة في الملائكة تجعلهم من اعظم المناصرين لدين الله. لان ارادتهم مرتبطة بشكل تام بارادة الله عزّ وجلّ. 

ملائكة بدر في القرآن الكريم:

1- كان للملائكة دورٌ كبير في نصر المؤمنين في معركة بدر كما يصوّرها قوله تعالى: (ولَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ وأنتُم أذلَّةٌ فاتّقوا اللهَ لَعلَّكُم تَشكُرُونَ، إذ تَقُولُ للمؤمِنينَ ألَن يَكفيَكُم أن يَمُدَّكُم ربُّكُم بِثلاثَةِ آلافٍ مِنَ الملائِكَةِ مُنـزَلين، بَلى إن تَصبِروا وتتقُوا ويأتُوكُم مِن فورِهم هذا يُمددكُم ربُّكُم بِخمسَةِ آلافٍ مِنَ الملائِكَةِ مُسوّمِين. وما جَعَلَهُ اللهُ إلاّ بُشرى لَكُم ولِتطمئنَّ قلوبُكم بِهِ وما النصرُ إلاّ مِن عِندِ اللهِ العزيزِ الحَكيم)[30]. فقد بيّن الله تعالى ما فعله بالمؤمنين من النصر يوم بدر بتقوية قلوبهم، وبما أمدّهم به من الملائكة وبإلقاء الرعب في قلوب اعدائهم. في حين كان المسلمون قليلي العدد ضعفاء عن المقاومة.

وفي تلك الآيات اخبارٌ بأن النبي (ص) قال لقومه يوم اُحد مذكراً لهم بما حصل يوم بدر: ألن يكفيكم يوم بدر ان جعل ربكم ثلاثة آلاف من الملائكة مدداً لكم. وكانت مهمّة الملائكة تكثير سواد المسلمين حينما اختلطوا بهم، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين. فيكون عدد الملائكة جميعاً يوم بدر: خمسة آلاف وكان ذلك تابعٌ للمصلحة. فقد كان ضُعْف المسلمين يوم بدر يقتضي امدادهم بذلك العدد من الملائكة المسوّمين[31].

وبذلك تحقق النصر على الكافرين: (وما النصرُ إلاّ مِن عِندِ اللهِ العَزيزِ الحَكيمِ) الآية، أي وما المعونة الا من عند الله القادر على الانتقام من الكفار. وبتعبير آخر «فان الحاجة الى الله تعالى لازمة في المعونة وان امدّكم بالملائكة فلا استغناء لكم عن معونته طرفة عين في تقوية قلوبكم وخذلان عدوّكم بضعف قلوبهم»[32].

لقد كان حال المؤمنين يوم بدر: «أذلّة» كما عبّر القرآن الكريم، قبال ما كان عليه المشركون من القوة والشوكة. ولا ضير في التعبير، فقد اضاف الله سبحانه الذلّة النسبية الى العزة، الى قومٍ مدحهم كل المدح حيث قال: (... فَسَوفَ يأتي اللهُ بِقَومٍ يُحبُّهُم ويُحبُّونَهُ أذلَّةٍ على المؤمِنينَ أعزَّةٍ على الكافِرينَ ...)[33].

ولم يقتصر نزول الملائكة كجنود يوم بدر، بل ان القرآن الكريم يصرّح بنـزول الملائكة يوم الاحزاب ويوم حُنين. فقال في قصة الاحزاب: (... إذ جاءَتكُم جُنُودٌ فأرسلنا عليهِم ريحاً وجُنُوداً لَم تَرَوها...)[34]. وقال في يوم حُنين: (... ويَومَ حُنَينٍ إذ أعجَبَتكُم كَثرَتُكُم ...وأنزَلَ جُنُوداً لَم تَرَوها...)[35].

واما نزول ثلاثة آلاف يوم بدر فلا ينافي قوله تعالى في سورة الانفال: (...فاستَجابَ لَكُم أنّي مُمِدُّكُم بألفٍ مِنَ الملائكَةِ مُردِفينَ)[36]. لمكان قوله: مردفين، أي متبعين لآخرين وهم الألفان الباقيان المكملان للعدد على ما ذكر في هذه الآيات.

وحقيقة الامر ان الملائكة الذي مدّهم الله اليكم ليس لهم من امر النصر شيء بل هم أسباب ظاهرية يجلبون لكم البشرى وطمأنينة القلب، وانما حقيقة النصر من الله سبحانه لا يغني عنه شيء، وهو الله الذي ينتهي اليه كل امر، العزيز الذي لا يُغلَبْ كما قال: (وما جعلَهُ اللهُ إلاّ بُشرى لَكُم ولتطمئِنَ قلوبُكم بِهِ وما النصرُّ إلاّ مِن عِندِ اللهِ العَزيزِ الحَكيم)[37].

فكان الهدف من الملائكة اذن، طمأنةُ القلب، وتضعيف قوة العدو بالقتل والاسر من قبل المقاتلين المسلمين انفسهم: (لِيَقَطعَ طَرَفاً منَ الذينَ كَفَروا أو يَكبِتهُم فينقَلِبوا خائِبينَ)[38]. وقطع الطرف كناية عن تدمير عدتهم وتضعيف عددهم بالقتل والاسر، كما وقع يوم بدر.

2- الآيات التالية أشارت الى قصة بدر بشكل مباشر. قال تعالى: (وإذ يَعِدكُمُ اللهُ إحدى الطائِفَتَينِ أنَّها لَكُم وتَودُّونَ أنَّ غَيرَ ذاتِ الشوكَةِ تَكُونُ لَكُم ويُريدُ اللهُ أن يُحقَّ الحقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقطَعَ دابِرَ الكافِرينَ. لِيُحقَّ الحقَّ ويُبطِلَ الباطِلَ ولَو كَرِهَ المُجرِمُونَ . إذ تَستَغيثُونَ ربَّكم فاستَجابَ لَكُم أنّي مُمِدُّكُم بألفٍ مِنَ الملائكَةِ مُردِفينَ . وما جَعَلَهُ اللهُ إلاّ بُشرى ولِتطمئنَّ بِهِ قلوبُكم وما النصرُ إلاّ مِن عِندِ الله إن اللهَ عَزيزٌ حَكيمٌ... إذ يُوحي رَبُّكَ إلى الملائكَةِ أنّي مَعَكُم فَثبِّتوا الذينَ آمَنوا سأُلقي في قُلُوبِ الذينَ كَفَروا الرُّعبَ فاضرِبوا فَوقَ الأعناقِ واضرِبوا منهُم كُلَّ بَنانٍ . ذلِكَ بأنَّهُم شاقُّوا اللهَ ورَسولَهُ ومَن يُشاقِقِ اللهَ ورسولَهُ فإنَّ اللهَ شديدُ العِقابِ . ذلِكُم فَذوقُوه وأنَّ للكافِرينَ عَذابَ النّارِ)[39].

وفي تلك الآيات الشريفات دلالات منها:

أ - ان الله عزّ وجلّ وعدهم بأن تكون إحدى الطائفتين لهم يستعملون عليها بنصر الله. والطائفتان هما: العير والنفير. فكانت العير قافلة قريش وفيها تجارتهم وأموالهم وكان عليها اربعون رجلاً منهم ابو سفيان بن حرب. وكان النفير جيش قريش وهم زهاء الف رجل.

ب - كانت الغالبية من المسلمين تودّ أن تكون لها غير ذات الشوكة، وهي العير قافلة ابي سفيان حيث كانت أقل عدة وعدداً من النفير. فندب النبي (ص) اصحابه للخروج، ولم يظنوا ان رسول الله (ص) سيلقى كيداً ولا حرباً فخرجوا لا يريدون الا ابا سفيان والركب ولا يرونها الا غنيمة لهم. ولكن الله سبحانه كان يريد خلاف ذلك، وهو ان يلاقوا النفير فينتصروا عليهم ويستأصلوا الكافرين ويقطعوا دابرهم.

ج - طلب رسول الله (ص) النصرة من الله عزّ وجلّ. فعندما رأى كثرة عدد المشركين وقلة المسلمين استقبل القبلة، وقال: «اللهم انجز لي ما وعدتني. اللهم ان تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الارض». فما زال يهتف ويدعو ربه ماداً يده حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأنزل تعالى: (إذ تَستَغيثُونَ ربَّكُم فاستَجابَ لَكُم أنّي مُمِدُّكُم بألفٍ مِنَ الملائكَةِ مُردِفينَ) الآية. وهذا الامداد الملائكي المتتابع يتلائم مع آية 123 في آل عمران: (ولَقَد نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدرٍ وأنتُم أذلَّةٌ فاتقوا اللهَ...)[40]. فتطابق تلك الآيات من السورتين يوضح ان المراد بنـزول الف من الملائكة مردفين نزول الف منهم يستتبعون آخرين، فينطبق الالف المردفون على الثلاثة آلاف المنـزلين.

د - ان الغاية من نزول الآية هو لغرض البشرى وطمأنة نفوس المسلمين وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، لا من اجل قتل المشركين كما يشير اليه قوله تعالى: (إذ يُوحي ربُّكَ إلى الملائِكَةِ أنّي مَعَكُم فَثبِّتوا الذينَ آمَنوا سأُلقي في قُلُوبِ الذينَ كَفَروا الرُعبَ...)[41]. فالملائكة لم ينـزلوا ليقتلوا المشركين ولا قتلوا منهم احداً. فقد قتل علي (ع) النصف ممن قُتل، وقتل النصف الآخر سائر المسلمين. وانما كانت مهمة الملائكة تكثير سواد المسلمين حينما اختلطوا بالقوم، وتثبيت قلوب المؤمنين، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين.

هـ - ان حقيقة النصر منحصرة بالله سبحانه وتعالى، وليس بكثرة العدد والقوة. والكثرة والقوة المادية اسباب ظاهرية، بينما تكمن الاسباب الحقيقية بيد الله تعالى. 

2- الجوانب الاجتماعية والاقتصادية للمعركة:

وكانت الظروف القانونية والشرعية في العام الثاني للهجرة النبوية تسمح بصراع مسلح بين قوى الشرك وقوى الايمان. فالمسلمون كانوا مسلحين بالاذن الالهي لقتال المشركين، من اجل إنشاء اجواء اجتماعية عالمية لطاعة الخالق عزّ وجلّ واقامة العدالة الحقوقية والاجتماعية بين الناس. وكان المشركون مقتنعين بان المسلمين لا يزالون اُكلة رأس، يأكلها ابو جهل مع عبيدة.

أ - معركة بدر والظرف القانوني:

كانت معارك رسول الله (ص) تعبّر عن عمق الصراع بين الشرك والاسلام، وعمق الهوّة بين النظام الاسلامي الجديد والكيان السياسي للمشركين في الجزيرة العربية. ولا شك ان الصراع بين الاسلام والشرك لم يكن محصوراً بالجانب العسكري، بل كان صراعاً في الجانب الاقتصادي والاجتماعي والاعلامي والقانوني «العرفي» على اقل التقادير.

والحرب لا تقع ما لم تكن هناك ظروف تأريخية تستدعي وقوعها على مستويين: اجتماعي وديني.

فعلى المستوى الاجتماعي، فان رسول الله (ص) انما خاض معركة بدر، لان الظروف التي مرّ بها المسلمون كانت تقتضي قيام حرب من ذاك القبيل. ومن تلك الظروف: بقاء المشركين على شركهم، وانتهاك مجتمع المسلمين في المدينة من قبل قريش كالتلميح او التصريح بالهجوم، وعدم استجابتهم لعرض النبي (ص) بعدم القتال عبر قوله تعالى: (وإن جَنَحُوا للسَّلمِ فاجنَح لَها...)[42]، واستفحال الروح العدوانية للمشركين، والظلم الصارخ الذي اصاب المسلمين في مكة. كل تلك العوامل كانت تبرر القيام بحرب.

اما على المستوى الرسالي الديني، فان المسلمين مكلفون بقتال المشركين حتى يؤمنوا بالله عزّ وجلّ. وقد قال تعالى: (يَسئلُونَكَ عنِ الشهرِ الحَرامِ قِتالٍ فيهِ قُل قِتالٌ فيهِ كَبيرٌ وصَدٌّ عَن سَبيلِ اللهِ وكُفرٌ بِهِ والمسجدِ الحرامِ وإخراجُ أهلِهِ مِنهُ أكبَرُ عِندَ اللهِ والفِتنَةُ أكبَرُ مِنَ القَتلِ ولا يَزالُونَ يُقاتِلونَكُم حتّى يُردُّوكم عن دينكُم إن استطاعوا...)[43].

وهذه الآية نزلت قبل بدر بشهرين بخصوص سرية عبد الله بن جحش حيث استاقت تلك السرية عير قريش وفيها تجارة من الطائف وقتلوا عمرو بن عبد الله الحضرمي. وكان ذلك في غرّة رجب وهم يظنونه من جمادى. فزعمت قريش ان محمداً (ص) استحل الشهر الحرام. فأجابتهم الآية الكريمة على ذلك[44].

وفي مجمل الامر بالقتال افصحت سورة براءة التي نزلت في السنة التاسعة للهجرة بذلك، فقالت: (قاتِلُوهُم يُعذِّبهُمُ اللهُ بأيدِكم ويُخزِهِم ويَنصُركُم عليهم ويَشفِ صُدوُرَ قَومٍ مؤمنينَ . ويُذهِب غَيظَ قُلُوبِهِم ويَتوبُ اللهُ على مَن يَشاءُ واللهُ عَليمٌ حَكيمٌ)[45]، (يا أيُّها النبيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقينَ واغلُظ عليهِم ومأواهُم جَهنَّمُ وبئسَ المَصير)[46]، (إنَّ اللهَ اشترى مِنَ المُؤمِنينَ أنفُسَهُم واموالهم بأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يقاتلون في سَبيلِ اللهِ فَيقتُلُونَ ويقتَلَون وعداً عليهِ حقّاً في التوراةِ والإنجيلِ والقرآنِ ومَن أوفى بِعهدِهِ مِنَ اللهِ فاستَبشِروا بِبيعِكُم الذي بايعتُم بِهِ وذلِكَ هُوَ الفَوزُ العظيمِ)[47]، (... وقاتِلُوا المُشرِكينَ كافَّةً كما يقاتلونكم كافَّةً...)[48].

ولذلك كانت معركة بدر والمعارك الاخرى الكبرى في الاسلام تحمل ظروفاً قانونية وشرعية تسمح للصراع المسلح بين قوى الشرك وقوى الايمان. لانها كانت كفاحاً من اجل البقاء، وبوجه أخصّ كانت كفاحاً من اجل بقاء الايمان على وجه الارض.

وفي رواية ان قريشاً لما نظرت الى قلة اصحاب رسول الله (ص) قال ابو جهل: ما هم إلا اُكلة رأس، لو بعثنا اليهم عبيدنا لاخذوهم اخذاً باليد. فقال عتبة بن ربيعة: أترى لهم كميناً او مدداً؟ فبعثوا عمير بن وهب الجمحي وكان فارساً شجاعاً فجال بفرسه حتى طاف على عسكر رسول الله (ص) ثم رجع فقال : ليس لهم كمين ولا مدد. ولكن نواضح يثرب قد حملت الموت الناقع، اما ترونهم خرساً لا يتكلمون ويتلمظون تلمظ الافاعي ما لهم ملجأ الا سيوفهم. وما اراهم يولون حتى يقتلوا، ولا يُقتلون حتى يقتِلوا بعددهم فارتأوا رأيكم.

وكان وجود الشرك بقواه العاتية منذِراً بمنع الامّة المصغّرة في ذلك الوقت من الاستسلام والخنوع للحياة المادية. واستمرار الحرب يمنعها من الغط في سباتٍ عميق او النوم على فراش ناعم وثير الى امد غير محدود. فللامة لاحق في العيش متوثبة تدافع عن نفسها من ظلم الطغاة والمشركين.

ولذلك فان معركة بدر الكبرى كانت قد حددت هوية المسلمين وكشفت عن ايمانهم وصلابتهم. وحددت هوية المشركين أيضاً، وكشفت عن خوائهم وضعفهم. وكشفت معركة بدر ايضاً دور الفتى (ع) وشخصيته الفريدة في الازمات. فقتله ذلك العدد الكبير من نخبة المشركين شدّ الجماعة المقاتِلة بحزام الفخر والتحدي والقوة، ولا عجب ان يفتخر رسول الله (ص) بوزيره الشاب (ع) وهو يقتحم الميدان ويحاول افناء العدو عن بكرة ابيه.

ان الحرب في الاسلام كانت ولا تزال من وسائل استقرار العالم دينياً وفكرياً وسياسياً. فالتسامح والاخلاق السامية التي ابدتها تعاليم الاسلام في الحروب من عدم التعرض للنساء والصبيان، وعدم التعرض للجرحى، وحرمة المثلة ولو بالكلب العقور، وحرمة العبث بالكائنات الطبيعية كقطع الاشجار وقتل الحيوانات، كلها تدل على ان الدين السماوي يطمح في انشاء ظروف اجتماعية ملائمة لطاعة الخالق عزّ وجلّ واقامة العدل واحقاق الحقوق. فالحرب الدينية التي كان يخوضها علي (ع) لم يكن شغلها سفك الدماء اصلاً، بل كان شغلها تثبيت اسس الامن والسلام الديني في العالم.

ولما كان التعايش بين الشرك والايمان مستحيلاً من الناحيتين النظرية والعملية، كانت الحرب بقيادة رسول الله (ص) الحل القانوني الوحيد لتثبيت الاسلام في العالم ذلك الزمان. ومجرد استحضار الموعظة ولادعوة للقيم والتوحيد على لسان رسول الله (ص) لا تكفي المشركين. فكان لابد من استخدام لغة القوة والسيف التي يفهمونها. فالحرب اذن لابد ان تقع، اخلاقياً وقانونياً وعقلياً. لان المشرك يحمل دوماً روحاً ضد السماء في كل ظرف وحال. فكان لابد من استئصال شأفته من عالمٍ يعيش فيه التوحيد والايمان. 

ب - معركة بدر واقتصاد مكة:

كانت معركة بدر امتحاناً عسيراً لاقتصاد المشركين في مكة. فذلك الاقتصاد الرأسمالي وتلك التجارة الرائجة بين الشام واليمن والعراق تحتاج الى سلام دائم واطمئنان على سلامة الاموال والبضائع المنتقلة عبر القوافل المتعددة التي تدخل مكة وتخرج منها. ومع ان ابا سفيان رجع بقافلته التجارية سالماً، الا ان معركة بدر الكبرى كانت قد زعزعت قريش اقتصادياً، لانها _ بالاضافة الى الخسائر المادية والبشرية التي لحقت بالمشركين _ اربكت حركة الاموال والاستثمارات والعمالة في مجتمع مكة. ولكن ثراء قريش ورخاءها المالي وطبيعتها الجغرافية امتص تلك الحالة المضطربة التي خلّفتها معركة بدر الكبرى. ويؤيده انهم عندما خرجوا الى بدر، ما بقي احد من عظماء قريش الا اخرج مالاً لتجهيز الجيش.

لقد كان التخطيط السماوي لمعركة بدر هو تدمير قريش اقتصادياً وانزال الهزيمة العسكرية بها واذلالها عبر مواجهة النفير وترك العير. فهزيمة النفير تجلب اموالاً أكبر من مجرد الاستيلاء على العير دون قتال. وكان تخطي قريش منصبّاً على القضاء على الاسلام قضاءً تاماً، ولذلك كان ابو جهل مصرّاً على القتال باعتقاد انها معركة حاسمة واحدة وينتهي عندها الاسلام. فحتى لو ارتبك اقتصاد قريش، فان ذلك سيكون مؤقتاً ومرهوناً بتدمير الاسلام واجتثاثه من جذوره.

ان رسول الله (ص) بمعاركه العظيمة مع مشركي قريش استنـزف عاصمة الاوثان آنذاك وحطم تجارتها. ولذلك، كان دور علي (ع) في تلك المعارك عظيماً في تسديد سياسة رسول الله (ص) وخططه في تدمير اقتصاد المشركين. لاننا لو تصورنا وجود المسلمين ضعفاء في المدينة، ووجود دولة مشركة قوية في مكة، وليس بينهما مواجهة عسكرية، لكان ذلك يحصر الاسلام _ على احسن التقادير _ في منطقة ضيقة محدودة ويمنع انتشاره في العالم.

ولذلك كانت استراتيجية رسول الله (ص) مهاجمة المشركين اينما كانوا، في الظروف المناسبة التي تخدم اهداف الرسالة. فكان الامام (ع) حربة رسول الله (ص) التي يصول بها ويجول ضد المشركين. وقد اثبتت تلك الاستراتيجية صحتها في فتح الطريق لتضعيف العدو ونشر الاسلام على وجه الارض.

ومع ان لمعركة بدر آثاراً اقتصادية على الطرفين الا ان المعركة كانت، أساساً، دينية. فالدين هو اساس الصراع بين الطائفتين: المؤمنة بالدين الجديد، والمتمسكة بالاوثان. بينما كان المال والاقتصاد اثراً من آثار تلك الحروب ومقتضىً من مقتضياتها. 

ج _ معركة بدر: امتحان المسلمين

تعدّ الحرب جحيماً بالنسبة للمقاتلين في كل وقت، منذ بداية التأريخ ولحد اليوم. فهي صراع مسلح بين مجموعتين ذو تنظيم سياسي وعقائدي. فالحرب تقع نتيجة قرار سياسي مُتخذ من قبل قادة القوم _ الكبار في السن اغلب _ لزّج الشباب جنوداً في الحرب ووقوداً لها.

ولكن معارك الاسلام، وبضمنها بدر الكبرى، لم تكن كذلك. فقد قاتل رسول الله (ص) في بدر وهو في اواسط العقد الخامس من عمره الشريف جنباً الى جنب مع علي (ع) وهو في العقد الثاني، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وهو في السبعين من عمره. وهكذا كان بقية المسلمين المقاتلين بين شيخ كبير طاعن في السن وشاب يافع. قاتلوا جميعاً في حربٍ دينية إلزامية بعد أن اُذن لهم بقتال المشركين الظالمين.

لقد كانت معركة بدر امتحاناً حقيقياً لاختبار ايمان المسلمين بالاسلام وبالقدرة الغيبية على صنع النصر. فقد كانت اول حرب بين الاسلام والشرك، وكانت اول اختبار لقوة المسلمين في الصمود امام المشركين المتمرسين على الحرب والسلب. ولم يكن معروفاً بعد طموحات المشاركين في المعركة نحو الغنائم والمكاسب الحربية، او قدراتهم على الصمود ومواجهة العدو، او الفرار من المعركة. ولكن المعركة افرزت حقيقة مهمة جداً، وهي ان المعارك القادمة ستكون اكثر شراسة وضراوة وأشد بأساً لان البطل الذي قتل النصف ممن قُتل من المشركين في بدر سيكون شاخصاً تحت امرة رسول الله (ص) يدافع عن دينه مضحياً بكل غالٍ ونفيس في ساحات القتال.

(تليها ص 351- 368)

 


[1]  سورة الانفال: آية 61.

[2]  البيض: الخوَذ التي تقي الرأس سيوف الاعداء.

[3]  «نور الابصار» - الشبلنجي ص 100.

[4]  «نور الابصار» ص 100.

[5]  «تأريخ الطبري» ج 2 ص 431.

[6] «شرح نهج البلاغة» ج 1 ص 8. ويُردّ عليه ان الملائكة لم تقتل مشركاً، وكان دورها بث الرعب بين المشركين.

[7]  سورة آل عمران: آية 123.

[8]  «كفاية الطالب» - الكنجي باسانيد متعددة عن الامام الباقر (ع) وذكر ان اسم الملك هو رضوان ص 277. ورواه محب الدين الطبري في «ذخائر العقبى» ثم قال: «ذو الفقار اسم سيف النبي (ص) سُمّي بذلك لانه كانت فيه حفر صغار. قال ابو عبيد: والمفقر من السيوف: الذي في متنه حزوز» ص 74.

[9]  «مناقب» ابن شهر إشوب ج 3 ص 121.

[10]  سورة آل عمران: آية 151.

[11]  سورة الانفال: آية 12.

[12]  سورة الاحزاب: آية 26.

[13] سورة الحشر: آية 2.

[14]  سورة الانفال: آية 9.

[15]  «المستدرك على الصحيحين» باسناده عن ابن اسحاق ج 3 ص 32 – 33.

[16]  «مسند احمد» ج 4 ص 52 رواه احمد باسناده عن سلمة.

[17]  «الغزوات» - النقدي باسناده عن سعيد بن المسيب عن احد مشركي حنين ص 107. والرواية مشهورة، ولكن لم يتسنّ لنا العثور على مصدرها الاصلي.

[18]  لم تقتل الملائكة احداً كما ذكرنا ذلك، وانما كانت وظيفتهم تكثير سواد المسلمين من اجل ارعاب العدو.

[19]  وهو اخو خالد بن الوليد. اما الثلاثة الذين قتلوا من آل «المغيرة» فهم ابناء اعمامه.

[20]  سورة آل عمران: آية 151.

[21]  سورة الانفال: آية 12.

[22]  سورة التحريم: آية 6.

[23]  سورة الانبياء: آية 27.

[24]  سورة يوسف: آية 21.

[25]  سورة الطلاق: آية 3.

[26]  سورة فاطر: آية 44.

[27]  سورة الصافات: آية 164.

[28]  سورة سبأ: آية 23.

[29] سورة التكوير: آية 21.

[30]  سورة آل عمران: آية 123 – 126.

[31] المسوّمين: المعلَّمين.

[32]  «مجمع البيان» - الطبرسي ج 2 ص 829.

[33]  سورة المائدة: آية 54.

[34]  سورة الاحزاب: آية 9.

[35]  سورة التوبة: آية 25 – 26.

[36]  سورة الانفال: آية 9.

[37]  سورة آل عمران: آية 126.

[38]  سورة آل عمران: آية 127.

[39] سورة الانفال: آية 7 – 14.

[40]  سورة آل عمران: آية 123.

[41]  سورة الانفال: آية 12.

[42]  سورة الانفال: آية 61.

[43]  سورة البقرة: آية 217.

[44]  راجع الفصل التاسع عشر من هذا الكتاب، تجد فيه بحثاً مفصلاً عن القتال في القرآن الكريم.

[45]  سورة التوبة: آية 14 – 15.

[46]  سورة التوبة: آية 73.

[47]  سورة التوبة: آية 111.

[48]  سورة التوبة: آية 36.