(ص 369- 384)

الفصل الثالث عشر

 غزوة الخندق

 

علي (ع) وغزوة الخندق * الدلالات العلمية للنصوص* خصائص واقعة الخندق: 1- حالة الخوف من القتال عند الناس، لماذا ؟ 2- الاحزاب: تحالف المشركين ضد الاسلام. 3- الظنون بالله: ضآلة الايمان. 4- واقعة الخندق: الامداد الغيبي.

------------------
 

علي (ع) وغزوة الخندق

كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس بعد الهجرة، وتسمى بغزوة الاحزاب ايضاً. لان جيش العدو كان مؤلفاً من قريش وسائر القبائل _ على ما بينها من التنافر والعداء _ ومن الموالي واليهود. وخبرها ان نفراً من اليهود حزّبوا الاحزاب على رسول الله (ص)، فتعاونوا مع قريش على استئصاله (ص)، فقالت لهم قريش: يا معشر اليهود، انكم اهل الكتاب الاول والعلم بما اصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خيرٌ أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خيرٌ من دينه وأنتم اولى بالحق منه. فأنزل تعالى فيهم: (ألَم تَرَ إلى الذينَ اُوتوا نَصيباً مِنَ الكِتابِ يُؤمِنونَ بالجِبتِ والطاغُوتِ ويَقولُونَ للذينَ كَفَروا هؤلاءِ أهدى مِنَ الذينَ آمَنوا سَبيلاً . اُولئكَ الذينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ومَن يَلعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصيراً)[1]. فخرجت قريش مع مجموعة من القبائل في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من كنانة واهل تهامة، واقبلت غطفان ومن تابعهم من اهل نجد، حتى نزلوا بمنطقة الى جانب اُحد.

«فلما سمع بهم رسول الله (ص) وبما اجمعوا له من الامر ضرب الخندق على المدينة، وكان الذي اشار على رسول الله (ص) بالخندق: سلمان. وكان اول مشهد شهده سلمان مع رسول الله (ص) وهو يومئذٍ حر. وقال: يا رسول الله، إنّا كنا بفارس اذا حصرونا خندقنا علينا»[2]. فحفروا الخندق في ستة ايام، وكان النبي (ص) يحفر ويحمل التراب بنفسه (ص).

وخرج رسول الله (ص) مع ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب عسكره هناك. وقام نعيم بن مسعود بدورٍ في التفريق والتحريض بين اليهود وقريش وغطفان على ضوء قوله (ص): ان الحرب خدعة[3].

ولكن نجم المعركة كان الذي قتل عمرو بن عبد ود، ومزق كبرياء المشركين وتعنتهم وهو علي بن ابي طالب (ع). فقد كان عمرو بن عبد ود فارساً مشهوراً يعدل بألف فارس، ومن ابطال قريش المزهوين المغرورين بقدراته الحربية. و«كان قد قاتل يوم بدر حتى اثبتته الجراحة، ولم يشهد اُحد فلما كان يوم الخندق خرج معلَّماً ليرى مشهده»[4].

ودام حصار جيوش الاحزاب للمسلمين اكثر من عشرين يوماً، فليس فيها قتال إلا الترامي بالنبل والحجارة. وكان الفاصل بين المسلمين والمشركين هو الخندق. وفي الايام الاخيرة استطاع عدة فوارس من قريش اقتحام الخندق من موضع ضيق وهم: عمرو بن عبد ود، وعكرمة بن ابي جهل، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة، وهبيرة بن ابي لهب. وكان اشدهم واوقحهم على المسلمين عمرو بن عبد ود. فقد ضرب رمحه في الارض واخذ يجول وهو راكبٌ فرسه ويرتجز ويطلب البراز من المسلمين. فقام علي (ع) وقال: انا له يا نبي الله. فقال (ص): اجلس. ثم كرر عمرو النداء وجعل يهزأ بالمسلمين وبجنتهم ونارهم ويقول: اين جنتكم التي تزعمون ان من قُتل منكم دخلها!! فقام علي (ع) ثانية فأجلسه النبي (ص)، ونادى عمرو الثالثة. فقام علي (ع) فأذن له النبي (ص). فتقدم علي (ع) بعد ان دعا له رسول الله (ص). وهو يقول:

لا تعجلن فقد اتا                       ك مجيب صوتك غير عاجز

ذو نبهة وبصيرة                        والصدق منجا كل فائزِ

اني لارجو ان اقيم                      عليك نائحة الجنائز

من ضربة نجلاء                         يبقى ذكرها عند الهزائز[5]

فقال عمرو لعلي (ع): من انت؟

قال (ع): انا علي بن ابي طالب.

قال: ان اباك كان لي صديقاً ونديماً، واني اكره ان اقتلك!

قال علي (ع): ولكن والله ما اكره ان اقتلك. ثم قال علي (ع): يا عمرو انك كنت تقول: لا يدعوني احد الى واحدة من ثلاث الا قبلتها.

قال: اجل.

قال (ع): ادعوك ان تشهد ان لا اله الا الله، وان محمداً رسول الله.

قال: نحّ هذه عني. هات الثانية.

قال (ع): ترجع الى بلادك، فان يك محمد صادقاً كنت اسعد الناس به، وان يك كاذباً كان الذي تريد.

قال: اذن تتحدث عني نساء قريش اني جبنت، وخذلت قوماً رأسوني عليهم. هات الثالثة.

قال (ع): البراز!

قال: هذه خصلة ما كنت اظن ان احداً من العرب يروعني بها.

فقال (ع): كيف اقابلك وانت فارس وانا راجل؟

فاقتحم عن فرسه وعقمه، وسلّ سيفه وكأنه شعلة نار. وبادر بضرب علي (ع) ضربة اتقاها بالدرقة فقدها السيف وشج رأس علي (ع). فضربه الامام (ع) على ساقيه فقطعهما جميعاً، فسقط على الارض. فأخذ علي (ع) بلحيته واحتز رأسه. وجزع الاعداء لمقتل سيدهم واميرهم، وأصابهم الخوف كما اصاب المسلمين اول الامر قبل مبارزة علي وعمرو. وبذلوا للنبي (ص) عشرة آلاف درهم ليعطيهم جثة عمرو، فقال (ص): هي لكم، لا نأكل ثمن الموتى.

ثم ارسل الله تعالى على المشركين ريحاً عاتية في ليلة شاتية شديدة البرد، فكفأت قدورهم، وطرحت أخبيتهم، وما ان عتم الليل حتى نادى ابو سفيان بجنوده بالرحيل وقال لهم: يا معشر قريش، ان كنا نقاتل اهل السماء بزعم محمد، فلا طاقة لنا بأهل السماء. وحين علم رسول الله (ص) برحيلهم قال: الآن نغزوهم ولا يغزوننا.

وفي رواية اخرى ان رسول الله (ص) « البس علياً درعه الفضول وعممه عمامته وقال له: تقدم، فلما ولى قال النبي (ص): برز الايمان كله الى الشرك كله. وقال: ربّ لا تذرني فرداً، اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه. فاستقبل علي (ع) عمراً [ فتبارزا كما اشرنا الى ذلك آنفاً ]... فسمعنا تكبيرة علي (ع) فقال رسول الله (ص): قتله علي. وقال (ص): ابشر يا علي، لو وزن اليوم عملك بعمل امة محمد لرجح عملك بعملهم، فنـزلت آية: (...وكَفَى اللهُ المُؤمِنينَ القِتالَ وكانَ اللهُ قَوياً عَزيزاً)[6][7]. وروى الخوارزمي قول النبي (ص): «لمبارزة علي يوم الخندق افضل من عبادة الثقلين»[8].

وقد وصف الله سبحانه خوف المسلمين من الاحزاب بالقول: (... وإذ زاغَتِ الأبصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتُظنُّونَ باللهِ الظنونا)[9]، وقال المنافقون: كان محمد يدعنا كنوز كسرى وقيصر، واحدنا لا يأمن على نفسه ان يذهب الى الغائط. فكان عمل علي (ع) البطولي نقطة تحول عظيمة في نفسية المسلمين بعد ان زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر من الخوف، وبعد ان شككوا بالله ورسوله (ص) وظنوا بهما الظنون.

وكان من دعائه (ص) الذي دعا به ربه سبحانه وتعالى يوم الاحزاب: «يا صريخ المكروبين ويا مجيب دعوة المضطرين ويا مجيب المهمومين اكشف غمي وكربي وهمي، فقد ترى حالي وحال اصحابي». وفي هذا الدعاء دلالات واضحة على الوضع النفسي الصعب الذي كان يمر به المسلمون قبل مقتل عمرو بن عبد ود.

 الدلالات العلمية للنصوص

1- ان احجام المقاتلين المسلمين عن مبارزة عمرو بن عبد ود وقد دعا الى المبارزة، يعدّ في عرف ذلك الزمان بالخصوص _ بل في كل زمان _ اعظم انتكاسة لحملة الدين الجديد. فكيف يستطيع الانسان ان يدعي انه مؤمن بعقيدة ما، وليست لديه القدرة على مواجهة أعداءها؟ أليست المواجهة البطولية للعدو دليلاً على اليقين بصدق العقيدة؟ واذا كان عمل رجل مشرك واحد مثل عمرو بن عبد ود قد ارعب المسلمين، فما هو موقفهم امام غيره من المقاتلين الشجعان؟ فكان لابد لشخصية فريدة مثل شخصية الامام (ع) من الظهور على المسرح القتالي والتوجه بكل ثقة واقتدار لمواجهته.

ولذلك كان بروز علي (ع) اليه وقتله في تلك الواقعة الرهيبة من اعظم الاعمال التي قوت شوكة الايمان في الدين الجديد. فلا عجب ان يرجح عمل الامام (ع) ذلك، لو وزن مع عمل امة محمد (ص) مجتمعة. ولا عجب ان تكون مبارزته افضل من عبادة الثقلين، وبروز الايمان كله على الشرك كله، كما ورد في الروايات.

ان فشل المشركين يوم الاحزاب في قتال المسلمين كانت له اسباب عقلائية منها: مناجاة رسول الله (ص) ودعاؤه بدفع الاذى عن الاسلام والمسلمين، واشارة سلمان بحفر الخندق، والريح العاتية في الليلة الشاتية، ومبارزة علي (ع) عَمراً وقتله. فكان قتل عمرو احد اهم الاسباب في انكسار المشركين ورجوعهم خائبين الى مخابئهم في مكة. فقد كان عمرو امير جيش المشركين وعمادهم في زعزعة ثقة المسلمين بأنفسهم. فكان مصرعه عاملاً من عوامل القاء الرعب في قلوب الاعداء واذلالهم، وبعث الثقة بالنصر في نفوس المسلمين. ولذلك كانت ضربة علي (ع) يوم الخندق «اعظم من عمل الثقلين»[10] كما قال رسول الله (ص)، وكما وصفها يحيى بن آدم: «ما شبهت قتل علي عمرواً الا بقول الله عزّ وجل: (... فَهَزَمُوهُم بإذنِ اللهِ وقَتَلَ داوُدُ جالوتَ...)[11]»[12].

2- ان مخاطبة عمرو بن عبد ود العامري لعلي (ع) قبل المبارزة: «ان اباك كان لي صديقاً ونديماً، واني اكره ان اقتلك» كذب محض من قبل عمرو وادعاء لتغطية فشله. فلم يثبت تأريخياً ان ابا طالب (رضوان الله عليه) كان صديقاً لعمرو فضلاً عن كونه نديماً. وعمرو يعلم جيداً بطولة علي (ع)، فقد شهد بدراً وأثبتته الجراحة من بطل الاسلام (ع). وقد قام علي (ع) بقتل النصف ممن قُتل يوم بدر. فلا يمكن التصديق انه لم يكن يعرف بطولة الامام (ع)، وهو الذي تغيب في اُحد ظناً منه ان ما حصل في بدر سيحصل في اُحد ايضاً. ويؤيد ذلك قول ابي الخير استاذ ابن ابي الحديد المعتزلي: «والله ما طلب عمرو الرجوع عن علي الا خوفاً منه، فقد عرف قتلاه ببدر واُحد، وعلم إن هو بارز علياً (ع) قتله علي، فاستحى ان يظهر الفشل، فاظهر هذا الادعاء، وانه لكاذب».

3- عندما كان علي (ع) مشغولاً بمبارزة عمرو بن عبد ود كان المسلمون مشغولين ايضاً بمراقبة تلك المبارزة على حذر وخوف. وكان النبي (ص) يلحظ، وما ان تناهى الى سمعه (ص) انتصار علي (ع) على عمرو، حتى قال (ص): لو وزن اليوم عملك بعمل امة محمد لرجح عملك بعملهم. وهو قول له مغزى عظيم. فقد كان عمل علي (ع) البطولي يوازي عمل امة بكاملها. ولكن اللافت للنظر هو ملاحظة عمر بن الخطاب في الحادثة. فقد كان عمر يفكر بدرع عمرو بن عبد ود وطريقة سلبه. وهو تفكير لا يتناسب مع الوضع الذي كان يمر به المسلمون. فقد روى ابن عساكر حول المبارزة: «ثم اقبل علي نحو رسول الله (ص) ووجهه يتهلل، فقال عمر بن الخطاب: هلا سلبته درعه فانه ليس للعرب درع خيرٌ منها؟ فقال: ضربته فاتقاني بسوأته فاستحييت ابن عمي ان اسلبه...»[13]. وتلك فضيلة من فضائل الامام (ع). فشجاعته وبطولته الفريدة كانت لله ولنصرة دينه فحسب، ولم تكن من اجل غنيمة او درع استحسنه عمر واخذ بلباب عقله.

4- اشار سلمان على رسول الله (ص) بحفر الخندق لحماية المدينة. وهو عمل عسكري جليل اذا لاحظنا الظروف الصعبة التي كان يمر بها المسلمون آنذاك. فكانت اشارته تلك اشارة كريم مخلص كُتب باحرف من نور في صحائف التأريخ الاسلامي. وكان سلمان من بلاد فارس. وكان الامام الصادق (ع) يسميه سلمان المحمدي. وكان صادقاً في ايمانه، نزيهاً في نيته، موالياً لاهل بيت النبوة. وقد آخى النبي (ص) بينه وبين ابي ذر في المدينة.

وبعد وفاة رسول الله (ص) عُين اميراً على المدائن، فكان يكدّ ويشتغل ويأكل من عمل يده ولا يمدّ يده الى بيت المال ولا يأخذ منه شيئاً. وبحكم وظيفته كان عطاؤه خمسة آلاف درهم ولكن كان يتصدق به على المحتاجين ولا يأكل الا من عمل يده.

خصائص واقعة الخندق

تشابكت في غزوة الخندق خطوط متقاطعة، منها: الخوف من القتال عند الناس حيث كان منشؤه ضعف اليقين بقدرة الخالق عزّ وجلّ، وعدم القطع بالملاكات الدينية. ومنها: الظن بالله ومنشؤه التوقف في منتصف الطريق بين الحقيقة ونقيضها. ومنها: البطولة الخارقة للامام (ع) التي قلبت ميزان المعركة رأساً على عقب، وحوّلت الهزيمة المحقَقة الى نصر حاسم.

1- حالة الخوف من القتال عند الناس، لماذا؟

قال الذكر المجيد في وصفه خوف بعض المسلمين يوم الاحزاب: (... وإذ زاغَتِ الأبصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ...)[14]. وتأسيساً على ذلك نقول ان اهم الحواجز او الموانع التي تمنع الانسان من الاقتحام ثم الثبات في ساحات الوغى هو الخوف. فالخوف على النفس او المال او مطلق المُلك يُنتِج حالة نفسية تخالج الانسان نستطيع تسميتها بـ «حالة القلق». والقلق ذاته _ وهو تردد الانسان في التفريط بالمكتسبات الدنيوية _ ينتج سلوكاً اجتنابياً. أي ان الخائف من ساحات الوغى، يعمل جهده من اجل اجتنابها او يعمل جهده في الفرار عندما يحمي الوطيس، او يتوسل بمختلف الوسائل من اجل ان يبقى في المؤخرة حيث يقلّ خطر المواجهة والموت.

والذي يخاف من القتل لا يلجُ الحرب. لأن في ساحة المعركة مناظر مرعبة تتضمن دماً مسفوكاً أو عضواً مبتوراً أو رأساً مقطوعاً. وكل تلك المناظر تذكّر الانسان بان احتمالية القتل او الموت قائمة في أي لحظة. هنا لو افترضنا ان شخصية الامام (ع) كانت غائبة في معارك الاسلام العظيمة، فماذا كان مصير الدين الجديد؟ وبتعبير ثانٍ لو كان القلق والخوف يساور اشجع شجعان المسلمين، فهل نتوقع انتصار الدين على الشرك؟ كلا بالتأكيد. لان الدعوة الى الخير والفضيلة تحتاج الى جرأة وشجاعة وتضحية منقطعة النظير.

ولذلك ندرك اهمية هتاف رسول الله (ص): «لمبارزة علي يوم الخندق افضل من عبادة الثقلين». أي ان بطولة علي (ع) الفائقة في ذلك الموقف انقذت المسلمين من هزيمة محققة، وثبتت دور الدين في المجتمع الانساني. ولذلك فان الذين يعبدون الله بعد رحيل علي (ع) يدينون بالفضل لبطولته المتميزة التي حفظت دينهم حياً الى يوم القيامة.

واذا كان الخوف عند الاطفال امراً غريزيا، فان الخوف عند الكبار يكون له منشأٌ نفسيٌ يتمثّل بحبّ الدنيا وعدم الاستعداد للتفريط بأي مكسب دنيوي مهما كان قليلاً. فالذي يحب الدنيا يهرب من الموت، فيخاف المعركة لان فيها احتمالية قوية للموت. وبتعبير آخر ان الطفل قد يخاف من الظلام لسببٍ غريزي وليس لسبٍ عقلي، بينما يخاف الكبير من الحيوان المفترس لانه يرى خطورته على صعيد الموت والحياة والعقل. ويتجسد الموت على ساحة المعركة اكثر من أي ساحة اخرى.

والذي يدخل المعركة فانه يضع جسده في مشتبك الاسنّة ومخالب السيوف. فالحرب لها آلتها المدمرة وهي السيف، ولها غايتها المؤقتة وهي القتل والدمار. وهنا يتميز المؤمن الذي يحب الموت لله سبحانه عن الذي يحب الدنيا ويفضّلها على لقائه تعالى. ويتشخص ذلك التمييز بالخوف. فالخوف من الموت او القتل هو الشعور الرئيسي الذي يصاحب المحاربين الذين لم يصل ايمانهم درجة اليقين.

والقاعدة، ان للخوف في المعارك الحاسمة طريقاً واحداً، وهو الفرار. وقد قال تعالى وهو يأمر المؤمنين المقاتلين بالثبات وعدم الفرار: (يا أيُّها الذينَ آمَنوُا إذا لِقيتُم الذينَ كَفَروُا زَحفاً فَلا تُولُّوهُمُ الأدبارَ . ومَن يُولِّهِم يَومئذٍ دُبُرَهُ إلاّ مُتحرِّفاً لِقِتالٍ أو مُتحيّزاً إلى فِئةٍ فَقد باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ومأواهُ جهنمُ وبِئسَ المَصيرُ)[15]. فالفرار هو طريق النجاة المؤمَّل عند المحارب الذي افتقد اليقين بعقيدته، فلا يقوى على الوقوف امام العدو وجهاً لوجه. اما الذي يكرّ على العدو ويثبت ولا يفرّ، فهو الذي يفتح الطريق لتحطيم الشرك وتثبيت شوكة الاسلام. وقد اثبت الامام (ع) ذلك في المعارك التي خاضها، فهو كرار غير فرار، لم يدخل الخوف قلبه ابداً. ذلك لان مقدار اليقين الذي كان يحمله (ع) كان مالئاً مساحتي قلبه وعقله بالتمام والكمال.

2- الاحزاب: تحالف المشركين ضد الاحزاب

يُفيد «التحالف» معنى المساعدة العسكرية المتبادلة بين اطراف جهة واحدة ضد جهة اخرى. فهو معاهدة عسكرية جامعة لاطراف متعددة من اجل محاربة العدو المشترك. وكان التحالف في غزوة الاحزاب بين بطون قريش وقبائل العرب تحالفاً عسكرياً منسقاً ضد عدو مشترك واحد هو الاسلام.

لقد كان الاسلام يمثّل خطراً جدياً يهدد نظام الشرك في الجزيرة العربية. فكان التحالف العسكري المضاد امراً طبيعياً من اجل دحر الاسلام ومسح وجوده الديني والاجتماعي من المدينة. ولم يكن تحالف المسلمين عسكرياً صرفاً، بل كان تحالفاً اقتصادياً واجتماعياً وعقائدياً جمعها العداء المشترك للدين الجديد.

والامضى من ذلك ان تحالفاً من ذاك القبيل لم يكن تحالفاً دفاعياً بحيث يبذل المتحالفون مهجهم من اجل الدفاع عن اموالهم واعراضهم، بل كان ذلك التحالف تحالفاً هجومياً تحريضياً من اجل سحق الاسلام. ولذلك كانت واقعة الاحزاب من الوقائع الخطيرة في التأريخ الاسلامي. ولولا مبارزة علي (ع) لعمرو بن عبد ود التي بثّت الرعب في شرايين المشركين، ولولا الرياح العاتية التي بعثها الله سبحانه لتحطيم خططهم، ولولا دعاء رسول الله (ص) للمسلمين بالنصر، لنجح ذلك التحالف في كسر شوكة الاسلام وهو بعد غضٌ يافع. فقد كان الالزام المفروض على قوى التحالف ان تقتل المسلمين وتسحق وجودهم المدني دون ادنى شعور بالذنب او العار. لان القبائل العربية واليهود اجتمعت على كلمة انهاء المسلمين، فلم يبق احدٌ من العرب _ من غير القلّة المسلمة _ يعيّر المشركين بذلك.

ولا شك ان تحالف الاعراب في واقعة الخندق كان باهظ التكاليف للمشركين. لان الاستعداد العسكري يستهلك الموارد البشرية لتلك المنطقة الصحراوية التي يقلُّ فيها الماء والغذاء وتعتمد على التجارة وبشكل اقل على الزراعة. وكلاهما يتطلبان موارد بشرية لتشغيل تلك الماكنة الاقتصادية من اجل انعاش المجتمع بموارد الحياة. ولكن التهيؤ للقتال يستنـزف تلك الموارد البشرية. وكان الالزام المُلقى على عاتق المشركين المتحالفين هو التضافر من اجل مقاتلة المسلمين حتى لو لم تكن هناك غنائم ذات قيمة. لان الهدف من قتال المسلمين هو تحطيم الاسلام معنوياً وعسكرياً حتى لا تقوم له قائمة في المستقبل.

ولم يكن تحالف المشركين متجانساً من الناحية الفكرية او الدينية فقد جمع المشركين واليهود والذين في قلوبهم مرض، ولكنه كان متجانساً من ناحية عداوتهم للاسلام. ولذلك فقد كان تحالفاً خطيراً ضد الاسلام لانه كان تحالفاً مبدئياً على سحق الدين السماوي الجديد.

وعلى هذا الاساس فاننا نعدّ ذلك التحالف بين الاعراب ضد الاسلام، من اعراض الجاهلية وليس سبباً لها. فقد كانت الروح العدوانية للمشركين تبرز في كل معركة يتقاتلون فيها من اجل الفخر او البطولة او الغنيمة. ولم يكن للحرب عندهم من هدفٍ سامٍ الا هدف تحطيم الخير المتمثل بالدين الجديد. 

3 - الظنون بالله: ضآلة الايمان

وصف الله سبحانه خوف المسلمين من الاحزاب بالقول: (... وإذ زاغَتِ الأبصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ باللهِ الظنونا...)[16]. وقد تحدثنا آنفاً عن الخوف، ونتحدث الان عن الظنون التي اشارت اليها الآية القرآنية الشريفة.

فالظن يعني ان الانسان متوقف في منتصف الطريق، بين الحقيقة ونقيضها. فهو غير مطمئن بالحقيقة كاملة ولا يصدقها تماماً، وغير مطمئن بنقيض الحقيقة ولا يكذبه تماماً. وظن السوء هذا يختلف عن الظن المعتبر. فالظن المعتبر هو ان يكون للظن علة صحيحة مثل عدم اكتمال المقدمات. وعندما تكتمل المقدمات، يزول ذلك الظن ويصل الانسان الى درجة من درجات اليقين.

الا ان الظنون والشكوك التي انتابت البعض في غزوة الخندق كانت من نمط التوقف في منتصف الطريق بين الحقيقة ونقيضها. وذاك الذي قال: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر، ولا يأمن احدنا الان ان يذهب لقضاء حاجته، ينطبق عليه هذا الوصف. ذلك ان الشك هنا كان مصحوباً بمشاعر الخوف والتردد والقلق، وهذا اسوء أنواع الظنون. لان تلك الظنون تهدم اركان الايمان بمبدأ القضية التي تم القتال من اجلها.

ومن الطبيعي، فان ظن السوء بالله تعالى لا يتوقف عند الجانب القلبي، بل يتسلق اسوار الحالة العقلية. فالشك او ظن السوء، حالة عقلية سلبية بالاضافة الى كونها حالة شعورية. وتلك الحالة مضادة للحالة العقلية الايجابية في الايمان والشجاعة والكرم. والفرق بينهما كالفرق بين الليل والنهار، والظلام والنور، والسلب والايجاب. ولم يكن الظن بالله سبحانه في تلك الواقعة ظنّاً عقلائياً منشأه الدليل، بل كان ظنّاً منشأه حالة شعورية متبلورة من ثنايا الخوف من العدو.

والانسان - على الاغلب - لا يشك بالقضايا التي يسلّم بصحتها ويعتقد بوجودها وبمصداقيتها، ولكن القضايا التي تحتاج الى برهان، يتأمل فيها الانسان ويطلب الدليل. خذ مثلاً العملية الحسابية: (2 + 2 = 4) فهي عملية حسابية لا تنشأ شكاً، لانها لا تحتاج الى برهان. اما الدين فهو بحاجة الى برهان من اجل ازالة الشك. وقد كانت معجزة القرآن الكريم كافية لازالة كلّ الشكوك العقلائية التي يمكن ان تعتري الانسان في ذلك الزمان، بل في كل زمان. اذن ما هو منشأ الظن بالله من قبل هؤلاء الخائفين؟

في ضوء ما ذكرناه، نفهم ان الظنون بالله سبحانه كان منشأها الخوف من الموت وعدم اليقين، والتردد والقلق على مصير الذات، حيث وصفها الله سبحانه: (...وإذ زاغَتِ الأبصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِر وتَظُنُّونَ باللهِ الظنونا َ...)[17]. ولذلك كان ظنّاً مرفوضاً على الصعيد الشرعي. لانه وضع الانسان الظّان في منتصف الطريق بين الحقيقة ونقيضها. فلا هو متوجّهٌ الى اليقين، ولا هو متوجّهٌ الى الكفر والالحاد. ومن الطبيعي فان وضعاً كهذا يدعونا للاعتقاد بانه لم تكن هناك ضرورة منطقية لهذا النوع من الشك، غير الخوف على الذات وضعف ارادة الذين زاغت ابصارهم وبلغت قلوبهم الحناجر وكانوا يظنون بالله الظنون. 

4 - واقعة الخندق: الامداد الغيبي

يعدّ الغيب من الحقائق التي حُذفت من محيطنا الانساني الخارجي، لكنه يعيش في ادراكنا الذهني عن طريق التعاليم الدينية والمعجزات التي نختبرها. ولذلك فمن الصعب فهم معنى الغيب لانه قضية غير حسّية ولا يمكن لمسها باليد، بل يمكن لمس آثارها . فالغيب امر منفصل عن عالمنا الدنيوي، وقد قال تعالى في كتابه الحكيم: (الم. ذلكَ الكِتابُ لا رَيبَ فيهِ هُدَىً للمُتّقينَ . الذينَ يُؤمِنونَ بالغيبِ ...)[18]، (...عالِمُ الغَيبِ والشهادَةِ وهُوَ الحَكيمُ الخَبيرُ)[19]، (... وما كانَ اللهُ لِيُطلِعَكُم على الغَيبِ...)[20]، (... فَقُل إنَّما الغيبُ للهِ فانتَظِروا إنِّي مَعَكُم مِنَ المُنتَظِرينَ)[21]، (عالِمُ الغَيبِ فلا يُظهِرُ على غَيبِهِ أحداً)[22]. والدين السماوي وحده يتناول عالم الغيب ويفصّل فيه ويشرح الامداد الغيبي.

ولا شك ان الغيب لا ينحصر ببعد واحدٍ، بل له أبعاد متعددة. فالاشياء المتصلة بالغيب يمكن ان تكون وجوداً أو شيئاً أو ملكاً أو واقعةً ؛ ويمكن ان تكون افراداً وأفلاكاً وأكواناً ؛ ويمكن ان تكون علاقات، وتغيرات، ورابطة علّة ومعلول ؛ ويمكن ان تكون مادةً أو عقلاً أو زمناً أو مكاناً. وبالاجمال، فان العلاقة بالغيب يمكن ان تشكل تصوراً عن العالم الآخر الذي لا نستطيع رؤيته او فهم وقائعه وأحداثه الا عن طريق الوحي والنبوة.

وعلى ضوء تلك الافكار، يمكن ترتيب نقاط فهمنا للغيب كما يلي:

1- ان فهم علاقتنا بالغيب بالنسبة لنا كأفراد لا تتم الا بالاستعانة بالمعاني التي تجلبها اللغة الدينية، وليس بالماديات المنحصرة بالدليل الحسي.

2- ان الدين يمثّل المبادئ العامة التي توصلنا الى معرفة الحقيقة المطلقة. والسبب في ان الدين يمثّل المبادئ العامة هو انه لا يستبطن تناقضاً ولا يستظهر علّة ناقصة.

3- ان الفارق بين الحقيقة الظاهرية والحقيقة الواقعية، هو ان الحقيقة الظاهرية متغيرة وغير ثابتة من عين لأخرى ومن عقل لآخر. بينما لا يشك احد بثبوت الحقيقة الواقعية، لانها متصلة بالغيب.

وفي اطار هذه المفاهيم، فان فهم الغيب لا يتم عبر تجربة حسية او ملاحظة تجريبية، بل لابد من ايمان به. فهنا نلتمس الايمان اكثر مما نلتمس الدليل الحسي. نعم، يمكن استظهار آثار الغيب وجعلها متمماً لدليل حسي. الا ان الاصل هو ان الايمان بالغيب هو الدليل في اثبات الغيب، ولذلك قال تعالى في وصف المؤمنين حقيقة: (الذينَ يُؤمِنونَ بالغَيبِ...)[23].

فالايمان بالغيب اذن، ضرورة منطقية لمعرفة عالم الحقائق المطلقة. ذلك لان صفات العالم الآخر وصفات الخالق والكائنات التي لا نراها كالملائكة والجن لا تخضع للدليل الحسي التجريبي. فكما ان الفكر عند الانسان مستقل عن الاعضاء ولا يتصل بالحس، فان الغيب مستقلٌ عن عالمنا الدنيوي.

ومن عرض هذه المقدمة ندرك ان الحفاظ على الاسلام في واقعة الخندق كان بفضل الامداد الغيبي الذي انزله سبحانه وتعالى على المؤمنين، وكان متمثّلاً في ثلاثة امور:

الاول: سيف ذي الفقار وبطولة علي (ع) وشجاعته الفائقة التي كسرت جيش المشركين وجعلتهم يولّون الدبر. ومع ان الشجاعة او البطولة صفة شخصية يمكن ان تُضاف لاي انسان، الا ان وجود علي (ع) في تلك اللحظة وذلك المكان وهو على منـزلته الدينية وقربه من رسول الله (ص) كان من امدادات الغيب. فالعطش في صحراء قاحلة قد يقتل الانسان، مع ان الماء موجود في مكان آخر على الارض. فالامداد الالهي يعني ان ينقل الماء في تلك اللحظة الى ذلك المكان لانقاذ ذلك الانسان المشرف على الهلاك، من الموت. فكان وجوذ علي (ع) في ذلك الموقف الصعب ملحوظاً بهذا اللحاظ.

الثاني: الريح العاتية التي كفأت قدورهم وجعلتهم عاجزين عن محاربة السماء بزعمهم. وهذا الامر تنطبق عليه نفس شروط الامر الاول.

الثالث: دعاء رسول الله (ص) بنصر الدين وكسر شوكة المشركين. وكان ذلك علّة للنصر الذي نصر الله به المسلمين على المشركين. وقد كان الامداد الغيبي اكثر وضوحاً في بدر والاحزاب وحُنين عندما نزلت الملائكة لتكثير سواد المسلمين وانزال الرعب بالمشركين. وقد قال تعالى في قصة الاحزاب: (... إذ جاءَتكُم جُنُودٌ فأرسلنا عليهِم ريحاً وجُنُوداً لَم تَرَوها...)[24].

وهذا الامداد الالهي في واقعة الخندق جعل المؤمنين حقاً يشعرون بضخامة الجسر الذي يوصل الغيب بالحقائق الظاهرية في عالمنا المادي الذي نعيش فيه. فطالما لم يستبطن الدين تناقضاً ولم يستظهر علّة ناقصة، وطالما وُعدنا بالنصر الحاسم على الشرك ، كان لابد من تحقيق ذلك الوعد. ذلك لان الوعد الديني متعلق بثبوت الحقيقة الواقعية. فكان من مقتضى ذلك، حتمية تحقق البشرى الالهية بالنصر. وليس غريباً ان نرى الامام (ع) آلة من آلات تنفيذ تلك البشرى العظيمة.

(تليها ص 385- 398)


 

[1]  سورة النساء: آية 51 – 52.

[2]  «تأريخ الطبري» ج 2 ص 566.

[3]  نعيم بن مسعود: اسلم ولم يُعلم قومه باسلامه، فامره رسول الله (ص) ان يخذّل عن المسلمين، فان الحرب خُدعة. فاشار على بني قُريظة ان يأخذوا من المشركين رُهُناً من اشرافهم يكونون بايديهم ثقة لهم على قتال محمد (ص). وابلغ قريشاً بان اليهود قد غدروا بها وتعاهدوا مع رسول الله (ص). ونصح ابا سفيان بان اليهود لو بعثوا اليه يلتمسون منه رُهُناً من رجال قريش فلا يدفع اليهم رجلاً واحداً. وقال لغطفان مثلما قال لقريش وحذّرهم مثلما حذّر قريشاً (سيرة ابن هشام) بايجاز ج 3 ص 241.

[4] «المستدرك على الصحيحين» باسناده عن ابن اسحاق ج 3 ص 32 – 33.

[5] م. ن. – ج 3 ص 32 – 33.

[6]  سورة الاحزاب: آية 25.

[7] «ينابيع المودة» ص 94 – 95.

[8]  «المناقب» - الخوارزمي ص 64.

[9]  سورة الاحزاب: آية 10.

[10] «المواقف» - للايجي ج 8 ص 371. ط سنة 1907 هـ.

[11]  سورة البقرة: آية 251.

[12] «المستدرك على الصحيحين» - كتاب المغازي ج 3 ص 34 عن يحيى بن آدم.

[13]  «تأريخ مدينة دمشق» - ترجمة الامام علي بن ابي طالب (ع) ج 1 ص 154 رقم 217.

[14]  سورة الاحزاب: آية 10.

[15]  سورة الانفال: آية 15 – 16.

[16]  سورة الاحزاب: آية 10.

[17]  سورة الاحزاب: آية 10.

[18]  سورة البقرة: آية 1 – 3.

[19]  سورة الانعام: آية 73.

[20]  سورة آل عمران: آية 179.

[21]  سورة يونس: آية 20.

[22]  سورة الجن: آية 26.

[23]  سورة البقرة: آية 3.

[24] سورة الاحزاب: آية 9.