(ص 385- 398)

 الفصل الرابع عشر 

غزوة خيبـر

 

علي (ع) وغزوة خيبر * الدلالات العلمية للنصوص * علي (ع) وخيبر: القدرة على ردع العدو: 1- المستجدات الحربية. 2- مبدأ الردع. 3- تحقيق اهداف الردع. 4- عقلائية الردع.

---------------
 

علي (ع) وغزوة خيبر

كانت خيبر مدينة كبيرة على ارض الحجاز، ذات حصون ومزارع وقلاع ونخل كثير، وسكانها من اليهود. تبعد عن المدينة أربع ليالٍ تقريباً. وتأريخ غزوة خيبر هو جمادى الاولى من السنة السابعة للهجرة.

فبعد فشل الاحزاب ورحيلهم عن المدينة على ما يشبه صورة الانهزام، قويت شوكة المسلمين في الجزيرة العربية. وبات المشركون يحسبون لقوة النبي (ص) المتنامية ألف حساب. وبدأ القلق والخوف يدبّان في نفوس يهود خيبر، فشرعوا يؤلّفون جبهة عسكرية من بعض القبائل والاعراب ضد المسلمين.

فعلم رسول الله (ص) بذلك، فحشّد لهم جيشاً في الف وأربعمائة مقاتل وسار اليهم. وكان علي (ع) ضمن ذلك الجيش. فتحصّن يهود خيبر في قلاعهم، وراحوا يقاتلون من وراء الجدران بالنبل. وحاصرهم رسول الله (ص) أكثر من عشرة أيام، ثم عزم على فتح الحصون.

قال ابن هشام راوياً باسناده عن ابي معتب بن عمرو: ان رسول الله (ص) لما أشرف على خيبر قال لاصحابه، وأنا فيهم: قفوا. ثم قال (ص): اللهم ربّ السماوات وما أظللن، وربّ الارضين وما أقللن، وربّ الشياطين وما أضللن، وربّ الرياح وما أذرين، فانا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّها وشرّ أهلها وشرّ ما فيها، أقدِموا بسم الله. قال: وكان يقولها (ع) لكل قريةٍ دخلها[1].

ينقل احد المحاربين صورة الوضع العسكري، فيقول: «حاصرنا خيبر فأخذ اللواء ابو بكر، فانصرف ولم يفتح له، ثم اخذ من الغد عمر فخرج فرجع ولم يفتح له، واصاب الناس يومئذٍ شدّة وجهد. فقال رسول الله (ص): اني دافع اللواء غداً الى رجل يحبّه الله ورسوله، ويحبّ الله ورسوله، لا يرجع حتى يفتح له. فبتنا طيبةً أنفسنا ان الفتح غداً. فلمّا ان اصبح رسول الله (ص) الغداة، قام قائماً فدعا باللواء والناس على مصافهم فدعا علياً، وهو أرمد [فنفث] في عينيه، ورفع اللواء...»[2].

وصمّم علي (ع) خطته في استدراج ابطال خيبر للخروج الى السهل حتى يستطيع ان يواجههم رجلاً برجل، وإلاّ فأي حرب تكون من وراء الجدران؟! فتخفف (ع) من الدروع الثقيلة لتسهل عليه الحركة، وأمام مخيلته وصية رسول الله (ص) له: انفذ على رسلك حتى تنـزل بساحتهم، ثم ادعهم الى الاسلام، فان لم يطيعوا فقاتلهم. فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم. فدعاهم الى الاسلام ولكنّهم رفضوا وسخروا منه. فطالبهم ان يبعثوا اليه شجعانهم. فخرج اليه الحارث احد شجعانهم فصرعه علي (ع) ، وخرج اليه آخر فصرعه ايضاً. فتحدّاهم علي (ع) بأن يبعثوا اليه شجاعاً يثبت في المعركة.

فخرج «مرحب» _ وهو من ابطالهم _ يخطر بسيفه، والحديد يغطي رأسه وساقيه وليس في بدنه ثغرة ينفذ منها سيف العدو، فقال مرتجزاً:

قد علمت خيبر أنّي مرحب             شاكي السلاح بطل مجرّب

إذ الحروب اقبلت تلهب

فأجاب علي بن ابي طالب (ع):

أنا الذي سمّتني امي حيدرة               كليث غابات كريه المنظرة

أوفيهم بالصاع كيل السندرة

ففلق (ع) رأس «مرحب» بالسيف وكان الفتح على يديه[3]. فذعر اليهود من بطولة علي (ع). واندفع (ع) الى باب الحصن فاقتلعه، فاتحاً الطريق للمقاتلين المسلمين باقتحام مخابئ اليهود ودكّ حصونهم ومقاتلتهم، حيث كانوا يفرّون فزعين من حصن لآخر. ولكن مقاومتهم العسكرية سرعان ما انهارت، وبدأوا يعلنون استعدادهم للاستسلام وقبول الهزيمة.

وكان رسول الله (ص) قد توجّه الى السماء ودعا لعلي (ع) قبل ان يبرز لـ «مرحب» بالقول: «اللهم انّك اخذت منّي عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم اُحد، وهذا علي فلا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين»[4].

روى الحمويني باسناده عن ابي رافع مولى النبي (ص) قال: «خرجنا مع علي حين بعثه رسول الله (ص) برايته فلما دنا من الحصن، خرج اليه اهله فقاتلهم . فضربه رجل من يهود، فطرح ترسه من يده. فتناول علي باب الحصن فتترس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه. ثم ألقاه من يده، فلقد رأيتني في نفر معي سبعة أنا ثامنهم نجهد على ان نقلب ذلك الباب فما استطعنا ان نقلبه»[5].

وروى باسناده عن جابر بن عبد الله، قال: «حمل علي باب خيبر يومئذٍ حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، فجرّب بعده فلم يحمله الا اربعون رجلاً»[6]. وروى ابن حجر العسقلاني باسناده عن جابر: «ان النبي (ص) لما دفع الراية لعلي يوم خيبر اسرع فجعلوا يقولون له ارفق، حتى انتهى الى الحصن فاجتذب بابه فألقاه على الارض ثم اجتمع عليه سبعون رجلاً حتى أعادوه»[7]. وروى البدخشي باسناده عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) قال: «حمل علي الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، وانهم جروه بعد ذلك فلم يحمله الا اربعون رجلاً»[8].

قال الشاعر يصف بعض ما وقع يوم خيبر:

ويوم خيبر اذ عادوا برايته                    كما علمت لخوف الموت هرابا

فقال اني سأعطيها غداً رجلاً                 ما كان في الحرب فراراً وهيابا

يحبّه الله فانظر هل دعا احداً                غير الوصي فقل ان كنت مرتابا[9]

 

الدلالات العلمية للنصوص

1- القدرة الخارقة عند علي (ع): دلّت حادثة قلع الباب على شجاعة الامام (ع) في نفسه وقدرته العجيبة في الحروب، كما ذكرنا ذلك في الفصول السابقة. والى ذلك اشار الشاعر بقوله:

يا قالع الباب الذي عن هزّه                   عجزت أكف اربعون واربعُ

فجعله جسراً على الخندق تعبر عليه جيوش المسلمين. وقيل: ان اليهود كانوا قد وظفوا اثنين وعشرين رجلاً لاغلاقه او فتحه نظراً لضخامته وثقله. فما مغزى تلك القدرة الخارقة عند علي (ع)؟

لا شك اننا عندما نتحدّث عن القدرة الخارقة للامام (ع) فاننا نقصد بالقدرة الخارقة للعادة لا القدرة الخارقة للطبيعة. والفرق بينهما كبير، فقد يحفظ طفل صغير القرآن كاملاً وهو في عمر أربع سنوات مثلاً. فهذه قدرة خارقة للعادة باعتبار ان الاطفال في تلك السن لا يقدرون على ذلك. ولكنها ليست خارقة للطبيعة لان تلك القابلية محتملة في ظروف معينة. بينما اذا نزل الوحي بالقرآن على نفس ذلك الانسان فان تلك تكوين قدرة خارقة للطبيعة. وكذلك بطولة علي (ع) ؛ فاننا عندما نصفها بالبطولة الخارقة للعادة، فاننا نروم القول الى ان تلك البطولة لم تكن مرتبطة بالوحي. بل انها كانت خارقة للعادة التي ألفها الناس في الشجاع والبطل الفريد. فتلك حالة عقلية مرتبطة باسباب كماله (ع) ويقينه وارتباطه بالله عزّ وجلّ.

وقد ذكرنا سابقاً ان شجاعته (ع) حالة عقلية مصدرها الذوبان التام بالله سبحانه. والى ذلك يفسّر قوله (ع) بخصوص باب خيبر: ما قلعتها بقوة مادية وانما بقوة الهية.

2- اختلاف الآراء في عدد من حمل الباب: ان اختلاف الروايات في عدد الذين قلبوا باب خيبر او عدد الذين حملوها او اعادوها الى وضعها السابق يدلّ على ان القدرة التي بذلها (ع) في قلع الباب كانت خارقة بحيث أصبحت حديث الجيش في معركة حاسمة مثل معركة خيبر. فلو كانت القضية عابرة لما احدثت ضجّة نسمع صداها في اروقة التأريخ لحدّ الساعة. والظاهر ان الذين حملوا الباب كانوا اربعين نفراً، وهو الاقرب للصحة لتواتر الروايات في ذلك. ولان عدد السبعة او السبعين يدلّ على المبالغة مع عدم التعيين . اما رواية ابي رافع فهي تدلّ على عجز الثمانية عن قلب الباب. فلا دلالة له هنا على تحديد عدد الذين قلبوا تلك الباب.

3- الردع: كان من اهم آثار بطولة علي (ع) الخارقة في تلك المعارك ردع المشركين من الاستمرار بالحرب ضد الاسلام. ذلك لان تلك البطولة خلقت تصوراً لديهم بأنهم لا يستطيعون الانتصار على الاسلام فضلاً عن سحقه وتدميره، كما سنلحظ في بحثنا حول بطولة الامام (ع) ودورها في ردع العدو.

 علي (ع) وخيبر: القدرة على ردع العدو

كانت حصون خيبر من أقوى الحصون المسلحة في الجزيرة العربية. فقد كان اليهود يفضلون الحياة مع حبك المؤامرات ضد أعدائهم، على القتال وجهاً لوجه. والمعروف عنهم انهم كانوا ولا يزالون يشعلون الحروب ولا يشتركون فيها على صعيد المعارك. ولذلك فقد بذلوا اموالاً طائلة في بناء حصون منيعة تحميهم من عوادي الزمن وتجنبهم آلام الحروب المضادة. وكان لذلك الاندفاع نحو بناء الحصون المنيعة منشأ نفسي حيث بنوا حياتهم على اساسه. فالمشهور عنهم الخيانة والغدر، ولذلك كانوا لا يؤمنون على أنفسهم من احد.

وقد قال تعالى في وصف اجلاء بني النضير من اليهود عن المدينة لما نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين: (هوَ الذي أخرَجَ الذينَ كَفَروا مِن أهلِ الكِتابِ مِن ديارِهِم لأوَّلِ الحَشرِ ما ظننتُم أن يَخرُجوا وظَنّوا أنَّهُم مانِعَتُهُم حُصُونُهُم مِنَ اللهِ فأتاهُمُ اللهُ مِن حَيثُ لم يحتسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرعبَ يُخرِبُونَ بيُوتَهم بأيديهم وأيدي المؤمِنينَ فاعتَبِروا يا أُولي الأبصار)[10]، (لا يُقاتِلُونَكُم جَميعاً إلاّ في قُرىً مُحصّنةٍ أو مِن ورآءِ جُدُرٍ بأسهم بينَهُم شَديدٌ تحسبُهم جميعاً وقُلُوبُهُم شتى ذلِكَ بأنَّهُم قَومٌ لا يَعقِلُونَ)[11].

وقد بدا واضحاً حجم الضرر الذي اصاب المسلمين من تحالف اليهود مع المشركين. فكانت واقعة خيبر بالنسبة لليهود حرباً مدمرة ومربكة في نفس الوقت. كانت حرباً مدمرة لانها كانت آخر ضربة قاتلة وجّهت من قبل المسلمين لدولتهم المصغّرة بسبب خيانتهم وغدرهم وتحالفهم مع المشركين والمنافقين. وكانت حرباً مربكة، لان شجاعة علي (ع) واستدراجه لابطالهم قد اربكتهم واخرجتهم عن طورهم في التحصن بالقلاع المنيعة وعدم منازلة العدو.

فكان دور علي (ع) في معركة خيبر حاسما،ً لانه وضع دويلتهم على حافة الانهيار والضمور ككيان مستقل. وبدأت الحرب الابتدائية الاسلامية _ بفضل بطولته الفريدة (ع) _ تظهر وكأنها وصلت الى مرحلة عالية من الطاقة التدميرية التي تهدد القوى العظمى في عالم ذلك الزمان وهي بلاد فارس ودولة الروم بالاضافة الى قريش.

1- المستجدات الحربية:

ان فتح خيبر وشجاعة علي (ع) مهّدت الطريق نحو ظهور ثلاثة مستجدات:

الاول: على مستوى المحاربين المسلمين: فقد برزت اجواء الافتخار والعزم على مواصلة القتال من اجل تطييب الارض من رجس المشركين. فطالما وُجد بطل مثل علي (ع) قدوة في الاخلاص والتفاني والاقدام، فان النصر سيكون حليفهم دون شك. وان انتظار دولة الاسلام العالمية المنصورة سوف لن يكون طويلاً. ويؤيد ذلك التوجه شعور المقاتلين المسلمين نحو الامام (ع) عند قتل مرحب وقلع الباب ومحاولة افناء العدو عن بكرة ابيه ، كما لمسنا ذلك في الروايات التي قرأناها في صدر هذا الفصل.

الثاني: على مستوى العالم: فان انتصاراً من هذا القبيل كان يخلق الاجواء الذهنية لتقبل بروز ادارة دينية واجتماعية جديدة للعالم في ذلك الوقت. وهذا يساعد الدين الجديد على احتلال موقعه الطبيعي في قلوب الناس.

الثالث: على مستوى الردع: والانتصار الساحق لجيش المسلمين يقلل من فرص ظهور قوى تحالف جديدة منافسة للاسلام، عدا القوى التقليدية التي تحاول الصمود بأي ثمن.

وقد كان جيش المسلمين بقيادة رسول الله (ص) يحاول كسب نصر حاسم في كل معركة رئيسية مع طرف من اطراف العداء الديني ضد الاسلام. ذلك لان النصر العسكري الحاسم يقنع الناس من اصحاب القلوب الضعيفة المترددة، بأحقية الدين في الوجود. والاصل في ذلك، ان الفرد اذا لم يقتنع بالطريق الذهني والدليل العقلي فلابد من قوة مادية _ حربية على الاغلب _ تقنعه بصحة متبنيات الرسالة السماوية الجديدة.

وهذا لا يقتصر على قوة دون اخرى. بل يشمل كل القوى التي كانت تحارب الاسلام كقوى المشركين ، والمنافقين ، واليهود، والروم، والفرس. وكان على الاسلام _ من أجل ان يبقى _ ان يحقق نصراً حاسماً على كل طرف من تلك الاطراف المناوئة. ولذلك كان القرآن الكريم يحثّ على القتال، على ما سندرسه في الفصل التاسع عشر من هذا الكتاب، باذنه تعالى.

فالمشكلة التي كانت تواجه الدين الجديد لا تكمن فقط في الاقناع القلبي والذهني عبر اعجاز القرآن الكريم، وهو لا شك اقناع اعجازي هائل. بل كان لابد من معارك طاحنة ضد الذين اغلقوا قلوبهم واذهانهم للدليل الشرعي القرآني. فكانت الشجاعة الخارقة والبطولة الفريدة المتميزة مطلوبة وحاسمة في تقرير مصير تلك المعارك. وعندها كانت تلك الشجاعة وتلك البطولة من العوامل الحاسمة في تقرير مصير الدين ايضاً. ومن هذا المنطلق نلمس اهمية شخصية الامام (ع) القتالية في الميدان. فلولا تلك الشخصية الفريدة في البطولة والاقدام والتضحية والاقتداء برسول الله (ص) لكان الدين في وضع آخر يختلف عمّا نراه اليوم. 

2 - مبدأ الردع:

يعني الردع محاولة خلق تصور لدى العدو بأنه لا يستطيع الانتصار على المسلمين بأي طريقة من الطرق. فيقوم عندها بمصالحة المسلمين على الجزية او اعلان معاهدة سلام بين الطرفين، او الاستسلام دون قتال، او الدخول في الاسلام. وهدف الردع في النهاية هو تقليل كمية الدماء التي قد تسفك في حروب يغيب فيها الرادع الحقيقي . وبكلمة، فان الردع يجنب وقوع الحرب لان الطرف الآخر يتصوّر انه لا يستطيع ان يحقق الانتصار فيها. وطالما كان الضعيف يخاف القوي، فان الردع لا يؤدي الى تجنّب الحروب فحسب، بل يؤدي الى دخول المستسلمين في الدين حتماً. وهذا هو عين ما يريده الاسلام. فالاسلام دين سلم وسلام وامان، لا دين حرب وقتل ودماء. ولذلك قيل ان الاسلام يريد من الاعداء المحاربين ان يكونوا اما مسلمين أو مسالمين.

ذلك ان الرسالة الدينية تدخل قلب الانسان اذا توفّرت الاجواء المناسبة لها. وقد أشار تعالى على المسلمين بالاعداد العسكري من اجل ارهاب اعداء الله وارجاعهم الى طريق الهداية: (وأعدُّوا لَهُم ما استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدوَّ اللهِ وعَدوَّكم...)[12]، وعندها اذا انفتح عقله وقلبه للدين فـ: (لا إكراهَ في الدّينِ قَد تَبيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغيِّ...)[13]. لان الاعتقادات من الامور القلبية التي لا يحكم فيها الاكراه والاجبار. فان الاكراه انما يؤثّر في الاعمال الظاهرية، بينما للاعتقاد القلبي علل وأسباب اخرى من قبيل الايمان والادراك.

وفي ضوء الايمان بمبدأ الردع كمبدأ أساسي في الحروب، فاننا نستطيع القول بأن الردع الذي استخدمه الامام (ع) ضد المشركين ادى ثماره التأريخية. ولكن لم تكن تلك الثمار خالية من ثمن باهض دفعه علي (ع) لاحقاً. وبصورة تقريبية، يمكننا ان نشير الى ان آثار الردع كانت عظيمة، عبر ترتيب النقاط التالية:

1- كانت اجلى نتائج الردع الاسلامي هو فتح مكة. فبسبب تعاظم قوة المسلمين اذعن المشركون لتلك القوة، وأيقنوا ان لا سبيل لهم الا الاستسلام والدخول في باحة الدين الجديد. فكان الردع أداة فعالة لتجنّب سفك الدماء، وكان وسيلة لدخول الناس في دين الله أفواجاً. كما اشار تعالى الى ذلك بالقول: (إذا جاءَ نَصرُ اللهِ والفَتحُ . ورأيتَ النّاسَ يَدخُلُونَ في دينِ اللهِ أفواجاً . فَسبِّح بِحَمدِ ربِّكَ واستَغفِرهُ إنَّهُ كانَ تَوّاباً)[14].

2- ان نظرية الردع كانت تعطي مفهوماً متناسقاً ومتماسكاً عن الحرب في الاسلام. فالحرب ليست غاية بذاها وانما وسيلة من وسائل تحقيق حكم الله على الارض. فان تحقق ذلك دون حرب، هو الغاية المرجوة. لان هدف الاسلام هو تحقيق العدالة الحقوقية بين الناس وتعبيد المجتمع الانساني لخالقه عزّ وجلّ.

3- كان تواجد علي (ع) الفعال في ساحات المعارك يصول ويجول في سبيل الله تعالى، عاملاً من عوامل الردع العملي ضد المشركين. فقلع الباب العظيمة ومبارزة ابطال المشركين كمرحب وغيره وصرعهم، وقتل النصف ممن قُتل في بدر، وقتل المشركين في اُحد ، ومبارزة عمرو بن عبد ود يجعل نظرية الردع صالحة. ويجعل التوازن الاستراتيجي البعيد المدى يميل رويداً رويداً لصالح الاسلام.

4- مع ان نظرية الردع كان لها تأثيرٌ آنيٌ على المعارك التي خاضها رسول الله (ص) وكان عليٌ (ع) جنديّاً من جنودها، الا ان التهديد بالانتقام من الامام (ع) بقي قائماً على المدى البعيد. وقد تحمّل الامام (ع) ذلك وهو يعلم ان المشركين الذين اظهروا اسلامهم، سوف يدبرون له ولذريته الخطط للانتقام. وقد بدا ذلك واضحاً في القرون الثلاثة التي تلت وفاة رسول الله (ص).

3 - تحقيق اهداف الردع:

ان الطاقة التدميرية الهائلة ضد الشرك التي ابرزتها شجاعة داحي الباب (ع) في خيبر، أفرزت تساؤلاً واسعاً بين المشركين حول مدى تأثير تلك الطاقة على ميزان المعارك القادمة مع الشرك في كل مكان. وذلك التساؤل والقلق كانا يؤديان في وقت ما الى ردع نفسي وعقلي للمشركين عندما يحمي وطيس الحرب مع المسلمين، ولنطلق على ذلك الردع بـ «الردع العلوي».

ونقصد بالردع العلوي هنا: التأثير الحاسم المفترض من قبل بطولة علي (ع) على طبيعة البدائل عند المشركين، ومنها الحرب او السلم او الاستسلام دون قيد وشرط او الدخول في الاسلام. وهذا الردع يؤدي في النتيجة الى تعديل سلوك الطرف المعادي والابتعاد عن طريق الشرّ او تغييره نحو طريق الخير.

لقد كان المشركون يعتبرون الحرب افضل الوسائل لردع المسلمين وحسر رسالتهم من الانتشار بين امم الارض. واذا بهم الآن، وبفضل البطولة الفائقة لداحي الباب (ع)، يواجهون ردعاً من قبل المسلمين انفسهم. وعندما نتحدث عن الردع الذي انزله علي (ع) بالمشركين، فاننا لا نقصد به ردع جنود المشركين فقط، بل نقصد به ردع القادة عن اتخاذ قرار الحرب.

وقد ظهر واضحاً بعد خيبر ان قادة المشركين في مكة كانوا قد قرروا اعادة تنظيم بدائلهم، فاختاروا عدم محاربة المسلمين في قضية فتح مكة، وهم على ما عليه من قوة وعُدّة وعدد. لان الحرب كانت تعني تحطيم مفاتيح قيادتهم وشركهم، بل ازهاق نفوسهم الشريرة. فاختاروا البديل الاضعف وهو طلب الامان من رسول الله (ص). ولو كانوا يعلمون ان في المسلمين ضعفاً وجبناً لاختاروا بديل الحرب والاستهتار بقيم الدين دون أدنى شك. وبذلك نفهم ان بطولة علي (ع) كانت رادعاً عظيماً للمشركين بعدم اختيار الحرب كبديل ضد المسلمين.

واذا آمنا بان البطولة الخارقة تعدّ أهم وسائل ردع المشركين عن غيّهم ومحاربتهم الاسلام، فلابد لنا من الايمان بان الفرار من المعركة من قبل بعض المسلمين كان من اهم وسائل تقوية الشرك ضد الاسلام. لان الفرار يعني الهزيمة في الفكرة والمعتقد والمبدأ. فلا عجب ان نلمس اجماع المفكرين المسلمين على ادانة الذين فروا من القتال في معارك اُحد وحُنين وذات السلاسل ورجعوا خائبين لا يلوون على شيء في خيبر وغيرها.

فالبطولة الفائقة ضد المشركين تعني تطهير الارض منهم ومن شركهم وفسقهم، بينما يعني الفرار من قبل بعض المسلمين تنجيس المسلمين بشرك المشركين وفسوقهم ووثنيتهم. وهنا يكمن الفرق بين الكر والفر، وبين البطولة والجبن، والاقدام والتخاذل. وقد قال تعالى: (يا أيُّها الذينَ آمَنوا إذا لَقيتُمُ الذينَ كَفَروا زَحفاً فلا تُولُّوهُمُ الأدبارَ)[15]، (يا أيُّها الذينَ آمَنوا إذا لقيتُم فِئةً فاثبُتُوا...)[16]. وكان الذين اخذوا اللواء قبل علي (ع) انصرفوا ولم يُفتح لهم، وعندها اصاب الناس يومئذٍ شدة وجهد، كما ذكرنا ذلك سابقاً.

ولكن، ومع تلك العوارض، كانت بطولة علي (ع) سبباً من اسباب ردع المشركين عن اختيار بديل الحرب ضد الاسلام. ذلك لان بطولة علي (ع) كانت تهديداً كافياً لانزال مستوى انتصار المشركين ضد الدين الجديد من مرحلة القطع والحسم الى مرحلة ادنى وهي مرحلة الاحتمال في المعارك الاولى، ومن مرحلة الاحتمال الى مرحلة اليأس في المعارك اللاحقة.

وبذلك تمكن الامام (ع) من خلال بطولته الرادعة جنباً الى جنب مع رسول الله (ص) الى تحقيق ثلاثة امور عجز عن تحقيقها بقية المقاتلين من المسلمين، وهي:

1- وضع الحرب على خشبة المسرح العقلائي. بمعنى ان العدو اذا كان يفكر سابقاً بنـزوات انتصاره واوهام الاستيلاء على غنائم المسلمين، فانه اليوم _ وبفضل تحقق الردع _ اصبح يفكر باجتناب الهزيمة التي سيُمنى بها دون شك. والقاعدة ان الردع اذا كان قوياً فان العدو سوف يفكر بالاستسلام دون اراقة مزيد من الدماء.

2- جعل التهديد الرئيسي ينبعث من وسط معسكر المسلمين ضد معسكر المشركين. أي انه جعل المسلمين اصحاب المبادرة في التهديد وشن الحرب، وجعل المشركين ادوات للاستجابة لتلك المبادرة، كما حصل في استدراج«مرحب» الى القتال والمبارزة. وبمعنى ثالث انه جعل المسلمين في موضع الهجوم وجعل المشركين في موضع الدفاع. وهذا تبديل استراتيجي بعيد المدى لصالح الاسلام.

3- ساهمت بطولة علي (ع) في تحديد عدد البدائل التي كانت متاحة للعدو، وجعل الدخول الى الاسلام او الاستسلام دون قتال اهم البدائل، وجعلت بديل الحرب ادنى البدائل حظاً في الاختيار من قبل العدو. 

4- عقلائية الردع:

والاصل في الردع انه يؤدي الى احتمالية قوية لقرار اقرب الى العقلائية من قبل العدو، يكشف بان اجتناب الحرب في ذلك الموقف افضل من تكبد الخسائر الفادحة التي يسببها الوقوف بوجه تلك البطولة الخارقة للعادة. فالبطولة العلوية لم يكن هدفها اراقة الدماء، بل كان هدفها ردع العدو عن الاستمرار بالحرب، واحياء الضمائر الميتة وحثها على الايمان بالله سبحانه وبرسالة محمد المصطفى (ص). وبذلك فقد حقنت تلك البطولة دماء الناس على صعيد المقاتلين في جيش المسلمين وعلى صعيد المغرَر بهم في معسكر المشركين من اجل ان يدخلوا الاسلام

فمبدأ الردع يركّز على اجتناب الحرب لمبررات عقلائية، وهي اجتناب الهزيمة في حالة الدخول في حرب مع الاسلام. وهذا سلوك لو تحقق، مع قوة المسلمين، لأدخل الكثير من الناس في الاسلام. لان الاسلام دين سلم وسلام ومحبة وليس دين حرب وقتال واكراه كما مر سابقاً. فدور الردع هنا هو ان يعلم العدو انه لا يستطيع اختيار البديل المُكلِف وهو الحرب والقتال والموت المحقق. فعليه ان يقبل بما هو اقل من الحرب والقتال والموت، وهو الاستسلام او الدخول في الاسلام. وهذا هو مبدأ العقلاء.

ولا شك ان حجم الردع والتهديد كان متناسباً تناسباً طردياً مع القدرة على انزال الدمار بالعدو، التي هي اثر من آثار القدرة البطولية الخارقة. فكلما كانت البطولة خارقة، كان الردع اعظم واخطر. ومن الطبيعي فان هذا الامر لا يتعلق بكمية الاسلحة التي كان يملكها البطل الخارق للعادة في ذاك الوقت، بل يتعلق حتماً بمقدار التضحية والشجاعة التي هو مستعدٌ لتقديمها في ساحة المعركة.

(تليها ص 399-416)

 


[1]  «سيرة ابن هشام» ج 3 ص 343. عن ابن اسحاق قال: حدثني من لا اتهم عن عطاء بن ابي مروان الاسلمي، عن ابيه، عن ابي مُعتِّب بن عمرو.

[2]  مسند احمد ج 5 ص 353 – 354. رواه احمد باسناده عن بريدة.

[3]  م. ن. – ج 4 ص 52 رواه احمد باسناده عن سلمة.

[4]  « كنـز العمال » ج 11 ص 623.

[5]  «فرائد السمطين» - الحمويني ج 1 ص 261. و«الكامل في التأريخ» - ابن الاثير ج 2 ص 220. و«وسيلة المآل» - بن باكثير. ص 223.

[6]  «فرائد السمين» ج 1 ص 261.

[7]  «الاصابة في تمييز الصحابة» - ابن حجر العسقلاني ج 2 ص 509.

[8]  «مفتاح النجاء» - البدخشاني باسناده عن جابر بن عبد الله ص 46.

[9]  «المناقب» - ابن شهر آشوب ج 3 ص 130.

[10]  سورة الحشر: آية 2.

[11]  سورة الحشر: آية 14.

[12]  سورة الانفال: آية 60.

[13]  سورة البقرة: آية 256.

[14]  سورة النصر: آية 1 – 3.

[15]  سورة الانفال: آية 15.

[16]  سورة الانفال: آية 45.