(ص 417 - 436)

 الفصل السادس عشر

 فتح مكة

 

علي (ع) وفتح مكة * تصرفات خالد بن الوليد: آثار ما قبل الاسلام * الدلالات العلمية للنصوص: 1- الحق والباطل: من زاوية فلسفية: أ - الباطل. ب - الحق. 2- فتح مكة: طراز الفتوحات الكبرى. 3 - فتح مكة: استراتيجية جاء الحق وزهق الباطل.

---------------------
 

علي (ع) وفتح مكة

فُتحت مكة المكرمة في شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة. وخبرُها انه كان من شروط صلح الحديبية بين رسول الله (ص) وبين قريش انه من أحبّ ان يدخل في عَقد رسول الله (ص) وعهده فليدخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه. فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله (ص) وعهده.

ولكن بنو بكر وقريش تظاهرت على خزاعة واصابوا منهم مقتلاً ونقضوا عهدهم مع رسول الله (ص). فقدم عمرو بن سالم الخزاعي الى المدينة ووقف على رسول الله (ص) وهو جالس في المسجد بين الناس، فقال يستثيره على قتال اهل مكة من المشركين:

يا ربّ اني ناشدٌ محمداً                حلفَ أبينا وابيه الأتلدا[1]

قد كنتمُ وُلداً وكنّا والدا              ثُمّتَ أسلمنا فلم ننـزع يدا[2]

فانصُر هداك الله نصراً أعتدا          وادعُ عباد الله يأتوا مددا[3]

فيهم رسولُ الله قد تجرّدا              ان سِيم خَسفا وجهه تربَّدا[4]

في فيلق كالبحر يجري مُزبِدا          إن قريشاً أخلفوك الموعِدا[5]

ونقضوا ميثاقك المؤكدا                وجعلوا لي في كداءِ رُصّدا[6]

وزعموا أن لستُ  ادعو أحداً                وهم أذلّ وأقلّ عددا

هم بيتونا بالوتير هُجَّدا               وقتّلونا رُكّعاً وسُجّدا[7]

وأحست قريش بعظمة الجريمة التي ارتكبتها ضد المسلمين. وتسارعت الاحداث، فقدم ابو سفيان المدينة واراد ان يكلّم رسول الله (ص) لتصحيح ما ارتكب من خطأ فادح بنقضه العهد مع المسلمين ولكنه لم يفلح، فلم يردّ (ص) عليه شيئاً. فعندها «دخل على علي بن ابي طالب رضوان الله عليه، وعنده فاطمة بنت رسول الله (ص) ورضي عنها، وعندها حسن بن علي غلام يدبّ بين يديها. فقال: يا علي، انك امسّ القوم بي رحماً[8]، واني قد جئت في حاجة فلا ارجعن كما جئت خائباً، فاشفع لي الى رسول الله. فقال: ويحك يا ابا سفيان! والله لقد عزم رسول الله (ص) على امر لا نستطيع ان نكلّمه فيه. فالتفت الى فاطمة فقال: يا ابنة محمد، هل لكِ أن تأمري بُنَيَّك هذا فيُجيرَ بين الناس، فيكون سيد العرب الى اخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بُنيَّ ذلك ان يجيرَ بين الناس، وما يجير احدٌ على رسول الله (ص).

قال: يا ابا الحسن، اني ارى الامور قد اشتدّت عليَّ، فانصحني.

قال (ع): والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك شيئاً، ولكنك سيد بني كنانة، فقُم فأجِرْ بين الناس، ثم الحق بأرضك.

قال: أو ترى ذلك مغنياً عنّي شيئاً؟

قال (ع): لا والله، ما اظنه، ولكني لا اجد لك غير ذلك.

فقام ابو سفيان في المسجد، فقال: ايها الناس، اني قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره فانطلق. فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمداً فكلمته فوالله ما ردّ عليَّ شيئاً... ثم جئت علياً فوجدته الين القوم، وقد أشار عليَّ بشيء صنعته، فوالله ما ادري هل يغني ذلك شيئاً ام لا؟...»[9].

وأمر رسول الله (ص) بالجهاز، فتجهز عشرة آلاف من المسلمين، ولم يتخلّف عنه احد. وخرجوا جميعاً نحو مكة. فلما نزل رسول الله (ص) «مرَّ الظهران» قدم ابو سفيان يستظهر الخبر، فأخذه العباس بن عبد المطلب الى رسول الله (ص). فلما رآه (ص) قال: ويحك يا ابا سفيان، ألم يأنِ لك ان تعلم انه لا اله الا الله؟ قال: بأبي انت وأمّي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت ان لو كان مع الله الهٌ غيره لقد أغنى عنّي شيئاً بعد. قال: ويحك يا ابا سفيان! الم يأنِ لك ان تعلم اني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! اما هذه والله فان في النفس منها حتى الان شيئاً. فقال له العباس: ويحك! أسلم واشهد ان لا اله الا الله وأن محمداً رسول الله قبل ان تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق، فأسلم!

قال العباس: قلت يا رسول الله، ان ابا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئاً. قال: (نعم. من دخل دار ابي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن)[10].

وعندما رأى ابو سفيان جنود الله تمر من امامه في مضيق الوادي التفت الى العباس وقال: «والله يا ابا الفضل، لقد أصبح ملك ابن اخيك الغداة عظيماً، قال العباس: يا ابا سفيان انها النبوّة. قال: فنعم اذن»[11].

وحينما دخلوا قال سعد بن عبادة: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحُرمة! وهو رأي لم يستشر فيه رسول الله (ص)، ويدلّ على حجم الآثار الجاهلية المترسبة عند بعض المسلمين. فتدارك النبي (ص) الموقف الذي يمكن ان يتطور الى سفك دماء، وقال (ص) لعلي بن ابي طالب (ع): أدركه، فخذ الراية منه، فكن انت الذي تدخل بها[12]. وهكذا كان، فدخل رسول الله (ص) وبيد علي (ع) الراية ثم جيش النبي (ص) من ورائهما.

وكان رسول الله (ص) قد عهد الى امرائه من المسلمين، حين أمرهم ان يدخلوا مكة، ان لا يقاتلوا الا من قاتلهم. لكنه امرهم بالخصوص بقتل اربعة نفر هم : عبد الله بن سعد بن ابي سرح، والحويرث بن نفيل، وابن خطل، ومقبس بن ضبابة. وامرهم ايضاً بقتل قينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله (ص). وقال (ص): اقتلوهم وان وجدتموهم متعلّقين بأستار الكعبة. فقتل علي (ع): الحويرث بن نفيل واحدى القينتين وأفلتت الأخرى. وقتل (ع) ايضاً: مقبس بن ضبابة في السوق. وادرك ابن خطل وهو متعلّق بأستار الكعبة، فاستبق اليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر، فسبق سعيد عماراً فقتله.

اما عبد الله بن سعد الذي كان قد ارتدّ مشركاً بعد ان كتب بعضاً من الوحي وحرّفه، فظُفر به ولكن عثمان بن عفان غيّبه وطلب له الامان من رسول الله (ص) في قصة ذُكرت في مكان آخر من هذا الكتاب. ثم ولاه عمر بن الخطاب بعض اعماله في خلافته، ثم ولاه عثمان بن عفان بعد عمر[13]!!

ولما دخل رسول الله (ص) مكة، دخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنون ان السيف لا يرفع عنهم. فأتى (ص) الحرم وقام على باب الكعبة فقال: «لا اله الا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الاحزاب وحده، ألا كل مأثُرة أو دم أو مال يُدّعى فهو تحت قدمي هاتين الا سدانة البيت[14] وسقاية الحاج... يا معشر قريش، ان الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظُّمها بالآباء. الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية: (يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقناكُم مِن ذكرٍ واُنثى وجعلناكم شُعُوباً وقبائلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكرَمَكُم عِندَ اللهِ أتقاكُم...) الآية كلها. ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون انّي فاعلٌ فيكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم، وابن اخ كريم. قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء»[15].

وكان الله سبحانه قد امكنه من رقابهم عنوة فكانوا له فيئاً، فلذلك سُمّي اهل مكة الطلقاء.

و«لما فتح الله مكة على رسول الله (ص) أمر النبي (ص) علياً (كرم الله وجهه) أن يصعد على منكبه ليقذف الصنم التي كانت اعظم الاصنام عن المسجد الحرام»[16]. وتفصيل ذلك كان على لسان علي بن ابي طالب (ع) كما يرويها احمد بن حنبل، قال (ع): « انطلقت انا والنبي (ص) حتى أتينا الكعبة فقال لي رسول الله (ص): اجلس وصعد على منكبي فذهبت لانهض به فرأى مني ضعفاً فنـزل وجلس لي نبي الله (ص) وقال: اصعد على منكبي، فصعدت على منكبيه، فنهض بي . قال: فانه يخيّل اليَّ اني لو شئت لنلتُ افق السماء حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صِفر او نحاس، فجعلت ازاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه حتى اذا استمكنتُ منه قال لي رسول الله (ص): اقذف به، فقذفتُ به فتكسّر كما تنكسر القوارير»[17]. وفي رواية اخرى ان علياً (ع) لما عالجه كان رسول الله (ص) يقول له: ايه ايه (... جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقاً)[18]»[19].

تصرفات خالد بن الوليد: آثار ما قبل الاسلام

وعندما فتحت مكة، بعث رسول الله (ص) السرايا فيما حول مكة تدعوا الى الله عزّ وجلّ، ولم يأمرهم بقتال. وكان ممن بعث خالد بن الوليد وأمره ان يسير بأسفل تهامة داعياً، ولم يبعثه مقاتلاً، ومعه قبائل من العرب: سُليم بن منصور، ومُذلج بن مُرّة. فوطئوا بني جذيمة بن عامر. فلما رآه القوم اخذوا السلاح. فقال خالد: ضعوا السلاح، فان الناس قد اسلموا.

 فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك. فكُتِفوا، ثم عرضهم على السيف، فقتل من قتل منهم. فلما انتهى الخبر الى رسول الله (ص) رفع يديه الى السماء، ثم قال: اللهم اني ابرء اليك مما صنع خالد بن الوليد[20].

فدعا رسول الله (ص) علي بن ابي طالب (رضوان الله عليه)، فقال: يا علي، اخرج الى هؤلاء القوم، فانظر في امرهم، واجعل امر الجاهلية تحت قدميك. فخرج علي (ع) حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله (ص)، فَودَى لهم الدماء وما أصيب لهم من الاموال، حتى انه لَيدي لهم ميلَغة الكلب[21].

حتى اذا لم يبق شيء من دم ولا مال الا وَدَاه، بقيت معه بقية من المال. فقال لهم علي (رضوان الله عليه) حين فَرَغ منهم: هل بقي لكم بقية من دم او مال لم يُودَ لكم؟ قالوا: لا. قال: فاني اعطيكم هذه البقية من هذا المال، احتياطاً لرسول الله (ص) مما لا يعلم ولا تعلمون، ففعل. ثم رجع الى رسول الله (ص)، فأخبره الخبر، فقال (ص): أصبت وأحسنت. ثم قام رسول الله (ص) فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه، حتى انه ليرى ما تحت منكبيه، يقول: «اللهم اني أبرأ اليك مما صنع خالد بن الوليد، ثلاث مرات»[22].

وبعد مقتل هؤلاء الابرياء من بني جذيمة، اُثيرت مشادة لفظية بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف. فقال له عبد الرحمن بن عوف: عملت بأمر الجاهلية في الاسلام. فقال: انما ثأرت بأبيك. فقال عبدالرحمن: كذبت، قد قتلتُ قاتل ابي، ولكن ثأرتَ بعمك الفاكِه بن المُغيِرة، حتى كان بينهما شر. فبلغ ذلك رسول الله (ص)، فقال (ص): «مهلاً يا خالد، دع عنك اصحابي. فوالله لو كان لك اُحدٌ ذهباً ثم انفقته في سبيل الله ما ادركت غدوةَ رجل من اصحابي ولا روحته»[23]. وكانت تلك الادانة من قبل رسول الله (ص) تدلّ على ان آثار الجاهلية لا زالت باقية في نفوس هؤلاء. فكيف ينسى التأريخ سيف ذي الفقار لانه سيف علي (ع) ويطبّل ويزمّر لسف الله المسلول _ سيف خالد بن الوليد _ وهو يقوم بتلك التصرفات التي يتبرأ منها رسول الله (ص)؟ وهل يُصح ان يُدخَل خالد بن الوليد ضمن صحابة رسول الله (ص)، وهو (ص) نفسه يُخرجه بالقول: «مهلاً يا خالد دع عنك اصحابي فوالله لو كان لك اُحدٌ ذهباً ثم انفقته في سبيل الله ما ادركت غدوة رجل من اصحابي...»؟

 

الدلالات العلمية للنصوص

هناك دلالات علمية يمكن استنباطها من النصوص التي اوردناها في فتح مكة. ومن تلك الدلالات: تنبأ الدين ببقاء الحق وزوال الباطل، والطراز الرفيع لفتح مكة بين الفتوحات، وبطولة الامام (ع) التي كان من اهم آثارها: فتح مكة وانكسار دولة الشرك الى الابد.

 1- الحق والباطل: من زاوية فلسفية

عندما تكسرت اصنام قريش في فتح مكة على يدي رسول الله (ص) وعلي بن ابي طالب (ع)، قال (ص): ايه ايه (...جاءَ الحقُّ وزهقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقاً)[24]. فما هو الباطل الذي حُكم عليه بالموت والزوال؟ وما هو الحق الذي اُقرّ له بالحياة؟

يعبّر الحق عن صفات الكمال المطلق، وكل شيء يتصل بالله سبحانه هو الحق: (هُوَ الذي أرسَلَ رَسُولَهُ بالهُدى ودينِ الحقِّ...)[25]، (فتعالى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ...)[26]، (هُنالِكَ الولايَةُ للهِ الحقِّ هُوَ خيرٌ ثَواباً وخَيرٌ عُقباً)[27]، (ذلِكَ بأنَّ اللهَ هو الحقُّ وأنهُ يُحيي المَوتى...)[28]. بينما لا يمثّل الباطل الا الشيطان وكل ما يدعو اليه هو شر وفساد، كما اشار تعالى: (... فَماذا بَعدَ الحقِّ إلاّ الضّلالُ فأنّى تُصرَفُونَ)[29]، (ذلِكَ بأنَّ اللهَ هُوَ الحقُّ وأنَّ ما يَدعونَ مِن دونِهِ هُوَ الباطِلُ...)[30].

أ - الباطل:

هناك تساؤل وجيه يمكن ان يطرح في هذا المقام وهو: هل ان الباطل قضية متعلقة بالاخلاق او انه قضية متعلقة بالدين؟ وهل يمكن طرد الباطل من العقل، ثم من الحياة الاجتماعية، من دون مساعدة الدين؟

طبيعياً، يعدُّ الباطل حقيقة مسقلة بذاتها بسبب قابلية النفس الانسانية على الاقتراب منه او الابتعاد عنه. واهم مصاديق الباطل: الفجور والكفر. فقد خلق الله سبحانه النفس الانسانية والهمها الفجور والتقوى فقال: (ونَفسٍ وما سَوّاها . فألهَمَها فُجُورَها وتَقواها)[31].

فالنفس الانسانية كيان يمتلك القدرة والعلم والحكمة، وقد سواها سبحانه وتعالى ورتب خلقها ونظّم قواها واعضائها. والقى في روعها وافاض عليها صوراً علمية من التصور والتصديق، وعرّفها صفات الافعال من التقوى والفجور. فالعنوان المشترك بين التقوى والفجور هو متن الفعل. مثال ذلك: اكل المال وهو مشترك بين اكل مال اليتيم وهو فجور، واكل المال الحلال وهو من التقوى. ومثال آخر: المباشرة وهو عمل مشترك بين الزنى وهو فجور، والزواج الشرعي وهو من التقوى. ومثال ثالث: العبادة وهو عمل مشترك بين عبادة الصنم وهو فجور، وعبادة الله سبحانه وهو تقوى.

والمحصَّل من الآيات الشريفة هو ان الله عزّ وجلّ عرّف الانسان بخصائص الافعال من فجور او تقوى، وميّز له الافعال المتصلة بالتقوى والاخرى المتصلة بالفجور.

ومن تلك الآيات الشريفة نستلهم ان هناك تناقضاً منطقياً بين الحق والباطل. فلابد ان يهزم احدهما الآخر ويدحره، ولا يمكن ان يجتمعا في مكان واحد في نفس الوقت. بل لابد من استقلالية تحمي احدهما عن الآخر. فاما هذا واما ذاك. أي اما الفساد والظلم والشيطان: وهو الباطل. واما الخير والصلاح والعدالة: وهو الحق.

ولم يقف القرآن الكريم موقفاً حيادياً من الباطل بل ادانه في مواطن عديدة، فخاطب اهل الكتاب: (يا أهلَ الكِتابِ لِمَ تَلبِسُونَ الحقَّ بالباطِلِ وأنتُم تَعلَمُونَ)[32]، وخاطب عبدة الاوثان: (... أفَبالباطِلِ يُؤمِنونَ وبِنِعمَةِ اللهِ يَكفُرونَ)[33]، ونقل عن المنكرين: (ويُجادِلُ الذينَ كَفَروا بالباطلِ لِيُدحِضُوا بِهِ الحقَّ...)[34]. ونقل عن الكافرين ومجادلتهم بالباطل لدحض الحق: (... وجادلوا بالباطِلِ لِيُدحِضُوا بِهِ الحقَّ فأخذتُهُم فَكَيفَ كانَ عِقابِ)[35]، وخاطب المسلمين بضرورة مراعاة شرعية التعامل التجاري عبر قوله: (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا لا تأكُلُوا أموالَكُم بَينَكُم بالباطِلِ إلاّ أن تَكُونَ تِجارَةً عَن تراضٍ مِنكُم...)[36]، وادان الكافرين اجمالاً بقوله: (...والذينَ آمنوا بالباطِلِ وكَفَروا باللهِ أولئكَ هُمُ الخاسِرونَ)[37].

ومن ذلك نفهم ان طبيعة الاشياء في الكون تتناغم مع الخير والصلاح والعدالة والتوحيد، ومن كل ما يمثله الحق من مفاهيم وافكار. وعندما يقوم الانسان بفعل الباطل من فساد وظلم وعبادة للشيطان والوثن، فانه انما ينتهك طبيعة الاشياء التي خلقها الله سبحانه. فهنا لابد من دحر الباطل الذي ينتهك النظام الكوني المبني على اساس العدالة والخير والتوحيد. كما قال: (ولَوِ اتَّبَعَ الحقُّ أهواءَهُم لَفَسَدَتِ السماواتُ والأرضُ...)[38].

ومجيء الاسلام كان انذاراً للباطل بالتوقف عن الوجود في ذات المؤمن على الاقل. فالمؤمن بتعاليم الدين السماوي يؤمن بالحق ويبني وجوده الاجتماعي والذاتي الجديد على اساس ايقاف الباطل وحذفه من حياته. وهذا يعني اننا اذا الغينا الباطل من الساحة الاجتماعية، كما فعل رسول الله (ص) وعلي (ع) بتحطيم الاصنام، فان ذوات الناس سوف تنفتح على الخير والاستماع الى الحق. وهنا يتخير الانسان بحرية، في ذلك الجو المنفتح وتلك الارضة الواسعة، بين الحق والباطل.

ولو كان الباطل قضية متعلقة بالاخلاق لاستطاع الانسان دحرها من دون مساعدة الدين، بل لكان العقل سلاحاً كافياً من اسلحة دحر الباطل. ولكن الحقيقة تقول بان للباطل كياناً مستقلاً لا يقف امامه الا الدين. فمع ان العقل يدعو الى التوحيد والعدل، الا ان العقل المجرد عن الايمان قد يدعو الى الفساد والدمار والشرك. فالعقل لوحده لا يستطيع دحر الباطل. ولو كان العقل كافياً لادراك معاني الوجود لانتفى دور الدين في الحياة الانسانية. فقضية الباطل اذن ليست متعلقة بالفلسفة الاخلاقية فقط، بل ان ازالة الباطل موكولة الى تعاليم الدين ومقدار ادائها من قبل المؤمنين.

فلا شك ان زوال الباطل يتحقق عندما يمارس المكلّفون تكاليفهم الشرعية ويتنعمون برحمة القوانين الدينية، وعندها ينتفي الفساد والظلم والشرك. فتثبيت الحق مرهون بتقوية شوكة الدين. ومن هنا نفهم مغزى مخاطبته (ص) لعلي (ع): ايه ايه (... جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقاً)[39]. فبتحطيم رمز الوثنية والشرك في مكة، بدأ الاذعان لتقبل فكرة انتصار الاسلام وانتشار قيمه السماوية في الخير والعدالة والمحبة والصلاح على مبادئ الظلم والفساد والشرك. ومن هنا جاء الحق وزهق الباطل بكل ما تحمله تلك الالفاظ من معان ومفاهيم وافكار. فقد جاء الحق عبر رسالة السماء محمّلاً بمفاهيم العدالة والخير والاخوة والمحبة والتعاون، وعندها انفتح الباب للانسان لاختيار طريق الخير بدل طريق الشر، وعندها كانت الحكمة الالهية: (لا إكراهَ في الدّينِ قَد تَبيَّنَ الرُشدُ مِنَ الغيّ...)[40] لان الانسان بطبيعته يختار الخير على الشر، ويختار الحق على الباطل.

ذلك ان الباطل يؤدي دائماً الى الالم والمعاناة على صعيد الانسانية، ولا يؤدي الشر إلا الى الحرب، والظلم، والاجحاف بحقوق الآخرين. ولذلك فان الدين يحارب الباطل اينما وُجد، لان الدين لا ينمو ولا يستقر بوجود الباطل. فالدين يدعو الى الصفاء، والامانة، والمحبة، والولاء. بينما يدعو الباطل الى الخيانة، والبغض، والدماء، والاضطراب.

وبكلمة فان الشر يحطم الروح الانسانية، ويعكر الصفاء الذهني والنفسي الذي يجلبه الدين، ويدمر الفرص العقلائية لانتخاب الدين كبديل في الحياة تمشياً مع قوله تعالى: (لا إكراهَ في الدّينِ قَد تَبيَّنَ الرُشدُ مِنَ الغَيِّ...)[41]. اما الخير _ وهو احد مصاديق الحق _ فانه يجلب على الانسان سعادة ابدية، لان الخير يربط الانسان بالله سبحانه، ويربط الافراد بعضهم ببعض عن طريق القيم العليا في الحب والتعاون والتآخي. وجوهر الفكرة ان العقل لا ينهض الى مستوى طرد الباطل. فلابد من تدخل الدين في طرد الباطل من النفس أولاً ثم سحق الباطل على المستوى الاجتماعي واحقاق الحق عن طريق الادارة الدينية للمجتمع. 

ب - الحق:

ان الحق في ذاته أمرٌ حسنٌ له قيمة اخلاقية عليا في حياة الانسان. فالحق يشمل الخير في كل جوانبه، ولذلك وصف الله سبحانه نفسه بانه الحق المبين كما قال: (... ويَعلَمُونَ أنَّ اللهَ هُوَ الحقُ المُبينُ)[42].

ولكن يمكن تصنيف الحق، فيما نحن فيه، الى صنفين: الحق على الصعيد الذاتي، والحق على الصعيد الموضوعي.

فعلى الصعيد الذاتي: فقد وصف الله عزّ وجلّ نفسه بالحق، لان الحق يمثل كل جوانب الخير، فهو تعالى الحق الذي يحقق كل شيء حق، ويجري في الاشياء النظام الحق. فالمولى عزّ وجلّ هو الذي يمسك بأسباب الخير والعدالة والقوة والعزة والقدرة. هو الذي خلق الخلق والحياة وصمم الكون والاشياء لتكون خيراً بذاتها. وقد ورد في القرآن الكريم ما يدلل على ذلك. فهو علّة جميع العلل من الايجاد والتدبير والملك والإماتة والبعث، كما في قوله: (ثُمَّ رُدُّوا إلى اللهِ مَولاهُمُ الحقِّ الا لهُ الحكُم...)[43]، (فذلِكُمُ اللهُ ربُّكُم الحقُّ فَماذا بَعدَ الحقِّ إلاّ الضَّلالُ فأنّى تُصرَفُونَ)[44]. والامر كله بيده فهو الخالق لكل شيء المدبر لكل امر، وليس لغيره الا الاوهام من اجل الابتلاء والامتحان، فقال: (هُنالِكَ الولايَةُ للهِ الحقِّ هُوَ خَيرٌ ثَواباً وخيرٌ عُقباً)[45]، (فتَعالى اللهُ المَلِكُ الحقُّ...)[46]، (ذلِكَ بأنَّ اللهَ هُوَ الحقُّ وأنَّهُ يُحيي المَوتى...)[47]، (... ويَعلَمونَ أنَّ اللهَ هوَ الحقُّ المُبينُ)[48]. وتلك بديهيات لا ستار عليها بوجه من الوجوه. فالحق من اسماء الله الحسنى لثبوته تعالى بذاته وصفاته ثبوتاً لا يقبل الزوال ويمتنع عن التغيير.

وعلى الصعيد الموضوعي: فان الحق _ بقيمه الاخلاقية _ قد تمثل بالاسلام. فالاسلام ليس فرداً ولا شخصاً ولا مفردة، بل هو موضوعٌ للخير العام. فهذا الدين يمثل حالة معنوية لنشر العدالة بين الناس، ويعكس صورة لنظامٍ في ادارة صلة الانسان بربه، وصورة لنظام الادارة الاجتماعية والحقوقية. ولذلك عُبّر عن الدين بانه الحق، كما يُستخلص من التأمل في قوله تعالى: (... فأمّا الذينَ آمَنوا فَيَعلَمُونَ أنَّهُ الحقُّ مِن رَبِّهِم...)[49]، (إنّا أرسلناكَ بالحقِّ بَشيراً ونَذيراً...)[50]، (... فَهَدى اللهُ الذينَ آمَنوا لما اختَلَفُوا فيهِ مِنَ الحقِّ بإذنِهِ...)[51]، (... ولا تتَّبِع اهواءَهُم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحقِّ...)[52]، (هُوَ الذي أرسَلَ رَسُولَهُ بالهُدى ودينِ الحقِّ...)[53]. وفي الآيات الكريمات دلالة ظاهرة على ان الدين الذي نزل على محمد (ص) هو حق فيما وافق ما بين يديه من الكتب، وحق فيما خالفه لكون القرآن مهيمناً على جميع الكتب السماوية السابقة.

وبذلك يكون الحق الذي بشرّ بمجيئه رسول الله (ص) عندما كان علي (ع) يكسر الاصنام يمثل كل معاني الخير والعدالة والتوحيد والعبودية لله الواحد القهار. وان كان ذلك الحقُ يغطي مساحة قانونية او معنوية او انسانية او طبيعية، فانه انما يدلّ على شمولية الدين لكل تلك الحقوق. فالدين يحفظ حق الانسان في التعبد، وحق الانسان في العيش بكرامة تحت اجواء الخير. وبكلمة، فان الحق هو بشرى السماء للبشرية المعذّبة التي تبحث عن طريق للهداية والنجاة من العذاب. 

2 - فتح مكة: طراز الفتوحات الكبرى

لو اردنا ادراك اهمية «فتح مكة» باطار الفهم المعاصر الحديث، لافترضنا اننا يجب ان نفهم آثارها او مقتضياتها بنفس درجة فهم اسبابها او عللها. فمع ان شجاعتي رسول الله (ص) وامير المؤمنين (ع) الفائقتين كانا من اهم عللها، فان آثارها كانت خطيرة للغاية. ذلك ان فتح مكة وضع القيادة الدينية الاجتماعية للعالم بيد المسلمين بعد ان كان المشركون يعيثون في الارض فساداً. فدخل الناس، مؤمنين باطناً او ظاهراً، في دين الله افواجاً. وقد تنبأ كتاب الله المجيد بتلك الاحداث بالقول: (إذا جاءَ نَصرُ اللهِ والفَتحِ . ورأيتَ النّاسَ يَدخُلُونَ في دينِ اللهِ أفواجاً . فَسبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ واستَغفِرهُ إنَّهُ كانَ تَوّاباً)[54].

وتلك سورة مدنية نزلت بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة. حيث كانت السورة إخباراً بتحقق أمر لم يتحقق بعد. وهو الوعد الجميل بالنصر والفتح. وتلك السورة تنطبق على فتح مكة الذي هو اُمّ فتوحاته (ص) في حياته، حيث تكلل ذلك النصر بهدم بنيان الشرك في جزيرة العرب. ولذلك طلب الله عزّ وجلّ من رسوله (ص) ان يسبحه وينـزهه بقوله: (فَسبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ واستَغفِرهُ إنَّهُ كانَ تَوّاباً) الآية. حيث تم اذلال الشرك وتعزيز التوحيد وابطال الباطل واحقاق الحق.

واصبح الاسلام بعد فتح مكة قوة عالمية تستطيع مواجهة قوى الفرس او الروم والانتصار عليهما، وتثبيت الامن العالمي في ذلك الوقت تحت شعار: لا اله الا الله، محمد رسول الله. وهذا كله يمثّل مصداقاً من مصاديق المقولة القرآنية: جاء الحق وزهق الباطل، ان الباطل كان زهوقاً. 

أ - بدء عصر جديد:

ولاشك ان فتح مكة لم يكن مجرد عملية انهيار قوة عالمية وهي قوة المشركين، وانتصار قوة اعظم في المبدأ والعقيدة وهي قوة المسلمين. بل كانت عملية بدء عصر جديد يستمر فيه الاسلام حياً نابضاً فعّالاً الى يوم القيامة. لان الاسلام بطبيعته دين عالمي وليس ديناً محلياً يهتمّ بعرق معين او طائفة معينة. ويؤيده قول الله تعالى: (وما أرسلناكَ إلاّ كافَّةً للنّاسِ بَشيراً ونَذيراً...)[55].

وقد كان للبطولة الخارقة دور حاسم في فتح مكة وتحطيم الاصنام فوق الكعبة وحولها، كما بحثنا ذلك سابقاً. وبتحطيم الاصنام أزف الوقت لإعلان عدم شرعية الشرك في معقل المشركين بمكة بقوة السلاح والايمان، واعلان انتقال السلطة العالمية من يد الشرك الى يد الايمان، وانتهاء التحدي الفكري الذي قاده الشرك القرشي ضد الاسلام.

ومن منطلق تلك الاحداث لابد من ادراك مقدار المكاسب التي حققتها بطولة اهل بيت النبوة (ع) في المعارك الاسلامية الكبرى. فقد دمر ذلك التفاني العجيب من اجل الدين، كل احكام الوثنية في البقاء. فلم تكن تلك المعارك صراعاً شخصياً بين بني هاشم وبني امية. ولم تكن تلك مواجهة شخصية بين رسول الله (ص) وأبي سفيان، او بين حمزة وابي جهل، او بين علي (ع) ومعاوية.

بل كان الصراع بين الخير والشر او الحق والباطل صراعاً تأريخياً بين معسكرين ذَوَي مبدأين متصارعين الى ابد الدهر. ولم يكن تسامح رسول الله (ص) مع اهل مكة الطلقاء ليغير من موقف النخبة الجاهلية. فحتى مع اظهار اسلامه، لا يزال ابو سفيان في قلبه شيء من رسالة محمد (ص)، ولا يزال يؤمن بأنه المُلك الذي حازه محمد (ص) واصبح به عظيماً، لا النبوة الخاتمة ولا وحي السماء. ولا يزال خالد بن الوليد يتصرف على ضوء عنجهيته الجاهلية فيقتل من لا يجوز قتله، وعنندها يتبرأ رسول الله (ص) من افعاله.

ان العداء التأريخي الذي كانت تكنّه قريش للاسلام ولرسول الله (ص) ولعلي (ع) لم يكن ليزول باعلان الشهادتين على اللسان دون القلب. ذلك ان فتح مكة كان اظهار قدرة الله سبحانه على اعزاز الاسلام وتكريمه وتجليل خاتم الانبياء (ص). وقد نصر الله الاسلام على رغم انوف صناديد قريش من الذين تشربت في قلوبهم عبادة الاوثان والاصنام.

ولذلك كانت النبوة امراً لا تستطيع قريش هضمه او استيعابه. فما هي تلك القوة الهائلة التي تستطيع ان تحرك القلوب نحو الله ضد الشيطان والشرك والرجس؟ وما هو سر ذلك التسامي العظيم لرسالة محمد (ص) بين الامم؟ وما هو سر شجاعة علي (ع) الفائقة وتفانيه في حماية الرسالة السماوية؟ وما هو السر في استبسال تلك النخبة المؤمنة التي كانت تحيط برسول الله (ص) وتصحبه؟ لا شك ان تلك النخبة كانت اشدّ تماسكاً في اتباع قائدها (ص) من غيرها من نخب الملل والمذاهب، فهذا علي (ع) يصعد على كتف رسول الله (ص) ليحطم الاصنام، في وقت كان شعارهما: جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقاً. وكان حمزة (رض) متفانياً في الدفاع عن الاسلام ونبيه (ص)، وكان ابو طالب ومواقفه الاجتماعية العظيمة تفصح عن عمق ايمانه برسالة محمد (ص)، وكان تفاني جعفر بن ابي طالب مشهوداً من اجل الاسلام ورسالته السماوية للبشرية. 

ب - إعادة تركيب العالم:

وبذلك فقد كان الشعور الوجداني بين النخبة المؤمنة هو ان يزدهر الخير بين البشر وتتحقق كلمة التوحيد وعبادة الله سبحانه. وبذلك كان فتح مكة اعادة لبناء التركيب السياسي والاجتماعي للعالم على ضوء الدين الجديد. في وقت كان العالم يبحث فيه عن قيادة جديدة تحقق العدل الاجتماعي والامان والتوحيد، فكانت قيادة رسول الله (ص) تحقق ثبات دولة الايمان العالمية ونظامها الامني والحقوقي.

والسبب في البحث عن قيادة عالمية جديدة ان العالم يتضمن شعوباً متباينة في التقاليد والعادات واللغات، ولا يمكن ان يجمعها الا دين سماوي واحد. فكان الاسلام هو الدين القادر على جمع ذلك العدد الهائل من البشر تحت سقف خيمة واحدة يظللها لواء واحد. ولا يستطيع احد تحمل مسؤولية ادارة ذلك التجمع العالمي اجتماعياً وسياسياً الا رسولٌ يوحى اليه. فكان رسول الله (ص) هو حامل المسؤولية العالمية. وكان من خلفه المؤهل الاول لتسلم القيادة الدينية بعده (ص) أمير المؤمنين (ع).

فقد كان (ع) موضع ثقة رسول الله (ص) في فتح مكة. فعندما قال الناس: اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحل الحرمة. دعاه النبي (ص) لتدارك الوضع الخطير الذي كان سيؤدي حتماً الى سفك الدماء. فكان علي (ع) منقذ الموقف. وعندما قال خالد بن الوليد بقتل من قتل من بني جذيمة، وداهم رسول الله (ص) فبعث اليهم علياً (ع) لتسوية الوضع. وقبلها كان علي (ع) ثقة ابي سفيان رأس الشرك الذي حارب الاسلام والنبي (ص) وعلياً (ع) اشد حرب. فكان علي (ع)، إذا صحت الرواية، ألينهم معه. وهكذا كان خلق الانبياء والاوصياء. وهذا تعامل رسول الله (ص) في مكة مع الطلقاء.

ويمكننا الآن ان نقول باطمئنان بأن فتح مكة كان من طراز الفتوحات الكبرى للاسباب التالية:

1ً - رجع رسول الله (ص) منتصراً الى البلدة التي حاربته واضطهدته وتآمرت على قتله واخرجته بالاكراه. فبعد ثمان سنوات فقط من الهجرة الكبرى من مكة الى المدينة، رجع المصطفى (ص) الى بلدته مكللاً بالانتصار.

2ً - دخل خاتم الانبياء (ص) الكعبة وبجنبه علي (ع) وحطما الاصنام التي كانت تعتبر رمز الشرك في عالم ذلك الزمان، وفي كل زمان. وأرجع (ص) للكعبة الشريفة حرمتها النبوية التي وضعها ابراهيم الخليل (ع) ولوثتها جاهلية الاوثان والاصنام.

3ً - كان رداء المصطفى (ص) التسامح مع ألد اعدائه: مشركي قريش. فأعطاهم الامان، وقال لهم: اذهبوا فانتم الطلقاء. وكان هؤلاء قد ارتكبوا اعظم الفظائع ضد الموحدين المسلمين.

4ً - كان فتح مكة إيذاناً لتحرير الجزيرة العربية من الشرك، والاذعان لسلطان الاسلام. وبعدها تهيأ رسول الله (ص) لمحاربة القوى الاخرى في العالم.

 

3 - فتح مكة: استراتيجية جاء الحق وزهق الباطل

 ان الآية الشريفة: (وقُل جاءَ الحقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباِطلَ كانَ زَهوقاً)[56] حبلى بالمعاني العديدة التي يمكن ان يستظهرها ذهن العالِم بأحكام الدين وتشريعاته. ومن تلك المعاني نظرية «حتمية ازهاق الشرك والظلم وحتمية انتصار الدين» على المدى البعيد. فتلك النظرية تعرض علينا امكانية صياغة استراتيجية الاسلام بالنسبة للدنيا والتأريخ. فالدين هو الحق، والكفر هو الباطل. ولابد ان ينتصر الدين ويندحر الباطل ويموت. لان الحق باقٍ الى الابد، والباطل ميتٌ الى الابد بظهور الاسلام وانتشاره في آفاق الارض. وفي الآية دلالة على ان الباطل لا دوام له ومصيره الهلاك كما قال تعالى في مكان آخر عن الباطل حيث مثّله بالشجرة الخبيثة: (ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خبيثَةٍ اجتُثّت مِن فَوقِ الأرضِ ما لَها مِن قَرار)[57].

وفي هذه المناسبة لابد من استخدام بعض المصطلحات الحديثة التي دخلت قاموس اللغة الاجتماعية والسياسية وهما اصلاحا: البعيد المدى «الاستراتيجية»، والقصير المدى «التكتيك». وهما مصطلحان اعجميان دخلا اللغة العربية. فالمعروف في الاوساط العلمية: ان التكتيك هو حركة ميكانيكية لاجسام وضعت في مسار بواسطة الخطة الاستراتيجية. وبتعبير اوضح ان الاعمال التي تتطلب زمناً طويلاً في الانجاز تحتاج الى خطة وتصميم مسبق، وتحتاج ايضاً الى من يقوم بالحركة الآن هو ما يُسمّى بالمدى القصير او التكتيك. فحركة السيارة او العربة هو تكتيك لخطة يضعها السائق من اجل الوصول الى المدينة المقصودة «الاستراتيجية».

واذا كانت الحرب تكتيكاً قصير المدى، فان التخطيط لها واستثمار نتائجها في النصر هو استراتيجية بعيدة المدى. وقد كان فتح مكة من هذا القبيل فقد كان الفتح جزءً من خطة مستقبلية بعيدة المدى لنشر الاسلام خارج حدود الجزيرة العربية ليصل العالم الواسع كله.

وبصورة اخرى، فان النهوض بأعباء الرسالة السماوية من اجل نشرها في العالم الى يوم القيامة لا يمكن ان يتم ما لم يجتزِ المسلمون مرحلة الانتصار النهائي على الشرك في الحروب التكتيكية التي كان يخوضها علي (ع) جنباً الى جنب مع رسول الله (ص)، ثم ينتقلون الى مرحلة الاستراتيجية البعيدة المدى. فهنا انتقل المسلمون من مرحلة الدائرة المحلية الى مرحلة الدائرة العالمية. فالاسلام انذارٌ وبشارةٌ (...كافّةً للنّاسِ...)[58]، بعد ان كان الانذار محصوراً بـ (... أُمَّ القُرى ومَن حَولَها...)[59] ومن قبلها بـ (...عشيرتَكَ الأقرَبينَ)[60].

كان رسول الله (ص) يخطط لاهداف استراتيجية بعيدة المدى في المعارك التي كان يخوضها، لانه كان (ص) مسدداً بالوحي، ولانه كان قائداً عسكرياً ملهماً من الطراز الاول، مكلّفاً بدعوة الناس جميعاً الى الاسلام. وكان علي (ع) الى جنبه دائماً الوسيلة القوية «التكتيك» التي تحقق نبؤات المصطفى (ص) وطموحاته في نشر الدين على بقاع المعمورة. والاستراتيجية لا يمكن ان تحقق اهدافها ما لم يكن التكتيك فعّالاً وحيوياً.

ولا شك ان تكتيك المعركة في ذاك الوقت كان ينصبّ على شجاعة المقاتل بالدرجة الاولى وبطولته القوى في انتزاع النصر من العدو. لان معارك الاسلام الاولى ضد الشرك كانت معارك بريّة بسلاح رئيسي واحد هو السيف. فلم تكن هناك معارك جويّة أو بحرية او برية كما هو الحال اليوم مع عشرات الانواع من الاسلحة المعقدة. ولذلك فان أي معركة اسلامية تقع بدون وجود بطل استثنائي مقدام كعلي (ع) لا يكتب لها النصر. فلم يحقق المسلمون شيئاً في معارك غاب عنها علي (ع) كمعركة ذات السلاسل قبل دخوله فيها، ومعركة خيبر قبل استلامه (ع) الراية، ومعركة مؤتة التي لم يحضرها.

ان فلسفة الزمان والمكان تدعونا للايمان بأن نزول الرسالة السماوية في ذلك الوقت وفي تلك البقعة من الارض، كان له معانٍ ساميةٍ تبقى مع التأريخ والبشرية الى يوم القيامة. فقد كان ذلك الزمان وسطاً بين تأريخ سابق وتأريخ لاحق، وكان ذلك المكان ولا يزال قلب العالم قديماً وحديثاً. وبذلك فان احداثاً جسيمة - كأحداث الاسلام ومعاركه ضد الشرك - ستبقى في ضمير البشرية يمكن فهمها واستيعاب معانيها الجليلة الى آخر يوم يعيش الانسان فيه على وجه الارض. ولا شك ان احداثاً جسيمة كتلك كانت تقتضي وجود بطل عظيم مطيع يذود عن رسول الله (ص) المخاطر، ويستوعب اهداف الرسالة، وعلى استعداد تام للتضحية من اجل مبدأه. فكان الامام (ع) يمثّل ذلك الرجل المثالي الذي تفهمه البشرية في كل وقت وتفهم بطولته النادرة وتضحياته الجسيمة من اجل الاسلام.

وبلحاظ فلسفة الزمان والمكان لابد من الايمان بأن اساليب القتال تتغير وتتبدل من زمن لزمن ومن مكان لمكان، الا ان الثابت الذي نفهمه في كل جيل هو اخلاقية الحرب وتعامل المحاربين فيها وطبيعة دوافعهم الخيّرة. واذا فهمنا ذلك وآمنّا بأن اخلاقية الاسلام في الحروب كانت القمّة في الكمال استطعنا فهم بطولة علي (ع) وتضحياته في سبيل مبدأه وعقيدته. واذا كان قول النبي (ص) للامام (ع): «ايه ايه. جاء الحق وزهق الباطل . ان الباطل كان زهوقاً» يُفسَر بأن الحق قد انتصر وسوف ينتصر، وان الباطل قد سُحق وسوف ينهزم في كل مرّة يتواجد فيها مؤمنون مخلصون متفانون ؛ فاننا لابد ان نؤمن بأن تلك هي اهداف استراتيجية بعيدة المدى للاسلام ولرسالته السماوية. ومن هنا نفهم ان فتح مكة كان البوابّة العظمى للانفتاح على البشرية في القلب والعقل والادراك على طول الزمن.

(تليها ص 437 - 454)

 


[1]  ناشد: طالب ومذكِّر. والاتلد: القديم.

[2]  يريد ان بني عبد مناف بني امهم من خزاعة، وكذلك قصي امه فاطمة بنت سعد الخزاعية.

[3]  أعتد: حاضر، والمدد : العون.

[4]  تجرد: شمر وتهيأ للحرب. وسيم: طلب منه وكلف. الخسف: الذل . وتربد: تغير الى السواد.

[5]  الفيلق: العسكر الكثير.

[6]  كداء: موضع بأعلى مكة.

[7]  الوتير: اسم ماء بأسفل مكة لخزاعة. والهجد: النيام.

[8]  عندما خسر ابو سفيان كل شيء اراد الضرب على وتر الرحم والدم، وهو الذي قاتل رسول الله (ص) وعلياً (ع) من بني هاشم اشد القتال. لكنه اليوم يتحدث عن علاقة بني امية ببني هاشم من ناحية الرحم والاجداد!

[9]  «سيرة ابن هشام» ج 4 ص 39.

[10]  م. ن. – ج 4 ص 45 – 46.

[11]  م. ن. – ج 4 ص 47.

[12]  م. ن. – ج 4 ص 49.

[13]  م. ن. – ج 4 ص 52.

[14] سدانة البيت: خدمته.

[15]  «سيرة ابن هشام» ج 4 ص 54 – 55.

[16]  مفتاح النجاء. ص 46.

[17]  «مسند احمد» - رواه احمد بن حنبل باسناده عن ابي مريم عن علي (ع) ج 1 ص 84.

[18]  سورة الاسراء: آية 81.

[19] «المستدرك على الصحيحين» ج 2 ص 366.

[20]  «سيرة ابن هشام» ج 4 ص 72.

[21]  ميلغة الكلب: شيء يحفر من خشب، ويجعل ليلغ فيه الكلب. وكان يستعمل عند اهل البادية واصحاب الغنم.

[22]  «سيرة ابن هشام» ج 4 ص 72 – 73.

[23]  م. ن. – ج 4 ص 74.

[24]  سورة الاسراء: آية 81.

[25]  سورة التوبة: آية 33.

[26]  سورة طه: آية 114.

[27]  سورة الكهف: آية 44.

[28] سورة الحج: آية 6.

[29]  سورة يونس: آية 32.

[30]  سورة الحج: آية 62.

[31]  سورة الشمس: آية 7 – 8.

[32] سورة آل عمران: آية 71.

[33] سورة النحل: آية 72.

[34] سورة الكهف: آية 56.

[35] سورة غافر (المؤمن): آية 5.

[36] سورة النساء: آية 29.

[37] سورة العنكبوت: آية 52.

[38] سورة المؤمنون: آية 71.

[39] سورة الاسراء: آية 81.

[40] سورة البقرة: آية 256.

[41] سورة البقرة: الآية 256.

[42] سورة  النور: الآية 25.

[43] سورة الانعام: الآية 62.

[44] سورة يونس: الآية 32.

[45] سورة الكهف: الآية 44.

[46] سورة طه: الآية 114.

[47] سورة الحج: الآية 6.

[48] سورة النور: الآية 25.

[49] سورة البقرة: الآية 26.

[50] سورة البقرة: الآية 119.

[51] سورة البقرة: الآية 213.

[52] سورة المائدة: الآية 48.

[53] سورة التوبة: الآية 33.

[54] سورة النصر: الآية 1-3.

[55] سورة سبأ: الآية 28.

[56] سورة الاسراء: الآية 81.

[57] سورة ابراهيم: الآية 26.

[58] سورة سبأ: الآية 28.

[59] سورة الانعام: الآية 92.

[60] سورة الشعراء: الآية 214.