(ص 437 - 454)

الفصل السابع عشر

 غزوة حُنين

 

علي (ع) وغزوة حُنين * الدلالات العلمية للنصوص * حُنين ومعاني الحرب: 1- الفرار من المعركة: الخوف من الموت. 2- حُنين : مقياس الحرب والقيم التي تمثّلها. 3- علي (ع) وتكتيك الحرب * العُجب في حُنين.

-----------------
 

علي (ع) وغزوة حُنين

حُنين هو اسم وادٍ قريب من الطائف، يبعد عن مكة ثلاث ليال. وكانت غزوة حُنين في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة أي بعد شهر واحد من فتح مكة.

وقصة الغزوة ان الله سبحانه وتعالى لما فتح على نبيه مكة، خافته هوازن وثقيف. فجمعوا  لحربه ثلاثين ألف مقاتل. وبلغ النبي (ص) ما اجمعوا عليه، فتهيأ لمواجهتهم باثني عشر الف رجل: عشرة آلاف من اصحابه الذين فتح بهم مكة. وألفان ممن اسلم بعد الفتح منهم ابو سفيان وابنه معاوية.

توجّه النبي (ص) بجيشه الى هوازن، وكان طريقه على وادي حُنين حيث كان وادياً ضيّقاً أجوف منحدراً ينحطّ فيه الركب. وكان جيش المشركين قد سبقهم الى احتلال مضايقه وكمن فيها. وما ان هبط المسلمون الى الوادي حتى امطرهم العدو بوابل من السهام، فانهزم الناس وتفرّقوا عن النبي (ص) لا يلوي احدهم على شيء. وكان اول من انهزم ابو سفيان وابنه معاوية. وقد تميزت هذه الغزوة بكثرة عدد المسلمين «فظنّ أكثرهم انهم لن يغلبوا لما شاهدوه من جمعهم وكثرة عدّتهم وسلاحهم، وأعجب ابا بكر الكثرة يومئذٍ. فقال: لن نغلب اليوم من قلّة.

وكان الامر في ذلك بخلاف ما ظنوا وعانهم ابو بكر بعجبه بهم. فلما التقوا مع المشركين لم يلبثوا حتى انهزموا بأجمعهم ولم يبق منهم مع النبي (ص) الا عشرة انفس، تسعة من بني هاشم خاصة وعاشرهم ايمن بن أم ايمن. فقُتل ايمن (رحمة الله عليه) وثبتت التسعة الهاشميون حتى ثاب الى رسول الله (ص) من كان انهزم».

حيث قال النبي (ص) لعمّه العباس وكان جهوري الصوت: ناد القوم، وذكّرهم العهد. فنادى بأعلى صوته: يا اهل بيعة الشجرة، يا اصحاب سورة البقرة الى اين تفرّون؟ اذكروا العهد الذي عاهدتم عليه رسول الله (ص). فلما سمع الانصار نداء العباس عطفوا خيولهم وكسروا جفون سيوفهم، وهم يقولون: لبيك لبيك.

فرجعوا اولاً فأولاً حتى تلاحقوا وكانت لهم الكرّة على المشركين. وفي ذلك انزل الله تعالى وفي اعجاب البعض بالكثرة (... ويَومَ حُنَينٍ إذ أعجبتكُم كَثرَتُكُم فَلم تُغنِ عَنكُم شَيئاً وضاقَت عليكُمُ الأرضُ بِما رَحُبَت ثُمَّ ولّيتُم مُدبِرينَ . ثُمَّ أنزَلَ اللهُ سَكينَتَهُ على رَسُولِهِ وعلى المُؤمِنينَ...)[1] «يعني امير المؤمنين علياً (ع) ومن ثبت معه من بني هاشم وهم يومئذ ثمانية نفر، امير المؤمنين تاسعهم. [وكانوا على الترتيب:] العباس بن عبد المطلب عن يمين رسول الله (ص)، والفضل [ابن العباس بن عبد المطلب] عن يساره، وابو سفيان بن الحارث [بن عبد المطلب] ممسك بسرجه عند ثفر بغلته، وامير المؤمنين (ع) بين يديه بالسيف، ونوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، وعتبة ومعتب ابنا ابي لهب حوله، وقد ولت الكافة مدبرين سوى من ذكرناه»[2].

يصف لنا احد مشركي حنين الواقعة بالقول: «لما التقينا مع المسلمين لم يقفوا لنا حَلبَ شاة، فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم حتى انتهينا الى صاحب البغلة الشهباء _ يعني رسول الله (ص) _ فتلقانا رجال بيض الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا. فرجعنا، وركبوا اكتافنا. فكانوا اياها، يعني الملائكة. ونادى مالك بن عوف: اروني محمداً، فأروه. فحمل عليه، فلقيه ايمن بن عبيد وهو ابن ام ايمن، فالتقيا، فقتله مالك. واتى الى النبي ليضربه فبادره امير المؤمنين (ع) بالسيف... وكَمِنَ «ابو جرول» للمسلمين وكان على جمل احمر، يبده راية سوداء في رأس رمح طويل، امام هوازن، اذا ادرك احداً طعنه برمحه واذا فاته الناس رفعه لمن وراءه وجعل يقتلهم وهو يرتجز ويقول: انا ابو جرول لا براح. فصمد له امير المؤمنين (ع) فضرب عجز بعيره فصرعه ثمّ ضربه فقدّه نصفين وجعل يقول:

قد علم القوم لدى الصياح            اني لدى الهيجاء ذو نصاح

فانهزم القوم من بين يديه وكانت هزيمة المشركين بقتل ابي جرول»[3]. وبلغت غنائم حُنين، الغاية في الكثرة.

قال الاربلي معلقاً على هذه الغزوة: «فانظر الى مفاخر امير المؤمنين في هذه الغزاة ومناقبه، وجِل بفكرك في بدايع فضله وعجايبه، واحكم فيها برأي صحيح الرأي صايبه، واعجب من ثباته حين فرّ الشجاع على اعقابه، ولم ينظر في الامر وعواقبه، واعلم انه احق بالصحبة حين لم يرَ مفارقة لصاحبه، وتيقن انه اذا حم الحمام لم ينتفع المرء بغير اهله واقاربه. فاذا صح ذلك عندك بدلايله وبيناته، وعرفته بشواهده وعلاماته، فاقطع ان ثبات من ثبت من نتايج ثباته، وانهم كانوا اتباعاً له في حروبه ومقاماته، وان رجوع من رجع من هزيمته، فانما كان عندما بان لهم من النصر واماراته، وقتله ذلك الطاغية في اربعين من حماته، حتى اذن الله بتفرقة ذلك الجمع وشتاته»[4].

 

الدلالات العلمية للنصوص

1- كان قتل ابي جرول امام هوازن، ومالك بن عوف احد ابطالهم من قبل الامام (ع)، وثبوته (ع) وبعض من بني هاشم مع رسول الله (ص) نقطة تحول عظمى في سير المعركة. فقد كانت هزيمة المشركين بقتل ابي جرول.

ويجدر بنا ان ننظر الى حقيقة اساسية وهي ان معركة حنين قد وقعت بعد شهر واحد فقط من فتح مكة. فلو تحققت هزيمة المسلمين عند فرارهم من ساحة المعركة وغياب علي (ع) وبني هاشم على سبيل الافتراض، لكانت تلك هزيمة ساحقة يتحدث عنها التأريخ بسخرية. ذلك لان هزيمة من ذاك القبيل كانت ستحطم معنويات المسلمين، وكانت ستدمر كل ما انجزوه من انجازات دينية وعسكرية على صعيد عالم الجزيرة العربية. فكان مقتل امام هوازن على يد امير المؤمنين (ع) قد غيّر سير المعركة.

2- كانت غنائم حنين كثيرة جدّاً، فبدأ النبي (ص) بتقسيم الغنائم بين المقاتلين. فكان المؤلفة قلوبهم اول من اُعطي واجزل من اُعطي. فقد حاول رسول الله (ص) نسيان ماضيهم تكرمّاً منه ولطفاً. وهكذا الاخلاق الدينية. فأخذ ابو سفيان مائة من الابل، واربعين اوقية من الفضة. فقال: وابني معاوية. فمُنح مثلها لابنه معاوية. فقال: وابني يزيد. فمُنح مثلها لابنه يزيد. وهؤلاء هم اول من فرّ من المعركة في البداية، وأول من جاء وقت تقسيم الغنائم. ولا ريب فان هؤلاء يفكّرون ببطونهم وشهواتهم اكثر مما يفكّرون بقلوبهم وايمانهم.

وعندما اجزل النبي (ص) العطاء للمؤلفة قلوبهم من اجل ابعاد شرّهم عن الاسلام في تلك المرحلة، غضب قوم من الانصار من الذين لم يفهموا معاني الدين بعد، وقالوا: لقي رسول الله (ص) قومه فحاباهم. فبلغ النبي (ص) عنهم ذلك، فجمعهم. ولم يكن احد من غير الانصار الا النبي (ص) وعلي (ع).

قال لهم النبي (ص): اني سائلكم عن امرٍ فأجيبوني.

قالوا: قل يا رسول الله.

قال (ص): ألستم كنتم ضالين فهداكم الله بي؟ ألم تكونوا على شفا حفرة من النار، فأنقذكم الله بي؟ ألم تكونوا قليلاً فكثّركم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ وأعداءاً فألّف بين قلوبكم بي؟

قالوا: بلى والله فلله ، ولرسوله المن والفضل.

ثم قال (ص) له: ألا تجيبوني بما عندكم؟

قالوا: بماذا نجيبك فداك آباؤنا وأمهاتنا؟

قال (ص): أما لو شئتم لقلتم فصدقتم: وأنت قد جئتنا مكذّباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وخائفاً فآمنّاك، وعائلاً فآسيناك.

فارتفعت اصواتهم بالبكاء وقاموا اليه يقبّلون يديه ورجليه. وقالوا: رضينا بالله وبرسول الله، وهذه اموالنا بين يديك فاعطها لمن شئت، وقسّمها بين قومك.

فقال النبي (ص): اللهم اغفر للانصار ولابناء الانصار ولابناء ابناء الانصار. يا معشر الانصار الا ترضون ان يرجع غيركم بالشاء والنعم، وترجعون انتم وسهمكم برسول الله؟

قالوا: بلى رضينا.

فقال النبي (ص): الانصار كرشي وعيبتي، لو سلك الناس وادياً، وسلك الانصار شعباً لسلكت شعب الانصار.

وفي هذه الواقعة دلالتان:

الاولى: ان رسول الله (ص) اجزل العطاء للمؤلفة قلوبهم من اجل دفع شرّهم وتليين قلوبهم نحو الاسلام. فمن الناس من يفكّر ببطنه قبل عقله ويتأمّل بشهوته قبل ان يتأمل بقلبه. ولا شك ان قبولهم تلك الكميّة من الغنائم كانت ادانة لهم لانهم لو كانوا يعقلون لزهدوا فيها لانهم اول من انهزم من ساحة المعركة.

الثانية: كان للقواعد الجاهلية اثر كبير في تفكير الانصار الى تلك اللحظة، ولذلك تراهم غضبوا عندما علموا بتوزيع الغنائم بتلك الصورة. وقالوا: لقي النبي (ص) قومه فحاباهم. وهو لا شك يدلّ على عدم فهمهم لمعاني الدين وجهلهم بنظرته البعيدة المدى نحو الفرد والمجتمع. ولكنهم على اية حال تراجعوا عن موقفهم وندموا على ما قالوه، فعفا عنهم النبي (ص) وأكبر مواقفهم.

وفي كل الاحوال، فان تلك الاحداث تثبت لنا صعوبة موقف رسول الله (ص) تجاه الذين يدخلون الاسلام، ورواسب الجاهلية ومتبنياتها لا تزال في اذهانهم وعقولهم.

3- معنى الفرار في الحرب: قال تعالى: (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا إذا لقيتُم الذينَ كَفَروا زَحفاً فلا تُولُّوهُمُ الأدبارَ . ومَن يُولِّهِم يَومئذٍ دُبُرَهُ إلاّ مُتحرِّفاً لِقتالٍ أو مُتَحيِّزاً الى فئةٍ فقد باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ومأواهُ جَهنَّمُ وبِئسَ المصيرُ)[5].

وخطاب الآية عام غير خاص بغزوة معينة، وهي تعلن عن حرمة الفرار من الزحف مقروناً بالوعيد الشديد. ومعناها، والخطاب للمؤمنين، بأنهم اذا دخلوا ساحة المعركة ولقوا الكافرين لقاء زحف وقتال، فينبغي ان لا يفرّوا منهم. ومن يفرّ منهم يومئذٍ فقد رجع ومعه غضبٌ من الله ومأواه جهنم. الا ان يكون فراراه للتحرف لقتال والانعطاف من جهة لاخرى للتمكّن من العدو، او التحيّز الى فئة كأن ينعطف المقاتل عن الانفراد بالعدو الى فئة من قومه فيلحق بهم ويقاتل معهم.

وقد امتحن الله سبحانه الصحابة بالتوالي والإدبار في القتال مرتين والنبي (ص) موجود بينهم . المرة الاولى يوم اُحد، حيث قال تعالى: (إنَّ الذينَ تَولَّوا مِنكُم يَومَ التقى الجَمعانِ إنَّما استزلَّهُمُ الشيطانُ بِبعضِ ما كَسَبُوا ولَقد عفا اللهُ عَنهُم إنَّ اللهَ غَفُورٌ حَليمٌ)[6]. والمرة الثانية يوم حنين، حيث قال تعالى: (لَقد نَصَرَكُمُ اللهُ في مواطِنَ كَثيرَةٍ ويَومَ حُنينٍ إذ أعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فلَم تُغنِ عنكُم شيئاً وضاقَت عليكُمُ الأرضُ بِما رَحُبَت ثُمَّ ولّيتُم مُدبِرينَ)[7].

وقد قيل بان التولي قد قُيّد بامرين.

الاول: آية رخصة الضعف: (الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُم وعَلِمَ أنَّ فيكُم ضَعفاً فإن يَكُن مِنكُم مائةٌ صابِرَةٌ يَغلِبُوا مائتينِ...)[8]، وفرض عليهم بان يقاتل المسلم كافريَن، فان فرّ منهما فهو فارٌّ من الزحف، وان كان الكفار ثلاثة وفرّ فليس هو بفارّ من الزحف.

والثاني: النهي عن القاء النفس في التهلكة: (... ولا تُلقُوا بأيديكُم إلى التَّهلُكَةِ...)[9].

ولكن الظاهر ان الآية الاولى لا تدل على جواز التولي، بل المراد بها الإخبار. والمراد بالضعف هو «ضعف البصيرة والعزيمة ولم يرد ضعف البدن. فان الذين اسلموا في الابتداء لم يكونوا كلهم اقوياء البدن بل كان فيهم القوي والضعيف ولكن كانوا اقوياء البصيرة واليقين. ولما كثر المسلمون واختلط فيهم من كان اضعف يقيناً وبصيرةً نزل: الآن خفف الله عنكم...»[10]. اما الآية الثانية فهي اجنبية عن المقام.

وبالاجمال، فان آية رخصة الضعف ليس فيها دلالة على جواز التولي وقت الزحف. وظاهرها الإخبار عن حال المؤمنين المقاتلين بنقصان السجايا النفسية المثلى كالشجاعة والصبر والفتح والظفر، واختلاط ضعفاء العقيدة مع اولئك الذين كانوا على يقين تام بنصر الله سبحانه.

 

حُنين ومعاني الحرب

لا يستطيع الفرد الدخول في حربٍ دينية ما لم يكن مؤهلاً للدخول فيها. واهم مؤهلات الدخول في الحرب هو الاستعداد للموت وعدم التفكير بالفرار من ساحة المعركة. لان الفرار يعني الهزيمة الساحة للدين.

1- علل الفرار من المعركة: الخوف من الموت

قال تعالى في محكم كتابه: (قُل إنَّ المَوتَ الذي تَفِرُّونَ مِنهُ فإنَّهُ مُلاقيكُم...)[11]. فالموت يعدُّ قضية شخصية لا يمكن لاحد توصيفها، لان الذي يختبرها ينتقل لعالم آخر. فالانسان مهما كان دينه او جنسه او فكره، يخاف من الموت. ولكن الدين _ عبّر وصفه للحياة الآخرة من نعيم او جحيم _ يخفف من حجم الغموض الذي يحيط بقضية الموت ويقلل من جهلنا بلحظات الانتقال الى ذلك العالم الذي لا نعرف مزاياه وصفاته الا عن طريق الدين. فالدين اذن، يعرض صورة واضحة المعالم عن حياة ما بعد الموت . فالذي يفهم معاني الدين فهماً يقينياً حقيقياً ينبغي ان لا يخاف من الموت ، بل قد يعتبر الموت سعادة عظمى، لانه بوابة للقرب الالهي في حياة ابدية تتوفر فيها كل مستلزمات النعيم الخالد.

ولكن الذي يخاف من الموت، يرجع وضعه النفسي والعقلي الى حالة من الحالات التالية:

الاولى: انه لم يفهم بعد مقاصد الدين والشريعة فهماً يقينياً، بحيث يعلم ان الموت يقربه الى الله سبحانه في جنان الخلد والنعيم.

الثانية: ان يتملك حبّ الدنيا قلبه الى درجة انه لا يحبّ مفارقتها. فالمكتسبات المادية التي اكتسبها خلال حياته الدنيوية تجعله يركن الى الدنيا اكثر مما يطمح الى الآخرة.

الثالثة: ان تكون ذنوبه كبيرة الى درجة انه يخاف الموت، لانه يخاف العقاب والعذاب.

وأصالة الامر، ان القرآن الكريم عندما تعامل مع القتال في ساحة المعركة والموت في سبيل الله، فانه وضع الموت على مسرح مؤلّف من ثلاث مراتب: المرتبة الشخصية، والمرتبة الاجتماعية، والمرتبة الثقافية الدينية.

فعلى صعيد المرتبة الشخصية، فان القتل في سبيل الله فيه مفعة عظيمة للمقتول من حيث الجزاء الالهي الموعود في الفردوس الاعلى كما اشار تعالى الى ذلك: (ولا تَحسَبَنَّ الذينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللهِ أمواتاً بَل أحياءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقونَ . فَرِحينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضلِهِ ويَستبشِرونَ بالذينَ لَم يلحقوا بِهم مِن خَلفِهِم ألاّ خَوفٌ عليهِم ولا هُم يَحزَنُونَ)[12].

وعلى صعيد المرتبة الاجتماعية، فان القتل في سبيل الله تعالى يحفظ المجتمع الاسلامي من مفاسد الشرك والظلم: (وقاتِلُوهُم حتّى لا تَكونَ فتنَةٌ ويَكُونَ الدّينُ كُلَّهُ للهِ...)[13]. ومقاتلة العدو تستدعي المماثلة من قبله في القتل والجرح. هنا تنشأ احتمالية عقلائية في القتل من قبل الطرفين. فتكون العلّة في الانهزام او عدم المشاركة في الحرب، الخوف من الموت.

وقد يكون للخوف من الموت منشأ آخر يتصوّره الانسان وهو زعزعة التركيبة الاجتماعية خصوصاً على مستوى النخبة والطبقة الاجتماعية. فالطبقة الحاكمة في المجتمع الجاهلي مثلاً، لا ترغب في الموت لانها تخشى على مقعدها الاجتماعي من الانتقال الى يد اخرى.

وعلى صعيد مرتبة الثقافة الدينية، فان القتل في سبيل الله ينبغي ان يكون جزءً من حياة الانسان العقلية. قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتالُ وهُوَ كُرهٌ لَكُم وعسى أن تَكرَهُوا شيئاً وهُوَ خَيرٌ لَكُم...)[14]. فعملية تغيير قضية مكروة مستهجنة ذهنياً الى قضية مرغوبة محببة الى النفس كالقتل او الموت في الله يحتاج الى وقت، والى حركة ذهنية لاستيعاب مفردات القرآن الكريم والاسلام العظيم.

ومن هنا كانت القاعدة بأن المقاتل المؤمن عندما يدخل المعركة ينبغي ان يقاتل وامام عينيه الموت وفكره مشغول بلقاء الله تعالى. والا فان لم يكن كذلك، فان تفكيره سينشغل بمقدار المال الذي يملكه، وعدد الاولاد المنتسبين له، وزوجته التي يحن اليها، واللذائذ التي يمكن ان تقدمها الدنيا له وهو على قيد الحياة. وهنا اذا حمي الوطيس[15]، فانه اول من يفرّ من المعركة او يهرب من الموت الذي ينتظره فيها.

وبكلمة، فان الذين يفرون من المعركة هم الذين لا يملكون يقيناً بحقائق الدين، ولا يرجون لقاء الله، بل ان همهم ان يبقوا أحياءً في الدنيا، بقي الدين على الارض ام انهزم امام قوى الشرك. ولذلك شدد المولى عزّ وجلّ قائلاً: (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا إذا لقيتُم الذينَ كَفَروا زَحفاً فلا تُولُّوهُمُ الأدبارَ . ومَن يُولِّهِم يَومئذٍ دُبُرَهُ إلاّ مُتحرِّفاً لِقتالٍ أو مُتَحيِّزاً الى فئةٍ فقد باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ومأواهُ جَهنَّمُ وبِئسَ المصيرُ)[16].

ولابد هنا من الاهتمام بقضية على درجة كبيرة من الاهمية تتميز بها الحروب الاسلامية عن غيرها من الحروب، وهي مشاركة القيادة الدينية بشكل مباشر في المعارك الحربية ضد الشرك. وكان على رأس المسلمين رسول الله (ص) ووصيه علي (ع). وهذا يعني ان هناك اطمئناناً بان الله سبحانه اذا كتب على القادة، الموت في سبيله، فان ذلك سوف لن يدمر التركيبة السياسية والدينية للمجتمع الاسلامي. وهذا يعني في النهاية ان هناك ثقة مطلقة بان المولى عزّ وجلّ لا يترك الامور تسير دون عناية ربانية بالمجتمع وبقيادته المسددة بالحكمة الالهية. وهكذا يبقى الموت البوابة الرئيسية لرضوان الله عزّ وجلّ، يراها المضحي في سبيل الله في ساحة المعركة.

ولذلك وضع الاسلام للموت في سبيل الله، اهمية اخلاقية خاصة. فالذي يُقتَل في سبيل الله وينال وسام الشهادة، فانه ينهي حياةً حافلةً بالمكاسب الدينية. بمعنى انه ذهب _ مختاراً _ الى الموت قبل ان يأتيه. وفي ذلك دلالة على علو شأن المؤمن وثقته بالله عز وجل. يقول امير المؤمنين (ع): «ان الموتَ طالبٌ حثيثٌ لا يفوتُه المقيم، ولا يعجزهُ الهاربُ. إن أكرمَ الموتِ القتلُ! والذي نفسُ ابن ابي طالبٍ بيده، لألفُ ضربةٍ بالسيف أهونُ من ميتةٍ على الفراش في غير طاعة الله»[17].

فالذي يفكر بالدنيا وهو في ساحة المعركة، لابد بان يعتقد بان الموت سوف يمحو له فرصاً ممكنة لتحقيق مكاسب دنيوية ومادية. ولذلك فهو يفرّ من ساحة المعركة، لانه لا يريد الموت، وبالتالي لا يريد ضياع الفرص والمتع التي توفرها له الدنيا. فكم «طالبٌ للدنيا والموتُ يطلبهُ»[18].

ولذلك فان القلق والخوف من وقوع الموت او القتل والرغبة والجموح في الحفاظ على المكاسب الدنيوية، يجعلان المحارب من اجبن الناس. لانهما يمنعانه من الاقدام واقتحام العدو ومبارزة شجعانه. ولم نسمع عن الذين تصدوا للحكم بعد وفاة رسول الله (ص) احداً بارز شجاعاً او ثبت في المواقف الحاسمة او لم يفرّ عندما رأى الموت امام عينيه عدا علي (ع). فبطولة علي (ع) كانت تعني عدم الخوف من الموت، وعدم التفكير بالمكاسب الدنيوية، بل السعي حثيثاً بعد ملاقاة الله عز وجل بجسدٍ ملطخٍ بالدماء. 

2 - حنين: مقياس الحرب والقيّم التي تمثلها

كيف يمكن قياس الحرب؟ وما هي القيم التي تمثلها؟ وما هي مواصفات الحرب الدينية وما هي ضرورتها؟ وما هو موقع الفرار الذي ادانه القرآن الكريم في ذلك النطاق؟ يمكن الاجابة على تلك الاسئلة عبر مقدمتين:

الاولى: ان الحرب تقع عندما يحاول طرفان متصارعان تحقيق اهدافهما المتعاكسة في وقت واحد. فالحرب هي وسيلة من اجل تحقيق هدف. والهدف من الجهاد في الطرف الاسلامي هو نشر العدالة الاجتماعية والحقوقية بين الناس وتمهيد الطريق للانسان لممارسة عبادة الله سبحانه دون اكراه. اما هدف الطرف المعادي المحارِب فهو الابقاء على الشرك وعبودية الاوثان والتشفع بالاحجار والظلم الاجتماعي. فالحرب ضد الشرك، من وجهة نظر اسلامية، قضية حتمية لابد ان تقع. بمعنى ان هناك استحالة تعايش بين الاسلام والشرك. فعلى سبيل النظرية لابد ان يفني احدهما الآخر . فالمشركون يأملون بافناء الدين، والمؤمنون متيقنون ببقاء الدين وفناء الشرك بفضل الوعد الالهي القائل: (وقُل جاءَ الحقُّ وَزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهوقاً)[19]، (... وكانَ حَقّاً علينا نَصرُ المؤمِنينَ)[20].

الثانية: تعدُّ الحرب ضد المشركين عملية تبليغ متكاملة بالنسبة للدين. فلا شك ان عناصر العملية التبليغية متواجدة على الساحة وهي: 1 _ المبلِّغ وهو رسول الله (ص) وجيشه. 2 _ والمخاطَبون وهم المشركون وغيرهم. 3 _ والرسالة المراد تبليغها وهي رسالة الدين. وتلك العملية التبليغية الكبرى تستثمِر منطق الحق والكلمة الطيبة في البداية ولا تستخدم العنف، الا اذا استخدمها الطرف المقابل. فالهدف ليس مجرد الدخول في قتال ضد العدو كما كان يحصل في حروب الجاهلية قبل الاسلام، بل ان الهدف المعلن هو ان تمتلئ الارض بالموحدين كما اشار تعالى الى ذلك: (وقاتِلُوهُم حتّى لا تَكُونَ فِتنَةٌ ويَكونَ الدّينُ كُلّهُ للهِ...)[21].

وفي ضوء تلك المقدمتين يمكن قياس الحرب ضد المشركين على اساس انها كانت رسالة تبليغية كبرى ضد الشرك في العالم. ولم تكن حرباً بين جارين يتصارعان على الغنيمة او الاراضي او السيادة. بل كانت الحرب وسيلة فعالة هدفها كسر شوكة الشرك والوثنية، واقامة حكم الله على الارض. ومن هنا نفهم استماتة علي (ع) في قتال المشركين ودوره الحاسم في نصر الاسلام واقامة اركانه ودعائمه. فلا ريب ان تشير فاطمة الزهراء (ع) الى اهل البيت (ع) بانهم: اركان الدين ودعائمه.

ومن هذا المنطلق ندرك ان التولي عند الزحف يعدُّ هنا بمثابة فرار من تحقيق الاهداف العليا للدين في الارض. والذين فرّوا يوم حنين ساهموا _ بشعور او دون شعور _ بتقوية اركان الشرك وكسر شوكة الاسلام. ولولا وقوف علي (ع) وبعضٍ من بني هاشم مع رسول الله (ص) لانكسرت شوكة الاسلام الى الابد. ولكن الله سبحانه حفظ الرسالة الالهية بالاطهار من اهل بيت النبوة (ع) الذين كانوا يرون الهدف الاسلامي من الحرب ضد المشركين واضحاً جلياً. وكانوا (ع) _ على طول التأريخ _ لا يفرون من العدو، لانهم كانوا لا يهابون الموت في سبيل الله.

ان الحرب في الاسلام يمكن ان تقاس على انها حرب فعلاً اذا توفر فيها شرطان:

الاول: ان تكون لدى شريحة من المسلمين : «الطاقة والقابلية» على الدخول في حرب. وقد كانت الباقة الهاشمية تمثّل تلك الطاقة الهائلة في الدخول في لهيب الحرب.

الثاني: ان تكون لدى تلك الشريحة «الرغبة والاندفاع الذاتي» في الدخول في حرب ضد المشركين. وقد كانت تلك الرغبة وذاك الاندفاع واضحين عند اهل بيت النبوة (ع) ايضاً.

ولذلك فان غزوة حنين تعتبر معركة، لان الذين صمدوا مع رسول الله (ص) من بني هاشم استماتوا في القتال ضد المشركين وحماية رسول الله (ص). فهنا ينطبق على غزوة حنين اصطلاح « المعركة » مع ان اغلب المسلمين فرّوا من ساحتها في بداية الامر. ولو لم يكن حضور اهل البيت (ع) فيها كالنبي (ص) والامام (ع)، لم تعدّ تلك الواقعة «معركة» حتى لو كان عدد المسلمين فيها كبيراً.

وقد اشار الى ذلك بالقول: (... ويَومَ حُنَينٍ إذ أعجَبَتكُم كَثرَتُكُم فَلَم تُغنِ عَنكُم شيئاً وضاقَت عليكُمُ الأرضُ بِما رَحُبَت ثُمَّ وَلَّيتُم مُدبِرينَ)[22]. فالكثرة العددية _مع عدم وجود الطاقة او الرغبة الدينية _ لا تصنع حرباً ولا تشكل معركة يعتدُّ بها العدو. فأي معركة تلك حينما يهرب المقاتلون في اللحظات الاولى من شروعها؟

فللحرب اذن، شروطها وجنودها ومؤهلاتها. وما لم تتوفر الشروط المناسبة، وما لم يتواجد الجنود المخلصون الابطال المتفانون، وما لم يتقدم اصحاب المؤهلات في عملية الصراع مع الشرك، فان الحرب لا يمكن ان تحقق انتشاراً للاسلام ولا ايماناً به. ولا شك ان للحرب جذوراً اجتماعية ودينية وتبليغية. واذا لم يتم الاشتباك مع العدو والانتصار عليه، فان نتائج الحرب ستكون وخيمة على المسلمين والاسلام اجتماعياً ودينياً. ولذلك فان الباقة الهاشمية التي وقفت بجنب رسول الله (ص) يوم حنين تُعدّ في الواقع القاعدة المتينة المضحية التي حفظت الدين ودافعت بمهجها وارواحها عن رسالة السماء الى الابد. 

3 - علي (ع) وتكتيك الحرب:

كان امير المؤمنين (ع) مقاتلاً من الطراز الاول. فهو على ما كان عليه من الزهد والتقوى والعبادة والاخلاص والتعفف، الا ان سيفه كان يقطر دماً من اجساد المشركين وعبدة الاوثان. والمهم ان علياً (ع) كان يملك بطولة ساعدت المؤمنين بالاسلام من الوقوف على اقدامهم، نوضحها عبر النقاط التالية:

اولاً: لقد كان ضمن الخطة التكتيكية للاسلام التركيز على قوة علي (ع) وبطولته الشخصية في المعركة من اجل تجنب فوضى تعدد القوى والمسؤوليات، واحراز التفوق الحاسم في المعركة. فقد برز علي (ع) لعمرو بن عبد ود، ومرحب، وابي جرول، وصناديد قريش كابي جهل وعتبة والوليد وابادهم مباشرة او عن طريق مساعدته لبقية المقاتلين. والقاعدة ان العدو يرهب بطلاً قوياً واحداً له قدرة استثنائية على مهاجمته في أي وقت وفي أي مكان.

ثانياً: ان علياً (ع) التزم بخطته الهجومية القتالية، وتمسك بها ولم يتعد الى غيرها. فلم يُنقل عنه انه كان يهتمّ مثلاً بجمع الغنائم بدلاً من مواجهة العدو وجهاً لوجه، ولم يُنقل عنه انه استخدم القوس بدل السيف، ولم يُنقل عنه انه كان في المؤخرة بدل المقدمة. بل كان على الاغلب رافعاً سيفه ذا الفقار بيد ولواء المسلمين باليد الاخرى، وهمّه مقاتلة المشركين بنمط هجومي اقتحامي لا يحيد عنه. وحتى عندما ينهزم المسلمون في بعض الاحيان فانه كان يكرّ على العدو، ولا يفرّ منه ابداً، بنفس الاسلوب الذي المحنا اليه آنفاً.

ثالثاً: كان علي (ع) يحافظ بقوة على مكتسبات النصر. فقد يلوح النصر للمسلمين، الا ان المعركة لا تزال على اولها، فيخدع البعض ويفتر عن القتال او يهتمّ بالغنائم. بينما كان علي (ع) محافظاً علىقوة اندفاعه نحو العدو حتى ييأس العدو من احداث ثغرة في صفوف المسلمين، وعندها يستريح (ع) وهو يرى رسول الله (ص) سالماً من كل اذى او محفوظاً من أي مكروه، وتباشير النصر تلوح في الافق.

رابعاً: ان حرارة المعركة واحتدامها تُنسي المقاتل احياناً بعضاً من مسؤولياته الاخلاقية في معاملة الجرحى او الاسرى معاملة حسنة. ولكن اخلاقية الاسلام كانت راسخة في تفكيره (ع) فكان يعامل كل عدو على قدر عداوته للاسلام وعلى حجم قدرته على اظهار تلك العداوة. فاذا رآه جريحاً فلا يجهز عليه، واذا رآه كاشفاً عورته يشيح بنظره (ع) عنه، واذا رآه فارّاً فلا يكرّ عليه.

خامساً: ان اهم آثار بطولته (ع) هو تحطيم معنويات المشركين عبر قتل ابطالهم وفرسانهم حيث كان يعدّ بعضهم بالف مقاتل او اكثر. وهذا الاسلوب البطولي قلل من حجم سفك الدماء، لكنه ركّز على سفك دماء النخبة وتمزيقهم شر ممزَّق حتى يثوب العوام الى رشدهم ويؤمنوا برسالة الدين العادلة.

 العُجب يوم حنين

يقول تعالى في محكم كتابه: ( ... ويَومَ حُنَينٍ إذ أعجبتكُم كَثرَتُكُم فلَن تُغنِ عَنكُم شيئاً وضاقَت عليكُمُ الأرضُ بِما رَحُبَت ثُمَّ ولَّيتُم مُدبِرينَ)[23]. فالعُجب الذي اصاب بعض المسلمين يومئذٍ يعبّر عن اختلاط التصور الذهني بالتصديق الواقعي. فتصوروا _ خطأً _ ان مجرد الكثرة العددية كافية في حتمية النصر على العدو.

والعُجب: معناه تناقص القوة العقلية في النظر الى القضايا الواقعية الخارجية. وبمعنى آخر: ان العُجب لا يجعل النظر البصري مختلفاً في القوة والكثافة ؛ ولكنه يجعل الصور العقلية التي يحللها الذهن صوراً غير واقعية. وهنا تصبح الحقائق الواقعية الخارجية مجرد سراب خادع للنظر. فتصبح الكثرة العددية امراً مبالغاً فيه، وتصبح الاشياء والصفات المضادة للكثرة كالشجاعة والاقدام مجرد قضايا هامشية اقل من حجمها الحقيقي الواقعي.

والاصل في المسألة، ان الصور العقلية المخزونة في ذهن الانسان، والتي تحصل غالباً من مجموعة تراكمات ذهنية سابقة، هي التي تحدد الصورة الجديدة للواقع القديم. فالذين انهزموا في حنين بعد ان اعجبتهم كثرة المسلمين، انما انطلقوا من موقع سراب الصور العقلية التي حملوها قبل الاسلام، وايمانهم القَبَلي بان الكثرة _ لا الايمان والثبات _ هو الذي يحدد مصير المعركة الحاسمة. وفي ذلك دلالة على ان عناصر الايمان لم تكن راسخة في عقولهم ولا في نفوسم.

ولا شك ان الصورة الذهنية عن القضايا الخارجية تتحول الى قضية معرفية. فهنا عندما يُثار عُجب البعض بالكثرة العددية، فانهم يبنون عليها قضايا خاصة بالمعرفة مثل: عدم الجدية في قتال العدو، والايمان بهزيمة العدو لا محالة، والتفكير بالغنائم. ولذلك فقد كانوا اول من فرّ من المعركة، لانهم تصوروا _ خطأً _ ان الكثرة ستكون عاملاً من عوامل حمايتهم من سيوف العدو.

وبذلك كان العُجب بالكثرة العددية، يعني ادراكَ أمرٍ ذهني يخالف حقيقته الواقعية. وهذا هو عين «السراب». ذلك ان السراب هو نتيجة رؤية خاطئة عن الحقيقة يترتب عليها تعبير خاطىء ايضاً. فقد يرى الانسان الضمآن في صحراء جرداء قاحلة سراباً يحسبه ماءً، كما قال تعالى ممثلاً لاعمال الكافرين: (... كَسَرابٍ بِقيعَةٍ يَحسَبهُ الضمآنُ ماءً...)[24]. فالسراب يعبّر عن الاختلاف بين الحقيقة الخارجية وبين الادراك الخاطىء للانسان. وقد وجدنا ذلك في تصرف بعض المسلمين يوم حُنين واُحد والخندق. ولكننا لم نجد ذلك ابداً في تصرفات امير المؤمنين (ع) الذي ثبت مع النبي (ص) يوم حنين ولم  تعجبه الكثرة العددية اصلاً. وهذا يعني انه (ع) تعلم من رسول الله (ص) طريقة ادراك الحقائق بما هي حقائق خارجية لا يتسرب اليها الوهم او الخيال او السراب. وقد وجدنا ذلك في تصرفاته الاخرى في اُحد عندما قتل ابطال المشركين ولم ينهزم، وفي الخندق عندما برز لقائد المشركين وقتله في حين كان الاخرون يخلطون الحقائق بالادراكات التي تُظهِر لهم استحالة هزيمة المشركين.

ورؤية الحقائق الخارجية كما هي وادراكها ادراكاً قريباً من ادراك الحقيقة المطلقة هو من فضائل الامام (ع) ومزاياه. فهو الذي تنبأ بهزيمة اهل الجمل لاحقاً، ومقتل الخوارج قبل عبور النهر، وتسلط معاوية على رقاب الناس بعده، وموعد استشهاده وعلى يد من. وهذا يعني انه (ع) كان ينظر الى الحقائق الخارجية بعين بصيرة، ويدرك تلك الحقائق ادراكاً تاماً لا كما يدرك الآخرون السراب في الصحراء ويحسبونه ماءً، ولا كما يدرك الآخرون كثرة المسلمين في حُنين ويحسبونه ايذاناً بالنصر المؤزر الحاسم على المشركين.

وبكلمة، فان العُجب من قبل البعض في حنين كان مثالاً ناصعاً على عدم عصمة هؤلاء وعدم قدرتهم على الادراك الواقعي. ذلك لانهم كانوا يعانون من العجز على ربط حقائق العالم الخارجي بالادراكات الذهنية في شروط النصر الالهي، ورجوعهم الى التفكير القَبَلي والادراك الذهني البعيد عن الدين.

بينما كان الادراك الذهني للامام (ع) بخصوص حقائق العالم الخارجي ادراكاً كاملاً متطابقاً مع نظرة الشريعة. فهنا امران:

الاول: ان الصورة الذهنية عند الامام (ع) كانت ترى العالم الخارجي، بما فيه من حقائق، رؤية واقعية بعيدة عن الوهم. وذلك ناتج من تربية رسول الله (ص) له وعصمته (ع) في الدين. ولذلك فقد كان مؤهلاً لولاية الامة الاسلامية بعد رسول الله (ص) ولاية شرعية.

الثاني: ان الرؤية «السرابية» التي تبتعد عن الواقع والتي كان يراها البعض من المسلمين في حُنين، ينبغي ان تبعدهم عن ولاية الامة. لان الخلل بين فهم الواقع الحقيقي وربطه بالادراك الذهني يجلب على الامة المحن والويلات والخسائر العظيمة على مستوى الدين والحياة. وقد وقع ذلك فعلاً عندما تولى امور الامة من هو ليس اهلاً لها. وقد قال (ع): «ايّها الناس انّ احقّ الناس بهذا الامر (أي الخلافة) اقواهم عليه، واعلمهم بأمر الله فيه...»[25].

(نهاية ص 454)

انتهى الجزء الاول ويليه الجزء الثاني من كتاب الصدّيق الاكبر

 


 

[1] سورة التوبة: الآية 25-26.

[2] الارشاد ص 64.

[3] الغزوات ص 107.

[4] كشف الغمة – الاربلي ج 1 ص 226.

[5] سورة الانفال: الآية 15- 16.

[6] سورة آل عمران: الآية 155.

[7] سورة التوبة: الآية 25.

[8] سورة الانفال: الآية 66.

[9] سورة البقرة: الآية 195.

[10] مجمع البيان – الطبرسي ج 4 ص 856.

[11] سورة الجمعة: الآية 8.

[12] سورة آل عمران: الآية 169- 170.

[13] سورة الانفال: الآية 39.

[14] سورة البقرة: الآية 216.

[15] اول من قال عبارة : (إذا حمي الوطيس...) هو رسول الله (ص).

[16] سورة الانفال: الآية 15- 16.

[17] نهج البلاغة – خطبة 122 ص 220.

[18] نهج البلاغة – خطبة 98 ص 175.

[19] سورة الاسراء: الآية 81.

[20] سورة الروم: الآية 47.

[21] سورة الانفال: الآية 39.

[22] سورة التوبة: الآية 25.

[23] سورة التوبة: الآية 25.

[24] سورة النور: الآية 39.

[25] نهج البلاغة – خطبة 173 ص 305.