(ص 1-39)

موسوعة

    النظرية الاجتماعية الاسلامية (2)

 

الصّديقُ الاكبرُ

السيرة الاجتماعية للامام علي بن أبي طالب (ع)

 

السيد زهير الاعرجي

--------------------------------

 

الصديق الاكبر: السيرة الاجتماعية للامام علي بن أبي طالب (ع)

السيد زهير الاعرجي

المطبعة العلمية - قم المشرفة

الطبعة الاولى - 1421 هـ

حقوق الطبع محفوظة للناشر

--------------------------------

 Imam Ali Bin Abi Talib

(The First Imam of  Islam)

By: Zuhair T. Araji

 ---------------------

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

قال أمير المؤمنين

الامام علي بن أبي طالب (ع):

 

 (أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر...) الخصائص - للنسائي ص 3.

و(...لا يحمل هذا العلم الا أهلَ البصر والصبر والعلم بمواضع الحق...)

نهج البلاغة - خطبة 173 ص 305.

 ------------------

المقدمة

          الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد المصطفى (ص) وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.

         يبحث هذا الكتاب عن منهجية جديدة في الكتابة عن حياة الامام علي بن أبي طالب (ع) أمير المؤمنين ووصي رسول رب العالمين (ص)، أول الناس اسلاماً وأولهم ايماناً، والصديق الاكبر الذي صدق نبوة خاتم الانبياء (ص) وبذل الغالي والنفيس من أجل الاسلام.

        ونعني بالمنهجية: الاطار العلمي الذي نستخدم فيه العقل، بطاقته العظمى، لاكتشاف الحقائق التاريخية والاجتماعية في حياة الامام (ع). فقد كان أمير المؤمنين (ع) مصدراً للمعرفة الحقة والعلم الديني بعد النبي (ص). وكان عصره (ع) غنياً بالحقائق الشرعية والوقائع الاجتماعية التي بقيت، وستبقى باذن الله، مناراً للاجيال المتعاقبة.

         وسوف نعرض في هذه المقدمة أمرين. الاول: منهجية البحث. والثاني: القواعد المرعية في كتابته.

          منهجية البحث:

       والمنهج العلمي في البحث يستند على مجموعة من الحقائق التي يمكن بسطها ضمن الترتيب التالي:

أولا: فهم التأريخ، عبر ربط العلل التاريخية بعصرنا الراهن. أي ان القدرة الخارقة للعادة عند علي (ع) في البلاغة وادراك الشريعة والمعارك الكبرى والزهد والتعفف والتقوى ينبغي ان لا نستغربها اليوم، بحجة اننا لا نعيش علل تلك الفترة الزمنية ومسبباتها. ذلك ان ثبوت الدين في قلوب الناس كان يحتاج الى شخصية عظيمة كشخصية الامام (ع). بمعنى ان تلك العلل استدعت - قهراً – وجود بطل عملاق في الفكر والجهاد والقرب من رسول الله (ص) والزهد والعدل والتقوى وحب العدل، كي يستقيم الدين في ضمير الامة والتأريخ.

         وحياة الامام (ع) وسيرته الحافلة بالمنجزات، كانت حدثاً له شخصية فلسفية. ونعني بالشخصية الفلسفية للحدث هو ان حياة الامام أمير المؤمنين (ع) كانت تستنطقُ عللاً منطقية دينية ومباني عقلية يستأنسُ بها العقل البشري على مر العصور. فبلاغة علي (ع) الدينية لها شخصية فلسفية عظمى لانها تتناغم مع المباني العقلية للبشر. وشجاعته (ع) الخارقة للعادة كانت علة يتناغم معها ضمير الانسان الذي يميل الى هزيمة الاشرار من الكفار والمارقين ويحبب انتصار أهل التوحيد والحق. ورحمته (ع) بالفقراء والمساكين كانت علّة لتحريك روحية الانسان وعاطفته على مر التأريخ.

ثانياً: ان حياة أمير المؤمنين (ع) كانت مبنية على اساس العقل فضلاً عن الشريعة السمحاء العادلة. فخطاب الامام علي (ع) كان موجهاً الى العقلاء في المجتمع. وهو بتلك اللغة الادبية البديعة العالية، كان يصور معاني الدين بابدع الصور واجملها واقربها الى المعرفة الحقة، واشدها ارتباطاً بالعلم المطلق المتمثل بالقرآن المجيد. وكان من اهم آثار المبنى العقلائي لسيرة أمير المؤمنين (ع) انه كان يربط العلّة بالمعلول، في تفسير الاحكام الشرعية وفي صناعة القرار الاجتماعي وفي الارتباط بمولاه وخالقه العظيم. وبكلمة، فان الامام (ع) حاول عبر ادراكه للشريعة، مخاطبة العقل البشري اينما وُجِد وحيثما كان وأنى بلغ.

ثالثاً: نستطيع ان نستنبط من حياة الامام امير المؤمنين (ع) نظرية اجتماعية دينية مبنية على الاسس التالية:

1 - انها نظرية اجتماعية شاملة تفسر جميع مناحي الحياة الاجتماعية للانسان. وفيها مكونان اساسيان هما: البنية (أو التركيبة النظرية)، والفعل الاجتماعي. فهو (ع) فسر الظواهر الدينية المتعلقة بالبناء الفكري والشرعي للنظرية، وفي نفس الوقت قام بتطبيق النظرية على الفعل الاجتماعي. وبتعبير اوضح انه طبّق في الواقع العملي، كل ما كان يؤمن به من نظريات ذهنية جاء بها الدين الحنيف.

2 - ان لعالَم علي بن ابي طالب (ع) نماً منطقياً مترابطاً. فهو ما ان ينتهي من الحرب، حتى يتوجه بفكره وروحه الى الله عز وجل. وما ان يصارع الطغاة بسيفه القاطع وكلماته البليغة، حتى يضع يده الرحيمة على رؤوس الايتام والمضطهدين. وما ان يئنّ من الم الجوع، حتى يضرب بمعوله الارض سعياً من أجل الرزق والاكتساب. ولذلك كان نظامه الاجتماعي وعالمه الديني كياناً حياً، تترابط فيه الاجزاء، وتشدُّ بعضها بعضاً. وكان مصداقاً لتكاملية الدين في حياة الانسان.

3 - ان الحياة الاجتماعية المستندة على اسس الدين، منظّمة تنظيماً عقلائياً. ولذلك فاننا نستطيع استنباط نظرية اجتماعية شرعية، في ذات الوقت الذي نستطيع فيه تطبيقها على حياتنا العلمية في كل زمان ومكان. ومن هنا كانت لحياة الامام (ع) قيمة شرعية وعلمية. فالمعاني التي نتعلمها من دراسة سيرة أمير المؤمنين (ع)، ضخمة للغاية، خصوصاً في حياتنا المعاصرة.

رابعاً: القضية الشرطية في سيرة الامام (ع). ان القضية الشرطية في الحدث التاريخي، هي القضية التي يتحقق جزاؤها متى ما تحقق شرطها مثل (... إنَّ اللهَ لا يغيّرُ ما بقومٍ) وهذا هو الجزاء (حتى يُغيّروا  ما بأنفسهم ...) وهذا هو الشرط. وافكار الامام (ع) المنثورة على طبق من ذهب في صفحات (نهج البلاغة) تأخذ بالقضية الشرطية كمبنى من المباني الاجتماعية الشرعية. فـ (تطبيق الشريعة) يعتبرُ الشرط، لقضية (تحقيق العدالة) وهو الجزاء. و(الرغبة في الموت على فراش الاسنة) هو شرط لـ (النصر ). و(الانسجام بين المؤثِر والمؤثَر له) هو شرط لـ (الايثار)، وهكذا. وهذا ترتيب فلسفي مترابط ساد فعاليات علي بن أبي طالب (ع)، في كل مراحل حياته الشريفة.

ب _ القواعد المرعية في كتابة البحث :

ومن اجل فهم الاسس التي يقف عليها هذا الكتاب، لابد من استعراض بعض القواعد التي تمت رعايتها خلال مراحل تدوين البحث. وتلك القواعد هي:

1 - تواتر اخبار الامام (ع): يلحظ المفكر الاسلامي ان دراسة حياة الامام علي بن ابي طالب (ع) تقتضي الانتقال تاريخياً الى عالَم الرواة ليشهد اتفاق كلمتهم على صفاته الشخصية (ع) وفضائله والحوادث  التي وقعت في حياته. والاصل ان الرواة يبلغ اتفاقهم حداً لا يمكن معه الاقرار بتواطؤهم جميعاً على  الكذب أو الافتراء. ولذلك فقد رفض الفقهاء المتقدمون اخبار الآحاد لانها لم تخرج مخرج التواتر. وقد اعتمدنا على نفس الاصل، فتكون الاخبار التي نُقلت في طيات هذا الكتاب «ضمن حدود الدقة العقلية» متواترة، وليست اخبار آحاد.

اذن فان الحياة الشخصية للامام (ع) وفضائله التي سوف نقرأها هنا، متواترة اخبر بها جماعة كثيرون لا سبيل لنا الا التصديق بما نقلوه الينا. وقد ادى ذلك التواتر الى شهرة تلك الصفات والاحداث وانتشار نبؤها بين الناس بالرغم من اختلاف مذاهبهم ونحلهم ومتبنياتهم الفكرية والدينية.

ولم تتوقف شهرة تلك الاحداث عند الرواة فحسب، بل تعدت الى الشعراء الذين كانوا يدونون التأريخ البشري والاسلامي بالخصوص بقوالب لفظية بديعة كحسان بن ثابت، والسيد الحميري (ت 179هـ) وغيرهم.

2 - الرجوع الى مصادر الدرجة الاولى: فقد حاولنا اقتطاف الكلمات الرائعة والالفاظ البديعة من مهرة الفن وائمة الفقه والحديث والتأريخ، والنياقد من اوتاد العلم واعمدة المذاهب. وحاولنا الاخذ بالكتب الحديثة المعتبرة من الطراز الاول بين المذاهب من اجل اكتشاف الحقائق الناصعة التي لا يشوبها شك أو تأويل.

أ _ ومن تلك الكتب، تصانيف المذهب الثمينة التي ألفها علماء الامامية، مثل:

كتاب «سليم بن قيس» الهلالي العامري (ت حوالي 90 هـ) التابعي، الصدوق، الثبت، المعول عليه عند علماء الفريقين.

وكتاب «وقعة صفين» لنصر بن مزاحم المنقري (ت 212هـ) من اقدم النصوص الجامعة لمعركة صفين بين جيشي الامام (ع) ومعاوية. حتى ان ابن ابي الحديد المعتزلي (ت 656) اعتمد عليه، وقال: «ونحن نذكر ما اورده نصر بن مزاحم في كتاب صفين في هذا المعنى، فهو ثقة ثبت، صحيح النقل، غير منسوب الى هوىً ولا ادغال، وهو من اصحاب الحديث» .

و«المحاسن» للبرقي (ت 274 هـ) الذي اجمع العلماء على توثيقه والثناء عليه.

و«الغارات» للمحدث الثقة الثقفي (ت 283 هـ)، وهو من الثقات الذي روى في كتابه عن الرواة المعروفين عند اهل السنة باسانيدهم. وروايته مقبولة عند الفريقين.

و«الكافي» لثقة الاسلام الكليني (ت 329 هـ) الذي اجمع على توثيقه علماء الفريقين. وهو من فحول اهل العلم وشيوخ رجال الفقه، وكبار ائمة الاسلام.

وكتاب «خصائص الائمة» لمؤلفه الشريف الرضي (ت 406 هـ)، المعروف في الطائفة برد الاخبار والاحاديث الى مخارجها، ولا يذكرها الا بعد ان يقطع بسندها، وتظاهر النقل لها.

وكتاب «الارشاد» للشيخ المفيد (ت 413 هـ)، المعروف ايضاً بنقد الاخبار وتمحيصها، وردّها لادنى علّة في اسانيدها أو متونها. وقد اجمع علماء الفريقين على علمه وفضله وفقهه وعدالته وثقته.

وكتاب «إعلام الورى بأعلام الهدى» للفضل بن الحسن الطبرسي (ت 548 هـ)، الذي يعدُّ من الفقهاء المدققين الذين يردون الاحاديث الى مخارجها الصحيحة، وليس من مذهبه الرجوع الى روايات مجهولة او آحادية. وكان يوصف بانه أمين الدين والمسلمين، من علماء الاسلام الذين يُشار لهم ويُرحل اليهم.

وكتب اخرى مثل:

«روضة الواعظين» لابن الفتال النيسابوري (من علماء المائة السادسة).

و«مناقب آل ابي طالب» لابن شهر آشوب (ت 588 هـ) شيخ مشايخ الامامية في عصره.

و«العمدة» لابن بطريق الخلي (ت 600 هـ).

و«كشف الغمة في معرفة الائمة (ع)» للاربلي (ت 693 هـ) الثقة، الاديب، المحدث، الذي روى عن علماء الفريقين.

و«تحفة الابرار» للطبرسي (من علماء القرن السابع).

و«نهج الحق وكشف الصدق» للعلامة الحلي (ت 726 هـ) المعروف في الطائفة بالفقه والاصول والكلام.

و«ضياء العالمين» لابي الحسن ابن المولى محمد الطاهر الاصبهاني (ت بعد سنة 1100 هـ).

و«غاية المرام في حجة الخصام» للتوبلي البحراني (ت 1107 هـ) المحدث الجليل الثقة.

و«بحار الانوار»، و«جلاء العيون» للعلامة المجلسي (ت 1111هـ) المتبحر في العلوم العقلية والنقلية، الفقيه المتكلم الجامع للمحاسن، الثقة، الثبت، الذي كانت له دقة متميزة في النظر واصابة في الرأي.

وتلك الكتب المبنية على الاحتجاج لم يتوخ مصنفوها سرد الوقائع التأريخية اينما وردت، وانما قصدوا (قدس الله اسرارهم) فيها إلزام الخصوم بالحجج والبراهين المفحِمة. فلا يسعهم الاسترسال بالاحاديث والروايات من أي مصدر كان دون تثبت وتروي. بل ان منطق الحجة والبرهان يلزمهم باثبات المشهور بين الفريقين، الثابت نقله، الصحيح اسناده، الشائع بين الفقهاء.

ولا شك ان ائمة الحديث لا يروقهم رمي القول على عواهنه، فلا يعتبروا  المنقول شيئاً ما لم يتفرغوا من أمر اسناده، والتثبت فيه والتروي في متنه. يخافون في ذلك من مخالفة ذلك الحديث للمعقول، أو تقاطعه مع شيء من الاصول.

ولذلك فان المحدثين الذين ننقل عنهم من الامامية هم فقهاء بالدرجة الاولى يردون الفروع الى الاصول، ويفسرون آيات الكتاب المجيد حينما يتطلب الموقف ذلك، ويفهمون طبيعة الرجال من حيث التعديل والتجريح.

ب - ان مصنفات علماء ومحدثي المدرسة السنية (مدرسة الصحابة) الذين نقلنا عنهم تعد مصادر من الدرجة الاولى ايضاً. ويعد اصحابها فقهاء ومحدثين من الطراز الاول عند اتباع مذاهبهم. ومن تلك المصنفات:

«الامامة والسياسة» لابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ)، وهو من اكابر المؤرخين من مدرسة الحديث. وقد اعتمد عليه فقهاء مدرسة الحديث والرأي في تواريخهم واستندوا الى رواياته في كتبهم. وقد ظهر رأي جديد بان هذا الكتاب منسوب الى ابن قتيبة، ولكن ذلك لم يثبت. فيبقى الكتاب على وثاقته.

و«خصائص علي بن ابي طالب (ع)» للنسائي (ت 303هـ)، وهو من كبار الحفاظ. ذكره المؤرخون واصحاب السير من الفريقين بإجلال وإعظام وإكبار، وشرحوا محاسن علمه وجودة تفكيره وفضله.

و«تأريخ الرسل والملوك» للبري الشافعي (ت 310هـ) الذي اُتهم بالتشيع لانه صحح حديث غدير خم. وكان حراً في التفكير، صريحاً في القول.

و«مروج الذهب ومعادن الجوهر» للمسعودي (ت 346هـ)، الذي ترجمه علماء الفريقين في معاجمهم مشفوعاً بالاكبار. وهو المعروف بكونه حجة ثبتاً عند الفريقين.

و«المستدرك على الصحيحين» للحاكم النيسابوري (ت 405هـ) المعروف بضبطه وتقدمه في العلم والحديث والرجال عند علماء مدرسة الحديث والرأي.

و«مناقب امير المؤمنين (ع)» للخوارزمي (ت 568 هـ) المعروف بفقاهته ووثاقته لدى الاعلام.

و«اُسد الغابة في معرفة الصحابة» لابن الاثير (ت 630 هـ)، المعروف عنه خبرته بتأريخ العرب وانسابهم وأيامهم ووقائعهم واخبارهم. وكتابه هذا ذكر فيه سبعة آلاف وخمسمائة ترجمة، واستدرك على من تقدمه ما فاتهم وبيّن اخطاءهم.

و«مطالب السئول في مناقب آل الرسول (ص)» لمحمد بن طلحة القرشي الشافعي (ت 652 هـ)، الذي كان اماماً بارعاً في الفقه والخلاف، عارفاً بالاصول، بارعاً في مذهب الشافعية.

و«كفاية الطالب» للكنجي الشافعي المستشهد بجامع دمشق سنة 658 هـ وكان عدلاً ثقة ديّناً حافظاً للقرآن والسنة.

و«اسنى المطالب» للاكفاني اليمني الشافعي. والكتاب من مصادر مؤلفات علماء الفريقين.

و«فرائد السمطين في فضائل المصفى والمرتضى والبتول والسبطين والائمة (ع)» للحمويني الشافعي (ت 722 هـ)، وهو شديد الاعتناء بالرواية وتحصيل الاجزاء.

و«نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين» للزرندي (ت 750 هـ) الموصوف بالعلامة المحدّث بالحرم النبوي الشريف.

و«توضيح الدلائل على تصحيح الفضائل» لشهاب الدين احمد الايجي (من اعلام القرن التاسع الهجري)، المعروف بتوخيه الحق وتحريه الصدق وتنحيه عن مطبوعات الفريقين.

و«مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» للهيثمي (ت 807 هـ) الذي جمع فيه زوائد الكتب الستة: مسند احمد، والبزار، وابي يعلى الموصلي، والمعاجم الثلاثة للطبراني بحذف الاسناد مع التعليق عليها بالصحة والضعف.

و«الفصول المهمة في معرفة احوال الائمة (ع)» لابن الصباغ المالكي (ت855 هـ)، الذي ذكر مناقب اهل البيت (ع) الشهيرة ومآثرهم العظيمة.

و«الاتقان في علوم القرآن»، و«الدر المنثور في التفسير بالمأثور» للسيوطي الشافعي (ت 911 هـ)، الذي اغنى المكتبة العربية بشتى التصانيف، حتى ناهزت الالف. والمعروف عنه انه لم يخلط الروايات التي نقلها بشيءٍ من عمل الرأي.

و«مفتاح النجاء في مناقب آل العباء (ع)» للبدخشاني (ت 1141 هـ) من اعلام السنّة في الهند في القرنين الحادي والثاني عشر الهجري.

و«ينابيع المودة» للقندوزي الحنفي (ت 1294 هـ) الذي جمع فيه مناقب أهل البيت (ع) عن الطريق المعتمد عند أهل السنُة والجماعة، خصوصاً كتب الصحاح.

هذا الكتاب:

قسّمنا هذا الجزء من كتاب (الصُديق الاكبر) الى خمسة ابواب، هي: مرحلة بناء الذات، الجهاد السلمي، الجهاد المسلح، الولاية ومشاكل السياسة، والخلافة والدولة، على مساحة ثلاثين فصلاً. حيث تناولنا فيها السيرة الاجتماعية للامام امير المؤمنين (ع) من الولادة وحتى الخلافة، بشيء من العمق والتحليل.

وسوف نتناول في الاجزاء القادمة _ باذنه تعالى _ ما بقي من فصول الخلافة والدولة، وهي اربعة: النظام العسكري، والثقافي، والاقتصادي، وبيت المال. والباب السادس: المعركة ضد العدو الداخلي، وهي حروبه زمن خلافته (ع). والباب السابع يتضمن النظريات الاجتماعية الدينية المستفادة من حياته الشريفة (ع). ثم نعرض فضائله، من الزاويتين الشرعية والعقلية.

اللهم تعلم انني لم ابذل هذا الجهد الا ابتغاء وجهك الكريم، ومرضاتك في الدارين. فاسألك يا رب الكريم، ان تتقبله بقبولٍ حسنٍ، وان تجعله ذخراً لي ولوالدي يوم لا ينفعُ مالٌ ولا بنون الا من اتى الله بقلبٍ سليم.

زهير طالب الاعرجي

الحوزة العلمية _ قم المشرفة

1 رجب المعظم 1421 هـ

 -------------------

 

الوجيز في السيرة الشخصية والاجتماعية للامام (ع)

(عرض مختصر لأهم الأفكار الواردة في هذا الكتاب)

 ----------------

 

1 - الولادة

أجمع أغلب من كان لهم شأن بكتابة التأريخ الاسلامي وتدوين الروايات والاحاديث أن ولادة الامام علي (ع) في الكعبة المشرفة ألتمست أمراً غيبياً، وميزة سماوية من حيث بعض المظاهر الخارقة للعادة؛ مثل: انشقاق الجدار، وعدم قدرتهم على فتح باب الكعبة، وإخبار أمُه فاطمة بنت أسد (رض) بكرامات عديدة متواترة. فلم يكن الوضع اتفاقياً. بل كان خارجاً عن مجاري الطبيعة ومقتضيات الصدف والاتفاقات. ويسنده أن خبر الولادة في الكعبة لم يكن من اخبار الآحاد، بل ان الاجماع الذي تضافر حول صحة روايتها قد وصل حد التواتر.

وإذا كانت ولادته محط عناية السماء، فان الاسلام كان محطّ عنايته (ع) على صعيد الفكر والعطاء والجهاد والتضحية والفداء. وكانت حياته ووجودها يدور حول بقاء رسالة السماء حيُة نابضة لا يمسُها مسُّ التحريف والتزييف الى يوم القيامة.

وإذا كانت الكعبة بيت عبادة لا بيت ولادة، فان ولادته (ع) فيها كانت أعظم عبادة لله أدتها فاطمة بنت أسد (رضوان الله عليها). لانها وضعت الانسان الذي قُدّر له أن يكون الرجل الثاني في الاسلام بعد رسول الله (ص) منـزلةً وجهاداً وعطاءً. فقد تشرفت الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل (ع) بولادة ذلك البطل الذي غيّر موازين العالم تحت إمرة رسول الله (ص).

 

 2 - الاب الموحد

وعندما ولد علي (ع) كان والده أبو طالب (رضوان الله عليه) ابن بضع وستين سنة مؤمناً بالله عز وجلّ، توحيدياً صرفاً، في حين كانت أجواء مكة وأنديتها تؤمن بالوثنية وعبادة الاصنام. وكان من كراماته (رض) انه رعى بذور النبوة والامامة في بيته وغذاها بجميل اخلاقه. فقد احتضن محمداً (ص) _ وهو صبي يتيم الابوين _ في داره قبل اثنتين وعشرين سنة من ولادة ابنه علي (ع). واحتضن علياً (ع) لحد السادسة من عمره حتى ضمه رسول الله (ص) إليه.

وبقي أبو طالب (رض) - الذي آمن برسالة محمد (ص) قبل انذار العشيرة - منافحاً مدافعاً عن رسول الله (ص) ورسالته السماوية الجديدة. وكان علي (ع) يلمس تحمس والده الشيخ الكبير لرسالة الاسلام، عبر التماسه النجاشي بحماية المسلمين الفارين من وحشية قريش، وعبر حثّه أبناءه جعفراً وعلياً عقيلاً للانضمام للدين الجديد وحماية رسول الله (ص)، وعبر الاقرار باسلام زوجته ام طالب (فاطمة بنت اسد) التي كانت ثاني امرأة تدخل الاسلام بعد خديجة بنت خويلد. فكان علي (ع) يلمس في سلوك والده الطابع الذي أخذ جميع آفاق عقله وتفكيره، بحيث كانت مناصرة والده أبي طالب لمحمد (ص) مصداقاً لذلك التفكير وأثراً من آثار ذلك الايمان.

 

3 - الام الموَحِّدة

 ولم تكن أم طالب أقل تحمساً لمحمد (ص) وابنها علي (ع)، من زوجها أبي طالب. فقد كانت أم طالب (رض) على درجة عالية من الثقافة الدينية التوحيدية والايمان بالله سبحانه. تدلّلُ على ذلك أمور ثلاثة:

الاول: بناؤها جسر الامومة الاعتبارية بينها وبين محمد (ص) اليتيم الذي توفي والده، وهو في بطن امه، وتوفيت أمه وهو بالكاد قد أكمل الربيع السادس من عمره. فقد كان (ص) يفتقد الابوة والامومة التكوينية.

الثاني: دعاؤها الخاص لله سبحانه عندما جاءها المخاض بعلي (ع) قائلةً: «ربّ اني مؤمنةٌ بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، واني مصدقةٌ بكلام جدي إبراهيم الخليل...».

الثالث: ايمانها بالاسلام بحيث انها كانت أول من دخل فيه من النساء بعد خديجة، وهي أول من بايع رسول الله (ص) من النساء، وأول من هاجر من النساء من مكة الى المدينة ماشية حافية مع ابنها علي (ع). 

انجازات أم طالب (رض):

لقد قامت أم طالب (رض) بعملين من أعظم أعمالها الاجتماعية والدينية، وهما:

أولاً: جعلت من بيتها مكاناً آمناً ومنيعاً للحب والألفة والتقبل العائلي والمأوى النفسي وطيبة المأكل والمشرب. وعندما أحس ذلك الصبي العظيم محمد (ص) أن العالم الأسري الصغير من حوله عالم انسجام وحب ورحمة، بدأ يبني علاقة الامومة مع أمه الاعتبارية أم طالب. كما بنى علي (ع)، بعد أكثر من عقدين من الزمان، نفس العلاقة والاحاسيس التي كانت تختلج في نفس محمد (ص). الا ان الفارق كان كامناً في ان أم طالب كانت أماً لعلي (ع) من الناحية الجعلية التكوينية، وكانت أماً لمحمد (ص) من الناحية الاعتبارية. ولذلك فعندما دفنها رسول الله (ص) بعد وفاتها، قال (ص): «...كانت أمي بعد أمي التي ولدتني...».

ولا شك ان الحب والحنان اللذين افاضهما ابو طالب وفاطمة بنت اسد على محمد اليتيم (ص)، وعلى ابنهما علي (ع) بعد حوالي اثنتين وعشرين سنة من ضمّ محمد (ص) اليهما، كانت له تأثيرات نفسية على استقرار شخصيتي محمد اليتيم (ص) وعلي الصبي (ع). فعندما بلغ محمد (ص) مبلغ الرجال وتوجه الى غار حراء ليعبد الله عزّ وجلّ، كان (ص) قد وضع مرحة الحب والحنان التي اشبعتها عائلة ابي طالب وراءه. وبدأ ينظر الى الخلق والخالق والوجود، وبدأ يعبد الخالق الواحد وهو يحمل شخصية عاطفية وفكرية متكاملة لا يشوبها نقص عاطفي أو نفسي. وهكذا كان علي (ع)، فقد وضع مرحلة العاطفة المنهمرة من قبل أبويه حباً وحناناً خلف ظهره، وبدأ يستمد من رسول الله (ص) منابع الحكمة والعلم والنور.

ثانياً: ان ثقافة ام طالب (رض) في التوحيد والابراهيمية الخالصة، كان لها دور فعال في تعليم أبنائها رفض عبادة الاصنام وادانة الوثنية في وقت كانت فيه أجواء مكة وأزقتها تعجّ بالثقافة الوثنية وعبادة الاحجار.

والقاعدة أن الام العارفة تحاول ان تزرع في ذهن وليدها افكاراً صحيحة واقعية عن العالم الذي يعيش فيه ذلك الوليد، بينما تحاول الام الجاهلة حشو ذهن وليدها بمعلومات أقرب الى الخرافة منه الى الواقع. ولا شك ان ثقافة ام طالب التأريخية حول الانبياء (ع) وايمانها بالله الواحد كانا لهما أثراً بالغاً على طهارة علي (ع) وصلابة منشأه وحسن توجهه، وهو لا يزال غضاً صغيراً يرضع من ثدي أمه معاني التوحيد.

 4 - مع رسول الله (ص) أيام الطفولة والصبا

وعندما بلغ محمدٌ (ص) مبلغ الرجال وتزوج بخديجة بنت خويلد استقلّ في حياته الجديدة عن عائلة عمّه أبي طالب (رض). ولكن حصل في تلك الفترة أمر استثنائي، وهو ضمّه علياً (ع) اليه (ص). فعندما طلب رسول الله (ص) من ابي طالب (رض) ضم علي (ع) اليه للتخفيف من عيال عمه في الشدة التي أصابت قريشاً، كان (ص) يعلم بأنه يضمُّ اليه صفحة ذهنية بيضاء طاهرة مستعدة لالتقاط العلم والمعرفة الربانية، وارضاً بكراً يغرس فيها (ص) ما يستطيع من علم ومعرفة وحكمة ودين. فقد كان علي (ع) وقتها صبياً في السادسة من عمره المديد.

عملية نقل الخصال النبوية:

تعلّم علي (ع) في البداية من رسول الله (ص) الخصال النبوية في كمال الادب وعظمة الخُلق وعفة اللسان وسماحة النفس والشجاعة والأيْد. وقد أشار (ع) الى ذلك بقوله: «... ولقد كنتُ اتبعه إتّباع الفصيل إثر أمه، يرفع لي في كل يوم علماً من اخلاقه...». وقد رفع ذلك الإتباع والانقياد علياً (ع) الى مستويات من السمو والكمال والجمال. خصوصاً وانه (ع) كان يمتلك استعداداً هائلاً لتقبل ذلك العلم السماوي واستيعابه.

فكان التعليم النبوي لعلي (ع) اداةً لصقل دوافعه الدينية نحو الخالق عزّ وجلّ، ووسيلة لتنمية مواقفه الحياتية والفكرية مع الدين الجديد القادم، وطريقة لترسيخ الجمالية الدينية والاخلاقية السماوية التي كان يتمتع بها رسول الله (ص) في شخصيته (ع). وبذلك، فان استعداد علي (ع) الخاص لاستيعاب كمية واقعية هائلة من المعلومات عن الحياة والوجود والخلق والشريعة والقانون وخفايا الحياة الآخروية، جعلته يخرج الى قريش والعالم الاوسع مسلحاً بفهم شامل وكامل للاحكام الواقعية والقضايا الحقيقية. على عكس الذين لم يقدّر لهم أن يوهبوا تلك النعمة، فقد نشأوا وفيهم نقص ذهني في ادراك الواقع، وفي أذهانهم كمية محدودة وقليلة عن التشريع وأهدافه وملاكاته. ولذلك لمسنا هفواتهم عندما تسلّموا اعلى تكاليف الشرع في ادارة المجتمع بعد وفاة النبي (ص). ولكننا لم نلمس من علي (ع) الا الفهم الكامل الواقعي لقضايا الدين.

قدوة من الطراز الاول:

ومن الطبيعي، فاننا نلحظ المسحة النبوية في حياة امير المؤمنين (ع) من خلال: فصاحة اللغة، وكمال الدين، وسلامة العاطفة، وشفافية الاخلاق. وتلك عوامل اجتمعت كلها في شخصية علي (ع) الذي كان قدوة دينية من الطراز الاول بعد رسول الله (ص).

واكتساب علي (ع) الفاظه من رسول الله (ص) منذ سن الفولة يعني أن نشاطه اللغوي الفصيح في مقتبل حياته والى آخر لحظة من لحظات عمره سيكون نشاطاً لفظياً شرعياً، ويعني أيضاً أن الثقافة التي تعدّ جزءً من تركيبته اللغوية هي ثقافة دينية سماوية لا ثقافة اجتماعية، كما كان حال الرعيل الاعظم من المسلمين في تلك الفترة التأريخية. ذلك ان اللغة التي يكتسبها الفرد تتأثر تأثراً عظيماً بالثقافة الاجتماعية او الثقافة الدينية؛ فالانسان يكتسب اللغة عن طريق التعلم لا عن طريق الوراثة الجينية. ولذلك كان علي (ع) لسان الاسلام الناطق بالحق والقوة والبلاغة، وكانت كلماته الشرعية البديعة تعيش عطرة في الوسط الاسلامي الجديد.

ولم يقتصر النبي (ص) على تعليم علي (ع) قوة المضمون في العبارة ومطلق اليقين في منطوق الكلمات ومفاهيمها، بل منحه (ص) أيضاً فهماً في قضايا الخلق والايجاد، والوجود والحياة، والكون والانسان، والخالق والمخلوق. وأعطاهُ إدراكاً لملاكات الاحكام والمصالح والمفاسد وطبيعة الحقوق والواجبات ورتب التكاليف ومقتضياتها. وهذا هو الدين الذي انزله الله سبحانه على رسوله (ص) عبر وضع الطبيعة النهائية للحقيقة على شكل مجموعة من العقائد والاحكام والإلزامات والنواهي، بحيث يؤدي تطبيقها الى سعادة الانسان في الدارين.

ولا يكتمل فهم الدين في شخصية الانسان، ما لم يقترن بعمل آخر مهم على صعيد المقدمة. وهذا العمل المبنائي يشمل: بناء دوافع الخير دائماً ومقاومة اغراءات الدنيا، وبناء عاطفة سليمة نقية من الرذائل تنسج للنفس اللوامة بساطاً تمارس عليه دورها الايجابي في كبح جماح المعصية، وبناء حس قريب من حس الشرع في التمييز بين الخير والشر، والمصلحة والمفسدة، والعلل والمقتضيات.وهذا هو البناء العاطفي الذي بناه رسول الله (ص) في شخصية علي (ع).

وعلى صعيد الاخلاق، فان النبي (ص) بنى في عليّ (ع) الشخصية الاسلامية التي تحمل جميع القيم الدينية وتطبقها كمصاديق، كالصدق والامانة والشهامة والشجاعة والاقدام والتعفف والتعبد والتقوى والزهد. ولذلك فان الشخصية الاخلاقية لا تستطيع ان تعبد الصنم مثلاً، لانها تمرنت على مقاومة اغراءات التقليد الاجتماعي. والشخصية الاخلاقية لا تستطيع ان تظلم الناس، لانها بُنيت على اساس قيم العدالة الدينية والاجتماعية. والشخصية الاخلاقية لا تستطيع ان تتمتع بملذات الدنيا المادية، لانها تنظر أبداً الى السماء والحياة الآخرة حيث ترى فيها وجودها الحقيقي. وكذلك كانت شخصية علي (ع) المعيار الشرعي الاخلاقي للخير بكل ابعاده السماوية المشرقة.

الثمرة العظمى:

وبكلمة، فقد كان علي (ع) ثمرة من ثمرات جهود رسول الله (ص)، وكانت طبيعته الانسانية والدينية والذهنية مستقلة عن تأثيرات الثقافة الاجتماعية. أي أن علياً (ع)، وبفضل ايام الطفولة والصبا مع محمد (ص)، لم يخضع في ادراكه وتفكيره للمؤثرات الاجتماعية الوثنية في الثقافة والاجتماع والايمان والاعتقاد والفكر. بل كان ادراكه الديني والذهني الاجتماعي مستقلاً عن تلك التأثيرات. وما تلقاه من رسول الله (ص) ومنه (ع) هو نبعٌ صافٍ مستمدٌ من السماء لم يلوَّث بافكار الناس او فلاسفتهم او مفكريهم. فعلي (ع) اجتنب عبادة الاوثان، لان طبيعته الفكرية كانت مستقلة عن تأثيرات الثقافة الاجتماعية، وخاضعة فقط لتأثيرات رسول الله (ص) الذي كان خاضعاً لتأثيرات الوحي فحسب.

ولذلك فاننا عندما نقرأ خطب أمير المؤمنين (ع) فكأنما نقرأ فكر رسول الله (ص) وخطبه ومواعظه. وعندما ندرس عدالة الامام (ع) فكأنما ندرس عدالة رسول الله (ص). وعندما ندرك شجاعة أمير المؤمنين (ع) فكأنما تتمثل لنا شجاعة رسول الله (ص). لقد صاغ المصطفى (ص) في شخصية علي (ع) منذ ربيع الصبا شخصية الامامة بما فيها من عدالة وفصاحة وشجاعة وأيدٍ وحلم وزهد وتقوى.

 

5 - الايمان بالله سبحانه والتصديق برسوله (ص)

ان الايمان المبكّر بالله سبحانه وتعالى من قبل الامام (ع) وتصديقه برسالة محمد (ص) يعني انه ظلّ (ع) صافي الفكر والروح ولم يتشرب بالفكر الوثني بالرغم من انه عاش في زمان يعُجُّ بالثقافة الوثنية وممارسات عبادة الاصنام والاعتقاد بها في مكة. وطهارة السبق في قوله تعالى: (والسابِقونَ السابِقونَ. أولئكَ المقرَّبونَ) تبقى ملازِمة لحياته رغم المحن والمصاعب العظيمة التي تعرّض لها لاحقاً. 

الاسبقية وصفاء الفكر والروح:

فقد حددت الاسبقية في الاسلام، التي عبّر عنها رسول الله (ص) عند مخاطبته علياً (ع) بالقول: «يا علي انت أول المؤمنين ايماناً، وانت أول المسلمين اسلاماً...»، حددت حاجاته الدينية والدنيوية، وتصوراته الذهنية عن الخلق والوجود، وموقفه الثابت من الاحداث والقضايا الخارجية، وخطه في العقيدة والحكم والقرار، وخطط العمل لنصرة الاسلام ضد الشرك والنفاق والقُسُوط والإنتكاث والمُرُوق.

فالقاعدة ان ما يصبُّ في ذهن الانسان من علوم او ملاحظات يختبرها في الخارج تتحول لاحقاً الى صور وأشكال ذهنية، وأفعال لفظية أو مكتوبة، وحركات معبِّرة، ومواقف اجتماعية، وفهم ذاتي واجتماعي، وصفات شخصية متعلقة بالفضيلة أو الرذيلة. فالذي يشبُّ على الايمان بالله سبحانه ورسوله (ص) وعلى الانشداد التام بكتابه المجيد منذ نعومة اظفاره، انما يمتلىء من طاقة العلم والمعرفة الدينية حداً بحيث لا تنبثق من فيه الا ينابيع الحكمة والمعرفة والعلم. وتكون صوره الذهنية غنية بأجواء الوحي وبكلام الله المجيد وبالرسالة التي يحتكّ بمصداقها وبصاحبها (ص) كل يوم. فعلي (ع) عندما يتكلم لا يُخرج من فمه الشريف الا جواهر الافكار الدينية وعندما يخطب تنـزل الكلمات الشرعية النقية كالزلال العذب بين شفتيه الشريفتين. لانه عاش (ع) جلّ حياته مع رسول الله (ص) يتلقى منه العلم والمعرفة عن النبع الصافي المتصل بالسماء. بينما كان البعض يخلط الصور الذهنية للوثنية بالصور الذهنية للاسلام.

والتحقيق، ان علياً (ع) آمن بالله عزّ وجلّ وبالعقيدة التوحيدية عندما ضمّه رسول الله (ص) اليه. والاقوى انه لم يتجاوز السادسة، وأعلن اسلامه وهو لم يتجاوز العاشرة (وقيل الثالثة عشرة من عمره). فآمن قبل الناس بسبع سنوات، وأسلم قبل الناس بفترة زمنية لا نعرف مقدارها على وجه الدقة. فكان (ع) أولهم ايماناً، وكان أولهم اسلاماً كما خاطبه رسول الله (ص) بذلك. بل كان (ع) الصّديق الاكبر، ولم يعبد الله سبحانه من هذه الامة قبله أحد غير رسول الله (ص)، وصلى مع رسول الله (ص) قبل أن تصلي الناس على الاطلاق.

المؤهلات الروحية والفكرية:

ولا شك أن دعوة علي (ع) للاسلام من قبل النبي (ص) في تلك السن كانت لفضيلة متميزة تخص ذلك الشاب اليافع الذي لم يبلغ الحلم بعد. فعلي (ع) وقت البعثة لم يكن كباقي الصبيان، بل كان انساناً على اعتاب الرجولة قد امتلىء من علم المصطفى (ص)، ورضع من بيت النبوة، واستنشق من عبير الوحي، وكان يسمع الصوت ويرى الضوء قبل الرسالة وجبرئيل في الغار يعلّم رسول الله (ص) معاني التوحيد.

وكان الامام (ع) مؤهلاً _ بفضل التربية النبوية _ لتقبل الاسلام والايمان به لانه كان مؤمناً في الاصل بالتوحيد والعقيدة الابراهيمية. بينما كان الامر يتطلب مع بقية الناس مرحلتين من التغيير. الاولى: الكفر بالوثنية وترك عبادة الاصنام. والثانية: الايمان بالله الواحد الاحد وبرسالته السماوية الجديدة. ولذلك قال ابن هشام بشأن اسلام القوم: «وما كان (ص) يدعو احداً من هؤلاء الى الاسلام الا كانت فيه عنده نظر وتردد وكبوة، أي تأخير وقلّة اجابة».

فايمان علي (ع) كان يعني انه وضع ثقته بمحمد (ص) وبرسالته السماوية الخاتمة، وبنى جسراً من الثقة والاطمئنان بينه (ع) وبين السماء. فقد كان اعتقاده (ع) بالحقائق المنـزّلة عن طريق الوحي اعتقاداً يقينيّاً شاملاً. وعندما يخاطبه النبي (ص) بالقول: أنت أول المؤمنين ايماناً وأنت أول المسلمين اسلاماً، يعني انك أول من اعتقد بالحقائق السماوية المنـزّلة عليَّ وانك أول من وضع ثقته بالرسالة السماوية التي جئتُ بها. وبتعبير آخر، ان علياً (ع) عندما آمن برسول الله (ص)، فانه (ع) آمن بكل ما كان يحمله نبي الرحمة (ص) من احكام وعقائد ومفاهيم وقيم واخلاق.

ولم يكن ايمان علي (ع) ايماناً لفظياً ظاهرياً، بل كان ايماناً يقينياً قطعياً تمثله المقولة المشهورة عنه: «لو كُشف الغطاء ما ازددتُ يقيناً». وارتقاء الايمان بالرسالة الى درجة اليقين يعني اجتيازاً لحدود المعرفة العقلية من أجل الدخول الى عالم آخر يتجرد عن كل الشكوك والاوهام والمخاوف من العقوبة.

 6 - علي (ع) مع العشيرة والدار

عندما ابلغت السماء أوامرها لرسول الله (ص) بانذار عشيرته الاقربين من بني عبد المطلب بالقول: (وأنذِر عشيرَتَكَ الأقرَبينَ)، فانها لحظت كليات انسانية ثابتة في مباني القرابة والعشيرة. ذلك ان القرابة لعبت دوراً مهماً في تماسك افراد العشيرة وتضامنهم في المجتمع الانساني، لان نظامها كان يصوغ لوناً من الحقوق والواجبات المشتركة بين اعضائها. وكان بنو هاشم مصداق العشيرة التي تحمل تلك الكليات الثابتة. فمن مصاديقها: شرف بني هاشم، واعتراف قريش بها كعشيرة، وقوة نظامها المعترف به اجتماعياً، ووجود أبي طالب في زعامتها.

شرف العشيرة:

فالمعروف ان عشيرة بني هاشم كانت من أشراف عشائر مكة على الاطلاق. فكان فيهم هاشم «عمرو العلا» الذي هشم الطعام وثرد الثريد عندما اصابت مكة السنة الجدباء، وكان فيهم عبد المطلب الذي حفر بئر زمزم فسقى الحجيج الاعظم ووقف بوجه ابرهة عام الفيل من أجل حماية الكعبة، وكان فيهم ساقي الحجيج ابو طالب، وكان فيهم حمزة سيد فرسان العرب وأشرفهم. فدعوتهم الى الرسالة الجديدة كان لها تأثيراً عظيماً على قبائل العرب وأشرافها. واذا قامت عليهم الحجة تعدّت الى غيرهم.

وكانت قريش تعترف ببني هاشم كعشيرة لها جذورها الممتدة الى ابراهيم الخليل (ع)، وقد اشار تعالى الى نسل النبي محمد (ص) بقوله: (... الذي يَراكَ حينَ تَقومُ. وتَقَلُّبَكَ في السّاجِدينَ). وظاهره تقلبه (ص) في الساجدين الموحدين من نبي الى نبي حتّى أخرجه نبيّاً.

ولا شك انّ للعشيرة في تلك الحقبة الزمنية، نظاماً ادارياً قويّاً يمنح الحقوق ويفرض الواجبات. ولذلك أقر الاسلام بعضاً من تلك الاعراف لانها كانت متناغمة مع مباني العقلاء. فكان من الالزام العرفي الاخلاقي دعوة عشيرته الى أفضل ما جاء به رجل لقومه وهو الاسلام والنجاة من غضب الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال (ص) لهم مخاطباً: «يا بني عبد المطلب، اني والله ما اعلم انساناً من العرب جاء قومه بافضل ممّا جئتكم به، انّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن ادعوكم...». ولكنهم تنكّروا له واستخفوا بدعوته عدا أبي طالب وابنه علي (ع).

موقفا أبي طالب (رض) وابنه علي (ع):

وكان وجود أبي طالب (رض) في ذلك المجلس الذي ضمّ أربعين رجلاً من شيوخ العشيرة كالعباس والحمزة، اضافة الى أبي لهب، قد اكسب الاجواء المترقبة وضعاً خاصاً. فأبو طالب يعدُّ بالنسبة الى محمد اليتيم (ص) الأب الاجتماعي. والفرق بين الأب الفسلجي والأب الاجتماعي هو أن الأب الاجتماعي يتحمّل مسؤوليّات اجتماعية ويتوقّع منه الزامات على صعيد الجماعة. فاليتيم الذي حُرِمَ من الأبوّة البيولوجية يحتاج خلال خروجه الى المجتمع الى أبوّة اجتماعية يقوم بها ولي أمره الموكّل بتربيته. ولذلك عندما قام أبو لهب مخاطباً القوم: لقد سحركم صاحبكم، قام له أبو طالب مستهيناً باستنكاره وموجّهاً الخطاب لرسول الله (ص) قائلاً: «ما أحبّ الينا معاونتك، واقبالنا لنصيحتك وأشدّ تصديقنا لحديثك. وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وانما أنا احدهم غير اني أسرعهم الى ما تحبّ، فامضِ لما أمرت به فوالله لازال احوطك وامنعك...». وكان ذلك الموقف احد موقفين عظيمين حصلا في ذلك اللقاء. فكان هذا الموقف المشرف للأب «ابي طالب». وكان الموقف الثاني لابنه اليافع علي (ع).

والموقف الثاني هو عندما دعاهم الى تلك الكلمتين الخفيفتين على اللسان الثقيلتين في الميزان فيملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد إليهم بهما الأمم، ويدخلون بهما الجنة وينجون بهما من النار: شهادة أن لا اله الا الله، وأنه (ص) رسول الله، فمن منهم يكون وزيره وناصره؟ لم ينهض منهم الا علي (ع) _ وهو في بداية بلوغه _ بكل حماسة واندفاع، فامضى (ص) استجابته تلك - بعد أن اقعده ثلاث مرات لاتمام الحجة عليهم- بالقول: «يا ابا الحسن، أنت لها، قُضي القضاء، وجفّ القلم. يا علي اصطفاك الله بأوّلِها، وجعلك وليَّ آخرها».

لقد كانت دعوة العشيرة بسادتها الى مأدبة طعام، ثم دعوتهم الى الايمان بعقيدة جديدة كان فيها خروج على العرف العشائري السائد الذي كان يقرر بأن زعيم العشيرة هو الذي يدعوها الى مناسبة كتلك. ولكن نور النبوّة وجلالها وجمالها الذي كان طاغياً على رسول الله (ص) هو الذي جبر تلك العملية الشاقة.

 آثار دعوة العشيرة:

وهنا كسر الاسلام بشخصي رسول الله (ص) وعلي (ع) أول حواجز العشيرة في العصر الجاهلي، ألا وهو حاجز الطاعة العمياء لسلطة العشيرة. فأصبح علي (ع)، منذ ذلك اليوم، سيد القوم بعد رسول الله (ص) وهو لا يزال أحدثهم سنّاً وأرمضهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً. ومنذ ذلك اليوم، أصبحت الطاعة للدين ومن يمثله لا لسادة العشيرة ولا لزعمائها.

وهذا المعنى وضع فكرة العشيرة في الموضع الصحيح. فرابطة الدم والرحم لا غبار عليها، بل ان الدين يؤكدها ويشدد على أخلاقيتها، ولكن الطاعة ينبغي أن تكون لمن له الشرف والرفعة والمنـزلة في الدين. فالشريف في الدين - حتى لو كان صغيراً في السن كعلي (ع)- لابد أن يُطاع من قبل عشيرته حتى من قبل سيدها أبي طالب، وغيره من وجهاء العشيرة واكابرها.

  

7 - علي (ع) وأول مراحل الفَدى

ان الرغبة في البقاء على قيد الحياة ليست مرتبة بمقدار اللذة والمتع المادية التي يجنيها الانسان من بقائه حياً. بل ان تلك الرغبة شعور غريزي لا يمكن الا للقلّة أو النخبة الافلات منه. وهذا الشعور الفطري في التشبث بالحياة الدنيا له منشأ مرتبط برغبة الانسان الغريزية نحو البقاء على قيد الحياة حتى لو كان الانسان فقيراً معذّباً. فقد يفضّل الفرد الفقير او المعذّب، الحياة مع الفاقة والحاجة، على الموت. فالموت اذن، عملية مرعبة لا يريد الانسان ان يفكر فيها ما دام حياً. واذا صدق هذا، فان الايثار لا يتم لانه يعني ببساطة طلب الموت على الحياة اختياراً.

الايثار وطلب الموت:

ولكن علي (ع) _ وهو في الثالثة والعشرين من عمره _ غيّر هذا المفهوم؛ وجعل طلب الموت والتضحية والايثار، الاصل في منهج حياته الدينية والاجتماعية. فجعل حياته وقفاً للدين، واستعداداً كاملاً لحماية النبي (ص) في كل موقف. فقد قرر (ع) امتثال أمر النبي (ص) والمبيت في فراشه (ص) ليلة الهجرة. وكان عملاً جريئاً للغاية، لان أقل ما يمكن توقعه في تلك الليلة هو أن يقطّع بالسيوف دون مقاومة وبدم بارد فيضيع دمه بين قبائل العرب. وفي خصوص تضحيته تلك أنزل الله تعالى: (ومن الناسِ مَن يَشري نَفسهُ ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ واللهُ رؤوفٌ بالعبادِ).

فكان ما يميز ايثار علي (ع) ليلة الهجرة هو أن الظرف الذي كان يمرُّ به رسول الله (ص) والرسالة التي يحملها كان صعباً للغاية، وكانت التضحية جسيمة جداً. ولذلك كان انكار المصلحة الذاتية عند الامام (ع) في ذلك الموقف، ضخماً وعملاقاً.

ولا شك أن المصلحة الذاتية تحدد الدافع نحو العمل في ظروف معينة. فعندما يأكل الانسان طعاماً طيباً في بلد يفيض بالخيرات والطيبات، فانه يتصرف من وحي مصلحته التكوينية، ولا ضير في ذلك ما دام الخيرُ كثيراً. ولكنه لو أكل نفس نوعية ذلك الطعام في وقت مجاعة يتضور فيها أرحامه وجيرانه جوعاً وألماً، لعُدّ ذلك اهتماماً بمصلحته الذاتية وتكريساً لفكرة الانانية.

 ملامح الايثار:

ولو كان رسول الله (ص) قد أمر علياً (ع) بالمبيت على فراشه وهو في المدينة وقت سلم وأمان لما انطوى ذلك العمل على قضية مهمّة، لانه لا يبرز انكاراً لمصلحة ذاتية. ولكن الامر حصل في ظرف خطير للغاية، حيث تجمّع ممثلو بطون العرب ليقتلوا رسول الله (ص). فنام علي (ع) - مختاراً - على فراش النبي (ص) تحت ظلّ سيوف الأعداء، يتوقّع فيها سفك دمه في أية لحظة. هنا تجلى عند علي (ع) انكار الذات والترفع عن المصالح الذاتية بأجلى صورها.

ولو لم يكن هناك انسجامٌ فكري وعقائدي وروحي تام بين المُؤْثِر «وهو علي (ع)» والمُؤْثَر له «وهو رسول الله (ص)»، لما تحقق الايثار بمعناه الكلي الواقعي. لان الاختلاف في الدوافع والاهداف لا يولّد ايثاراً. ذلك، أن اليقين بصحة الرسالة، والقطع بالنبوة الحقة، والثقة بنصر الله عزّ وجلّ، جعلت من قضية ذلك الايثار أمراً حتميّاً، واندماجاً لا يمكن تفكيكه بينهما (عليهما الصلاة والسلام). فلم تكن هناك مشاعر فردية في حبّ الذات، أو الخوف من الموت، أو الحفاظ على المصالح الشخصية بقدر ما كان هناك اندماجٌ في الرسالة وقائدها واندكاكٌ في أهدافها ووسائلها.

ولكن الرسالة السماوية كانت بحاجة الى جهد جماعي متظافر من أجل نقل فحواها وأهدافها النبيلة الى البشرية كي تؤمن بها وتدافع عنها. وتركيبة دينية تضم أفراداً على رأسهم رسول الله (ص) ومن بعده علي بن أبي طالب (ع) ونخبة طيبة من الموالين لرسول الله (ص) وأهل بيته (ع) لابد أن تنتصر على أعدائها. ذلك لان التظافر والتآزر الذي كان يشدّ تلك التركيبة أوصلها الى درجات عليا من الايثار وتفضيل الغير على الذات.

 مقتضيات الايثار:

لقد أظهر علي (ع) بايثاره ذلك ثلاث خصال على درجة كبيرة من الاهمية، وهي:

الاولى: الاقرار بنبوة محمد (ص) والتضحية من أجلها ومن أجل الحفاظ على قائدها (ص).

الثانية: أنه كان المدافع الحقيقي عن رسول الله (ص)، وأقصى ما يفعله المؤْثِر أن يقدّم للمؤْثَر له نفسه وجسده.

الثالثة: ان طبيعة الامام (ع) كانت ترى الموت والحياة في الله، على حد سواء. فاذا كان في الموت رضىً لله سبحانه فمرحباً بالموت. وإذا كان في الحياة - بخشونتها وآلامها - رضىً لله عزّ وجل فمرحباً بها وسيلة من وسائل نشر الدين. والى ذلك يشير (ع) ضمن كلام له لمّا قُبض رسول الله (ص): «... واللهِ لابنُ أبي طالب آنسُ بالموتِ من الطفل بثدي أمه...».

فلم يكن الايثار عند الامام (ع) حبّاً لمصلحة ذاتية، بل كان حبّاً لله عزّ وجل وذوباناً في القيم الدينية العليا والصفات المعنوية الأسمى، واندماجاً في مصلحة الدين وملاكاته وأهدافه العليا في الحياة الانسانية.

 8 - الهجرة الى المدينة

وعندما هاجر النبي (ص) الى يثرب أمر علياً (ع) بالبقاء في مكة عدة أيام من أجل رد الودائع، وقضاء الديون، ثم الاستعداد للهجرة الى المدينة أيضاً. وهكذا كان، فقد هاجر علي (ع) يحمل الفواطم (أمه فاطمة بنت اسد وهي أول من هاجر من النساء، وفاطمة الزهراء (ع) بنت رسول الله (ص) وكانت في الثامنة من عمرها، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب وقيل انها فاطمة بنت حمزة) من دار الشرك في مكة في ذلك الوقت الى دار الايمان في المدينة.

الابتعاد عن الوطن:

وكانت الهجرة الى المدينة تقتضي الابتعاد عن الوطن «مكة» مسافة بعيدة، والبقاء في الوطن الجديد بصورة دائمية ونهائية من اجل بناء المجتمع الديني المتماسك والدولة العالمية للاسلام. وكانت كل الدلائل تشير الى أن هناك فرصة حقيقية لتثبيت الاسلام في موقع آمن ونشره في العالم أجمع، بعد ان كان محصوراً في أزقة مكة وبيوتها المعدودة المترقّبة. فكانت الهجرة - على ما فيها من مشاق ومصاعب- أمراً حتميّاً من أجل بقاء الدين.

ولا شك أن الاضطهاد الديني الذي مارسته قريش ضد المسلمين كان من العوامل المهمة التي دفعت رسول الله (ص) للتفكير بالهجرة من بلده. فمع ان للاضطهاد الديني علاجاً مهماً في الاسلام يتمثل بممارسة التقية التي أشار اليها الذكر الحكيم بالقول: (... إلا أن تتقُوا منهُم تُقاةً...)، الا ان التقية مقيدة بعدم القدرة على مواجهة الظالم. ولا يمكن ان تؤدي وظيفتها في ظرف كان يتطلب الانطلاق والتحرك والجهاد في سبيل الله ومقاتلة المشركين. وقد اُستخدمت التقية على نطاق ضيّق في قضية عمار بن ياسر ومسلمين مستضعفين آخرين. ولكن استثمار رخصة التقية لا يمكن أن يستمر هكذا فيختنق الدين، فكان لابد من التحرك سريعاً نحو المدينة.

وقد كان الشعور بالأمل، والطموح نحو نشر الدين، وامتلاء النفس بمستقبل التغيير والبناء، وجدية التكليف الشرعي هي التي دفعت المسلمين للهجرة من أجل غدٍ مشرق ومستقبل ديني أفضل. وقد كان المهاجرون المسلمون يحلمون بتحدي قريش ومقاتلتها بالسيف حتى تنتصر كلمة التوحيد وتنتشر في جميع أرجاء المعمورة. وكان طموحهم يتجاوز إطار الصحراء العربية ليصل الى العالم كلّه، ولذلك وصفهم سبحانه وتعالى بالقول: (الذينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبيلِ اللهِ بأموالِهِم وأنفُسِهم أعظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ...).

 ملامح الهجرة المباركة:

ويمكن تشخيص ملامح تلك الهجرة المباركة عبر تشخيص أهدافها والقوّة التي كانت تضعها في المؤمنين بالدين الجديد. فقد كان الجو الايماني الملتهب ضد المشركين، والامداد المعنوي الذي كان يمدُّهُ نزول القرآن المجيد على النبي (ص)، وقيادة رسول الله (ص) للمواجهة بين الايمان والكفر من العوامل الحاسمة في شحن شخصيات المهاجرين. ولم يكن رسول الله (ص) سبّاقاً للهجرة مع طلائع الناس ليأمن اذى المشركين، بل كان (ص) من أواخر من هاجر ليطمئن على ان المسلمين قد افلتوا من اذى قريش وملاحقتها لهم وسلكوا الطريق الآمن، حتى لو كان ذلك التأخير يعرّضه للخطر. ولم تنتهِ عملية مغادرة مكة عند ذلك الحد. بل كان علي (ع) آخر من هاجر من المسلمين مع الفواطم. وبذلك ضرب رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) أروع الامثلة في القيادة الدينية وعدم الاكتراث بالموت.

وفي ضوء ذلك فاننا عندما ننظر الى تلك الهجرة التأريخية العظمى، فاننا لا ننظر الى حجم المهاجرين وطبيعة شبكتهم الاجتماعية والانسانية، بل ننظر الى النوعية التي هاجرت مع رسول الله (ص) وغيّرت وجه التأريخ واصبحت قدوة للاجيال الانسانية المتلاحقة ومنهم حمزة وعبيدة وسلمان وابو ذر والمقداد وغيرهم. وقد وصفهم امير المؤمنين (ع) فيما وصف من اصحاب محمد (ص): «لقد كانوا يُصبحون شُعثاً غُبراً ، وقد باتوا سُجّداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكرِ معادهم...».

ومن اللافت للنظر ان المسلمين هاجروا بشكل مجموعات وجماعات صغيرة وكبيرة، فكان سلوكهم سلوكاً جمعياً يحمي بعضهم بعضاً، عدا علي (ع). فقد هاجر علي (ع) مع الفواطم فكان حاميهن الوحيد من اعداء جمعوا كل قواهم المعنوية لمحاربة بطل الاسلام. وكان أهمّ ما في تلك الهجرة هو حفظ شخصية رسول الله (ص)، وبذلك حُفظت بيضة الاسلام. وتمت صيانة النبوة والامامة الى أجل مرسوم، حتى تحققا اهدافهما على الارض.

المؤاخاة في المدينة:

وكانت الهجرة الى المدينة شاقة بالنسبة للمسلمين، وكان التكليف بعد الهجرة أشق وأصعب، لان مجتمع مكة يختلف عن مجتمع المدينة. ولذلك قام رسول الله (ص) في أول عمل اجتماعي بعد الهجرة بالمؤاخاة بين المهاجرين والانصار من أجل: اعادة تأهيل المهاجرين نفسياً واجتماعياً، ودمج مجتمع المهاجرين بمجتمع الانصار وتوحيدهم عقائدياً تحت راية الاسلام.

ولكن رسول الله (ص) آخى نفسه مع علي (ع). فكان محمد (ص) خاتم الانبياء وعلي (ع) أخوين. وكان هدف تلك المؤاخاة الفريدة هو تثبيت موقع علي (ع) منه (ص) ومن الرسالة أيضاً، حتى لا يفقد الذين اعماهم الحقد الجاهلي نظرتهم الواقعية لشخصيته الرسالية (ع) في خضم مشقة الهجرة وواقع المجتمع الجديد. بينما كان حمزة عم رسول الله (ص) وزيد بن حارثة أخوين، وكان أبو بكر وخارجة بن زهير أخوين، وكان عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك أخوين. وقد سقنا تلك الاسماء من أجل ان نرى موقعية علي (ع) المتميزة في قضية الاخوة الدينية.

اخلاقية رد الامانات الى اهلها:

ولم يترك علي (ع) مكة ما لم يختمها بمنقبة من مناقبه العظيمة، فقد اقام (ع) بمكة بعد هجرة النبي (ص) اياماً يردّ الودائع ويقضي الديون. وكان ذلك العمل - على خطورته الامنية لعلي (ع) - على جانب عظيم من الأهمية في الفلسفة الاخلاقية للدين. ويمكننا لمس أهمية ما قام به الامام (ع) ضمن النقاط التالية:

أ - ان الوفاء بردّ الامانات الى اهلها كان عملاً اخلاقياً امضى فيه الاسلام عمل رسول الله (ص) قبل البعثة وبعدها، حيث اؤتمن (ص) على الحفاظ على اموال الناس وحاجاتهم، ولذلك شاع عنه انه الصادق الامين. وفي ضوء ذلك نكتشف متانة الرابط بين الاخلاق والدين والمجتمع. فالأمر بردّ الامانات الى اهلها حتى لو كانوا مشركين، يعبّر عن عمق القيم الدينية الاجتماعية التي حملها الاسلام.

ب- لم يؤخد في قضية الوفاء بردّ الامانة: حجم الخسارة والربح، من حيث احتمالية مقتل علي (ع) من قبل المشركين. وبذلك يمكننا عدُّ الوفاء برد الامانة، من الاعمال الاخلاقية التي تنظر الى قيمة العمل، لا الى حجم الربح والخسارة.

ج - ان الوفاء برد الامانات قد طُبّق على المجتمع الوثني الكافر. حيث ان اغلب الذين ائتمنوا محمداً (ص) بعد البعثة ولم يهاجروا الى المدينة وبقوا في مكة كانوا من الذين لم يسلموا بعد. ولذلك تأخر علي (ع) في مكة لردها. ولو اسلموا لهاجروا. وقيل انه بقي عدد قليل من المسلمين في مكة في الخفاء. ولكن لسان دليل الروايات المتعلق بهذه المسألة لا يخصّ تلك القلّة، بل ان ظهور اللفظ يدلّ على اطلاقها على المسلمين وعلى غيرهم، وفيه قوله تعالى: (إنَّ اللهَ يأمُرُكُم أن تؤدّوا الأماناتِ إلى أهلِها...).

د - كان الوفاء برد الامانات الى اهلها من قبل الدين يعدُّ احتراماً للثقة التي وضعها الفرد المؤتمِن، ولا يمثل احتراماً لسلطة المشركين من قريش. وبذلك فقد كان الحكم تحكيماً للحق على الباطل على مستوى شريحة خاصة من الافراد من الذين وضعوا ثقتهم برسول الله (ص).

الهوامش:

(تليها ص 40- 62)

سورة الرعد :  آية 11.

 2 شرح نهج البلاغة ج 2 ص 206.

3  من مذاهب واختصاصات مختلفة كالسيد الحميري (ت 179 هـ)، والمسعودي (ت 333 او 345 هـ)، والشيخ الصدوق (ت 381 هـ)، والحاكم النيسابوري (ت 405 هـ)، والعلامة الحلي (ت 726 هـ)، وابن الصباغ المكي المالكي (ت 855 هـ)، والشبلنجي (ت 1308 هـ)، والمقدس الكاظمي (ت 1227 هـ).

4 «معاني الأخبار» _ الشيخ الصدوق. ص 62 ح 10.

5 «المستدرك على الصحيحين» _ الحاكم النيسابوري. ج 3 ص 108.

 6 «نهج البلاغة» _ خـطبة 192 ص 376.

7 سورة الواقعة: آية 10-  11.

8 «وسيلة المال في عدّ مناقب الآل» - لابن باكثير الشافعي. رواه الحضرمي باسناده عن عمر بن الخطاب. الباب الرابع ص 211.

9 القُسُوط: الجور والعدولُ عن الحق. يقال: قَسَطَ يقسِطُ قُسوطاً. قال الله تعالى: (وأمّا القاسطونَ فكانوا لجهنّم حَطباً) سورة الجن: آية 15. «الصحاح» مادة قسط ج 2 ص 1152. والقاسطون: حاربوه يوم الجمل.

10 الإنتكاث: نَكَثَ العهدَ والحبل فانتكث، أي نقضه فانتقض. «الصحاح» مادة نكث ج 1 ص 295. والناكثون: هم الذين حاربوه في صفين.

11 المُرُوق: مَرَقَ السَهمُ من الرميّة مَروقاً، أي خرج من الجانب الآخر، ومنه سُمّيت الخوارجُ مارقةً، لقوله عليه السلام: «يمرقون من الدين كما يمرُقُ السهم من الرمية». «الصحاح» مادة مرق ج 3 ص 1554. والمارقون: حاربوه في النهروان بعد معركة صفين.

12 «سيرة ابن هشام» ج 1 ص 269.

13 «شرح ابن ميثم البحراني على كلمات الامام علي (ع)» ص 52.

14 سورة الشعراء: آية 214.

15 سورة الشعراء: آية 218 – 219.

16 «كفاية الطالب» - الكنجي ص 206.

17 «اسنى المطالب في مناقب علي بن ابي طالب» - الوصابي باسناده عن امير المؤمنين (ع). الباب الثالث ص 12.

18 « الكامل في التأريخ» - ابن الاثير. ج 2 ص 60 – 61.

19 «منهاج الكرامة» - العلامة الحلي. المنهج الثالث. الدليل الاول.

20 «سعد السعود» - السيد ابن طاووس ص 106. نقلاً عن تفسير محمد بن العباس بن مروان بن مهيار (الثقة) في تفسيره.

21 كما في رواية «كفاية الطالب» - للكنجي ص 206.

22 سورة البقرة: آية 207.

23 «نهج البلاغة» - الطبعة الحجرية. ص 28.

24 سورة آل عمران: آية 28.

25 انظر بحثنا المفصل: «التقية... وفلسفة الاتفاق على عدم الاتفاق» .

26 سورة التوبة: آية 20.

27 الشعث: المغبر الرأس، والمراد انهم كانوا على درجة عالية من العبادة والسجود لله على تراب مساجدهم، ولذلك كانوا غُبراً شعثاً.

28 «نهج البلاغة» - المختار من الخطب ص 173 خطبة 96.

29 «سيرة ابن هشام» ج 2 ص 150.

30 سورة النساء: آية 58.