الفصل الثامن عشر

غزوة تبوك

 

الامام (ع) وغزوة تبوك * صور من غزوة تبوك * الدلالات العلمية للنصوص * معاني الخلافة على المدينة: 1- اخلُفني في اهلي: انتقال الادارة الاجتماعية. 2- اصالة النيابة: أ - كفاءة النائب. ب - اُسس البناء الاجتماعي للمدينة. 3 - المسؤولية الدينية: أ - النيابة واقسامها. ب - المسؤولية الاخلاقية في الخلافة. 4 - الخلافة على الدولة وافرادها: أ - وضع الدولة التي خُلِّف (ع) على ادارتها. ب - وضع الافراد الذين خُلِّف على ادارتهم * علي (ع) وسورة براءة: لا يؤدي عني الا رجل من اهل بيتي: 1 - الدلالات المستقاة من سورة التوبة. 2 - الاستنتاج.

-------------
 

الامام (ع) وغزوة تبوك

وقعت غزوة تبوك في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة. وقصتها ان «رسول الله (ص) امر اصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عُسرة الناس، وشدة من الحر، وجدبٍ من البلاد. وحين طابت الثمار، والناس يُحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه. وكان رسول الله (ص) قلّما يخرج في غزوة الا كَنَى عنها، وأخبر انه يريد غير الوجه الذي يصمد له (أي الذي يقصده)، الا ما كان من غزوة تبوك، فانه يبّنها للناس لبعد الشُّقة (أي بُعد المسير)، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهب الناس لذلك اُهبَته، فأمر الناس بالجهاز، واخبرهم انه يريد الروم.

يروى ان رسول الله (ص) قال ذات يوم، وهو في جهازه ذلك، للجَدّ بن قيس: يا جَدّ، هل لك العام في جِلاد بني الاصفر (يعني اهل الروم)؟ فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتنّي؟ فوالله لقد عرف قومي انه ما من رجل بأشدّ عُجباً بالنساء مني، واني اخشى ان رأيت نساء بني الاصفر ان لا اصبر، فأعرض عنه رسول الله (ص) وقال: أذنت لك. ففي الجَدّ بن قيس نزلت هذه الآية: (ومِنهُم مَن يَقُولُ ائذنْ لي ولا تَفتنّي ألا في الفِتنَةِ سَقَطوا وإنَّ جهنَمَ لَمُحيطَةٌ بالكافِرينَ)[1]. أي ان كان انما خشى الفتنة من نساء بني الاصفر، وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة اكبر، بتخلفه عن رسول الله (ص)، والرغبة بنفسه عن نفسه.

وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحرِّ، زهادة في الجهاد، وشكّاً في الحق، وإرجافاً برسول الله (ص)، فأنزل الله تبارك وتعالى: (... وقالوا لا تَنفِروا في الحَرِّ قُل نارُ جَهنَّمَ أشدُّ حرّاً لو كانوا يَفقَهونَ . فليضحَكُوا قَليلاً وليبكُوا كَثيراً جزاءاً بِما كانوا يَكسِبُونَ)[2]»[3].

وسار جيش رسول الله (ص) قاصداً تبوك في تلك السفرة الشاقة، وعندما انتهى (ص) اليها اتاه «يُحنَّةَ بن رأبة» صاحب أثِلة، فصالح رسول الله (ص) واعطاه الجزية. واتاه اهل جرباء وأذرُح، فاعطوه الجزية. فكتب رسول الله (ص) لهم كتاباً هذا نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذه أمَنَةٌ من الله ومحمد النبي رسول الله لِيُحَنَّةَ ابن رؤبة واهل ايلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر: لهم ذمة الله، وذمة محمد النبي، ومن كان معهم من اهل الشام، واهل اليمن، واهل البحر. فمن احدث منهم حدثاً، فانه لا يحول ماله دون نفسه، وانه طيبٌ لمن اخذه من الناس، وانه لا يحل ان يمنعوا ماءً يرونه، ولا طريقاً يريدونه، من بر او بحر»[4].

وانتهت غزوة تبوك بالجزية دون قتال. وكأن رسول الله (ص) كان يعلم ان الامر سينتهي الى الجزية دون قتال، ولذلك فقد ابقى علياً (ع) في المدينة خليفةً عليها.

فكانت تلك الغزوة تقتضي اما ان يبقى رسول الله (ص) واما علي (ع) في المدينة ويذهب الآخر مع الجيش لقتال المشركين، بسبب بُعد المسافة، وضرورة وجود مدير يدير عاصمة الاسلام ويدافع عنها وقت الحاجة. فاختار رسول الله (ص) ان يُبقي علياً (ع) في المدينة. فاستغل المنافقون ذلك وهوّلوا له. فقد روى الهيثمي: «ان رسول الله (ص) قال لعلي حين اراد ان يغزو: انه لابد من ان اقيم او تقيم. فخلّفه. فقال ناس: ما خلّفه الا شيء كرهه، فبلغ ذلك علياً، فأتى رسول الله (ص) فأخبره، فتضاحك ثم قال: يا علي، اما ترضى ان تكون مني بمنـزلة هارون من موسى؟ ألا انه ليس نبي بعدي»[5]. وكان التضاحك من قبل رسول الله (ص) _ لو صدقت الرواية _ دالاً على تفاهة الشبهة التي اثارها المنافقون. فامضى (ص) دور علي (ع) وجعله بقية النبوة في غيابه (ص).

وفي رواية اخرى رواها النسائي: «لما غزا رسول الله (ص) غزوة تبوك خلّف علياً (كرم الله وجهه) في المدينة، قالوا فيه: ملّه وكره صحبته، فتبع علي (رضي الله عنه) النبي (ص) حتى لحقه في الطريق، قال: يا رسول الله، خلفتني بالمدينة مع الذراري والنساء حتى قالوا: ملّه وكره صحبته؟ فقال النبي (ص): يا علي انما خلّفتك على اهلي، اما ترضى ان تكون مني بمنـزلة هارون من موسى غير انه لا نبي بعدي»[6].

وبكلمة، فان النبي (ص) عندما خرج الى تبوك اناب علياً (ع) عنه في اهله. فانتهز الاعداء ذلك فقالوا: ان رسول الله (ص) تركه كرهاً واستثقالاً. فقال (ص): لقد كذبوا، انما خلّفتك لمن تركتهم ورائي فارجع واخلفني في اهلي واهلك. وقد تأوّل قوله تعالى: (... وقالَ موسى لأخيهِ هارونَ اخلُفني في قَومي وأصلِح ولا تتَّبِع سَبيلَ المُفسِدينَ)[7]، ثم اردف (ص) قائلاً موجهاً كلامه الى علي (ع): اما ترضى يا علي ان تكون مني بمنـزلة هارون من موسى؟ فعلي من النبي (ص) في المرتبة في امور الدين كهارون من موسى. والى ذلك اشار ابن ابي الحديد: «... فقد كان معاوية حاضراً يوم الغدير، لانه حج معهم حجة الوداع، وقد كان ايضاً حاضراً يوم تبوك حين قال له بمحضر من الناس كافة: انت مني بمنـزلة هارون من موسى»[8].

 صور من غزوة تبوك:

هذه صور مختلفة عن الغزوة تحكي قصص التضحية والايثار والاخلاص التي كان يصوغها المؤمنون الاوائل، وتحكي ايضاً قصة الندم على تباطؤ بعض المؤمنين في اداء تكليفهم الشرعي.

1 - «... ثم مضى رسول الله (ص) سائراً، فجعل يتخلَّف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول الله، تخلّف فلان، فيقول: دعوه، فان يك فيه خيرٌ فسيلحقه الله تعالى بكم، وان يك غيرذلك فقد اراحكم الله منه. حتى قيل: يا رسول الله، قد تخلّف ابو ذر، وأبطأ به بعيره. فقال: دعوه، فان يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وان يك غير ذلك فقد اراحكم الله منه ؛ وتلوَّم[9] ابو ذر على بعيره، فلما ابطأ عليه، أخذ متاعه فحمله على ظهره. ثم خرج يتبع اثر رسول الله (ص) ماشياً. ونزل رسول الله (ص) في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله، ان هذا الرجل يمشي على الطريق وحده. فقال رسول الله (ص): (كُن ابا ذر)[10]. فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله ابو ذر. فقال رسول الله (ص): (رحم الله ابا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده). [وبعد ان دارت الايام] ونفى عثمان ابا ذر الى الرَّبَذة[11] واصابه بها قدره، لم يكن معه احد الا امرأته وغلامه، فأوصاهما ان اغسلاني وكفناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فاول ركب يمر بكم فقولوا: هذا ابو ذر صاحب رسول الله (ص) فأعينونا على دفنه. فلما مات فعلا ذلك به، ثم وضعاه على قارعة الطريق ؛ واقبل عبد الله بن مسعود في رَهطٍ من اهل العراق عُمّار، فلم يَرُعْهم الا بالجنازة على ظهر الطريق، قد كادت الابل تطؤها. وقام اليهم الغلام. فقال: هذا ابو ذر صاحب رسول الله (ص)، فأعينونا على دفنه. قال: فاستهلّ عبد الله بن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول الله (ص)، تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتُبعث وحدك. ثم نزل هو واصحابه فواروه، ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه، وما قال له رسول الله (ص) في مسيره الى تبوك[12].

2 - ان ابا خيثمة رجع - بعد ان سار رسول الله (ص) اياماً - الى اهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين[13] لهما في حائطِه (أي بستانه) ، قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبرَّدت له فيه ماءً، وهيأت له فيه طعاما. فلما دخل قام على باب العريش، فنظر الى امرأتيه وما صنعتا له. فقال: رسول الله (ص) في الضِّحّ (أي الشمس) والريح والحر، وابو خيثمة في ظلٍّ بارد، وطعام مهيأ، وامرأةٍ حسناء، في ماله مقيم، ما هذا بالنَّصَف! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله (ص)، فهيِّئا لي زاداً، ففعلتا. ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله (ص) حتى ادركه حين نزل تبوك ... حتى اذا دنا من رسول الله (ص) وهو نازل بتبوك. قال الناس: هذا راكب على الطريق مُقبل. فقال رسول الله (ص): كن أبا خثيمة. فقالوا : يا رسول الله ، هو والله أبو خثيمة. فلما أناخ اقبل فسلّم على رسول الله (ص)، فقال له رسول الله (ص): اولى لكَ[14] يا ابا خثيمة. ثم أخبرَ رسول الله (ص) الخبر، فقال له رسول الله (ص) خيراً، ودعا له بخير[15].

3 - ... وقدم رسول الله (ص) المدينة، وقد كان تخلّف عنه رهطٌ من المنافقين، وتخلّف اولئك الرهط الثلاثة من المسلمين من غير شك ولا نفاق [ولكن تباطأً وفتور همّة، وهم:] كعب بن مالك، ومُرارة بن الربيع، وهلال بن أمية. فقال رسول الله (ص) لاصحابه: لا تكلمنَّ أحدا من هؤلاء الثلاثة. وأتاه من تخلف عنه من المنافقين، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون، فصفح عنهم رسول الله (ص) ولم يعذرهم الله ولا رسوله. واعتزل المسلمون كلام اولئك النفر الثلاثة خمسين يوماً بلياليها. حتى انزل الله تعالى: (لقد تابَ الله على النبي والمهاجرينَ والانصارِ الذين اتبعوهُ في ساعة العُسرةِ من بعد ما كاد يزيغُ قلوبُ فريقٍ منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم. وعلى الثلاثةِ الذين خُلِّفوا حتى اذا ضاقت عليهم الأرض بما رَحُبت وضاقت عليهم انفسهم وظنّوا أن لا ملجأ من الله الا اليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التوابُ الرحيم. يا أيها الذين امنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)[16].

قال كعب: فوالله ما أنعم الله عليّ نعمة قط بعد ان هداني للاسلام كانت أعظم في نفسي من صدقي رسول الله (ص) يومئذٍ، ان لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا [من المنافقين فان الله تبارك وتعالى قال في الذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال: (سيحلفُونَ باللهِ لكم اذا انقلبتم اليهم لتُعرِضوا عنهم فأعرِضُوا عنهم إنهم رجسٌ ومأواهم جهنمُ جزاءً بما كانوا يكسبون. يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين)[17].

قال: وكنا خلّفنا [نحن] الثلاثة عن أمر هؤلاء الذين قبِلَ منهم رسول الله (ص)، حين حَلفوا له فعذرهم، واستغفر لهم، وارجأ رسول الله (ص) أمرنا، حتى قضى الله فيه ما قضى، فبذلك قال الله تعالى: (وعلى الثلاثة الذين خُلّفوا...)[18].

وليس الذي ذكر الله من تخليفنا لتخلّفنا عن الغزوة، ولكن لتخليفه ايانا، وارجائه أمرنا عمن حلَف له، واعتذر اليه، فقبل منه[19].

 

الدلالات العلمية للنصوص

كانت تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله (ص) قبل وفاته (ص)، وكانت من أشق الغزوات وابعدها عن المدينة. والمتأمل في ظروف تلك الغزوة يستنتج بأنها كانت امتحانا للمسلمين بحسن اسلامهم، وتمييزاً بين المؤمنين والمنافقين، وتدريباً للامام (ع) على استخلاف رسول الله (ص). وعلى أي تقدير، فان في تلك الغزوة ثلاث خصائص متميزة نذكرها فيما يلي:

1 - قول رسول الله (ص) لعلي (ع) وهو على مشارف المدينة: «اخلفني في اهلي واهلك». فلابد ان نبحث في معنى الاهل في اللغة. قال الجوهري: «الأهلُ: أهل الرجل، وأهلُ الدار»[20]. وقال الراغب الاصفهاني: «أهل الرجل: من يجمعه واياهم نسب أو دين، او ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد»[21]. وحسب تلك التعاريف، نستنتج ان المراد من جملة «اخلفني في أهلي» احد أربعة معانٍ، هي:

أ - اخلفني في أسرتي: وهذا ما لا وجه له، لان الخلافة في الاسرة تقتضي الابوة والبنوة أو نحوها. وهذا ما ليس بين علي (ع) ومحمد (ص).

ب - اخلفني في نسبي: قال الراغب الاصفهاني: «واهل الرجل في الاصل: مَن يجمعه واياهم مسكن واحد، ثم تجوّز به فقيل: اهل الرجل لَمن يجمعه واياهم نسبٌ»[22]. والمعنى هنا لا يساعد. فلا معنى ان يخلفه في عشيرته دون سائر الناس.

ج - اخلفني في أهل داري: ولا يستقيم المعنى هنا ايضا، لان الخلافة هنا ولاية شرعية غير منحصرة، الا اللهم يُراد منها دار الاسلام. وهنا يستقيم المعنى تماما. أي يا علي اخلفني في اهل دار الاسلام، وهم اهلي واهلك. وهو معنى يشمل اهل بيت النبي (ص) وذريته وزوجاته وكل من سكن دار الاسلام.

د - اخلفني في أهل ديني: وهو معنى مقارب لمعنى «أهل الاسلام» لان الاسلام يجمعهم. وهو معنى قوي، الا ان التفسير الثالث وهو: «اخلفني في اهل داري» اقوى. لانه يشمل دار الاسلام بما فيهم المتظاهرون بالاسلام وقلوبهم غير مؤمنة به، ويشمل العاجزين والقاعدين لاسباب شرعية وغير شرعية.

اذن، نستنتج بان النبي (ص) اراد من الامام (ع) ان يخلفه في دار الاسلام _ وهي المدينة وما جاورها _ خلافة شرعية مع صلاحيات الخلافة من توزيع الثروة الاجتماعية، واقامة الحدود، والدفاع عن المدينة من الاعداء.

2 - كانت غزوة تبوك اول غزوة كبيرة يُصالحَ فيها العدو على الجزية. وهذا يؤيد ما ذكرناه في موضع آخر من هذا الكتاب، بأن من آثار شجاعة امير المؤمنين (ع) وتطاير أنبائها في الآفاق ان قضية الردع بدأت تُؤتي ثمارها. فبعد كل تلك الجهود البطولية الحثيثة من قبل علي (ع) والثبات في المعركة وقتل النخبة من المشركين، اصبح العدو يخشى الجيش الاسلامي بقيادة رسول الله (ص)، ويفضّل اعطاء الجزية على الدخول في حربٍ مع المسلمين.

3 - كان لإستخلاف الامام (ع) على المدينة دلالات كبيرة. فقد كانت تلك الغزوة إخر غزوات النبي (ص) وابعدها عن المدينة. فكان لابد من اجراء احترازي لمستقبل الاحداث في الاسلام، وكان لابد من اظهار مقدرة علي (ع) في الادارة الاجتماعية لمجتمع المسلمين، وكان لابد من ارسال رسالة واضحة المعالم للطامحين بخلافة رسول الله (ص) بالتنحي عن مطامحهم، لان علياً (ع) هو المؤهل الوحيد لتلك المهمة الاستثنائية.

ولاشك ان كلمات الاستخلاف كانت واضحة وقوية للغاية، فقد جعله (ص) بمنـزلة هارون من موسى، لكنه نفى النبوة بعده (ص). والقوة في التعبير لا تُبقي مجالاً للشك في منـزلة علي (ع) في الاسلام ودرجة قرابته الدينية والعلمية من رسول الله (ص).

 

معاني الاستخلاف على المدينة

كانت لخلافة علي (ع) علي المدينة معانٍ ضخمة، اراد المنافقون في ذلك الزمان التقليل من شأنها وتحجيمها. ولكن بدارسة معمّقة لطبيعة النيابة والاستخلاف على المدينة نكتشف انه لم يكن مجرد استخلاف على مجموعة افراد، بل كان استخلافاً على مجتمع مؤسسات ودولة بكل ما تعنيه الكلمة.

1 - اخلُفني في أهلي: انتقال الادارة الاجتماعية

ان فلسفة «اخلُفني في أهلي» تقتضي الحفاظ على مجموعة من الانظمة الاجتماعية والاجهزة الدينية التي تُمسك بخيوط المجتمع. فهي تقتضي الحفاظ على تركيبة النظام الاجتماعي والسياسي للمجتمع الديني من حيث الهرم الاداري. وتقتضي ايضاً الحفاظ على العمليات الاجتماعية من زاوية القضاء وحل الخصومات، وتوزيع الثروة واشباع الفقراء، والتعبديات واقامة الفرائض الجماعية، وعدالة السوق التجاري ونظافته من الربا والاحتكار، وتطبيق العقوبات على المنحرفين ونحوها. وهذا كله يفضي بانتقال الادارة الاجتماعية من يد امينة الى يد امينة اخرى. فاذا اُريد لحركة الاسلام ان تستمر، فلابد ان يخلّف النبي (ص) شخصاً عالِماً مؤتمناً كفوءاً لادارة مجتمع المدينة خلال غيابه في تبوك، كما خلّف النبي موسى (ع) اخاه هارون لادارة شؤون مجتمع بني اسرائيل خلال غيابه (ع) عنهم والتماسه الجبل.

ولا شك ان تبوك كانت مرحلة تمرين وامتحان للصحابة بحسن استيعاب قضية الولاية الشرعية بعد رسول الله (ص) وفهمها فهماً صحيحاً بعيداً عن الاهواء والطموحات السياسية القَبَلية. خصوصا وان قضية تبوك ونظرية «اخلُفني في أهلي» قد جاءت قبل واقعة الغدير بفترة زمنية قصيرة.

ومخاطبة رسول الله (ص) لعلي (ع): «اخلفني في أهلي» كانت قد لَحظت الضغط السياسي المحلي من قبل الطامحين بالسلطة من قريش من الذين اسلموا مؤخراً، ولحظت الكبار الذي وضعهم الاسلام بحجمهم الحقيقي وكانوا وقتها قادة قريش، ولحظت المنافقين ومن الذين في قلوبهم مرض من الذين تخلفوا عن رسول الله (ص) خلال مسيره الى تبوك، ولحظت الوضع النفسي المتغير للاعراب وبعض الجنود الذين لا يفكرون الا بالغنائم. فصورة الوضع الاجتماعي للمدينة، كانت صورة واضحة لرسول الله (ص) عندما خلّف علياً (ع) لإدارتها وقت غيابه في معركة حاسمة مثل تلك المعركة. وقد كان النبي (ص) يعلم يقيناً ان علياً (ع) هو اكثر الناس كفاءةً لادارة المجتمع الديني في المدينة، لاسباب (منها): ادراكه الواقعي لاحكام الشريعة. و(منها): نضوجه الحربي والفكري والاجتماعي بحيث يستطيع حمل راية الاسلام خفّاقة بعد رسول الله (ص). وكان الامام (ع) يعلم بحجم التكليف الذي حمّله اياه رسول الله (ص). ولكنه (ع) ارادها ان تُسمع عالية واضحة انه لم يخلّفه (ص) على مجرد النساء والصبيان كما يتبادر في الذهن اول مرة، بل اراده في ذلك التكليف انجاز ما ينجزه الرسل والانبياء (عليهم السلام) عادةً كما قال (ص): «الا ترضى ان تكون مني بمنـزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي»[23]. وقد كلّف موسى (ع) اخاه هارون بقوله: (...اخلُفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين)[24].

2 - اخلُفني في أهلي: اصالة النيابة

تعني النيابة او عبارة «اخلُفني في اهلي» اصالة علاقة اخلاقية وقانونية بين شخصين هما: النائب، والمنوب عنه. حيث تنتقل السلطة او المسؤولية القانونية الى النائب للقيام بالاعمال الموكولة اليه من قبل المنوب عنه. وتلك العلاقة محكومة بشروط موضوعية عديدة. ولا يمكن تفريغ علاقة ضخمة من ذاك القبيل من شروطها الموضوعية. ففكرة النيابة مشروطة بتطابق التكليف مع القدرة الكاملة على انجازه تاماً. ولذلك قيل ان «النيابة» عملية معقدة خصوصا اذا تعلّقت بقضايا السلطة وادارة المجتمع. لان لها تأثيرا على حقوق الناس ومعتقداتهم وتكاليفهم الشرعية والاجتماعية. 

أ - كفاءة النائب:

ولا شك ان دراسة حجم المسؤولية الملقاة علي عاتق علي (ع) في النيابة او الخلافة على المدينة خلال غزوة تبوك يكشف عن عمق شخصية الامام (ع) وعلاقته الصميمية بالنبوة وبمحمد (ص). فقد كان رسول الله (ص) يعلم ان في شخصية علي (ع) ثلاثة عناصر او شروط تستطيع ان تحقق خَلَفاً صالحاً لخير سلف، وهي:

الاول: قوة ادراك علي (ع) لمقتضيات الشريعة واحكامها ونظامها الاخلاقي والعقائدي. وكان ذلك واضحاً في ادراكه اسرار القرآن الكريم، والسيرة النبوية الشريفة. وتوضحَ الامرُ اكثر عندما كان المنقذ لكثير من المشاكل التي حصلت بعد رسول الله (ص)، وعجز الخلفاء الثلاثة عن معالجتها معالجة شرعية.

الثاني: قوة علي (ع) الذهنية التي تستطيع ان تدير الامور الاجتماعية في عاصمة الدولة الاسلامية. خصوصاً اهتمامه بالفقراء والمعوزين، وتقسيم الثروة الاجتماعية بالتساوي لمستحقيها.

الثالث: قدرة علي (ع) في إحكام تماسك المجتمع الاسلامي دينياً، لانه كان يمتلك تلك الشخصية الاستثنائية في البطولة، والايثار، والزهد، والتقوى، والعلم، والعبادة، ومواساة الفقراء والمحرومين. وتلك الصفات الفاضلة اذا اجتمعت في شخصية واحدة، كان لها القدرة على جمع العابد مع العالِم، والتاجر مع الفقير، والغني مع المحتاج، والقوي مع الضعيف. واذا تم جمع تلك العناصر في خيمة اجتماعية واحدة يسودها الحب والتكاتف والمسؤولية، اقترب الاسلام من تحقيق اهدافه العليا في الحياة. 

ب - اُسس البناء الاجتماعي للمدينة:

ومن الطبيعي فان رسول الله (ص) عندما قال لعلي (ع): «اخلُفني في اهلي واهلك»، «اما ترضى ان تكون مني بمنـزلة هارون من موسى» لحظ بعض الاسس في البناء الاجتماعي للمدينة وهي:

أولاً: التركيبية الاجتماعية لمجتمع غاب عنه رسول الله (ص)، وفيه المنافقون الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وكان فيهم تجار ومتمولون، والقاعدون الذين لا يهمهم انتصار الاسلام او انكساره، والقاصرون والعاجزون من نساء وصبيان وشيوخ، وبعض من المؤمنين تخلفوا كسلاً وليس عدم رغبة في القتال.

ثانياً: الشعور في المجتمع المدني تجاه القضايا العامة. وكان شعوراً يتراوح بين اللاابالية وبين العداء المبطن ضد الاسلام. يصفه لنا القرآن الكريم بالقول: (فرِحَ المُخلّفون بمقعدهم خِلاف رسول الله وكرِهوا أن يجاهدوا بأموالِهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفِرُوا في الحرِّ قُل نارُ جهنمَ أشدُّ حراً لو كانوا يفقهون)[25]، وكانوا يتظاهرون بانهم مؤمنون ولكنهم ليسوا كذلك: (ويحلفون باللهِ إنهم لمنكم وما هُم منكم ولكنَّهم قومٌ يفرقون)[26]. وكان منهم من كان يطعن في أمر الصدقات: (ومنهم من يلمِزُكَ في الصدقاتِ فإن اُعطوا منها رَضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم يَسخَطون)[27]. ومنهم الذين استأذنوا النبي (ص) واعطوا الاعذار الفاسدة: (إنّما السبيلُ على الذين يستأذنونكَ وهم اغنيآءُ رَضوا بان يكونوا مع الخوالفِ...)[28]، (ومنهم من يقولُ أئذن لي ولا تفتنّي الا في الفتنةِ سقطوا...)[29].

وكانت تلك النماذج موجودة في مجتمع المدينة خلال غياب رسول الله (ص)، فكانت النيابة او الخلافة على دار الاسلام تقتضي التعامل مع هؤلاء تعاملاً اخلاقياً حذراً بما يوحيه التكليف الشرعي.

وبالاجمال، فقد كان شعور تلك الشريحة الواسعة في مجتمع المدينة شعورا سلبياً ضد الدين، ولذلك قال علي (ع) متسائلاً مخاطباً: «يا رسول الله، خلفتني بالمدينة مع الذراري والنساء حتى قالوا: ملّه وكره صحبته؟»[30]، وكأنه تجاهل (ع) وجود تلك المجاميع من الرجال التي فضّلت البقاء على نصرة الدين. ولكنها على اية حال، كانت تشكل خطراً على الوضع الاجتماعي والديني في المدينة.

ثالثاً: ان النيابة او الخلافة لم تكن مجرد خلافة على مال محفوظ او على ارض مستثمَرة او على بستان او على ملك محدود، بل كانت خلافة على تدبير امور مجتمع تضمّن شرائح متناقضة من مؤمنين ومنافقين واعراب واهل ذمة، ومجتمع احتوى على مؤسسات مدنية مثل بيت المال، ومصالح زراعية وصناعية وتجارية، ومساكن، وادوات حرب واسلحة ونحوها. وبكلمة، فقد كانت خلافة على مجتمع مؤسسات وليست خلافة على مجرد أفراد.

ولا شك ان الامة تتوقع من الخليفة او النائب دوراً يشابه دور الاصيل في الادارة الدينية والاجتماعية. وصفات النائب وموقفه الحكيم الحازم من الاحداث ودوره في المؤسسات الاجتماعية كبيت المال والجيش والزراعة والصناعة والتعليم ينبغي ان يكون متمماً لدور الاصيل في ذلك.

ولم يكن علي (ع) بعيداً عن ذلك. بل كان (ع) من اهل بيت النبوة (ع)، قضى جلّ حياته مع رسول الله (ص). وكان يتحلى بصفات خاتم الانبياء (ص)، ويحمل نظرته نحو الدين والحياة والتكاليف الشرعية. ولذلك فقد كان متوقعاً ان يقوم علي (ع) باتمام دور الاصيل (ص)، عبر طريقين متلازمين:

الاول: المهارة الدينية التي كان يمتلكها (ع) في ادارة امور الامة سياسياً وعسكرياً واجتماعياً. وقد اشرنا الى لمحات منها آنفاً.

الثاني: توقع الامة ثبات الوضع الديني وعدم تغيّره عند غياب رسول الله (ص). لانها كانت تعرف ان علياً (ع) كان فيه بقية من النبوة ونسخة من علم رسول الله (ص) وتقواه وعفته وزهده وشجاعته. 

3 - اخلُفني في اهلي: المسؤولية الدينية

ولو طرح التساؤل التالي: ماذا تحمل جملة «اخلفني في اهلي»؟ هل هي تعني فكرة امر من اوامر الخلافة او النيابة؟ او تعني فكرة المشابهة والمناظرة بين النائب والاصيل؟ او تعني فكرة تحمل المسؤولية الدينية والاخلاقية في ادارة الامة؟ 

أ - النيابة واقسامها:

في الاجابة على ذلك لابد من تقسيم النيابة او الخلافة الى ثلاثة اقسام:

الاول: الانتداب. قال الجوهري: «نَدَبَهُ لأمرٍ فانتَدَبَ له، أي دعاه له فأجاب»[31]، وهي تحمل فكرة المندوب الذي يُمنح تفويضاً او يستلم أوامرَ من المنتدِب وينفذها حرفاً بحرف. وهي فكرة قضائية قانونية بالدرجة الاولى. فالقاضي ينتدب من يراه صالحاً لحل الخصومات بين افراد في قضية معينة. وقد انتدب رسول الله (ص) علياً (ع) عند فتح مكة وارسله على بني جذيمة بن عامر ليوادّهم على ما فعله خالد بن الوليد من قتل. وجملة «اخلفني في اهلي» لا تعطي معنى تلك المهمة المحدودة الخاصة بطرف معين وظرف مقيد.

الثاني: المناظرة والمشابهة: وهذه تحمل فكرة ان الخلافة جاءت بسبب النسب والعلاقة الرحمية بينهما. فالمَلِكُ مثلاً يستخلف ابنه على ملكه. وقد يقال بان علياً (ع) كان ابن عم رسول الله (ص) وزوج ابنته فاطمة (ع)، ولذلك منحه شرف الخلافة على المدينة خلال غزوة تبوك. واذا كان هذا الامر سليماً على المستوى الاسري، فانه لا يصحُّ على المستوى الاجتماعي. ذلك ان ادارة المجتمع تحتاج الى مؤهلات ولياقات غير متوفرة حتى في اعمام رسول الله (ص) كحمزة والعباس فضلا عن ابناء عمه جعفر وعقيل. ولذلك فهو (ص) لم يكلفهم في حياته بما كلّف به عليا (ع). يضاف الى ذلك ان المسؤولية الدينية تختلف عن المسؤولية الادارية في انظمة دنيوية كالانظمة السياسية العلمانية السائدة اليوم. وفكرة «اخلفني في اهلي» لا تعطي هذا المعنى.

الثالث: المسؤولية الدينية: وتعني هنا ان الخلافة او النيابة كانت تمثل إدارة الدين في ادارة مجتمع دار الاسلام. فما يريده الدين هو إدارة الشريعة والملاكات التي تمثله احكامها. وليس هناك ادنى شك بان رؤية الدين تجاه الذين تنتخبهم السماء يتطابق مع رؤيته لملاكات الاحكام ومقتضياتها. ولذلك كان علي (ع) - في نظر السماء - حارساً لاحكام الشريعة وملاكاتها في غياب النبي (ص). وهذا المعنى مطابق تماماً لفكرة: «اخلُفني في اهلي».

ولا شك ان المسلم الذي كان يعيش في المدينة ذلك الوقت كان يطمئن عندما يعلم ان هناك من يقوم مقام رسول الله (ص) في الادارة الدينية والاجتماعية. فكان الامام (ع) مرآة الشريعة عند غياب رسول الله (ص) عن الساحة. ذلك ان غياب رسول الله (ص) دون وجود نائب ينوبه في عاصمة الاسلام يعني إحداث فجوة كبيرة بين المسلمين وقيادتهم الشرعية.

اذن يكون الجواب على التساؤلات المطروحة آنفاً هو ان فكرة «اخلفني في اهلي» كانت تعني تحمل المسؤولية الدينية والاخلاقية في ادارة امة الاسلام خلال غياب رسول الله (ص). 

ب - المسؤولية الاخلاقية في الخلافة:

وفي ضوء تلك القاعدة نؤمن بان المسؤولية الاخلاقية في خلافة المدينة خلال غزوة تبوك كانت على طرفين:

الاول: الالزام الاخلاقي تجاه الله عز وجل ورسوله (ص) والدين. وهو الزام نشأ معه علي (ع) وتربى عليه، وهو في احضان رسول الله (ص) صبياً. وتلك مسؤولية مستقلة تعلّمها علي (ع) من النبي (ص).

الثاني: الالزام الاخلاقي تجاه المجتمع عموماً والطبقة المحرومة بالخصوص كالقاصرين والعاجزين والفقراء. وتلك مسؤولية دينية تابعة لطبيعة المجتمع وظروفه وشروط معيشته.

وبكلمة، فقد كان السلوك المسؤول لقائد مثل الامام (ع) في المدينة خلال تلك الفترة الصعبة سلوكاً اخلاقياً غنياً بصفاء الروح والعقل والضمير، والكفاءة المطلقة في ادارة امور الناس. ولذلك فقد كانت ولايته القصيرة على المدينة خلال غياب النبي (ص) ولاية اخلاقية مسؤولة مسكت بطرفي الرداء، وهما:

أ - الاشراف المباشر على المحرومين والاهتمام بشؤونهم وسد حاجاتهم.

ب - الكفاءة الحكومية التي تبلورت فيها كليات الادارة الاجتماعية للدين.

ولذلك كان علي (ع) يطمح في تحقيق هدفٍ سامٍ وهو تقديم مصلحة الدين على جميع المصالح الاخرى في المجتمع. فاذا تزعزعت مقاعد اجتماعية لقومٍ من اجراء توزيع الثروة الاجتماعية على الفقراء، فان ذلك يعني تقديم مصلحة الدين على مصالح الآخرين. واذا كان الموقف يتطلب اجراء الحدود على المنحرفين، فان ذلك يعني تقديم مصلحة الدين على مصالح الآخرين، وهكذا.

ولا شك ان التمثيل السياسي في النظام الديني لا يحتاج الى انتخاب من قبل الافراد، ذلك لان التعيين السماوي يلحظ المهارات التي يتمتع بها القائد والتي نطلق عليها اصطلاح «العصمة» في الدين والدنيا. فالعملية هنا لا تحتاج الى استفتاء او عملية انتخابية من قبل الناس، بل ان الدين ينصّ على التعيين.

واذا كان المعصوم مثل علي (ع) يعلم ملاكات الاحكام وعللها، ولديه تلك المؤهلات والمهارات والصفات الشخصية، فانه سيكون حتماً مرشّح السماء للادارة الاجتماعية للناس في غياب الاصل (ص). والامة بشرائحها المختلفة لابد ان تعرف المعصوم (ع) من خلال سلوكه الاخلاقي والاجتماعي الرفيع، فهو يعيش معها حقباً متلاحقة واجيالاً متعاقبة. فكما ان السفير الذي يمثّل دولته لدى دولة اخرى يُعيّن بسبب كفائته ولياقته ولا ينتخب، كذلك الامام المعصوم (ع) فانه يُعيّن بسبب لياقته وكفائته في ادارة المجتمع، وتعرفه الامة من خلال ذلك. فهو سفير السماء اليها. 

4 - اخلُفني في اهلي: خلافة على الدولة الاسلامية وافرادها

والحديث عن الخلافة على المدينة خلال غزوة تبوك يستدعي التعرض بايجاز لوضع النظام الاجتماعي والسياسي الذي خُلِّف على ادارته، ووضع الافراد الذين خُلِّف على تأمين شؤونهم. 

أ - وضع الدولة التي خُلِّف (ع) على ادارتها:

وهو وضع جغرافي سكاني خاص، فقد كانت المدينة قبل الاسلام مقسّمة بشرياً الى ثلاثة اقسام: الاوس، والخزرج، واليهود. وبعد الاسلام ضمّت المدينة بين جناحيها مجموعة من الناس، وهم بشكل رئيسي: المسلمون المؤمنون من مهاجرين وانصار، والمنافقون، واليهود. وسوف نفصّل في التركيبة السكانية للمدينة خلال غزوة تبوك بعد قليل ان شاء الله تعالى.

اما على مستوى المؤسسات الخاصة بدولة الاسلام، فقد كانت على الترتيب التالي:

1 - بيت المال، وهو من اهم المؤسسات التي كان يرعاها رسول الله (ص) وخليفته (ع) لانها كانت توزع الحقوق على الفقراء من صدقات واخماس وزكوات واجبة او مندوبة، وكانت توزع الغنائم على المقاتلين.

2 - السوق التجاري، حيث كانت تعرض فيه المواد الغذائية من طعام ذلك الزمان كالقمح والشعير والتمر والزبيب، والانعام كالغنم والبقر والجمال، والاقمشة المنسوجة، والصناعات الخزفية والصناعات اليدوية المعمولة بخوص النخيل. وقد كان السوق يمثّل الشريان الحيوي للناس في المدينة لانه كان يزودهم بما يحتاجونه من امور معاشية في حياتهم الاجتماعية.

3 - الجيش. حيث كان الناس ينفقون على مؤسستهم العسكرية ثم يسترجعونه بما يحصلون عليه من غنائم. ولذلك كان الفقراء غير قادرين على الخروج لانهم لا يملكون عدّة ما يخرجون به ويحاربون فيه كالراحلة او السيف او الزاد. وقد ذهب الجيش خلال خلافته المؤقتة (ع) الى تبوك بقيادة رسول الله (ص).

4 - المسجد. وهو دار الدولة ومركزها وفيه تتم الخطط الحربية والتبليغية، ويتم فيه تعليم الناس القرآن والاحكام الشرعية. وتقام فيه العبادات من صلاة الجمعة والجماعة والعيدين.ويضم المسجد عدة مؤسسات اجتماعية، منها: نظام الادارة وتوزيع الحقوق، والنظام التعليمي، والنظام القضائي، والضمان الاجتماعي، والادارة العسكرية، ونحوها.

5 - القضاء. وهي المؤسسة التي تهتم بحل النـزاعات بين المتخاصمين من الافراد على صعيد الحقوق والملكية.

6 - الزراعة والصناعة. وكانت المدينة تشتهر بالزراعة والصناعة. وتلك تدرّ وارداً على الدولة فيما يتعلق بالخراج والزكاة، وتسدّ حاجة الناس للمواد الغذائية والمصنوعات الخاصة بالمنازل.

7 - الاحياء العمرانية. وهي مساكن الناس ودورهم ومنازلهم التي يأوون اليها، وفيها مستلزمات حياتهم ومعاشهم.

وتلك المؤسسات التي تركها رسول الله (ص) في اطول غزوة له «بلغت مدتها عدة اشهر» كانت بحاجة الى ادارة اجتماعية وتنظيم ديني للاولويات. وادارة الدولة باطارها الخارجي يحتاج الى كفاءة ادارية ودينية كان يملكها الامام (ع) دون بقية المسلمين. ولذلك كانت خلافة الامام (ع) على مجتمع مؤسسات لا مجتمع افراد، كما اشرنا الى ذلك سابقاً. 

ب - وضع الافراد الذين خُلِّف على ادارتهم:

وهنا ينبغي الاشارة الى ان الامام (ع) كان يولي الالزامات الدينية كالقضايا التعبدية واشباع الفقراء اولوية على النشاطات الثانوية كحضور منتدياتهم واجتماعاتهم ونحوها. فكان (ع) يقدّم الواجبات الاخلاقية التي جاء بها الدين مثل رعاية اليتيم واشباع المسكين والاهتمام بالرعية على الكماليات التي احبها الناس كطيب الطعام، والبرودة في وسط هجير الصيف، والتحلل من المسؤوليات الاجتماعية، ونحوها.

ودراسة اجتماعية للشرائح التي بقيت في المدينة خلال غزوة تبوك تكشف لنا التركيبة السكانية لعاصمة الاسلام في تلك الحقبة التأريخية الحساسة:

أولاً: المنافقون الذين كانوا يتظاهرون بالاسلام ولكنهم كانوا يضمرون العداء والمكيدة ولا يخرجون مع رسول الله (ص) في حروبه، وفي مقدمتهم رأس النفاق عبد الله بن ابيّ بن سلول. وهؤلاء كانوا يحبون الراحة والدعة والاجواء المسترخية على الجد والجهاد. فكانوا بحاجة الى قائد ديني زاهد متعفف يذكّرهم بالله سبحانه وتعالى دوماً. فادارة هذا النمط من الافراد يحتاج الى زهد وايمان وقوة يقين كما يحتاج الى كفاءة ادارية صارمة.

ثانياً: المسلمون المؤمنون من فقراء الرجال، وقد بقي هؤلاء في المدينة لانهم لم يتمكنوا من تحصيل عُدّة السفر والجهاد. والقاصرون من نساء وذراري، من عوائل المقاتلين الذين ذهبوا الى تبوك مع رسول الله (ص). والعاجزون عن القتال لاسباب صحية وجسمية كالمرض والسن. وكان هؤلاء بحاجة الى قائد ديني ينظر في حاجاتهم الشرعية والمعاشية. وادارة تلك الشريحة من الناس تحتاج الى علم ودين وتقوى واحساس بالعدالة ودوافع عملية لتطبيقها.

ثالثاً: اهل الذمة من يهود ونصارى، وهؤلاء بحاجة الى مدير يدير امورهم الاجتماعية ويستلم جزيتهم لوضعها في بيت المال.

رابعاً: بقية الافراد الذين كانوا يأتون الى المدينة، كالاعراب من البوادي لشراء مستلزمات معيشتهم وبيع الفاضل من دوابهم، والتجار الذين كانوا يمرون بالمدينة وهم في طريقهم الى العراق او الشام او اليمن. ومجموعة من المحاربين مع الامام (ع) لحماية المدينة وأهلها من هجوم الاعداء.

ولا شك ان ذلك الاستخلاف على المدينة كان تجربة فريدة للامام (ع) في الادارة الاجتماعية، خصوصاً انه كان متوقّعاً للنبي (ص) ان يرجع ويرى عمل علي (ع) خلال غيابه. وكان امضاؤه (ص) لادارة علي (ع) شهادة عظمى على كفاءته (ع) وقدرته على تنظيم امور المجتمع الاسلامي بعد رحيله (ص) ايضاً. وهنا جمع علي (ع) _ بكل كفاءة _ بين طرفي الادارة الدينية للمجتمع، وبالخصوص فيما يتعلّق بالحقوق والواجبات والتعبديات.

 

علي (ع) وسورة براءة: «لا يؤدي عني الا رجل من اهل بيتي»

رجع رسول الله (ص) من غزوة تبوك في شهر رمضان من السنة التاسعة للهجرة. وفي ذي الحجة من نفس السنة تحرك المسلمون بأمر رسول الله (ص) لاداء فريضة الحج وكان على امرتهم ابي بكر. فلما «نزلت سورة التوبة (براءة) قيل له: يا رسول الله لو بعثت بها الى ابي بكر. فقال (ص): لا يؤدي عني الا رجل من اهل بيتي. ثم دعا علي بن ابي طالب (رضوان الله عليه)، فقال له: اخرج بهذه القصة من صدر براءة، واذّن في الناس يوم النحر اذا اجتمعوا بمنى، انه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله (ص) عهد فهو الى مدته... فعندما كان يوم النحر قام علي بن ابي طالب (رضي الله عنه)، فأذّن في الناس بالذي امره به رسول الله (ص). فقال: ايها الناس، انه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله (ص) عهدٌ فهو الى مدته. وأجّل الناس اربعة اشهر من يوم أذّن فيهم، ليرجع كل قوم الى مأمنهم أو بلادهم، ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة الا احدٌ كان له عند رسول الله (ص) عهد الى مدة، فهو له الى مدته. فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عُريان»[32].

وسورة براءة امرت بنقض ما بين رسول الله (ص) ويبن المشركين من العهد العام الذي كانوا عليه فيما بينه وبينهم، والعهود الخاصة بينه (ص) وبين بعض قبائل العرب، وتحدثت عمن تخلّف من المنافقين عنه في تبوك، فكشفت سرائر الناس خصوصاً المنافقين. 

1 - الدلالات المستقاة من سورة التوبة:

نزلت هذه السورة سنة تسع من الهجرة كما ذكرنا، أي بعد حوالي سنة من فتح مكة، وقبل حجة الوداع بسنة واحدة.

ومحور السورة المباركة يدور حول امر المنافقين ويفضح اسرارهم، ولذلك سُمّيت في زمان النبي (ص) بـ «الفاضحة» لانها فضحت المنافقين باظهار نفاقهم، وسُمّيت بـ «المبعثرة» لانها بعثرت اسرارهم، وسُمّيت بـ «المقشقشة» لانها برأت من النفاق والشرك. وسُمّيت بـ «الحافرة» لانها حفرت عن قلوب المنافقين ما كانوا يسترونه. وفيها آيات القتال مع المشركين، والقتال مع اهل الكتاب، وآيات عدم ولاية الكفار، وآيات الزكاة وغير ذلك.

وفي السورة دلالات مهمة نعرضها بالترتيب التالي:

اولاً: البراءة من المشركين: وفيها قوله تعالى: (براءةٌ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ الى الذينَ عاهَدتُم مِنَ المُشرِكينَ.  فَسيحُوا في الأرضِ أربَعَةَ أشهُرٍ واعلَموا أنَّكُم غَيرُ معجزي اللهِ وأنَّ اللهَ مُخزي الكافرينَ)[33]. وفي الرواية «عن زيد بن نفيع قال سألنا علياً (ع): بأي شيء بُعِثتَ في ذي الحجة؟ قال: بعثتُ بأربعةٍ: لا يدخل الكعبة الا نفسٌ مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مؤمن وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين رسول الله (ص) عهدٌ فعهده الى مدته ومن لم يكن له عهد فأجله اربعة اشهر»[34].

وأعلنت السورة عن نجاسة المشركين، فقالت: (يا أيُّها الذينَ آمَنوا إنَّما المُشرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقرَبُوا المَسجِدَ الحرامَ بَعدَ عامِهِم هذا..)[35].

ثانياً: قتال المشركين: وفيها قوله: (فإذا انسلَخَ الأشهُرُ الحُرُمُ فاقتُلُوا المُشرِكينَ حَيثُ وَجَدتُمُوهم...)[36]. فأمرهم عزّ وجلّ عند انقضاء الاجل وهو اربعة اشهر، بوضع السيف في المشركين. وهذا ناسخ لكل آية وردت في الصلح والاعراض عنهم. وفي مورد آخر: (قاتِلُوهُم يُعذِّبهُمُ اللهُ بأيديكُم ويُخزِهِم ويَنصُرُكُم عليهم ويَشفِ صُدًورَ قَومٍ مؤمِنينَ...)[37]. وفي مورد ثالث عن قتال اهل الكتاب: (قاتِلُوا الذينَ لا يؤمنونَ باللهِ ولا باليَومِ الآخِرِ ولا يُحرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ ورسولُهُ ولا يُدينونَ دينَ الحقِّ مِنَ الذينَ اُوتوا الكِتابَ حتّى يُعطوا الجزيَةَ عَن يَدٍ وهُم صاغِرونَ)[38]. وفي مورد رابع: (... وقاتِلُوا المُشرِكينَ كافَّةً كما يقاتلونكم كافَّةً...)[39]. وفي مورد خامس: (انفروا خِفافاً وثِقالاً وجاهدوا بأموالِكُم وأنفسِكم في سَبيلِ اللهِ ذلكُم خيرٌ لَكُم إن كُنتُم تَعلَمُونَ)[40]. وفي مورد سادس: (يا اّيُّها الذين آمَنوا قاتِلوا الذينَ يَلُونَكُم مِنَ الكُفّار ولِيَجدوا فيكم غلظةً واعلموا أنَّ اللهَ مَعَ المُتقينَ)[41].

ثالثاً: ولكن اذا تاب المشركون فاخوانكم في الدين: وفيها قوله: (فإن تابُوا وأقامُوا الصلاةَ وآتَوا الزكاةَ فإخوانُكُم في الدينِ ونُفصِّلُ الآياتِ لقومٍ يعلمون)[42]. أي اذا قبلوا الاسلام بعد ان ندموا على ما كان منهم من الشرك، وأدوا التكاليف الشرعية من صلاة وزكاة فعاملوهم معاملة اخوانكم من المؤمنين.

رابعاً: النهي عن موالاة الكافرين وان كانوا اقرب نسباً: وفيها قوله تعالى: (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا لا تتخِذُوا آباءَكم واخوانَكم أولياءَ إن استحبوا الكفرَ على الايمانِ ومَن يتولَّهُم مِنكُم فأولئكَ هُمُ الظالِمونَ)[43]. وفيها دلالة صريحة على حرمة موالاة المؤمنين _ في امر الدين _ للكافرين وان كانوا في النسب الاقربين. قال «ابن عباس لما امر الله تعالى المؤمنين بالهجرة وارادوا الهجرة فمنهم من تعلّقت به زوجته ومنهم من تعلّق به ابواه وأولاده فكانوا يمنعونهم من الهجرة فيتركون الهجرة لاجلهم فبيّن سبحانه ان امر الدين مقدّم على النسب، واذا وجب قطع قرابة الابوين فالاجنبي اولى»[44].

خامساً: تنظيم الثروة المالية عند المسلمين: وفيها قوله: (... والذين يَكنِزونَ الذَّهَبَ والفضّةَ ولا يُنفِقونَها في سَبيلِ الله فبشِّرهُم بِعذابٍ أليمٍ . يَومَ يُحمى عليها في نارِ جهنَّمَ فَتُكوى بِها جِباهُهُم وجُنوبُهم وظُهورهم هذا ما كنـزتم لأنفسِكُم فذوقوا ما كنتُم تكنـزون)[45]. ودلالتها على وجوب اداء زكاة المال، فان لم تؤدّ زكاتهم فهو كنـز.

سادساً: وصف حال المنافقين: في مواضع منها:

أ - يطلبون من رسول الله (ص) الاذن في القعود عن الجهاد، بالمعاذير الفاسدة. وفيه قوله تعالى: (لا يستأذنكَ الذينَ يُؤمِنونَ باللهِ واليَومِ الآخِرِ أن يُجاهِدوا بأموالهم وأنفسهِم واللهُ عليمٌ بالمتّقين. إنَّما يستأذنُكَ الذينَ لا يؤمِنونَ باللهِ واليومِ الآخِرِ وارتابت قُلُوبهم فهم في رَيبِهم يترددونَ)[46]. وهؤلاء المنافقون يستأذنونك تملّقاً، ويتوقعون الاذن لشكهم في دين الله، ولو كانوا مخلصين لوثقوا بنصر الله عزّ وجلّ. وقال في موضع آخر: (إنَّما السَبيلُ على الذينَ يستأذنونكَ وهُم أغنياءُ رَضوا بأن يَكونوا مَعَ الخَوالِفِ وطَبَعَ اللهُ على قُلوبهم فهُم لا يعلَمونَ)[47]. وفي الآية ادانة للمنافقين الذين طلبوا الاذن من رسول الله (ص) للقعود، وهم مع ذلك اغنياء متمكنون من الجهاد في سبيل الله وقادرون على نفقة الخروج وآلة السفر.

ب - عدم استعدادهم للخروج للحرب: وفيها قوله: (ولو أرادوا الخُرُوجَ لأعدّوا لهُ عُدَّةً ولكن كَرِهَ اللهُ انبعاثَهُم فثبّطهم وقيلَ اقعُدوا مَعَ القاعِدينَ)[48]. فهؤلاء المنافقون لو كانت لديهم الرغبة في جهاد الكفار كما اراد المؤمنون ذلك لاستعدوا للخروج واخذوا اهبة الحرب من الكراع والسلاح.

ج - التوسل بمختلف الاعذار من اجل عدم الخروج: وفيها قوله: (ومِنهُم مَن يَقولُ ائذن لي ولا تفتنّي ألا في الفتنةِ سَقطوا وأنَّ جهنَّمَ لَمُحيطَةٌ بالكافرينَ)[49]. وهي بعض اعذارهم في القعود عن الجهاد، حيث كانوا يزعمون انهم ربما يفتنون بنساء الروم. وقوله عزّ وجل: (فَرِحَ المُخلَّفونَ بِمقعَدِهِم خلافَ رَسول اللهِ وكَرِهوا أن يُجاهِدوا بأموالِهم وأنفسهم في سبيلِ اللهِ وقالوا لا تنفروا في الحرِّ قُل نارُ جهنَمَ أشدُّ حراً لو كانوا يَفقَهونَ)[50]. وتلك وسيلة اخرى من وسائل عدم الخروج وهو طلب الراحة والدعة والعدول عن تحمل المشاق في طاعة الله، وعدم الخروج في الحر.

د - يتظاهرون انهم من المؤمنين ولكنّهم ليسوا كذلك: وفيها قوله: (ويَحلِفُونَ باللهِ إنَّهُم لَمِنكُم وما هُم مِنكُم ولكنّهم قَومٌ يفرقون)[51]. وفيها اظهر تعالى سرّاً من اسرارهم، فهؤلاء المنافقون يقسمون بأنهم مؤمنون ولكنهم ليسوا بمؤمنين. ولكنهم يخافون القتل والاسر ان لم يظهروا الايمان.

هـ - طعنهم في امر الصدقات وبخلهم: وفيها قوله عزّ من قائل: (ومِنهُم مَن يلمِزُكَ في الصدقاتِ فإن اُعطُوا منها رَضوا وإن لَم يُعطُوا منها إذا هُم يَسخطونَ)[52]. والمعنى ان منهم من يعيبك يا محمد في امر الصدقات، فان اعطوا من تلك الصدقات رضوا واقروا بالعدل، وان لم يُعطوا منها كانوا ساخطين وغاضبين عليك. وقوله تعالى في بخلهم: (ومِنهم مَن عاهَدَ اللهَ لئِن آتانا مِن فَضلِهِ لنصدقنَّ ولَنكوننَّ من الصالحينَ . فلمّا آتاهُم مِن فضلِهِ بخلوا بهِ وتولّوا وهُم مُعرِضونَ)[53]. وفي الآية دلالة على صنفٍ من المنافقين ممن عاهد الله لئن رزقه ليتصدقن على الفقراء، ولكن ما ان فاض رزق الله عليه حتى شحّت نفسه عن الوفاء بالعهد، فبخل عن اعطاء الزكاة.

وقوله في المنافقين الذين يعيبون المؤمنين ذو الدخل القليل: (الذينَ يَلمِزونَ المطوّعين مِنَ المؤمِنينَ في الصدقاتِ والذينَ لا يَجدونَ إلاّ جُهدَهُم فَيَسخَرونَ مِنهُم سخرَ اللهُ مِنهم ولَهُم عَذابٌ أليمٌ)[54]. وهؤلاء المنافقون كانوا يعيبون المؤمنين الذين لا يجدون الا القليل ليتصدقوا به، وكانوا ايضاً يعيبون المُكثِر بالرياء والمقلّ بالاقلال.

و - بعضهم أولياء بعض: وفيها قوله: (المنافِقونَ والمنافقاتُ بعضُهم مِن بَعضٍ يأمُرُونَ بالمُنكَرِ ويَنهَونَ عَنِ المَعروفِ ويَقبِضونَ أيديهم نَسوا اللهَ فَنَسيهم إنََّ المنافقينَ هُمُ الفاسِقونَ)[55]. وفيها دلالة على ان بعضهم مضاف الى بعض في الاجتماع على النفاق والشرك. فهم يأمرون بالشرك والمعاصي وينهون عن الافعال الحسنة التي امر الله بها، ويمسكون اموالهم عن انفاقها في طاعته ومرضاته عزّ وجلّ. 

2 - الاستنتاج:

اذن، نستقرىء من سورة التوبة (براءة) معانٍ ضخمةٍ في البراءة من المشركين، ومقاتلتهم بقوة وجدّ، والنهي عن موالاتهم. ونستقرىء منها ايضاً حال المنافقين الذين كانوا يتظاهرون بالدين والايمان وهم ليسوا كذلك. وتلك المعاني الضخمة لا يستطيع حملها الا رسول الله (ص) او رجل منه، كما قال (ص) ذلك.

فاذا اضفنا ذلك الى بطولة الامام (ع) ودوره الحاسم في قتال المشركين وبلاغة منطقه وعلو شأنه في الدين، لتبيّن لنا انه كان البديل الوحيد لرسول الله (ص) في تبليغ تلك السورة المبعثِرة المقشقشِة الحافرة، بكل قوة، في مكة. فهو لا يخاف مشركاً ولا كافراً ولا شجاعاً ولا فارساً ولا راجلاً، بل انه ارعب في ساحات الوغى ابطال المشركين وقتلهم شرّ قتلة. وكان اطهر الناس بعد النبي (ص) وأكثرهم خشوعاً وتعلقاً بالله سبحانه واكثرهم زهداً وتعففاً عن الدنيا.

ولذلك كان علي (ع) ابلغ المؤمنين في توصيل سورة (براءة) الى عالَم ذلك الزمان، من اجل ايقاع اقصى التأثير بهم، ليؤمنوا وتخشع قلوبهم لذكر الله سبحانه.

 


[1] سورة التوبة: الآية 49.

[2] سورة التوبة: الآية 81- 82.

[3] سيرة ابن هشام ج 4 ص 159- 160.

[4] م.ن. – ج 4 ص 169.

[5] مجمع الزوائد. رواه الهيثمي عن البراء بن عازب وزيد بن ارقم ج 9 ص 111.

[6] الخصائص. ص 14. رواها النسائي باسناده عن سعد بن ابي وقاص.

[7] سورة الاعراف: الآية 142.

[8] شرح نهج البلاغة. ج 18 ص 24.

[9] تلّوم: تمكث وتمهل.

[10] كُن أبا ذر: لفظه لفظ الامر، ومعناه الدعاء. اي ارجو الله ان تكون أبا ذر.

[11] الربذة: موقع قرب الشام.

[12] سيرة ابن هشام. ج 4 ص 167- 168.

[13]  العريش : شبيه بالخيمة، يظلل ليكون أبرد الاخبية والبيوت.

[14]  اولى لك : اسم سمى به الفعل. كلمة فيها معنى التهديد. في التفسير : دنوت من الهلكة.

[15]  «سيرة ابن هشام» ج4 ص163 – 164.

[16]  سورة التوبة : آية 117 – 119.

[17]  سورة التوبة : آية 95 -  96.

[18]  سورة التوبة : آية 118.

[19]  «سيرة بن هشام» ج4 ص175، 181.

[20]  «الصحاح» ج3 ص1628 مادة «أهل».

[21]  «مفردات الفاظ القرآن» - الراغب الاصفهاني ص96 مادة «أهل».

[22]  «المصدر السابق». ص96 مادة «أهل».

[23]  «الخصائص». ص14. رواها النسائي باسناده عن سعد بن ابي وقاص.

[24]  سورة الاعراف : آية 142.

[25]  سورة التوبة : آية 81.

[26]  سورة التوبة : آية 56.

[27]  سورة التوبة : آية 58.

[28]  سورة التوبة : آية 93.

[29]  سورة التوبة : آية 49.

[30]  «الخصائص». ص 14. رواها النسائي باسناده عن سعد بن ابي وقاص.

[31] «الصحاح». ج 1 ص223 مادة «ندب».

[32]  سيرة ابن هشام. ج 4 ص 190 – 191.

[33]  سورة التوبة: آية 1 – 2.

[34]  «مجمع البيان» ج 5 ص 7. وسند الرواية هكذا: ذكر ابو عبد الله الحافظ باسناده عن زيد بن نفيع.

[35]  سورة التوبة: آية 28.

[36]  سورة التوبة: آية 5.

[37]  سورة التوبة: آية 14.

[38]  سورة التوبة: آية 29.

[39]  سورة التوبة: آية 36.

[40]  سورة التوبة: آية 41.

[41]  سورة التوبة: آية 123.

[42]  سورة التوبة: آية 11.

[43]  سورة التوبة: آية 23.

[44]  «مجمع البيان» ج 5 ص 25.

[45]  سورة التوبة: آية 34 – 35.

[46]  سورة التوبة: آية 44- 45.

[47] سورة التوبة: آية 93.

[48]  سورة التوبة: آية 46.

[49]  سورة التوبة: آية 49.

[50]  سورة التوبة: آية 81.

[51]  سورة التوبة: آية 56.

[52]  سورة التوبة: آية 58.

[53]  سورة التوبة: آية 75 – 76.

[54]  سورة التوبة: آية 79.

[55]  سورة التوبة: آية 67.