الباب الرابع

الولاية ومشاكل السياسة

 

 الفصل العشرون

 يوم الغدير

 

الإمام ويوم الغدير* الدلالات العلمية للنصوص* (من كنتُ مولاه فعليّ مولاه): انتقال الصلاحية الشرعية* معاني الغدير: 1- نظرية الصفوة الدينية لا النخبة الإجتماعية: أ-الفوارق بين النخبة الإجتماعية والصفوة الدينية. ب- وظيفة الصفوة الدينية. ج- ديمومة الصفوة. 2- التخطيط الاجتماعي ما بعد رسول الله (ص). 3- الاندماج الدائم بين النبوة والإمامة. 4- نظرية القرار.

 ------------------

 الامام (ع) ويوم الغدير

          قرر رسول الله (ص) الخروج الى الحج في السنة العاشرة من الهجرة. واذّن في الناس بذلك، فقدم المدينة خلق كثير يأتمون به في حجته تلك التي وصُفت بانها حجة الوداع، وحجة الاسلام، وحجة البلاغ، وحجة الكمال، وحجة التمام. ولم يحج غيرها منذ الهجرة من مكة الى المدينة. فخرج (ص) من المدينة مغتسلاً متدهِّناً مترجلاً متجرداً في ثوبين صحاريين إزار ورداء. وكان الخروج من المدينة في الخامس او السادس من ذي القعدة، واخرج معه نساءه كلهن في الهوادج. وسار معه اهل بيته، وعامة المهاجرين والانصار، وجمع كبير من قبائل العرب وافناء الناس[1].

          وقيل انه خرج معه مائة وعشرون الفاً من الناس، وربما اقل او اكثر. ولكن عدّة من خرج معه كانت في حدود تلك الدائرة. واما الذين حجوا معه فاكثر من ذلك منهم المقيمون في مكة والذين اتوا من اليمن مع امير المؤمنين علي (ع) وابي موسى[2].

          ولما قضى (ص) المناسك انصرف راجعاً الى المدينة ومعه من الجموع ما ذُكر، فوصل الى غدير خم من الجحفة التي تتشعب فيها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة. وفيها نزل عليه الوحي بقوله: (ياايها الرسول بلِّغ ما اُنزل اليك من ربك...)[3]. وأمره ان يقيم علياً (ع) علماً للناس ويبلغهم ما نزل فيه من الولاية وفرض الطاعة على المسلمين.

          وكان اوائل القوم قريبين من الجحفة فأمر رسول الله (ص) ان يردّ من تقدّم منهم ويحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان. ونودي بصلاة الظهر فصلى بالناس. وكان يوماً هاجراً يضع الرجل بعض رداءه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدة الرمضاء، وظلّل لرسول الله (ص) بثوب على شجرة سمُرة[4] من الشمس. فلما انصرف (ص) من صلاته قام خطيباً وسط القوم على اقتاب الابل وأسمع الجميع، قائلاً :

          (الحمد لله ونستعينه ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من شرور انفسنا، ومن سيئات اعمالنا الذي لاهادي لمن ضلّ، ولا مضلّ لمن هدى. واشهد ان لا إله الا الله، وان محمداً عبده ورسوله.

          اما بعد : ايها الناس قد نبّأني اللطيف الخبير انه لم يعمر نبي الا مثل نصف عمر الذي قبله، واني أوشك ان اُدعى فأجيب. واني مسؤول  وانتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون ؟

          قالوا : نشهد أنك قد بلّغت ونصحت  وجهدت فجزاك الله خيراً.

          قال (ص) : ألستم تشهدون ان لا إله الا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وان جنته حق، وناره حق، وان الموت حق، وان الساعة آتية لاريب فيها، وان الله يبعث من في القبور ؟

          قالوا : بلى نشهد بذلك.

          قال (ص) : اللهم اشهد. ثم قال (ص) : ايها الناس الا تسمعون ؟

          قالوا : نعم.

          قال (ص) : فاني فرط على الحوض، وانتم واردون عليَّ الحوض، وإن عرضه ما بين صنعاء وبصرى. فيه اقداح عدد النجوم من فضة. فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين[5]؟

          فنادى مناد : وما الثقلان يارسول الله ؟

          قال (ص) : الثقل الاكبر كتاب الله طرفٌ بيد الله عز وجل وطرفٌ بايديكم فتمسكوابه لا تضلّوا. والآخر الاصغر عترتي. وان اللطيف الخبير نبأني انهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض، فسألتُ ذلك لهما ربي. فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا.

ثم اخذ بيد علي (ع) فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما وعرفه القوم اجمعون. فقال (ص): ايها الناس مَنْ اولى الناس بالمؤمنين من انفسهم ؟

          قالوا : الله ورسوله اعلم.

          قال (ص) : ان الله مولاي، وانا مولى المؤمنين، وانا اولى بهم من انفسهم. فمن كنتُ مولاه فعلي مولاه. يقولها ثلاث. ولفظ احمد بن حنبل : اربع مرات. ثم قال (ص) : اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه ، وأحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وأنصر من نصره، وأخذل من خذله، وأدر الحق معه حيث دار. ألا فليبلّغ الشاهد الغايب.

          ثم لم يتفرقوا حتى نزل الوحي بقوله : (اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي...)[6]. فقال رسول الله (ص) : الله اكبر على اكمال الدين، واتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، والولاية لعلي من بعدي)[7].

          ثم طفق القوم يهنئون امير المؤمنين (ع) وممن هنأه في مقدّم الصحابة : الشيخان ابو بكر وعمر، كلٌ يقول: بخ بخ لك يابن ابي طالب اصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وقال ابن عباس: وجبت والله في اعناق القوم.

          فقال حسان : إئذن لي يارسول الله ان اقول في عليّ ابياتاً تسمعهن. فقال : قل على بركة الله. فقام حسان فقال : يامعشر مشيخة قريش أتبعها قولي بشهادة من رسول الله في الولاية ماضية ثم قال[8] :

يُناديهمُ يوم الغدير نبيّهم *** بخمٍّ وأسمع بالنبيِّ مناديا

وقد جاءه جبريل عن أمر ربه *** بأنَّك معصومٌ فلا تك وانيا

وبلّغهمُ ما أنزل الله ربّهم اليك *** ولا تخش هناك الأعاديا

فقام به إذ ذاك رافع كفّه *** بكفِّ عليٍّ مُعلن الصوت عاليا

فقال : فمن مولاكمُ وولّيكم؟ *** فقالوا ولم يبدوا هناك تعاميا

: إلهك مولانا وأنت وليّنا *** ولن تجدن فينا لك اليوم عاصيا

فقال له : قم ياعليٌّ فإنني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

فمن كنت مولاهُ فهذا وليّه *** وكن للذي عادى علياً معاديا

فياربّ اُنصر ناصريه لنصرهم *** إمام هدى كالبدر يجلو الدياجيا

 

الدلالات العلمية للنصوص

1- كان رسول الله (ص) كان ينعي نفسه في مناسبات عديدة قبل وفاته. فقد نعى نفسه في حجة الوداع، واوصى وصاياه الشهيرة في المرض الذي توفي فيه. وكان التلازم بين نعي الذات او قل التنبؤ بالرحيل الى الرفيق الاعلى وبين اعلان ولاية علي (ع) يعني انتقال الولاية على الامة من النبوة الى الامامة. وقوله (ص): (من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه)[9] يعني انتقال جميع صلاحيات الولاية التي كان يتمتع بها النبي (ص) الى الامام (ع) عدا الوحي. وهذا يعني استمرار المسيرة الاسلامية على نفس الخط المرسوم من قبل السماء.

          2- كان استخلاف علي (ع) على المدينة خلال غزوة تبوك كافياً لاعداد الرأي العام لولايته. فلابد ان يكون ما حصل في غدير خم عملاً متوقعاً. فالمعادلة واضحة وطرفاها متوازيان. وهما: التنبؤ من قبل النبي (ص) بقرب رحيله الى عالم الآخرة، والوصية لعلي (ع) بادارة الامر من بعده (ص).

 

(من كنتُ مولاه فعلي مولاه) : انتقال الصلاحية الشرعية

          عندما وقف رسول الله (ص) في غدير خم مخاطباً المسلمين : (من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه)[10] ، كان يعلن انتقال الصلاحية الشرعية بعد وفاته (ص) من النبوة الى الامامة. وانتقال الصلاحية الشرعية يقتضي انتقال القيادة الاجتماعية والسياسية من محمد رسول الله (ص) الى علي بن ابي طالب (ع). ذلك ان الصلاحية الشرعية في ولاية امر المسلمين، بما فيها حقوقهم وواجباتهم وعباداتهم ومعاملاتهم، كانت تعني سريان قيادة رسول الله (ص) للمجتمع الاسلامي، الا انه لا نبي بعده (ص).

          فمن اجل ان تستمر المسيرة الاسلامية الى يوم القيامة، كان لابد من التوصية بامر الدين الى من له الاهلية والكفاءة في تحمل المسؤولية الشرعية في ادارة المجتمع. فمحمد (ص) خاتم الانبياء اوصى لعلي (ع) بأمرة المؤمنين بعد وفاته (ص) امام اضخم تجمع للمسلمين يحصل ابداً في ذلك الزمان، وهو تجمع غدير خم قبل افتراق الطرق المؤدية الى اوطان المسلمين. ولكن المشكلة التأريخية بقيت قائمة، وهي ان نظرية انتقال الصلاحية الشرعية من جيل الى آخر استبطنت صراعاً اجتماعياً بين الاجنحة الفاعلة في المجتمع.

1- الطموح والصراع نحو الخلافة:

ولاشك ان تنامي قوة المسلمين وتزايد عددهم واتساع  مساحة دولتهم كان يغذّي الطموحات نحو ابعاد علي (ع) عن وصاية رسول الله (ص) وخلافته. ذلك لان النضج العام لم يكن قد وصل حداً يستطيع التمييز فيه بين الحق والباطل او بين الخير والشر.

          وقد اصبح الطموح نحو السلطة السياسية بعد مجيء الاسلام الى الجزيرة العربية اكبر حجماً واعظم وزناً، ذلك لان السلطة اصبحت كبيرة وضخمة بضخامة الاسلام وقدرته على تعبئة الامم للنهوض من سباتها ضد الشرك والظلم. فلو كانت السلطة زمن الجاهلية تقاس بدرجة واحدة، فانها اصبحت بعد ظهور الاسلام تقاس بمائة درجة. لان الاسلام استوعب او في طريقه لاستيعاب العالم القديم باجمعه.

          ولذلك اصبح الصراع الاجتماعي من اجل الفوز بالجائزة الدنيوية العظمى اشد شراسة من اي زمن مضى. فلا عجب ان يؤكد رسول الله (ص) مرات عديدة بان علياً (ع) هو اخاه ووليه وناصره ورافع لوائه، وانه منه بمنـزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعده وانه خليفته بعده (ص)، وغيرها من الصفات التي تدلّ على انه (ص) كان يهيأ الاُمة لولاية علي بن ابي طالب (ع) الذي جمع كل صفات الولاية الشرعية والامامة الحقة.

          لقد اصبح المجتمع الاسلامي بعد حجة الوداع مجتمعاً عظيماً يمتلك القدرة الدينية والسياسية والاجتماعية للتأثير على بقية الشعوب والامم، وجلبها الى حضيرة الاسلام، بالسلام او بالحرب.

2- مراحل انتقال الصلاحية الشرعية:

          ان اعلان انتقال الصلاحية الشرعية من رسول الله (ص) الى امير المؤمنين (ع) في غدير خم لم يكن وليد يومه. بل كانت هناك مقدمات تأريخية وشرعية تثبت ان الاعلان كان نتيجة فلسفية لتلك المقدمات التي مرت بمراحل، منها :

المرحلة الاولى: الوجود بالقوة. فقد كان علي (ع) يمتلك امكانية كامنة على تحمل مسؤولية الولاية الشرعية وادارة المجتمع الاسلامي بعد وفاة رسول الله (ص). ذلك انه كان الارض الخصبة التي انبت فيها النبي (ص) كل ما يستطيع انباته من شجاعة وحلم وعلم واخلاق وطهارة وعفة وزهد وتقوى وفصاحة. بحيث كان موقع علي (ع) من النبي (ص) موقع المرآة المتلألئة، والصوت القوي، والسيف المنافح عن الحق، والشخصية الاسلامية المُثلى لامتدادت نبي الرحمة (ص). فكانت تلك الامكانية الهائلة موضع نظر المسلمين، والمشركين، والمنافقين، والذين في قلوبهم مرض على حد سواء. ولم يكن للآخرين مثيل او شبيه لتلك الامكانية.

المرحلة الثانية: الوجود بالفعل. فقد كان نمو قوة علي (ع) الاجتماعية نمواً طبيعياً، خصوصاً : في المعارك الطاحنة التي خاضها ضد الشرك، وفي حفظه القرآن المجيد وادراك باطنه وظاهره، مجمله ومبينّه، محكمه ومتشابهه،ناسخه ومنسوخه، وتعليمه المسلمين، وفي زواجه بسيدة نساء العالمين (ع)، وتبليغه سورة براءة في حج السنة التاسعة، ودعوته الناس للاسلام في اليمن، وفي توليته على المدينة من قبل رسول الله (ص) في غزوة تبوك، وفي اعلان الولاية الشرعية في غدير خم. كل ذلك اعطى الامام (ع) قوة اجتماعية ودينية، تجعل انتقال الصلاحية الشرعية من النبوة الى الامامة انتقالاً طبيعياً لا يزلزل تلك الامة التي لا تزال حديثة عهد بالدين وباحكامه وبعدالته ونظافته الاخلاقية.

          وانتقالٌ بهذا الحجم ـ اقصد بحجم النبوة التي يوحى لها والامامة المعصومة التي لا يوحى لها ـ يحتاج الى امرين مترابطين ترابطاً شديداً :

الاول : امضاء ذلك من قبل صاحب الرسالة، وهو النبي (ص)، واعلانه الى الجمهور العريض والامة الواسعة. وقد حصل ذلك يوم الغدير بالخصوص.

الثاني : ان يكون الاعلان عن انتقال الصلاحية الشرعية في حياة رسول الله (ص) وقبل وفاته (ص) وعلى لسانه الشريف (ص) حتى يطمئن الناس لصلاحية ذلك الانتقال. وقد حدث كل ذلك امام الملأ العام.

المرحلة الثالثة: نضوج فكرة الامامة والولاية الشرعية في اذهان الناس، بحيث ان يوم الغدير ـ وهو يوم اكمال النعمة واتمام الدين ـ لم يحمل اعتراضاً وجيهاً حمله لنا التأريخ. بل كان ابو بكر وعمر من اوائل من هنأ الامام (ع) بأمرة المؤمنين. كيف لا، وان رسول الله (ص) قال وهو ينعى نفسه : (انني اوشك ان اُدعى فاجيب داعي الله). وفيه دلالة على ان انتقال الصلاحية الشرعية كان امراً طبيعياً عند وفاة رسول الله (ص) وانتقاله الى عالم الخلود. واي غرابة في ذلك، وان الرسل والانبياء (ع) تركوا الدنيا وانتقلوا جميعاً الى عالم الآخرة.

          ولكن نضوج فكرة الامامة في اذهان المسلمين لا يعني قبولها والتسليم بها دون معارضة وطموحات شخصية، كما اشار تعالى : (وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل افأن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم...)[11]. وكما وصفها ...يوم السقيفة : (وكان كل منهم يتمناها لنفسه)[12].

          وعلى اي تقدير، فان انتقال الصلاحية الشرعية في دولة اسلامية كدولة النبي (ص) كان له تأثيراً كبيراً على استمرارية النهج الديني والسياسة العامة وتعيين الولاة والعلاقات الاجتماعية وحفظ الثروة الاجتماعية وبيت المال وقضايا التجارة والحروب.

 

معاني الغدير

          لاشك ان لواقعة غدير خم معاني عظيمة يمكن استخلاصها من الملامح الدينية والاجتماعية لتلك الفترة الحساسة من تأريخ الاسلام. ويمكننا النظر الى تلك الواقعة باعتبارها حادثاً يخص الامة الاسلامية لقرون مديدة. حيث كان من المفترض عقلاً ان يطرح النبي (ص) تخطيطاً متكاملاً لادارة المجتمع الاسلامي بعد رحيله، عبر تصور جسر دائم بين النبوة والامامة. ولذلك كان قرار الغدير بتولية علي (ع) قراراً يقطع بيقين عقلائي في نجاح ادارة الامام (ع) للامة عقود عديدة من السنين.

 

1- نظرية الصفوة الدينية لا النخبة الاجتماعية

          ان فكرة الصفوة يمكن ان تصف ظاهرة اساسية في الحياة الاجتماعية للمجتمع المدني المتحضر. فالمجتمعات الانسانية عموماً - بسيطة كانت او معقدة، زراعية كانت او صناعية- تحتاج الى مَرجِع تعتبره رمزاً للحياة الشرعية العامة وتجسيداً للقيم الاخلاقية والدينية. ولاشك ان الاختلاف في القابليات الذهنية والروحية للناس، والتباين في الاداء بين البشر يساعد على الركون الى نظرية الصفوة. ذلك لان الاختلاف الشاسع في درجات الاذعان او التسليم تؤدي الى فوارق في النفوذ، والقيادة، والسلطة. فالانسان الذي نذعن له ونسلّم بسلطته لخصيصة معينة لا نملكها، نعطيه الحق في الحكم والادارة الاجتماعية والدينية.

          ومن هنا كانت الصفوة الدينية قلّة منتَخبة انتخاباً سماوياً، ومتميزة عن بقية افراد المجتمع بسبب لياقة خاصة ورفعة مقام وسمو لا يصله اليهم احد. وقد اشار (ع) الى ذلك، فقال : (لا يقاسُ بآل محمد (ص) من هذهِ الامةِ احدٌ، ولا يُسوَّى بهم من جرَتْ نعمتُهم عليهِ ابداً : هُمْ اساسُ الدينِ، وعمادُ اليقينِ. اليهم يفيءُ الغالي، وبِهم يُلحقُ التالي. ولهم خصائصُ حقِّ الولايةِ، وفيهمُ الوصيةُ والوراثةُ...)[13]. وقال (ع) ايضاً : (اين الذين زَعَموا انهم الراسخون في العلمِ دونَنا، كَذِباً وبغياً علينا ؟ ...بنا يُستعطى الهدى ويُستجلى العمى)[14]. وفي زيارة الشهداء (ع) في كربلاء: (السلام عليكم يا اصفياء اللهِ واودائه...)[15]

          لقد كان علي (ع) يمثل الصفوة التي كانت تشتمل على جميع الفضائل والخصال الجليلة. ومع ان بعض القوى في الصراع الاجتماعي ارادت ان يكون لبعض الصحابة دور نخبوي اجتماعي اكبر من الصفوة الدينية، الا انها لم تفلح في ذلك. لان تلك النخبة ـ اذا صحّ اطلاق هذه التسمية عليها ـ كانت لا تمتلك ،مجتمعة، جميع فضائل امير المؤمنين (ع) واهل بيت النبوة (ع).

          كيف لا، وهو (ع) القائل يصف تلك الصفوة السماوية : (نحنُ الشِّعارُ والاصحابُ، والخزنةُ والابوابُ، ولا تؤتى البيوتُ الا من ابوابها، فمن أتاها من غيرِ ابوابها سُميَّ سارِقاً... فيهم كرائمُ القرآنِ، وهم كنوزُ الرحمنِ. إن نطقُوا صَدقوا، وإن صمتوا لم يُسبَقُوا)[16].

          فكان علي (ع) يمثل الصفوة الدينية في النظام الاجتماعي. ولذلك حُملتْ توليته (ع) على الاُمة في غدير خم محملاً طبيعياً منسجماً مع توجهات الدين الحنيف في ادارة المجتمع والدولة بعد غياب رسول الله (ص).

الصفوة الدينية وارشاد الجماعة:

          وينبغي ان نلتفت الى ان وجود الصفوة الدينية كان متمّماً للنشاطات الاجتماعية المترافدة. فلم يكن المقصود إلغاء دور رجال المال والتجارة، وحفظة القرآن، والشعراء، واهل الادب، ورجال العلم والسياسة، والولاة. بل ان لكل هؤلاء دوائر خاصة بهم يستطيعون ان يتحركوا فيها ولهم مسؤولياتهم ونفوذهم الاجتماعي الذي لا يتقاطع مع مسؤولية الصفوة.

          بيدَ ما حصل بعد وفاة رسول الله (ص) هو، ان قريشاً حاولت ـ بعلم او بجهل ـ ابدال الصفوة الدينية الهاشمية بنخبة اجتماعية قرشية. فبدلاً من ان يحتل امير المؤمنين (ع) مكانه الطبيعي في ادارة المجتمع الديني وارشاد الامة، نادت الانصار يوم السقيفة : منا امير ومنكم امير. وادعت قريش بانها الشجرة، وانتصرت في ادعائها ذلك، الا انها تمسكت بالشجرة واضاعت الثمرة. كما اشار الامام (ع) الى ذلك. ثم اوصى الخليفة الاول للخليفة الثاني، وجعل الخليفة الثاني الامر شورى بين ستة من الافراد. وبذلك ابدلوا الصفوة الدينية التي اُريد لها ان تحكم المجتمع الاسلامي حكماً شرعياً، بنخبة اجتماعية قرشية سيطرت على مقدرات امور الناس. وكان ذلك اعظم انحراف ديني واجهه المجتمع الاسلامي بعد رحيل النبي (ص).

          نعم، كان يمكن للنخبة الاجتماعية ان تجتمع لدعم الصفوة الدينية وتستهدي بهديها وتعلن استعدادها للانقياد لها. فالنخبة جزء لا يتجزأ من الحياة الاجتماعية، ففي كل دائرة اجتماعية هناك نخبة مصغّرة تدير تلك الدائرة. ففي الجيش مثلاً تتواجد نخبة قديرة تدير شؤونه العسكرية، وفي التجارة تتواجد نخبة تدير تلك الدائرة، وفي الدائرة الادبية هناك نخبة تدير الادب والشعر، وهكذا. وتلك نخبٌ اجتماعية تُفرز - احياناً - من خلال كفائتها وحسن ادائها، او - على الاغلب- من خلال نظام سياسي يفرضها على المجتمع.

          الا ان الصفوة الدينية تنتخب من قبل الغيب، لان لها خصائص وخصال وفضائل من حيث الادراك والاداء غير متوفرة عند الآخرين. فهي من حيث الثقل الديني والمهارة الاجتماعية والفكرية تختلف عن بقية النخب في الرتبة فضلاً عن الدرجة.

ولاية من الطراز الاول:

          ومن هنا نفهم ان الولاية التي مُنحت لعلي (ع) يوم الغدير انما كانت ولاية دينية من الطراز الاول على صعيد الصلاحية الشرعية لادارة المجتمع الاسلامي بعد رحيل المصطفى (ص) عن عالم الدنيا. وهذا يعني نقل الصلاحيات الشرعية في القدرة، والطاقة، والنفوذ من مسرح النبوة الى مسرح الامامة. والى ذلك صرح (ص) بوضوح : (من كنتُ مولاه فعليٌ مولاه)[17]. وهو تعبير دقيق يفصح عن ان الدين السماوي لازال يحكم المجتمع عن طريق الصفوة الدينية التي بدأت برسول الله (ص) واستمرت في علي (ع) والائمة الاطهار (ع) من بعده. وطالما كانت تلك الصفوة الدينية المثل الاعلى في التأثير والقدرة والنفوذ، كان الدين بخير على مستوى الاجيال القادمة. ذلك لان الصفوة الدينية هي المحرّك الاول للمجتمع الديني، وهي النموذج الكامل الذي ينبغي ان يحتذى.

          ولكننا لو ابدلنا تلك الصفوة الدينية بنخبة اجتماعية انصع صورها خلفاء قريش وبني امية وبني العباس وغيرهم لاختلّت المعادلة الدينية، لان اولئك الخلفاء كانوا اُناساً يرتكبون الاخطاء الشرعية ولايدركون مقاصد الشريعة. فهم قاصرون في الادراك والاداء عن الصفوة الدينية التي مُنحت اعظم نعم السماء وهي نعمة العصمة في ادراك الدين واداء تكاليفه الشرعية وارشاد الاُمة الى تكاليفها وواجباتها ومحرماتها.

          وحتى عندما عزلوا الامام (ع) عن دوره الطبيعي في الولاية وصنعوا نخبة اجتماعية يوم السقيفة تمثلت ببعض زعماء قريش، فان دور الصفوة الدينية بقي نشطاً تحت الارض في ظروف التقية الصعبة. فللصفوة الدينية، اذن، دورٌ مستمر. ذلك لان الصفوة الدينية هي صفوة بعيدة المدى لها مسؤوليات عظيمة على طول التأريخ البشري في تبليغ الشريعة وتفسيرها ونقلها بأمانة الى الاجيال المتلاحقة.

          وحتى عندما استشهد امير المؤمنين (ع) وبرز معاوية واحفاده على صعيد النخبة السياسية المفروضة عن طريق السيف، بقي دور الصفوة الدينية التي تمثلت بائمة الهدى (ع) مشعاً الى اليوم، بل الى يوم القيامة. لان تلك الصفوة كانت تملك قلوب الناس وارواحهم، فكان لها اعظم التأثير على الاُمة بكافة شرائحها وطبقاتها.

          وولاية بهذا الحجم لابد ان تديرها الصفوة الدينية. خصوصاً وان من وظائف تلك الولاية الدينية : تبليغ احكام الشريعة وتطبيقها وتفسيرها، واداء وظيفة القضاء بين الناس وانزال العقوبات بالمخالفين، وعدالة توزيع الثروة الاجتماعية، والتنسيق بين العبادات والمعاملات التجارية، والدفاع عن الامة من اعتداءات العدو، ونشر الاخلاق والفضائل بين الجماعة، وتشجيع الناس على حرية التعبير عن آرائهم بما يخدم الاسلام والمجتمع الاسلامي.

          وكلما ازداد حجم المجتمع الاسلامي في الكثافة السكانية او ارتفع في سلّم المدنية، بقيت تلك الكليات ثابتة لا تتغير. اذن نستنتج، ان نظرية (من كنتُ مولاه فعليٌ مولاه) تحكي قصة الثوابت الحقوقية التي ينبغي ان يتعامل معها المجتمع، تعبدية كانت او اجتماعية محضة.

أ- الفوارق بين النخبة الاجتماعية والصفوة الدينية:

          هناك فوارق لابد من ملاحظتها ودراستها بين الصفوة التي تنتخبها السماء وكان من بينها رسول الله (ص) وامير المؤمنين (ع) وفاطمة الزهراء (ع) والحسنين (عليهما السلام) وبقية العترة الطاهرة، وبين النخبة الاجتماعية التي فرضت افكارها على الدين وحشرت نفسها في موقع قيادة الامة الاسلامية. ومن تلك الفروق:

          1 ـ تساهم بعض العوامل في تشكيل النخبة الاجتماعية، ومن تلك العوامل :

          اولاً : تملك الارض الواسعة التي تدرُّ بالخيرات، من زراعة وعقار.

          ثانياً : تملك الثروة المالية واستثمارها في نشاطات اقتصادية وعمالية.

          ثالثاً : رابطة الدم.

          فغالباً ما تكون النخبة الحاكمة غنية جداً تمتلك الاراضي الزراعية الواسعة فتقوم بتشغيل الآلاف من العمال والفلاحين، وترتبط بعضها البعض بروابط الدم والرحم. وبذلك تكون النخبة الاجتماعية مكوّنة من : الارض، والثروة، ورابطة الدم.

          بينما تُسنِد الصفوة السماوية عوامل خطيرة منها :

          اولاً : الادراك الكامل للدين واستيعاب مقاصده ومفرداته وملاكات احكامه.

          ثانياً : الاداء التام للتكاليف الشرعية والمسؤولية الاخلاقية المناطة بالنخبة.

          ثالثاً : الدم وصلة الرحم. والرحِم او الدم مهم في علاقات الصفوة الدينية لانه ينقل صفات الانبياء وخصالهم الوراثية الى تلك النخبة، كما قال تعالى : (...وتقلبك في الساجدين)[18] ، (ذرية بعضها من بعض...)[19].

          وبذلك تكون الصفوة السماوية مكونة من : الادراك، والاداء، والدم.

          فالنخبة الاجتماعية تحكم الناس عن طريق السيطرة على عصب الاقتصاد اولاً، ثم تحكم الناس بالسياسة والظلم. بينما تدير الصفوة الدينية امور الناس بالشريعة بما فيها من عدالة وتنظيم حقوق ومسؤوليات.

          2 ـ يكون اسلوب حياة النخبة الاجتماعية مبنيٌ على اساس البذخ، والاسراف، والظلم، وعدم الامتثال للقيم الدينية والاخلاقية، والانانية بكل ما تحمله من حب للذات وعبادة للشهوات وعدم ايثار. فهذا معاوية فرض وجوده في النخبة الحاكمة في الشام عن طريق البذخ والاسراف والظلم. وكل من جاء بعده من بني امية انتهج سلوكاً مقارباً لسلوكه.

          بينما تتلألأ طريقة الصفوة الدينية في الحياة عبر : عبادة الله سبحانه من خلال اداء التكاليف الشرعية على صعيدي الوجوب والاستحباب، واجتناب المحرمات والمكروهات، والابتعاد عن شهوات الدنيا وملذاتها، والعدل بين الناس، والتضحية بالنفس وايثار الآخرين في الطعام والمال. فكانت الصفوة تجوع من اجل ان يشبع الناس، وكانت الصفوة تعرى من اجل ان يكتسي الناس، وكانت الصفوة اول من يحارب ويجاهد ويُقتل بينما كان البقية من الناس في مؤخرة الجيش.

          3 ـ ان اول ما تفكر النخبة الاجتماعية فيه هو التسلط على الناس، ويمثله بكل وضوح خطاب معاوية عندما دخل النخيلة بعد استشهاد امير المؤمنين (ع) وصلى بالناس الجمعة في الصحن : (اني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، انكم لتفعلون ذلك. وانما قاتلتكم لأتأمّر عليكم وقد اعطاني الله ذلك وانتم كارهون)[20]. ولاشك ان للسلطة امتيازاتها ومنافعها التي يعتصرها الحاكم من الثروة الاجتماعية والامكانات الواسعة التي يمتلكها المجتمع. ولذلك فاننا نرى ظلماً من نوع ما في كل نخبة حكمت المجتمع الانساني.

          اما الصفوة الدينية فهي لا تفكر الا في طرق تحقيق العدالة بين الناس، وتعبيد الامة لله سبحانه، واحياء شريعة السماء. وقد حقق امير المؤمنين (ع) مقداراً كبيراً من ذلك خلال فترة خلافته القصيرة زمنياً، الكبيرة على مستوى الاهداف والطموحات.

          4 ـ تعيش النخبة الاجتماعية الرفاه الاقتصادي والنعومة التي تجلبها امتيازات السلطة. بينما هي تفتقد الى الكفاءة اللازمة لتحقيق العدالة الاجتماعية، وتوزيع الحقوق بالانصاف، وتنمية الروح الاخلاقية لدى الناس.

          بينما يلمس المرء صفة الكمال في سلوك الصفوة الدينية. ونعني الكمال في كل شيء : الكمال في فهم الشريعة، الكمال في التعبد، الكمال في التقوى، الكمال في الشجاعة والقتال، الكمال في ترك الملذات الدنيوية، الكمال في البلاغة، الكمال في السلوك العام والخاص.

تأثير الصفوة الدينية:

          وبكلمة، فان الصفوة الدينية قليلة في العدد، عظيمة في التأثير، متكاملة في الادراك والاداء والنفوذ. وبحكم تلك الخصائص، فان تأثيرها يبقى مستمراً على مر الاجيال. وتبقى وظيفتها حيّة حتى لو رحل اشخاصها عن حياتنا الدنيا.

          والولاية التي اعلنها رسول الله (ص) لعلي (ع) في غدير خم في السنة العاشرة للهجرة كانت تعني استمرار الادارة الدينية للمجتمع من قبل الصفوة الدينية عبر تنظيم نمط الحياة الاجتماعية على اسس الدين الجديد. خصوصاً في مجالات الجهاد، والعمل، وتوزيع الثروة، والحكم. فكان امير المؤمنين (ع) كفؤاً لتلك المهمة الجليلة التي لا يقوم بها الا وصي نبي.

          وكان الايمان بولاية علي بن ابي طالب (ع) يوم الغدير مرآةً لطموحات المجتمع الاسلامي الحديث واهدافه في بناء الدولة الالهية على الارض. ولكن النخبة الاجتماعية القرشية ابت الا ان ترجع عقارب الساعة الى الوراء. وكان التأريخ في بعض جوانبه اميناً، في تصوير جهل تلك النخبة الاجتماعية باحكام الدين، خصوصاً عندما كان الحرج يأخذ مأخذه منها. فنفهم اذن ان النخبة الاجتماعية ارادت ان تحتل مكان الصفوة الدينية ولكنها فشلت في ذلك، فبقيت سلطة حاكمة.

          وبالاجمال، فان ولاية علي (ع) اُريد لها ان توحّد الامة حول رمز عظيم من رموز الاسلام، ومركز شرعي يركن اليه الناس، ومحور يدلل على شخصية الدين كما عبر هو عن نفسه (ع) بانه القرآن الناطق. ولكن الجذور القبلية كانت ـ بكل اسف ـ لا تزال نابتة في اعماق الذين خالفوا وصية رسول الله (ص) بخصوص ولاية الامام (ع).

          ويمكننا النظر الى ولاية علي (ع) يوم الغدير على اساس انها كانت مكسباً خطيراً للجماعة في الوحدة والتعاون والاشتراك جميعاً في محاربة الشرك والكفر، بلحاظ اختلاف المؤمنين في القابليات، والوظائف، والادراكات، والاداء، والاخلاقيات الاجتماعية والتعبدية. ولكن ذلك المكسب سرعان ما تحطم على اعتاب اجتماع السقيفة بعد وفاة النبي (ص) مباشرة.

ب ـ وظيفة الصفوة الدينية:

          نجد في المجتمع الديني انماطاً من القيم والعادات، ووسائل مشتركة للاتصال الانساني، ومؤسسات اجتماعية للادارة، وصفوة دينية عليا تقوم بتنسيق الاعمال والنشاطات من اجل ان يقوم النظام الاجتماعي بوظائفه المرتقبة. ومن الوظائف المهمة التي تقوم بها الصفوة الدينية هو ادارة الازمات الجماعية الخطيرة ومعالجتها «بالحرب والقتال، او المصالحة والمهادنة، او التقية...»، كما حصل في حروب الامام (ع) يوم الجمل، وصفين، والنهروان. فتلك ازمات في غاية الخطورة لم يستطع ان يقاربها - بادراك شرعي- الا المعصوم (ع).

          فالامام (ع) كان يسير في ادارته المجتمع الاسلامي، وفق صورة واضحة تتضمن طرفين هما : الاهداف، والبرامج. وسوف ندرس ذلك في الفصول القادمة باذنه تعالى. ولكننا نحب ان نستبق تلك الفصول ونشير بايجاز الى وظيفة الامام (ع) خلال خلافته، اي بعد حوالي خمس وعشرين سنة من يوم الغدير.

          فالاهداف كانت تشير الى اهتمام امير المؤمنين (ع) خلال ايام حكمه بتربية الناس على طاعة الله سبحانه وتعالى، والاهتمام باداء التكاليف الشرعية. وبكلمة، فان هدف الامام (ع) كان بناء دولة شرعية يُعبد فيها الله سبحانه ولا يُعصى. وكان ذلك يتطلب تكيفاً للوصول الى الهدف من قبيل تطبيق نظرية العدالة الاجتماعية والحقوقية بين الناس، واقامة الحدود على المنحرفين، ونشر الفكر الديني الاصيل النابع من السماء في المجتمع الاسلامي.

          والبرامج كانت تشير الى اهتمام امير المؤمنين (ع) بحفظ التماسك الاجتماعي عبر استشارة اصحابه في الخروج الى صفين، وارجاع امر القتال على الماء اليهم، ومحاولاته المستميتة في عدم سفك الدماء في الجمل وصفين والنهروان. وكان من اولويات برنامجه (ع) ادارة الازمات التي كان يتوقعها، ومعالجتها معالجة اخلاقية شرعية.

وكان من اخطر الازمات خروج عائشة ام المؤمنين عليه، وعصيان والي الشام المخلوع معاوية بن ابي سفيان لاوامره (ع) ومقاتلته جيش الامام (ع)، وانشقاق مجموعة من جيشه (ع) عليه ومقاتلتها له. وتلك ازمات خطيرة للغاية لم يختبرها حاكم من الحكام من قبل. ولذلك كان (ع) يقول: (...انا فقأتُ عين الفتنة، ولم يكن أحدٌ ليجترىء عليها غيري)[21]، (...ولو لم أكُ بينكم ما قوتل اصحاب الجمل واهل النهروان)[22].

          وعند التأمل في كل ذلك، نُدرك ان للصفوة الدينية المتمثلة بآل البيت (ع) سلطة اخلاقية، وسلطة شرعية، وقابلية فريدة على ادارة الازمات الاجتماعية الكبرى. وكلما سُلبت من تلك الصفوة سلطة بقيت السلطة الاخرى فاعلة. فاذا سلبوا السلطة الشرعية في الادارة الاجتماعية (الخلافة)، بقيت السلطة الاخلاقية فاعلة وهم في معزل عن السياسة. واذا سلبوا الحرية في ادارة ازمات المجتمع، بقيت السلطة الشرعية - عبر ممارسة التقية- فاعلة ايضاً، وهكذا.

          فتلك الصفوة اذن، حافظت على نسيج المجتمع الاسلامي - على جميع الاصعدة العقلية والعاطفية والنفسية - مدة خمسة عشر قرناً من الزمان، وسوف تحافظ عليه الى يوم القيامة، باذنه تعالى.

          وبالاجمال، فان وظيفة الصفوة الدينية هو : ابراز الرمز الاخلاقي للجماعة المؤمنة، وعرض الاهداف الشرعية للدين، وتمثيل مصالح الجماعة المنسجمة مع مصالح الدين، وتنسيق الاختلافات في قابليات الناس واداءهم من اجل التكامل الاجتماعي وخدمة المكلّف، ومحاولة حل الصراع الاجتماعي بالقيم الاخلاقية، وحفظ امن الجماعة والعبادة من الاخطار الخارجية.

ج ـ ديمومة الصفوة:

          ومع ان رسول الله (ص) حصر الولاية بعلي (ع) يوم الغدير، الا ان ذلك الحصر كان حصراً موضوعياً ولم يكن حصراً ذاتياً. ففي روايات اخرى ذكر رسول الله (ص) ان الائمة من بعده اثنا عشر اماماً من بني هاشم[23]. وهذا يعني ان هناك امتداداً زمنياً للصفوة الدينية. فتركيبة تلك الصفوة من اهل الكساء وذريتهم لا يسمح بكسر القاعدة. بل ان مكانيكية الامداد كانت تستند على قاعدتين في غايتي الاهمية، وهما :

          الاولى : قاعدة النسب المرتبط برسول الله (ص). والنسب النبوي كان يستبطن علماً موروثاً من المصطفى (ص) ينتقل من جيل لآخر في ائمة الهدى (ع). وهذا الارتباط المشترك عن طريق الدم يعني ان صفاتً مثل الشجاعة والكرم والحلم والفصاحة والقابليات المتنوعة تنتقل عبر الاجيال المطهرة. فلم يورث ائمة الحق (ع) درهماً ولا ديناراً ولا فضة ولا ذهباً، وانما كانوا يرثون العلم والخُلق العظيم كابر عن كابر. ونستنتج من ذلك بان النسب الطاهر لرسول الله (ص) الذي اصبح شرطاً من شروط الصفوة، كانت له آثار اخلاقية على الامام الذي تراه الامة رمزاً اخلاقياً فاضلاً من رموز الدين.

          الثانية : قاعدة الكفاءة الشرعية لمنصب الامامة. وتلك الكفاءة التي نطلق عليها عنوان العصمة، هي التي جعلت علي بن ابي طالب (ع) اماماً وعضواً في تلك الصفوة، وهي التي ابعدت جعفر بن ابي طالب (رضوان الله عليه) منها. وهي التي جعلت فاطمة الزهراء (ع) احد اعضاء تلك الصفوة، وهي التي ابعدت زوجاته عنها، كما قال (ص) لام سلمة عندما ارادت ان تدخل في الكساء : (انك على خير)[24].

          وليس غريباً ان نلمس بان التركيبة المحكمة للصفوة الدينية المتمثّلة بالمعصومين الاربعة عشر (عليهم السلام) : رسول الله (ص) وفاطمة (ع) وعلي (ع) وذريتهما الاحد عشر (ع)، اعطت لفكرة الامامة والعصمة صورة روحية واخلاقية رائعة عن الدين. فلم يكن من هؤلاء الاطهار من فكّر بأرث دنيوي، او مال زائل، او سلطة ارضية، او جاه فان، او عَرَض مندثر. بل كانت تلك التركيبة مبنية على اساس الطهر والنقاء والحبل المتصل بالسماء.

          وهنا لم يلعب جنس الانسان ولا عمره ولا ثروته دوراً في الصفوة الدينية. ففاطمة الزهراء (ع) كانت في الصفوة جنباً الى جنب مع علي (ع). فهنا لم يكن الاصطفاء على اساس جنس الانسان، فالذكورة او الانوثة سواء. وعمر الامام الجواد (ع) كان ثمان سنوات عندما تولى الامامة ، وكان عمر الامام الحسن (ع) سبع وثلاثين. والعمر هنا ليس عاملاً من عوامل النضوج العلمي، بل ان الاصل هو العصمة والنص. ولم يخلّف علي (ع) مالاً للحسنين (عليهما السلام). وهكذا كان حال بقية الائمة (عليهم السلام).فالمال ليس له دور في الصفوة الدينية على عكس النخبة الاجتماعية حيث يكون المال اهم قوامها وقوتها الضاربة.

          والاهم في كل ما ذكرناه، ان الصفوة الدينية لم تستثمر اي مكسب مادي لمصالحها الذاتية، بل ان آل البيت (ع) كانوا ينفقون كل شيء من اجل الفقراء والمستضعفين والمعذبين في الارض. وهذا الفارق بين النخبة الاجتماعية التي تستثمر الثروة الهائلة للمجتمع لمصالحها وشهواتها الخاصة، وبين الصفوة الدينية التي تحرم نفسها من المباحات، اعظم دليل على ارتباط تلك الصفوة الطاهرة بالله سبحانه وتعالى. فلم تكن ملذات الدنيا دافعاً لاداء مسؤولياتها الاجتماعية والدينية، ولم تكن المكافأة الاجتماعية دافعاً لها لتحمل الاذى. بل على العكس من ذلك تماماً، فقد تحملت تلك الصفوة بسبب موقعها الديني محناً والآماً عظيمة. ولم يثنها ذلك من اداء واجباتها الشرعية السماوية.

2- التخطيط الاجتماعي لما بعد رسول الله (ص)

          يتضمن التخطيط الاجتماعي الذي يهتم به اصحاب القرار رسم خريطة عمل للقضايا المستقبلية، بخصوص الموارد والمؤسسات التي يتعامل معها المجتمع كاُمة. فالتخطيط الاجتماعي يُصَمّم ـ على الاغلب ـ من اجل سد حاجات المجتمع ،على الصعيد الديني والاجتماعي والسياسي، على المدى البعيد. ويُلحَظ في التخطيط ـ كما نفهمه من العنوان ـ امن الجماعة وحاجاتها التعبدية والحياتية.

          وفي ضوء تلك الافكار نفهم ان اهم مشكلة كانت تواجه المسلمين بعد وفاة النبي (ص) فيما يتعلق بالتخطيط الاجتماعي هي مشكلة الولاية الشرعية. فقيادة المجتمع تعدُّ مشكلة خطيرة تحتاج الى تخطيط، ذلك لان اكتمال مباني الدين باكتمال نزول القرآن المجيد كان يفتح الباب للتأويل والتفسير والاجتهاد المبني على البناء الثقافي الجاهلي. وكان المجتمع الاسلامي الجديد بحاجة ماسة الى معرفة تفصيلية لمصاديق نظام الدولة في الحقوق والواجبات، والمسؤوليات الاخلاقية والشرعية، والعدالة الاجتماعية، وادامة الدفاع الابتدائي والحرب الهجومية من اجل نشر الاسلام في العالم.

 أ ـ التخطيط الاجتماعي: قرارٌ ديني

          لقد كانت الاُمة بحاجة الى وقت، في مرحلة ما بعد النبوة، لاستيعاب معاني القرآن الكريم وادراك السيرة النبوية الشريفة. وكان ذلك يتطلب فهماً لموقع الامة التأريخي من كل ذلك. فالدين انما جاء من اجل تقوية الضعيف، وتعليم الجاهل، وتمكين الايمان من احتلال موقعه الطبيعي في النفس الانسانية. فالاسلام لا يكتفي بمجرد انشاء كيان اجتماعي للمسلمين، بل يريد لذلك الكيان ان يستمر مع استمرار الحياة على الارض. وتلك مهمة صعبة لاشك، ولكنها مهمة تملك كل مقومات النجاح والتسديد.

          ولذلك كان القرار للتخطيط الاجتماعي قراراً دينياً بالدرجة الاولى، لانه لم يخضع لمجرد الحسابات الاقتصادية او المالية او السياسية. بل كان قراراً مبنياً على القيم الاخلاقية والدينية. وتحت ظلال تلك الفكرة نستنتج بان قرار «اخلُفني في اهلي»، «ومن كنت مولاه فعليٌّ مولاه» كان يستبطن اسباباً شرعية وفلسفية. لقد كان علي (ع) رأس مال الاسلام الذي كان ينبغي ان يستثمر في مشروع ولاية الدولة الاسلامية في غياب رسول الله (ص). وقرارٌ كهذا كان يُلحظ فيه التيارات الاجتماعية التي كانت تحكم العرف الاجتماعي في ذلك الوقت، واهمها تيار المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وتيار المشركين، والتيار الضبابي الذي دخل حديثاً في الاسلام، او كما عبر عنه عمار بن ياسر يوم صفين : (والله ما اسلموا ولكنهم استسلموا...)[25].

          ولاشك ان اعلان نقل الولاية لعلي (ع) بعد رحيل النبي (ص) كان يعني قراراً يحملُ تأثيراً بالغاً على السلوك الاجتماعي. فالإقرار بالولاية لبطل المعي شاب مثل علي بن ابي طالب (ع) وهو في سن ينوف قليلاً على الثلاثين له دلالات ينبغي ان تؤخذ في التخطيط الاجتماعي. وهو ان المخطَط له، وهو المجتمع الاسلامي، كان يُراد له ان يعيش الحكم الشرعي ويتفاعل معه للعقود الثلاثة او الاربعة او الخمسة القادمة. وهي فترة تربية عظيمة لو قُدِّرَ لها ان تتم.

          وبتعبير اقرب الى فهمنا المعاصر، كان التخطيط لولاية علي (ع) من اجل ادارة المجتمع الاسلامي منطقياً الى ابعد الحدود. فقد كان علي (ع) يحمل سياسة رسول الله (ص) الاجتماعية، ومنهجه العام في التعامل مع الدولة وافرادها، والاُمة وتركيبتها.

ب ـ التخطيط الاجتماعي وارتكاز العقلاء :

          واعلان الولاية يوم الغدير لم يكن طموحاً منفرداً، بل كان قراراً شرعياً مبنياً على ارتكاز العقلاء ومنهجهم في التحليل الذهني. فقد كان اعلان الولاية مستنداً على طريقة منهجية في البحث عن الحقائق. فلو درسنا خريطة المجتمع الاسلامي من زاوية الشخصيات لرأينا بان العترة الطاهرة (ع) هي الكفؤ الفريد في ولاية الاُمة لما تتمتع به من صفات وفضائل وخصال يفتقدها الناس جميعاً.

          واعظم صفة تتمتع بها العترة الطاهرة (ع) هي قدرتها على الوصول الى اهدافها الدينية لو توفرت لها الشروط الموضوعية. فكان علي (ع) يمتلك ملكة ادراك الاحكام الواقعية، والوسيلة اللغوية الفصيحة للتوصيل، والشجاعة والبطولة الخارقة لدحر اعداء الدين، والزهد والتقوى والتعفف، والقابلية على الادارة الاجتماعية والقدرة على تحطيم النظام الطبقي الظالم.

          فكانت الارادة الالهية ودوافع الوحي وارادة النبي (ص) قاطعة بان يكون علياً (ع) ولياً شرعياً على المسلمين. ولكن تلك الارادة لم يُكتب لها ان تتحقق على ارض الواقع الا بعد عقدين ونصف من الزمان. وهو زمن طويل نسبياً مرّ بازمات وانحرافات خطيرة. وهذا يثبت - ولو متأخراً - ان الولاية الشرعية كانت حتمية سماوية. لان المجتمع يحتاج الى ادارة قادرة وكفوءة، والا انقلبت المعادلة وانعكس التيار وذهب النظام وعمّت الفوضى. وهذا ابعد ما يكون عن اهداف الدين السماوي وطموحاته. ولذلك كان المجتمع العربي بحاجة الى اعادة هندسة وتخطيط.

          فالمجتمع القَبَلي مثلاً يحتاج الى اعادة تصميم على اسس دينية جديدة مثل الايمان بالله سبحانه، والتمرن على العبادات، وتحقيق العدالة الاجتماعية. ومجتمع المنافقين يحتاج الى اعادة تصميم وهندسة لانه مبنيٌّ على باطن فاسد وظاهر جميل. ومجتمع الجهل يحتاج الى اعادة تصميم لان الجهل قد يوصل الانسان الى الكفر والجحود دون قصد، كما اوصل مجتمع اهل النهروان الى تلك النهاية المخزية وقد اشار (ع) الى ذلك : (...ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فادركه...)[26]. والخطأ في طلب الحق ناشىءٌ من الجهل دون شك.

          وبالاجمال، فان التخطيط النبوي لولاية علي (ع) ومن بعده ائمة الهدى (ع) يكشف عن ان ذلك التخطيط نابعٌ من قرار بتشخيص اهداف الدين ونهاياته عبر تعيين الوسائل لتحقيق ذلك. فالولاية كانت رابطاً بين الوسائل والاهداف في المجتمع الديني. اذن، كان التخطيط للولاية نابعٌ من قرار التفكير بمستقبل الدين والمجتمع الانساني الذي يعيش تحت ظله، وهو من مباني ارتكازات العقلاء.

ج ـ المنتفعون والمتضررون من ولاية علي (ع):

          واذا كان السؤال المطروح هو: من الذي انتفع من ولاية علي (ع) ومن الذي تضرر ؟ لكان الجواب هو : ان الذي انتفع من ولايته (ع) الفقراء والمحرومين واهل البصيرة والدين والمؤمنين الذين كانوا يعشقون الوصول الى الله سبحانه عبر العبادة واعمال الخير والجهاد من اجل الاسلام. لقد كان خير الولاية يصبُّ في مصلحة الدين.

          اما الذي تضرر من ولايته (ع) فهي الطبقة الثرية التي تجمعت اموالها من الظلم والاضطهاد يوم كانت مقدرات الامور بيدها في مكة، حيث لمست جدية علي (ع) في تطبيق العدالة الاجتماعية وتكسير اصنام النظام الطبقي. وتلك الطبقة لا تزال تحكمها الاعراف القبلية ولم يتعمق الايمان في قلبها.

          وعلى اي حال، فان كلاً من المجموعتين حاولتا التأثير على قرار الولاية. وكانت المجموعة المتضررة من الولاية اقوى في التأثير وامضى في التنظيم، فحاولت التأثير على قرار الولاية عبر ثلاثة طرق نقلها لنا التأريخ :

          الاول : منع رسول الله (ص) من كتابة وصيته في مرضه عندما زعموا انه كان يهجر. حيث تذكر لنا المصادر التأريخية ان النبي (ص) "عندما حضرته الوفاة وكان معه في البيت رجال فيهم عمر، قال (ص) : هلمّوا اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده. فقال عمر : ان رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ! فاختلف اهل البيت واختصموا، فلما كثر اللغط والاختلاف... قال النبي (ص): قوموا عني"[27].

          الثاني : البقاء في المدينة وعدم الالتحاق بجيش اسامة بدعوى انهم يريدون ان يحدثوا برسول الله (ص) عهداً، وانهم لو خرجوا الى جيش اسامة لسألوا الركب عن حالة النبي (ص) وهم يكرهون ذلك. وتلك اعذارٌ لا تقبل وجهاً منطقياً غير السياسة.

          الثالث : الاجتماع في سقيفة بني ساعدة بمعزل عن علي (ع) وهو الخليفة الذي عينه رسول الله (ص) يوم الغدير، والاحتجاج بين المهاجرين والانصار بـ (نحن الامراء وانتم الوزراء). ثم (لا يجتمع سيفان في غمد واحد). ثم إكراه الناس على البيعة للخليفة الاول.

          لقد كان تأثير مجموعة قريش على فكرة الولاية الشرعية سلبياً على صعيدي الوسائل والنهايات. فقد حطمت اعمال تلك المجموعة كل اهداف التخطيط النبوي للاُمة بعد رحيله (ص) الى العالم الآخر. لقد كان معلوماً ان رسول الله (ص) جمع المسلمين في ذلك اليوم القائظ تحت حر الهجير في مفترق طرق الصحراء من اجل ان يبقى الدين محفوظاً باليد الامينة، ومن اجل ان يتنعم المستضعفون والمضطهدون والمعذبون في الارض بخيرات الدين ونعمه.

          ولكن ارادة قريش شاءت الا ان تعصي ارادة النبي (ص) وتكسر اقواله (ص) وتتذرع بمختلف الحجج من اجل ان تسيطر على زمام الامور بعد وفاته (ص)، ناسية قول الله تعالى في محكم كتابه : (ومن يعصِ اللهَ ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً)[28].

3- الجسر الدائم بين النبوة والامامة

          ان الائتلاف او الاندماج يعبّران الى حد ما عن الاستثمار المشترك للمصادر من اجل الوصول الى قرار. ولكن الفرق بين الائتلاف والاندماج، هو ان الائتلاف حالة مؤقتة بينما يكون الاندماج حالة دائمية. ولو افترضنا ان هناك ائتلافاً او اندماجاً بين طرفين، فان اي طرف ثالث يروم الدخول في ذلك الائتلاف او الاندماج يعتبر حالة تطفلية او حالة اقتحامية متعدية على ملكية الغير.

          وعندما نقول ان هناك حالة ائتلاف او اندماج بين طرفين، فان المؤتلَفيَن او المندمجيَن لا يمكن ان يكون احدهما ضد الآخر. ولذلك فان الائتلاف او الاندماج لا يتم بين المتناقضين ولا بين المتضادين، بل يتم الائتلاف والاندماج بين المنسجميَن اللذين يكمّل احدهما الآخر. وهنا يفرز الاندماج دائماً اطمئناناً عقلياً ومنفعة دينية واجتماعية، لان هناك تشخيصاً من قبل الطرفين للنتائج التي يمكن توقعها.

          ولو درسنا الرابطة بين النبوة والامامة يوم الغدير لرأينا بان هناك حالة اندماجية تعبّر عنه المقولة النبوية : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه». فالمولوية هنا عملية استمرار لتطبيق الحكم الشرعي من المنبع السماوي «القرآن والسنّة». وتلك المولوية المتصلة بعضها ببعض تعني قرارات شرعية متشابهة تحكم القانون الاجتماعي والاعراف والارتكازات العقلائية.

          ومن هنا نفهم بان اعلان الولاية لعلي (ع) يوم الغدير كان يعني ان هناك تناسقاً فكرياً بين النبوة والامامة. بمعنى ان النبي (ص) والامام (ع) كانا ينظران الى نفس الملاك والمصلحة، وكانا ينسقان لنفس  التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى للدين. وبتعبير ثالث، ان كلاً منهما كان يعلم بمقاصد الآخر ونيته وارتباطه بالله عز وجل علماً يقينياً. ولذلك كان النبي (ص) على اطمئنان تام بصحة نقل المولوية منه (ص) بعد وفاته الى من هو اهلٌ لتلك المسؤولية وهو علي (ع). وكان ذلك امر الله سبحانه وتعالى.

          ولاشك ان المشاكل التي كانت تواجه رسول الله (ص) تجاه التيارات والمؤسسات الاجتماعية ستواجه المولى الجديد (ع). فالمنافقون الذين واجهوا رسول الله (ص) كانوا سيواجهون امير المؤمنين (ع). وعصيان الجنود الذي واجهه (ص) في اُحد كان سيواجهه في معركة اخرى، وبالفعل قد واجهه في صفين مثلاً. ولكن بسبب التغير الاجتماعي الذي حصل خلال عقدين ونصف من الزمان، واجهَ امير المؤمنين (ع) انواعاً جديدة من التيارات الاجتماعية وهي : تيار الناكثين، والقاسطين، والمارقين. وهو يشبه الى حد ما تيار المشركين من اهل الكتاب (اليهود)، والمشركين من عبدة الاصنام، والمنافقين الذين كانوا يضمرون العداء لدولة رسول الله (ص).

          وبكلمة، فان الحديث عن الائتلاف او الاندماج بين النبوة والامامة يوم الغدير كان خاضعاً لثلاثة عوامل :

          الاول : ان درجة الائتلاف او الاندماج كانت ضخمة جداً بحيث ان صلاحيات المولوية انتقلت بكاملها من النبي (ص) الى الامام (ع) عبر قوله (ص) : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه». اي اذا كنت انا قائداً لزيد، فان علياً (ع) هو ايضاً قائدٌ لزيد بنفس الدرجة.

          الثاني : ادامة ولاية العترة الطاهرة (ع) الى قرون عديدة قادمة. فالولاية الشرعية على المجتمع الاسلامي لم ولن تتوقف عند حد زمني معين، لان اهدافها الدينية في تكامل الجماعة المؤمنة تبقى متجددة مع كل جيل من الاجيال الانسانية.

          الثالث : ان فحوى القرار الذي يمكن ان يتخذه الامام (ع) لا يحيد عن فحوى القرار الديني السماوي. فشخصية علي (ع) تعلّمت من رسول الله (ص) جميع الكليات الدينية، ولاريب في ذلك فهي شخصية غير منفصلة عن الصفوة الالهية التي اصطفاها الله سبحانه لعباده.

4- نظرية القرار

          ان الانسان بطبيعته الاجتماعية يحب ان يختار ما يعمل. وفي اغلب الاحيان فان قرار الاختيار يُصنع في غياب معرفة يقينية بآثار ذلك القرار.  فقد يختار الرجل امرأةً من عائلة ما لتصبح زوجته، لكنه لا يعرف على قدر اليقين والقطع آثار تلك الزوجية ونجاحها او فشلها. وقد يختار التلميذ فرعاً من فروع المعرفة في الجامعة ويتخذ القرار لدراسة ذلك الحقل من العلوم كالكيمياء او الفيزياء، لكنه لا يعرف يقيناً مقدار استفادته من ذلك العلم او مقدار استيعابه.

          واتخاذ القرار يعتمد على عاملين :

الاول : القيمة الموضوعية او النفع او الفائدة لآثار القرار.

الثاني : الاحتمالية العقلائية العالية لنجاح القرار في تحقيق اهدافه.

          فالذي يشخّص سلامة اتخاذ القرار اذن هو : الفائدة، واحتمالية تحقيق الهدف. وكلا المبدأين معياريين، اي يمكن قياسهما بالمقاييس العرفية. ويمكن الجمع في هذه الطريقة بين المثالية الدينية والواقعية الارضية. ذلك ان الذي يتخذ القرار المثالي ينبغي ان يربط بين المثالية والواقعية في الاداء.

          فالقرار في مسألة خطيرة كالولاية مثلاً ينبغي ان يكون ذا قيمة موضوعية مطلقة نافعاً الى اقصى درجات النفع باعتباره ينتقي الخيار الافضل الذي يؤدي الى نتيجة فُضلى. وان درجة احتمالية نجاح القرار ينبغي ان تكون الاعلى من اجل ان يحقق اهدافه. ولاشك ان قراراً ـ من هذا القبيل ـ لا يُتخذ الا بعد ان يكون هناك قطع بدقة المعلومات المتوفرة عن المولى الجديد الذي انيطت به مسؤولية ولاية المسلمين.

          ولو حللّنا القيمة الاخلاقية والدينية المتوقعة من تولية امير المؤمنين (ع)، لاستندنا على المباني التالية :

          1- المبنى العقلائي : الذي كان يدعو الى اختيار شخصية حكيمة شجاعة مثل شخصية الامام (ع) للولاية بعد رحيل رسول الله (ص) عن عالمنا. فالصفات التي توفرت فيه (ع) كانت صفات كمالية تقود المجتمع الى الامان الديني والاجتماعي.

          2- المبنى الشرعي : وهو المبنى الذي يريده الشارع، لا الذي تهواه رغبات الناس. فقد يهوى الناس ارتكاب المعاصي، لكن الشارع عز وجل ينهاهم عن ذلك، وقد يهوى الناس ترك  الواجبات لكن الشارع يأمرهم بادائها حتماً.

          وقد كان اختيار الشرع لعلي (ع) في ولاية المؤمنين منسجماً مع شروط الشارع عز وجل في اقامة المجتمع الديني الذي اُسس على اصالة عبادة الله سبحانه وتحقيق العدالة الاجتماعية والحقوقية بين الناس.

          3- المبنى الاجتماعي : ان الناس يريدون - على الاغلب- اقحام اذواقهم في المسائل الاجتماعية الكبرى التي تهمّ المجتمع. ولذلك كان الالحاح من رسول الله (ص) يوم الغدير على نقل الصلاحيات الشرعية بعد وفاته (ص) واضحاً اشد الوضوح. يقول (ص) : (اني اوشك ان ادعى فاُجيب... ان الله مولاي، وانا مولى المؤمنين، وانا اولى بهم من انفسهم. فمن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه. اللهم وال من والاه وعاد من عاداه...)[29]. ولكنه عندما مرض (ص) وارادهم ان يذهبوا مع جيش اسامة، تعللوا بمختلف العلل من اجل البقاء. فكان إقحام اذواقهم في هذا المعترك الديني الخطير قد افسد الامر في نقل الصلاحيات الشرعية  الى اليد الامينة.

          4- المبنى الغيبي : ان رسول الله (ص) كان يملك كرامة التنبأ بالاحداث المستقبلية. فكان (ص) يعلم بان امر الولاية سيؤول الى هذا المصير، ولذلك فقد شرك في كتابة القرآن مع علي بن ابي طالب (ع) كتاب آخرون مثل زيد بن ثابت، وابي بن كعب، وعثمان بن عفان، وغيرهم من اجل ان يبقى القرآن محفوظاً بين الدفتين، ولا يُختلف فيه كما اُختلف في الولاية الشرعية بعد وفاته.

أ- دور الاحتمالية في صنع القرار :

          عندما يصدر الآمر قراراً، فانه يلحظ فيه نظرية الاحتمالات. وتلك النظرية تخضع لثلاث قواعد مسلّم بها وهي :

          اولاً : ان الاحتمالات تبقى منحصرة بين الصفر (0) والواحد (1).

          ثانياً : ان الصفر (0) يعني استحالة، وان الواحد (1) يعني قطع.

          ثالثاً : ان احتمالية ان الامر سوف يحصل، مضافاً الى احتمالية عدم حصوله كلها تضاف الى حد وصول الامر الكلي الى الواحد (1). وفي هذا الموضوع تفصيل يخرج عن نطاق هذا الكتاب.

          وعلى اي تقدير فلو اخذنا عملة نقدية من المعمول بها اليوم ورميناها في الهواء، فان احتمال سقوطها على الوجه الذي يحمل الصورة يتراوح بين الصفر والواحد. ولا يمكن الجمع بين ظهور وجه الصورة ووجه الكتابة في وقت واحد. وكذلك احتمالية دخول ابنك كلية الطب في السنة المقبلة من هذا القبيل، لانه اما سلب او ايجاب اعتماداً على جهده وحجم ادائه في الامتحان.

          ولو طبقّنا تلك النظرية على خلافة رسول الله (ص)، لتبين لنا ان هناك احتمالان لا ثالث لهما، وهما :

          اولاً :  ان تمنح الولاية لافراد ليست لديهم الكفاءة الدينية ولا الاختيار الرباني، وهذا مستحيل عبرّنا عنه بالصفر (0).

          ثانياً : ان تمنح الولاية لفرد لديه الكفاءة والمؤهلات العلمية والنسبية وعلاقته بالله سبحانه وهو علي (ع)، وهذا هو القطع الذي مثلّنا له بالواحد (1).

          فاحتمالية تسلّم علي (ع) مقاليد الولاية هو احتمالية تصل الى مستوى القطع، لان البديل المحتمل الآخر كان صفراً، وهو مستحيل.

ب ـ المجتمع وصنع القرار:

          ان صنع القرار الديني عملية دينية تنظر الى الملاكات والمصالح، وتنظر الى الساحة الاجتماعية والمشاكل التي تعتريها. وصنع القرار لا ينحصر بحل مشكلة معينة. بل ان صنع قرار مثل قرار الولاية ينظر الى قضيتين :

          الاولى : انه لا يتناول مشكلة معينة فقط، بل انه يقدم تصوراً لمشاكل المجتمع الاسلامي الفقهية والحقوقية لمسافة زمنية بعيدة.

          الثانية : ان صنع قرار من قبيل قرار تحميل مسؤولية الولاية يتطلب اذن سماوي مستند على تقييم شرعي بالكفاءة الدينية لادارة المجتمع.

          وقد كان امير المؤمنين (ع) قادراً على تحمل المسؤولية الشرعية تحملاً كاملاً، ولذلك كان القرار السماوي يوم الغدير يحقق كل طموحات نظرية القرار. فقد كانت وصية النبي (ص) تحقق الفائدة الشرعية التامة للامة، وكانت احتمالية تحقيق الهدف تصل الى مستوى القطع. وبذلك كان قرار الوصية اخطر قرار تم في الاسلام بعد قرار الوحي والنبوة.


 

[1] الطبقات الكبرى – ابن سعد ج 3 ص 225. وارشاد الساري ج 6 ص 429. ونقلها الشيخ الاميني في كتاب الغدير ج 1 ص 9.

[2] تذكرة خواص الامة – سبط ابن الجوزي ص 18. والسيرة الحلبية ج 3 ص 283.

[3] سورة المائدة: الآية 67.

[4] السمُرة: ضرب من شجر الطلح.

[5] الثَقل: الشيء النفيس والخطير.

[6] سورة المائدة: الآية 3.

[7] اسد الغابة ج 3 ص 307، ج 5 ص 205. والاصابة – ابن حجر ج 3 ص 408. ونقل صاحب (الغدير) مصادر واقعة الغدير من مصادر الفريقين ج 1 ص 15- 151.

[8] علم اليقين – الكاشاني. ص 142. نقلها عن رواة منهم سليم بن قيس.

[9] الاصابة – ابن حجر ج 3 ص 408.

[10] الاصابة – ابن حجر ج 3 ص 408.

[11] سورة آل عمران: الآية 144.

[12] نهج البلاغة – كتاب 62 ص 580.

[13] نهج البلاغة – خطبة 2 ص 35.

[14] م.ن. – خطبة 144 ص 246.

[15] الادعية والزيارات ص 464.

[16] نهج البلاغة – خطبة 154 ص 263.

[17] اُسد الغابة ج 3 ص 307.

[18] سورة الشعراء: الآية 219.

[19] سورة آل عمران: الآية 34.

[20] مروج الذهب – المسعودي ج 3 ص 50.

[21]  الغارات ص 5.

[22] م. ن. – ص 5.

[23] الكافي ج 1 ص 531 حديث 7. و(كمال الدين وتمام النعمة) – الشيخ الصدوق ص 269.

[24] الخصال – الشيخ الصدوق ج 2 ص 550.

[25] نهج البلاغة – المختار من كتبه (ع) رقم 16 ص 473.

[26] نهج البلاغة – خطبة 60 ص 97.

[27] الطبقات الكبرى ج 4 ص 60-61.

[28] سورة الاحزاب: الآية 36.

[29] اُسد الغابة ج 3 ص 307.