الفصل الحادي والعشرين

 الحزن الاعظم

"وفاة رسول الله (ص)"

 

وفاة رسول الله (ص)* دفن النبي (ص)* الدلالات العلمية للنصوص* وفاة النبي (ص): الابعاد والمعاني: 1- وفاة آخر الانبياء (ص) على الأرض 2- واجبات الجماعة تجاه الوفاة. 3- دور علي (ع) خلال الوفاة وبعدها. 4- وفاة النبي (ص) والازمة الاجتماعية.

 -----------------

  وفاة رسول الله (ص)

          لما رجع رسول الله (ص) الى المدينة من حجّ الوداع، دعا اُسامة بن زيد وأمره ان يقصد حيث قتل أبوه، وقال (ص) له : (اوطىء الخيل اواخر الشام من اوائل الروم). وجعل (ص) في جيش اسامة وتحت رايته اعيان المهاجرين ووجوه الانصار، وفيهم ابو بكر وعمر وابو عبيدة.

          وعسكر اُسامة بالجرف، فاشتكى رسول الله (ص) شكواه التي توفي فيها، وكان (ص) يقول في مرضه : (نفّذوا جيش اُسامة) ويكرر ذلك. وانما فعل (ص) ذلك لئلا يبقى في المدينة عند وفاته من يختلف في الامامة، ويطمح في الامارة، ويستوسق الأمر لاهله[1].

          ذكر الفضل بن الحسن الطبرسي (من اعلام القرن السادس الهجري) ان النبي (ص) لما أحسّ بالمرض الذي اعتراه - وذلك يوم السبت او يوم الاحد ليال بقين من صفر- أخذ بيد علي (ع)، وتبعه جماعة من اصحابه، وتوجّه الى البقيع ثم قال : (السلام عليكم أهل القبور، ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما فيه الناس. أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها. ثم قال : ان جبرئيل (ع) كان يعرض عليّ القرآن كل سنة مرة، وقد عرضه عليّ العام مرتين، ولا أراه الا لحضور أجلي).

          ثم قال : (يا علي، اني خُيِّرت بين خزائن الدنيا والخلود فيها او الجنة، فاخترت لقاء ربي والجنة. فإذا انا متُ فغسّلني واستر عورتي...).

          ثم عاد الى منـزله، فمكث ثلاثة ايام موعوكاً. ثم خرج الى المسجد يوم الاربعاء معصوب الرأس متكئاً على عليّ (ع) بيمنى يديه وعلى الفضل بن عباس باليد الأخرى. فجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال : (اما بعد : ايها الناس، إنه قد حان مني خفوق من بين أظهركم، فمن كانت له عندي عدّة فليأتني اُعطه اياها، ومن كان له عليّ دين فليخبرني به). فقام رجلٌ فقال: يارسول الله لي عندك عدّة. إني تزوجت فوعدتني ثلاثة أواق، فقال عليه السلام : (أنحلها ايّاه يافضل).

          ثم نزل فلبث الاربعاء والخميس، ولما كان يوم الجمعة جلس على المنبر فخطب ثم قال : (ايها الناس انه ليس بين الله وبين احد شيء يعطيه به خيراً او يصرف به عنه شرّاً الا العمل الصالح. ايها الناس لا يدّع مدّع، ولا يتمنّ متمنّ، والذي بعثني بالحقّ لا ينجي إلا عمل مع رحمة الله، ولو عصيت لهويت، اللهم هل بلّغت ؟ - ثلاثاً -).

 الايام الاخيرة :

          ثم نزل فصلّى بالناس، ثم دخل بيته. وكان إذ ذاك في بيت ام سلمة، فأقام به يوماً او يومين. فجاءت عائشة فسألته ان يُنقَلَ الى بيتها لتتولى تعليله فأذن لها. فانتقل الى البيت الذي أسكنته عائشة فاستمر المرض به فيه أياماً وثقل عليه السلام. فجاء بلال عند صلاة الصبح ورسول الله (ص) مغمور بالمرض فنادى الصلاة رحمكم الله، فقال (ص) : «يصلي بالناس بعضهم»، فقالت عائشة : مروا أبا بكر فليصلّ بالناس. وقالت حفصة : مروا عمر.

          فقال (ص) : «أكففن، فإنّكنّ صويحبات يوسف». ثم قام وهو لا يستقلّ على الارض من الضعف، وقد كان عنده أنهما خرجا الى اُسامة. فأخذ بيد علي بن ابي طالب (ع) والفضل بن عباس فاعتمدهما ورجلاه تخطّان الأرض من الضعف. فلما خرج الى المسجد وجد أبا بكر قد سبق الى المحراب، فأومأ اليه بيده، فتأخر ابو بكر. وقام رسول الله (ص) وكبّر وابتدأ بالصلاة، فلما سلّم وانصرف الى منزله استدعى أبا بكر وعمر وجماعة من حضر المسجد ثم قال : «ألم آمركم ان تنفذوا جيش اُسامة ؟» فقال ابو بكر : إني كنتُ خرجت ثم عدت لأحدث بك عهداً. وقال عمر : إني لم أخرج لاني لم أحبّ أن أسال عنك الركب.

          فقال (ص) : «نفّذوا جيش  اُسامة» - يكرّرها ثلاث مرات- ثم اُغمي عليه صلوات الله عليه وآله من التعب الذي لحقه، فمكث هنيئة وبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وولده ومن حضر، فأفاق (ص) وقال : «ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ابداً»  ثم اُغمي عليه.

          فقام بعض من حضر من أصحابه يلتمس دواة وكتفاً، فقال له عمر : ارجع فإنه يهجر !! فرجع.

          فلما أفاق (ص) قال بعضهم : ألا نأتيك يارسول الله بكتف ودواة ؟ فقال : «أبعد الذي قلتم !! لا، ولكن احفظوني في اهل بيتي، واستوصوا باهل الذمة خيراً، واطعموا المساكين وما ملكت ايمانكم».

          ذكر ابن سعد : «ان الرسول (ص) عندما حضرته الوفاة وكان معه في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال : هلموا أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده. فقال عمر : ان رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ! فاختلف اهل البيت واختصموا، فلما كثر اللغط والاختلاف... قال النبي (ص) : قوموا عني»[2].

وصيته (ص) الاخيرة لعلي (ع):

          فلم يزل يردد التوصية باهل بيته (ع) حتى أعرض بوجهه عن القوم، فنهضوا. وبقي عنده العباس والفضل وعلي (ع) واهل بيته خاصة، فقال له العباس : يارسول الله ان يكن هذا الامر فينا مستقراً من بعدك فبشّرنا، وإن كنت تعلم أنا نغلب عليه فأوص بنا، فقال : «أنتم المستضعفون من بعدي» واصمت، ونهض القوم وهم يبكون.

          فلما خرجوا من عنده قال : «ردّوا عليّ اخي علي بن ابي طالب وعمّي» فحضرا. فلما استقرّ بهما المجلس قال رسول الله (ص) : «ياعبّاس ياعمّ رسول الله، تقبل وصيّتي وتنجز عدتي وتقضي ديني ؟»

          فقال له العباس : يارسول الله، عمّك شيخ كبير ذو عيال كثير، وأنت تباري الريح سخاءً وكرماً، وعليك وعدٌ لا ينهض به عمّك.

          فأقبل على عليّ (ع) فقال (ص) : «ياأخي تقبل وصيتي وتنجز عدتي وتقضي ديني ؟».

          فقال (ع) : «نعم يارسول الله».

          فقال (ص) : «أدن مني» فدنا منه فضمّه اليه ونزع خاتمه من يده، فقال له : «خذ هذا فضعه في يدك» ودعا بسيفه ودرعه وجميع لامته فدفع ذلك اليه، والتمس عصابة كان يشدها على بطنه اذا لبس درعه ـ يروى ان جبرئيل نزل بها من السماء ـ فجيء بها اليه، فدفعها الى امير المؤمنين (ع) وقال له : «اقبض هذا في حياتي». ودفع اليه بغلته وسرجها وقال : «امض على اسم الله الى منـزلك».

          فلما كان من الغد حجب الناس عنه، وثقل في مرضه (ص)، وكان علي (ع) لا يفارقه الا لضرورة، فقام في بعض شؤونه فأفاق إفاقة فافتقد علياً (ع) فقال : «ادعوا لي اخي وصاحبي» وعاوده الضعف فأصمت، فقالت عائشة : اُدعوا ابا بكر، فُدعي فدخل، فلما نظر اليه أعرض عنه بوجهه، فقام ابو بكر.

          فقال : «أدعوا لي أخي وصاحبي» فقالت حفصة : أدعوا له عمر، فُدعي. فلما حضر رآه النبي (ص) فأعرض عنه بوجهه فانصرف.

          ثم قال : «أدعوا لي اخي وصاحبي» فقالت ام سلمة : ادعوا له علياً (ع) فانه لا يريد غيره. فُدعي امير المؤمنين (ع)، فلما دنا منه اومأ اليه فأكبّ عليه، فناجاه رسول الله (ص) طويلاً. ثم قام فجلس ناحية حتى أغفى رسول الله (ص). فلما أغفى خرج فقال له الناس : يا ابا الحسن ماالذي أوعز اليك ؟ فقال : «علّمني رسول الله ألف باب من العلم فتح لي كل باب ألف باب، ووصاني بما أنا قائمٌ به إن شاء الله».

آخر اللحظات:

          ثم ثقل رسول الله (ص) وحضره الموت، فلما قرب خروج نفسه قال (ص) له : «ضع رأسي يا عليّ في حجرك فقد جاء أمر الله عز وجل، فاذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك، ثم وجهني الى القبلة، وتولّ أمري، وصلّ عليَّ اول الناس، ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي، واستعن بالله عز وجل».

          وأخذ علي (ع) رأسه (ص) فوضعه في حجره فاُغمي عليه، وأكبّت فاطمة (ع) تنظر في وجهه وتندبه وتبكي، وكأن الآية الشريفة قد تمثلت لها : (وما محمدٌ الا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل افإن مات او قُتل انقلبتم على اعقابكم)[3]. فبكت طويلاً، فأومأ اليها بالدنوّ منه، فدنت اليه، فأسرّ اليها شيئاً هلل له وجهها.

          ثم قضى (ص) ويد امير المؤمنين (ع) اليمنى تحت حنكه، ففاضت نفسه (ص) فيها، فرفعها (ع) الى وجهه فمسحه بها، ثم وّجهه وغمّضه ومدّ عليه إزاره واشتغل بالنظر في أمره[4].

          فسُئلت فاطمة (ع) : ما الذي أسر اليك رسول الله (ص) فسرى عنك ؟ قالت (ع) : «أخبرني أني أول أهل بيته لحوقاً به، وأنه لن تطول المدة بي بعده حتى أدركه، فسرى ذلك عني»[5].

          ورُوي عن الامام محمد الباقر (ع) انه قال : «لما حضر رسول الله (ص) الوفاة نزل جبرئيل (ع) فقال : يارسول الله أتريد الرجوع الى الدنيا وقد بلغت ؟ قال : لا. ثم قال له : يارسول الله تريد الرجوع الى الدنيا ؟ قال : لا، الرفيق الاعلى»[6].

          توفي رسول الله (ص) لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من هجرته[7].

دفن النبي (ص):

          لما اراد علي (ع) غسل رسول الله (ص) استدعى الفضل بن عباس. فأمره (ع) ان يناوله الماء، بعد ان عصب عينيه (ص)، فشقّ قميصه من قبل جيبه حتى بلغ به الى سرّته، وتولى غسله وتحنيطه وتكفينه، والفضل يناوله الماء. فلما فرغ من غسله (ص) وتجهيزه تقدّم فصلى عليه[8].

          يروى عن الامام الباقر (ع) ان الناس قالوا : «كيف الصلاة عليه ؟ فقال علي (ع) : ان رسول الله (ص) إمامنا حيّاً وميتاً، فدخل عليه عشرة عشرة فصلّوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء، حتى الصباح ويوم الثلاثاء، حتى صلى عليه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وانثاهم، وضواحي المدينة، بغير امام»[9].

          وخاض المسلمون في موضع دفنه، فقال علي (ع) : «ان الله سبحانه لم يقبض نبياً في مكان الا وارتضاه لرمسه فيه، واني دافنه في حجرته التي قبض فيها» فرضي المسلمون بذلك.

          وحُفر لحد رسول الله (ص). ودخل امير المؤمنين (ع) والعباس والفضل واُسامة بن زيد ليتولى دفن رسول الله (ص). فنادت الانصار من وراء البيت : ياعليّ إنا نذكرك الله وحقّنا اليوم من رسول الله (ص) ان يذهب. أدخِل منا رجلاً يكون لنا به حظّ من مواراة رسول الله (ص)، فقال : «ليدخل أوس بن خولي» وهو رجل من بني عوف بن الخزرج وكان بدرياً، فدخل البيت. وقال له علي (ع) : «انزل القبر» فنزل، ووضع علي (ع) رسول الله (ص) على يديه ثم دلاه في حفرته ثم قال له : «اخرج». فخرج ونزل علي (ع) فكشف عن وجهه (ص) ووضع خدَّه على الارض موجّهاً الى القبلة على يمينه، ثم وضع عليه اللَبِن[10] وهال عليه التراب»[11].

          وانتهزت الجماعة الفرصة لاشتغال بني هاشم برسول الله (ص) وجلوس علي (ع) للمصيبة فسارعوا الى تقرير ولاية الامر. واتفق لابي بكر ما اتفق، لاختلاف الانصار فيما بينهم، وكراهة القوم تأخير الامر الى ان يفرغ بنو هاشم من مصاب رسول الله (ص) فيستقر الامر مقرّه، فبايعوا ابا بكر لحضوره.

          وروي : ان ابا سفيان جاء الى باب رسول الله (ص) فقال :

بني هاشم لا يطمع الناس فيكم *** ولاسيما تيم بن مّرة او عديّ

فما الامر إلا فيكم واليكم *** وليس لها إلا ابو حسن عليّ

أبا حسن فاشدد بها كفّ حازم *** فإنك بالامر الذي يرتجى ملي

          ثم نادى باعلى صوته : يابني هاشم، يابني عبد مناف، أرضيتم ان يلي عليكم ابو فصيل الرذل بن الرذل ؟ اما والله لئن شئتم لأملأنّها عليهم خيلاً ورجالاً. فناداه امير المؤمنين (ع) : «ارجع ياأبا سفيان، فو الله ماتريد الله بما تقول، وما زلت تكيد الاسلام واهله، ونحن مشاغيل برسول الله (ص)، وعلى كلّ امرىء ما اكتسب وهو وليّ ما احتقب»[12].

 

الدلالات العلمية للنصوص

          حملت وفاة خاتم الرسل (ص) دلالات اجتماعية مهمة لابد من الوقوف عندها والتأمل في مضامينها. فالاحداث الاجتماعية كانت تسير على عكس الاتجاه الذي سار عليه حادث الوفاة. فقد كانت رغبة النبي (ص) واضحة في ضرورة استلام علي (ع) مقاليد الامور الدينية والاجتماعية في المجتمع الاسلامي الجديد. ولكن نظرة ثاقبة لتلك الاحداث التي اعقبت الوفاة تبين لنا الحقائق التالية :

          1 ـ لم تكن وفاة رسول الله (ص) حدثاً مفاجئاً، فقد استمر المرض الذي اشتكى منه (ص) شكواه الذي توفي فيه اياماً عديدةً. وكانت تلك الايام الاخيرة المتصلة بالوفاة باعثاً على تهيئة الرأي العام بقرب وقوع الحزن الاعظم برحيل نبي الرحمة (ص) الى عالم الغيب والملكوت. وكانت تعليماته (ص) في إبعاد من كان يطمح بالخلافة الى جيش اُسامة، والاعلان بمن كانت له وصية او عهد او دين عنده (ص) واخباره به ليوفيه اياه، وطلبه (ص) بالدواة والكتف ليكتبَ لهم كتاباً لن يضلوا بعده ابداً، والطلب من علي (ع) بمواراته في رمسه عند موته (ص)، كلها تدلُّ على ان رسول الله (ص) كان قد تنبأ بوفاته تنبؤاً صادقاً. وهذا يعني ان الرأي العام كان يلمس ويحس ويرى وجود خليفة كفوء يخلف النبي (ص) خلافة طبيعية بعد وفاته (ص).

          2 ـ ان تأخر القوم، وفيهم ابو بكر وعمر عن الالتحاق بجيش اُسامة والتبجح بمختلف الحجج كان عصياناً واضحاً لاوامر رسول الله (ص)، وقول عمر بان النبي (ص) كان يهجر وقت سؤاله عن الدواة والكتف ليكتب لهم كتاباً، وتقديم حفصة وعائشة لابيهما عمر وابو بكر عندما اراد (ص) اخيه وصاحبه واعراضه عنهما، كلُ ذلك يدلُّ على ان الطموح نحو خلافة رسول الله (ص) كان طموحاً حقيقياً احجب عيون الاطراف المتصارعة من رؤيتها الواقع.

          3 ـ كان دور علي (ع) في الايام الاخيرة من حياة رسول الله (ص) متميزاً واخلاقياً الى ابعد الحدود، عبر ايداع اسراره وقبول وصيته وانجاز عدته وقضاء دينه. وفاضت روح النبي (ص) وهو في حجر علي (ع). فهو (ع) آخر من رآه وآخر من سمع وصاياه وتعليماته. كما كان رسول الله (ص) اول من رأى علياً (ع) بعد ابويه ام طالب وابو طالب (رض) يوم ولد في الكعبة. وهكذا استمرت العلاقة التأريخية بين رسول الله (ص) والامام (ع) مدة ثلاثة وثلاثين عاماً .

          4 ـ قام الامام (ع) بتغسيل النبي (ص) وتكفينه ودفنه والصلاة عليه، بينما انشغل القوم فيمن يخلفه (ص) وهم يعلمون علم اليقين ان علياً (ع) كان صاحب الامر بعد رسول الله (ص).

 

وفاة النبي (ص): الابعاد والمعاني

          اتسمت الوفاة بصور اجتماعية وروحية وسياسية تحمل ابعاداً عميقة في المحتوى والاطار. فكانت الوفاة تخص اموراً خطيرة كالوحي، ووظيفة الجماعة، وطبيعة المقعد الجديد الذي سيشغل مقعد النبوة المفقود، وطبيعة الواجب الشرعي والاخلاقي للامة، والازمة الاجتماعية التي يُحتمل ان تخلّفها الوفاة.

1 ـ وفاة آخر الانبياء (ص) على الارض:

          تناول الدين قضية الموت بكثير من العناية والاهتمام، وقدّم الاسلام قضية الانتقال من عالم الشهادة الى عالم الغيب، والعبور من الحياة الدنيا الى الحياة الآخرة بصورة القضية التكوينية التي تشمل جميع الخلق دون استثناء. فقال تعالى: (كلُ نفس ذائقةُ الموت...)[13].

          الا ان موت حامل الرسالة السماوية ومبلّغها الصادق الامين (ص) يعدُّ حدثاً عظيماً هائلاً، لانه قد يولد شكوكاً حول الرسالة عند غياب قائدها. وقد تنبأ الذكر الحكيم بضخامة الحدث، فقال : (وما محمدٌ الا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل افإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم...)[14].

أ - مقتضيات الوفاة :

          ومن اجل ادراك آثار الوفاة لابد من النظر الى الوضع الاجتماعي لمجتمع المدينة عبر ثلاثة اصعدة :

الاول : الصعيد الغيبي : وهو يعني توقف الوحي توقفاً تاماً عن الاتصال بالارض، واكتمال مقاصد القرآن الكريم في هداية الانسانية المعذبة في ذلك الزمان بل في كل زمان وحتى يوم القيامة. وكان يعني توقف عصر النبوة، فقد كان محمد بن عبد الله (ص) خاتم انبياء السماء.

الثاني : الصعيد الاجتماعي : ويعكس انقطاع دور النبوة التي يوحى لها، وبداية دور الامامة الموصى بها من قبل رسول الله (ص). فكان المفترض ان يختبر المجتمع عصراً جديداً في الادارة الدينية رائده علي بن ابي طالب (ع). وكان اول اختبار لعلي (ع) في ذلك هو كيفية الصلاة على جسد النبي الطاهر (ص)، فاشار (ع) عليهم بان رسول الله (ص) إمامنا حياً وميتاً، فاستجابوا له وصلى الناس صلاة الميت عشرة عشرة. وكان الاختبار الثاني هو عندما خاض المسلمون في موضع دفنه، فقال (ع) : «ان الله سبحانه لم يقبض نبياً في مكان الا وارتضاه لرمسه فيه، واني دافنه في حجرته التي قُبض فيها». واستجاب له المسلمون في ذلك ايضاً. ولاشك ان هذين الاختبارين من الاختبارات الفقهية الشرعية التي لا ينهض باعبائها الا من كان كفؤً لها.

الثالث : الصعيد الشخصي : وهو اختيار رسول الله (ص) الرفيق الاعلى على الرجوع الى الدنيا. وهو اختيار يثبت نبوة المصطفى (ص) وحبه للقاء الله عز وجل.

          وبطبيعة الحال، فان رحيل النبي (ص) عن عالمنا الدنيوي هزّ التركيبة الاجتماعية للمجتمع الاسلامي في ذلك الزمان. فقد كان الناس حديثي عهد بالاسلام، ولم يفهموا معاني الموت بعد. بل كانت الجذور القَبَلية قبل الاسلام لا تزال سارية في نفوس بعض القوم ممن دخلوا الاسلام ظاهراً، وقلوبهم غير مهيّأة للدين.

ب - التجربة الخطيرة:

          ومن هنا كانت وفاة رسول الله (ص) اخطر تجربة مرت على المجتمع الوليد. فبعد كل التضحيات التي قُدمت من اجل الدين، وبعد كل وصايا الاستخلاف التي اوصاها رسول الله (ص) قبل خروجه الى تبوك، وتبليغ سورة براءة، ويوم الغدير، وحثهم على الخروج مع جيش اُسامة، ابى القوم الا ان يسلكوا سلوكاً مخالفاً لارادة النبي (ص) والرسالة الدينية.

          ومن الطبيعي، فان وفاة النبي (ص) ابرزت امرين متلازمين مع طبيعة الاشياء :

الاول : حالة الاحتضار التي مرّ بها (ص). فقد تمثّلت بشكواه (ص) وضعفه وحالات الاغماء التي عانى منها (ص)، ووصاياه التي اوصى بها.

الثاني : وظيفة الجماعة والزاماتهم تجاه موت النبي (ص). وقد كان الامام (ع) ملازماً له (ص) في مرضه حتى وفاته. وتولى بعد ذلك تغسيله والصلاة عليه ودفنه. فمثّل علي (ع) دور الامة في هذا الواجب الكفائي، واماط عنها العقاب الالهي.

          وهاتان الحالتان كانتا، في النظر العرفي، طبيعيتان ولم تخرجا عن مجاري الطبيعة. الاّ ان الاهم في وفاة خاتم الانبياء (ص) هو ان غياب شخصية بهذا الوزن وبتلك الاهمية الدينية، كان يهدد النظام الديني في المجتمع. ذلك ان دور النبوة الاجتماعي والديني لا يمكن تعويضه الا بدور مقارب من النبوة، حتى يستقر الدين في النفوس والقلوب استقراراً راسخاً الى اجل معلوم. فكانت الامامة الشرعية لعلي بن ابي طالب (ع) هي اقرب الادوار وانسبها لسد الفراغ الذي تركه موت رسول الله (ص). ولاشك ان الخلافة السياسية والدينية لعلي (ع)، والارث الذي تركه رسول الله (ص) لفاطمة (ع)، وعلاقة الدم بين رسول الله (ص) والعترة الطاهرة كلها حاولت نقل المجتمع الاسلامي في عصر ما بعد رسول الله (ص) نقلة يسيرة تحافظ على مكتسبات الرسالة واهدافها ووسائلها الشرعية.

          ومن هذا المنطلق نفهم ان تهيؤ النبي (ص) للموت واستقباله استقبالاً حسناً كما انه يدلّ على نبوته (ص) ويقينه بالله سبحانه وتعالى، فانه يدلُّ ايضاً على اهتمامه بالمجتمع الديني الذي سيتركه. فكانت اهم مقدمات الموت عند رسول الله (ص) هو وصيته بالخلافة للامام (ع)، وحثّه للبعض ممن كان يطمح لها بالالتحاق بجيش اسامة. والوصية في تلك الحالة كانت تعني تأكيداً على منهج مختار ينبغي ان يستمر بعد وفاة الموصي. وبمعنى آخر ان الوصية لعلي (ع) بالخلافة كانت تكيفاً شرعياً لتقلبات الحياة الاجتماعية بعد رحيل النبي (ص). وبمعنى ثالث انها كانت تخطيطاً لآثار ما بعد موت رسول الله (ص). وهذا يعني ان المصطفى (ص) لم يكن قلقاً على مصيره بقدر ما كان قلقاً على مصير الامة التي سيؤول امرها الى ضياع إن هي لم تلتزم باوامره ووصاياه.

          فكانت القضية الجوهرية التي واجهت المجتمع بعد وفاة شخصية سماوية عظيمة كشخصية النبي (ص) هي : من الذي سيحتل دوره الاجتماعي والارشادي ؟ ومن الذي سيؤدي وظيفته الاجتماعية والدينية او يقترب من اداء تلك الوظيفة ؟ فلسفياً يحاول المجتمع بعد وفاة خاتم الانبياء (ص) استمرار بناء مؤسسات النظام الاجتماعي ولكن بدون وجود النبي (ص)، وهنا ينبغي ان يتسلح الخليفة الموصى له بالوسائل التي تسمح له باستمرار البناء. فالوصية بالاستخلاف خلال غزوة تبوك، والغدير، ووصاياه (ص) وقت الاحتضار كانت تحاول ان تسلح المجتمع المدني الاسلامي بالصور والرموز المناسبة من اجل مرحلة ما بعد النبوة (ص). وكانت تلك الوصايا تحاول ان تضع مؤشرات شرعية لسلوك الزامي ناضج للجماعة يُلحق عصر الامامة بعصر النبوة. ومن هنا كان التفريق بين الابعاد الشخصية لوفاة النبي (ص) والابعاد الاجتماعية والدينية لهذا الموضوع الخطير امراً مهماً للغاية.

2 ـ واجبات الجماعة تجاه وفاة النبي (ص):

          يُنتزع الواجبُ من الانسان كما يُنتزع الدَين من المديون. فللواجب صفة قانونية «شرعية» واخلاقية واجتماعية ملزِمة. وقد كان واجب الجماعة تجاه النبي (ص) وقت الاحتضار، والوفاة، وما بعد الوفاة هو تنفيذ وصيته بالالتحاق بجيش اُسامة، والاقرار لعلي (ع) بالولاية، وعدم ترك جسد النبي (ص) دون عناية بعد وفاته. وهي مهام شرعية واجتماعية خطيرة كانت تساعد المسلمين على صيانة دينهم ومبدأهم لو كُتب لها النجاح. ولذلك قسّمنا واجب الجماعة تجاه وفاة رسول الله (ص) الى قسمين : الواجب الشرعي والواجب الاخلاقي.

أـ الواجب الشرعي:

          فعندما يصدر الشارع امراً من واجب او منع، فعلى المكلفين التطبيق. فالقانون الشرعي يلحظ المصلحة والملاك، ويعاقب على المعصية ويثيب على حسن الطاعة. وقد لمسنا ان التكليف الشرعي يأمر المسلمين جميعاً بطاعة رسول الله (ص)، فقال تعالى في محكم كتابه : (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله امراً ان يكون لهم الخيرة من امرهم...)[15] ، (من يطع الرسول فقد اطاع الله...)[16] ، وبالضرورة وعندما امرهم رسول الله (ص) بامرة الولاية لعلي (ع) في قوله (ص) : «من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه» كان واجب الجماعة الطاعة التامة لذلك الواجب الشرعي. والا، فما معنى تجاهل ذلك الامر اذا كان من قضاء الله وتبليغ رسوله غير المعصية ؟ ألم يكن انتهاكاً لحرمة الدين والرسالة السماوية ؟ ولكن لم تكن تلك المعصية يتيمة في بابها.

سجل المعاصي الشرعية :

          بل كان عدم الالتحاق بجيش اُسامة معصية اخرى تضاف الى سجل المعاصي التي ارتُكبت في تلك الفترة الحساسة من عمر الدين. وكان اجتماع السقيفة وما دار فيها من مشاحنات وصراع اجتماعي، معصية ثالثة.

          وبكلمة، فان معصية القوم لواجبهم الديني الذي كان يقتضي عدم مخالفة رسول الله (ص)، والتشبث بمختلف الوسائل من اجل سلب الخلافة من اهلها الشرعيين كان من اعظم المخالفات في تأريخ الاسلام. بل ان تأثيرها كان بحجم الفرار من المعارك الكبرى في الاسلام في اُحد وخيبر وذات السلاسل وحُنين ونحوها.

          اذن، فان مباني «التكليف الشرعي» تعتبر المخالفَ مذنباً. اي ان الذي يعصي التكليف الشرعي انما يرتكبُ ذنباً يستحق عليه اللوم والعقاب. والذين خالفوا وصية رسول الله (ص) يدخلون في تلك الدائرة، وهي دائرة المخالفة الشرعية والمعصية.

          ولاشك ان التكليف الشرعي يتطابق تماماً مع معنى الالزام الشرعي. فالواجب هو اللازم، والالزام يعني الوجوب. نعم، ربما يعني الواجب تكليف على الانسان من الخارج، بينما يعني الالزام الزام المرء نفسه باداء التكليف فهو تكليف من الداخل.

          وفي ضوء ذلك، فان الواجب يقيّد المكلف، ولا يحرره الا بادائه. وقد كان المسلمون جميعاً مكلّفون باداء ما امرهم به رسول الله (ص) في وصاياه. خصوصاً تلك المتعلقة بالولاية الشرعية. بل ان كل الدلائل كانت تشير الى ان هؤلاء القوم كانوا قد فهموا الواجب «ولاية علي (ع)» وعرفوه وفقهوه، ولكنهم لم يُلزموا انفسهم به.

          ولو حاول البعض الغاء ذلك التكليف الشرعي، لنوقش بان كل دين او رسالة سماوية تفرض واجبات والزامات على المكلفين. ولا محيص من ادائها كاملاً ودون تردد او تأخير. وقد كان واجب الالتزام بوصايا رسول الله (ص) فيما يخص ولاية الامام (ع) واضحاً ابعد الوضوح، ومكرراً بحيث يفهمه القريب والبعيد. فكانت مخالفته معصية واضحة ضد تكاليف الشرع. وقد قال تعالى : (...ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً)[17].

          وهكذا سارت الامور الاجتماعية والسياسية على عكس ما اراده رسول الله (ص). وانتكست المسيرة الاسلامية انتكاسة عظيمة انعكست آثارها الخطيرة في القرون التي تلت الوفاة.

دواعي ارتكاب المعصية :

          وقد يتسائل متساءل : كيف تم لتلك المعصية الكبرى ان تحصل ؟ والجواب على ذلك يتم عبر ملاحظة النقاط التالية :

اولاً : ان فشل القوم في تنفيذ وصية رسول الله (ص) كان يُلحظ فيه عدم الخوف من النتائج المترتبة على المعصية. فالامام (ع) والخواص من بني هاشم كان يهمهم حفظ بيضة الاسلام وعدم سفك الدماء، وهذا ليس غريباً فقد كانوا يضعون الاسلام ومصلحته العليا فوق كل شيء، فهم الصفوة المتصلة بالسماء. فالمعصية لم يكن يخشى منها اذى من بني هاشم. ولم يكن يخشى منها عقوبة دينية دنيوية.

ثانياً : ان تلك المخالفة لوصايا رسول الله (ص) كان يُنظر لها على اساس انها قضية تحتمل التبرير. فالماكنة الاعلامية للسلطة الجديدة تستطيع ان تدعي بان المصلحة العليا للاسلام اقتضت اقصاء علي (ع) من الخلافة الشرعية، وتستطيع ان تدعي بان علياً (ع) كان شاباً لا يستطيع ادارة دفة الحكم، وفي الامة العديد من الشيوخ، وتستطيع ان تدعي بان الخليفة الاول ـ على اساس قياس المفاضلة ـ افضل الناس وازكاهم واقربهم الى رسول الله (ص). وعلى ضوئه يُحذف اسم علي (ع) من الساحة الاجتماعية.

          ولذلك، فان تجريمها قضية مستحيلة، خصوصاً في غياب الوحي الذي كان يكشف سرائر الناس، كما حصل في سورة التوبة بعد غزوة تبوك فكشف اسرار المنافقين والذين تخلفوا عن رسول الله (ص) في غزوته الشاقة تلك.

          وكان التخلف عن الالتحاق بجيش اُسامة قد حمل تبريرين يمثلان لسان القوم. احدهما يقول : «اني كنتُ خرجت ثم عدتُ لاحدث بك عهداً». والآخر يقول : «اني لم اخرج لاني لم أحبّ ان أسأل عنك الركب». وتلك التبريرات تكشف عن حجم المعصية وابعادها السياسية والاجتماعية.

ثالثاً : ان الشرط الضروري لمعرفة الحقيقة كان يمكن ـ في تقدير القوم ـ تغييره او تعديله او حذفه من الساحة الاجتماعية. واقصد بالشرط الضروري لمعرفة الحقيقة هو علي (ع) وفاطمة (ع). وقد اُستخدمت معهما اساليب في غاية القسوة من اجل اجبارهما على الرضوخ للامر الواقع. ومنها اكراه الامام (ع) بقوة السيف على القبول بالبيعة للخليفة الاول، وانكار حق فاطمة (ع) في فدك وهتك حرمة بيت النبوة (ع).

ب ـ الواجب الاخلاقي:

          والواجب الاخلاقي ينحصر في دائرة اضيق من الواجب الشرعي. ذلك ان الواجب الشرعي يدعو الانسان مثلاً الى اعطاء الفقير بعضاً مما يملكه المعطي لا كل ما يملكه. ولكن الواجب الاخلاقي يدعو الانسان الى اعطاء كل ما يملكه للفقير. هنا انحصر الواجب الاخلاقي بالصفوة من الناس، بينما عمّ الواجب الشرعي كل مكلف. ولو كان القوم قد تحلّوا بالواجب الاخلاقي فضلاً عن الواجب الشرعي لقدموا وصية رسول الله (ص) في استخلاف علي (ع) على كل مصالحهم الاجتماعية. ولكن كان الالزام الاخلاقي ضعيفاً عندهم، فما ان تُوفي رسول الله (ص) حتى اصبحت وصيته (ص) في خبر كان، وكأن شيئاً لم يحصل.

من مقتضيات الواجب الاخلاقي:

          وهنا افرز سلوكهم بعد وفاة النبي (ص) ثلاثة امور على صعيد الواجب الاخلاقي:

الاول : ان الواجب الاخلاقي، فضلاً عن الواجب  الشرعي، كان يقتضي تنفيذ وصية رسول الله (ص) بحذافيرها دون ابطاء او تأخير. ولكننا لم نرَ اثراً لذلك الواجب الاخلاقي عندهم.

الثاني : لم يلتزم القوم بالواجب الاخلاقي في تجهيز النبي (ص) ودفنه، مع ان ذلك الواجب كان واجباً شرعياً كفائياً قام به بنو هاشم. الا ان الالزام الاخلاقي يدعو المؤمن الى التريث حتى يتم دفن الرسول (ص)، قبل التداول في امر الخلافة.

الثالث : ان الواجب الاخلاقي اعلى درجةً من الواجب التكليفي، بمعنى ان الاول يؤدى خالصاً لوجه الله سبحانه وتعالى من دون تكليف، بينما يؤدى الثاني بدافع التكليف والامر المولوي. ولو افترضنا ـ نظرياً ـ ان عظم المصيبة التي حلّت بالمسلمين دفعتهم الى نسيان الوصية، لكان الاجدر بهم ان يقدموا علياً (ع) للخلافة، على سبيل اداء الواجب الاخلاقي. وهو الذي شهد له التأريخ القتالي والعلمي بحسن الادارة والقتال والتفاني في سبيل الدين.

          ولاشك ان اداء الواجب الاخلاقي يُضفي على المجتمع الديني انسجاماً بين مختلف قطاعاته وطبقاته وشرائحه. ومن المسلَّم به ان كسر قواعد القانون الاخلاقي يحطم الشخصية الاخلاقية للمتدينين. ذلك لان الدين يحثّ دائماً على اداء الواجبات والمستحبات بدافع الاخلاص لله سبحانه ويدعو للتعامل الاخلاقي بين الناس. فكان كسر القانون الاخلاقي مرآة لتحطيم الشعور بالذنب ومحاولة قتل النفس اللوامة التي تلوم الانسان على تخريب روح الشريعة.

          وهكذا كان، وانكسر الواجبان الاخلاقي والشرعي اللذان كانا يدعوانهم الى رعاية حرمة رسول الله (ص) خلال احتضاره وبعد وفاته (ص). وهنا كانت الوفاة والحزن العظيم مدعاةً لاقتطاف الفرصة نحو الخلافة دون اظهار الحد الادنى من النبل والبحث عن الحقيقة.

3 ـ دور علي (ع) خلال الوفاة وبعدها:

          كان دور علي (ع) في التعامل الاخلاقي مع مختلف الشرائح الاجتماعية خلال وفاة النبي (ص) وبعدها متوقعاً. فمن خلال ما قرأناه في الصفحات الماضية توصلنا الى نتيجة مفادها انه (ع) كان امتداداً لرسول الله (ص) في العلم والتقوى والاخلاق، وكانت فيه بقية من النبوة، الا انه لا نبي بعده (ص).

          ولذلك كان الدور الذي اُنيط بعلي (ع) متميزاً في النوعية والفعلية. فعلى مستوى النوعية، قَبِلَ علي (ع) وصيته (ص)، ووعد بانجاز عدته وقضاء دينه (ص). ولا يقوم بذلك العمل النوعي الا من كان مؤهلاً وصادقاً فيما يقول ويُوعد. وعلى مستوى الفعلية، قام علي (ع) بكل ما يمكن ان يقوم به من الالتصاق بالنبي (ص) في الساعات الاخيرة وتغسيله والصلاة عليه ودفنه (ص). وكان جلوسه (ع) للمصيبة عملاً اخلاقياً ودليلاً على انه كان ترابياً مندكاً في الله سبحانه وتعالى. هذا في الوقت الذي كانت فيه مؤشرات بان القوم سوف يسارعون الى تقرير ولاية الامر قبل ان يفرغ بنو هاشم من مصاب رسول الله (ص). خصوصاً وان العلامات على ذاك الطريق كانت عديدة وواضحة من قبيل تأخرهم عن الالتحاق بجيش اُسامة والتقدم للصلاة كائمة للمسلمين وقولهم انه (ص) كان يهجر ونحوها.

          ويمكننا ادراك دور الامام (ع) خلال تلك الفترة الحرجة من تأريخ الاسلام من خلال صورتين :

الاولى : توقعات الامة منه (ع) على صعيد الاحكام الشرعية والادارة الاجتماعية، خصوصاً وانه كان نائباً لرسول الله (ص) في الامور الدينية والاجتماعية في اوقات مختلفة من حياته (ص). ولاشك ان الامة تربط في توقعاتها بين شخصية المرشح لذلك المنصب وبين مواقفه العلنية من المشاكل الكبرى التي كانت تواجه الامة. فكانت الامة تتوقع من الامام (ع) ان يحقق العدالة الاجتماعية ويطبّق الحدود وينشر الاسلام في المعمورة.

الثانية : سلوكه على صعيد الجماعة. فهو لم يتعامل مع القوم الا بالاخلاق الفاضلة العالية، مع انهم سلبوه حقه ومسؤوليته التي حددها له رسول الله (ص). ونقصد بالتعامل او السلوك هو: فعله وتقريره وقوله (ع) الذي كان مستمداً من فعل رسول الله (ص) وتقريره وقوله.

          وبذلك كان دور علي (ع) خلال الحزن الاعظم بوفاة النبي (ص) وبعده دوراً اخلاقياً نابعاً من صميم الدين والرسالة الاخلاقية التي يحملها للبشرية. وكان الامام (ع) ينظر الى المصلحة الاسلامية العليا في تلك المواقف اكثر مما كان ينظر الى ذاته او مصلحته الشخصية.

4 ـ وفاة النبي (ص) والازمة الاجتماعية :

          احدثت وفاة رسول الله (ص) ازمة اجتماعية لان المتغيرات التي اُريد لها ان تحتل مواقعها اُبدلت. فقد اُريد للامامة الشرعية ان تكون بديلاً للنبوة، وهو ما اوصى به رسول الله (ص) لعلي (ع). ولكن الامامة اُقصيت وجاءت محلها الخلافة الدنيوية التي لم تستند على وصية شرعية او تبليغ سماوي.

          والازمة تعني تغير باتجاهين متعاكسين نحو سياسة معينة، او مشكلة، او موقف. وهو ما حصل بالفعل، فقد كان الاتجاه العلوي يسير نحو ولاية الامام (ع)، بينما كان الاتجاه القرشي يسير نحو ترشيح من كانوا يرون انه مرشح للخلافة. وكانت تلك الازمة نقطة تحول في تأريخ الاسلام. فإن انتصر الاتجاه العلوي اتجه النظام الاسلامي في طريق، وإن انتصر الاتجاه القرشي اتجه ذلك النظام في طريق آخر. وشاء القدر ان ينتصر الاتجاه القرشي في تلك المعركة الاجتماعية التي ترجع جذورها الى الصراع الدائر بين الجاهلية والاسلام.

          وبكلمة، فان تلك الازمة التي خطط لها الطامحون بالخلافة قد هددت اهداف الدين وبرنامجه السياسي في بناء المجتمع الديني العالمي. ذلك ان اقصاء الامام (ع) عن موقعه الطبيعي في الادارة الدينية والاجتماعية فتح الباب لكل الذين حاربهم الامام (ع) في معارك الاسلام الكبرى بالرجوع الى سدة الحكم.

عناصر القرار المخالِف :

          وبطبيعة الحال فان الازمة الاجتماعية التي حصلت كان منشؤها صناعة قرار مخالف لقرار السماء. فبعد ان تجاهلوا قرار رسول الله (ص) في تولية علي (ع)، اتخذوا قراراً مناوئاً مستنداً على ثلاثة عناصر :

الاول : تشخيص مصدر الحدث. وهو الايمان بان السلطة في الاسلام يمكن ان تكون دنيوية وليست دينية بالضرورة. ولذلك تباطىء القوم في الذهاب الى جيش اُسامة واسرعوا الى السقيفة عند وفاة النبي (ص). وهذا الانتقال السريع في نمط التفكير عرّض الامة الى ازمة شديدة.

الثاني : ضيق الوقت الذي اُتخذ فيه القرار. فبينما كان علي (ع) مهتمٌّ بالمصيبة العظمى، سارع القوم الى اتخاذ القرار باسرع ما يمكن. ذلك لان قرار من هذا القبيل يحصل في ظروف استثنائية وفي حالة مخالِفة لإرادة رسول الله (ص)، كان يرشح الوضع الاجتماعي العام لعدم استقرار. ولذلك سارعوا في اتخاذ القرار باقصر وقت زمني ممكن.

الثالث : اهمية القيمة السياسية لذلك القرار. فكان تنحية علي (ع) بتلك الصورة المفجعة ومحاولة ترسيخ موقع الخلافة في قريش ومنعها من بني هاشم، قراراً سياسياً ذو قيمة بالنسبة للطامحين بالخلافة. لانه كان يعني ان الحكم سيكون بايديهم وبايدي احفادهم لقرون مديدة قادمة. فيكون قرار من هذا القبيل ذو قيمة سياسية عظمى.

          وفي ضوء ما ذُكر، نلمس التفاوت الديني بين قرار رسول الله (ص) بتعيين علي (ع) خليفة بعده وبين قرار السقيفة بتولية غيره. فكان ذلك الاختلاف في التفكير يعكس تفاوتاً هائلاً في درجات نظام اتخاذ القرار. فبينما كان القرار الاول مبنياً على اصول الدين ووظيفة التكليف السماوي، كان القرار الثاني مبنياً على اساس القَبَلية وجذور ما قبل الاسلام.

          ولذلك كانت الازمة تهدد اركان الدين واهدافه، وعناصرها قابلة للاشتعال. ذلك لانها كانت تحمل صراعاً بين الدين والقوى التي تريد الاستئثار به. والصراع يبدأ ويستمر هنا لان كلا الطرفين المتصارعين يحملان اهدافاً متعاكسة، وغير منسجمة، ولا متطابقة.

 ازمة الخلافة وازمة الحكومة :

          ان الازمة التي ولدها عصيان اوامر النبي (ص) خلال ايامه الاخيرة لم تكن ازمة افراد، بقدر ما كانت ازمة حكومة بما فيها المؤسسة السياسية والعسكرية والاقتصادية. فمهما كان التبرير السياسي والتفسير التأريخي للاحداث، فان التأريخ لا يسمح لحدث من هذا القبيل وهذا الحجم بالمرور دون اعتراض او ادانة مباشرة او غير مباشرة. فقد خربت «السقيفة» البنيان السياسي الديني الذي بناه رسول الله (ص) في دولته الفتية، وخربت البناء العسكري ومنها ما حصل من اختلافات في جيش اُسامة، واقصاء القائد عن قيادة الجيش بعد اربعين يوماً فقط من وفاة رسول الله (ص)، وخربت فكرة العدالة الاجتماعية التي بشر بها الاسلام للبشرية جميعاً خصوصاً خلال حكم الخليفة الثالث.

          وهنا جملة نقاط لابد من ملاحظتها :

          1- لا يمكن تفكيك السلطة التشريعية في عصر النبوة او الامامة عن السلطة التنفيذية. فالنبي (ص) كان يصدر الحكم الشرعي الذي علمه بالوحي وينفذه ويأمر بتنفيذه. وكان للامام (ع) ما كان للنبي (ص)، الا انه لا نبي بعده ولا وحي، كما قال (ص) لعلي (ع) خلال غزوة تبوك : «اما ترضى ان تكون مني بمنـزلة هارون من موسى، غير انه لا  نبي بعدي»[18]. فاهداف الامام (ع) كانت تمثّل ديمومة اهداف النبوة وبرنامجها في اصلاح ما فسد عند الناس. اما اذا كان الخليفة لا يمتلك تلك الميزة التشريعية، فعندها يصبح مجرد عنصر تنفيذي يتجرأ على الله سبحانه في اصدار الاحكام الشرعية. ويعدو مصداقاً لقوله تعالى : (قل آلله اذن لكم ام على الله تفترون)[19].

          2- يستطيع النبي (ص) او الامام (ع) تحديد المصلحة والمفسدة والملاك في الحروب الابتدائية التي يشنها الاسلام ضد الشرك. اما الخليفة الذي هو مجرد منفّذ اجرائي وغير مخوّل لاصدار الحكم الشرعي، فانه لا يستطيع تحديد ذلك. خصوصاً وان في المسألة دماء تُسفك واعراض تُنتهك ومال يُسلب.

          3- ان تقمص السلطة لمن لا اهلية له شرعاً يعدُّ ظلماً اولياً يؤدي الى ظلم اعظم بالرعية. وحتى لو افترضنا ان آثار ذلك الظلم لم تظهر في زمن الخليفتين الاول والثاني، الا ان آثاره ظهرت بوضوح في عهد الخليفة الثالث. وهذا يعني ان اغتصاب السلطة وسلب المسؤولية الشرعية من اهلها يعني ظلماً تظهر آثاره على المجتمع بعد فترة من الزمن، قد تطول او قد تقصر.

          وقد تنبأت فاطمة الزهراء (ع) بذلك، فقالت في احدى خطبها للنساء : «...اما لعمر الهكن[20] لقد لقحت[21]. فنظرةٌ ريثما تنتج[22]، ثم احتلبوا طلاع العقب[23] دماً عبيطاً [24]، وذعافاً ممقراً [25]. هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب[26] ما اسس الاولون...»[27].

          4- ان سلطة الامام (ع) سلطة مسؤولية وعدالة واحكام شرعية واخلاق، بينما لم نلحظ ذلك في سلطة الذين كانوا اقرب الى الاجرائية والتنفيذ منهم الى التشريع.

          وبذلك كانت الازمة التي ولدها عصيان امر النبي (ص) ازمة حكومة وليست ازمة افراد. فالحكومة التي تشكلت بعد وفاته (ص) لم تكن تملك التخويل الشرعي لاصدار الاحكام والاوامر والنواهي الشرعية. فكانت تلك الازمة من اخطر الازمات التي عصفت بالاسلام ودوره في الحياة الاجتماعية.


 

[1] (الارشاد) – المفيد ج 1 ص 180. و(تاريخ اليعقوبي) ج 2 ص 113.

[2] الطبقات الكبرى – ابن سعد ج 4 ص 60- 61.

[3] سورة آل عمران: الآية 144.

[4] (اعلام الورى باعلام الهدى) – الطبرسي ج 1 ص 263- 272.

[5] (الارشاد) ج 1 ص 181.

[6] (المناقب) – ابن شهرآشوب ج 1 ص 237.

[7] (المقنعة) ص 456. و(مصباح المتهجد) ص 732.

[8] (الارشاد) ج 1 ص 187.

[9] (اعلام الورى) ج 1 ص 270.

[10] اللَبِنَةُ: التي يُبنى بها، والجمع: لَبِنٌ.

[11] (الارشاد) ج 1 ص 188.

[12] (الارشاد) ج 1 ص 189.

[13] سورة العنكبوت: الآية 57.

[14] سورة آل عمران: الآية 144.

[15] سورة الاحزاب: الآية 36.

[16] سورة النساء: الآية 80.

[17] سورة الاحزاب: الآية 36.

[18] (الخصائص) ص 14. رواها النسائي باسناده عن سعد بن ابي وقاص.

[19] سورة يونس: الآية 59.

[20] أي: اما وحق بقائه.

[21] أي: حبلت

[22] أي: نظرة تأخير ثم تلد.

[23] أي: ملئوه.

[24] أي: دماً طرياً.

[25] ذعافاً ممقراً: سُماً مراً.

[26] غب: عاقبة.

[27] (بلاغات النساء) ص 32.