الفصل الثالث والعشرين

 فاطمة الزهراء (ع)

 

فاطمة الزهراء (ع) والاحداث العظيمة. مراحل التحرك: 1- المطالبة بالحقوق: أ-النحلة. ب- دعوى الميراث. ج- سهم ذوي القربى. 2- الاجهار في المعارضة. 3- مقاطعة قريش. استشهادها (ع). فاطمة الزهراء (ع) والانوثة الدينية: 1- النظرية الدينية في الأنوثة. 2- معاني الأنوثة. 3- خصائص فاطمة الزهراء (ع). الأرض والسياسة في (فدك): 1- فدك: الارض. 2 ـ فدك : الملكية.

 -------------------

 فاطمة الزهراء (ع) والأحداث العظيمة

          عاشت فاطمة الزهراء (ع) خلال احتضار ابيها رسول الله (ص) ووفاته (ص) اياماً صعبة وعصيبة. فقد افتقدت الاب الرحوم والنبي الخاتم (ص) والمصطفى الذي اختارته السماء رحمة للعالمين. فعندما «صارت الى قبر ابيها (ص) وقفت عليه وبكت، ثم اخذت من تراب القبر فجعلته على عينها ووجهها ثم انشأت تقول :

ماذا على من شمّ تربة أحمد *** ان لا يشمّ مدى الزمان غواليا

صبّت عليّ مصائب لو انها *** صُبّت على الايام عدن لياليا

ولها (ع) ترثي أباها (ص)[1]:

اغبر آفاق السماء وكورت *** شمس النهار وأظلم العصرانِ

والارض من بعد النبي كئيبة *** أسفاً عليه كثيرة الاحزانِ

فليبكه شرقُ البلاد وغربُها *** ولتبكه مضرٌ وكلُ يمان

وليبكه الطود الأشمّ وجوّه *** والبيت ذو الاستار والأركانِ

ياخاتم الرسلِ المبارك صنوه *** صلّى عليك منـزّلُ القرآنِ

          وبعدما رأت ما انتهت اليه وصية رسول الله (ص) حول ولاية الامام (ع)، واحداث السقيفة، بدأت تحركها السياسي ضد قريش التي اغتصبت ولاية الامر.

التحرك ضد قريش :

          وكان ذلك التحرك قد مرّ بمراحل ثلاث :

الاولى : مطالبتها بحقها في فدك وسهم ذوي القربى.

الثانية : الاجهار في معارضتها استلام قريش الخلافة بعد النبي (ص).

الثالثة : مقاطعتها قريشاً حتى استشهادها (ع).

          وكانت تلك المراحل متضافرة تساند بعضها بعضاً في اعلان مظلوميتها. خصوصاً الامر المتعلق بانتهاك حرمة الولاية الشرعية.

المرحلة الاولى : المطالبة بالحقوق

          واهم ما كان في يدها (ع) : فدك. وهي قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل : ثلاثة. وفيها عين فوارة ونخيل كثيرة[2]. وقصة فدك : ان رسول الله (ص) عندما انتهى من معركة خيبر «بقيت بقية من اهل خيبر تحصنوا، فسألوا رسول الله (ص) ان يحقن دمائهم ويسيرهم، ففعل. فسمع بذلك اهل فدك، فنـزلوا على مثل ذلك. فكانت لرسول الله (ص) خاصة، لانه لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب»[3].

          وقد قال تعالى في كتابه الكريم : (وما افاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكنّ الله يسلّط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير. ما افاء الله على رسوله من اهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل...)[4]. وفي رواية اخرى انه (ص) لما فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب اهل فدك، فبعثوا الى رسول الله (ص) فصالحوه على النصف من فدك[5]. فانزل الله تعالى على نبيه (ص) : (فآت ذا القربى حقه...)[6] ، ثم «اوحى اليه ان ادفع فدك الى فاطمة (ع)، فدعاها رسول الله (ص) فقال لها : يافاطمة، ان الله أمرني ان ادفع اليك فدك. فقالت : قد قبلت يارسول الله من الله ومنك. فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول الله (ص) فلما ولي ابو بكر اخرج عنها وكلاءها...»[7]. فتقدمت الزهراء (ع) الى الخليفة الاول في مطالبتها بحقها بثلاث دعاوى : أ ـ النحلة. ب ـ الميراث. ج ـ سهم ذوي القربى.

أ ـ النحلة :

          وهي قول الزهراء (ع) بان اباها (ص) قد وهبها فدكاً في حياته (ص). ويستدلّ على ذلك ان فاطمة (ع) عندما كلّمت ابا بكر حول موضوع فدك قال لها : «ياابنة رسول الله، والله ما ورث ابوك ديناراً ولا درهماً، وانه قال : ان الانبياء لا يورثون. فقالت : ان فدكاً وهبها لي رسول الله (ص)...»[8].

          ويستدل ايضاً على ان فدكاً كانت بيد فاطمة الزهراء (ع) خلال حياة ابيها (ص)، ثم اُنتزعت منها، قول امير المؤمنين (ع) في كتابه لعثمان بن حنيف : «بلى كانت في ايدينا فدك من كلّ ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين. ونعم الحَكَمُ الله، وما أصنع بفدك وغير فدك، والنفسُ مظانّها في غد جَدَثٌ، تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها...»[9].

فاطمة (ع) واحتجاج الخليفة الاول :

          وتفصيل الامر، ان فاطمة (ع) احتجت على ابي بكر، فقالت له : «ان رسول الله اعطاني فدكاً. فقال : هل لك بيّنة ؟ فشهد لها عليّ وام ايمن، فقال لها : أفبرجل وامرأة تستحقينها ؟ »[10]. واحتجاج الخليفة بتلك الطريقة في غاية الغرابة. ذلك :

          1 ـ ان فاطمة الزهراء (ع) لا يمكن ان تطالب الخليفة امراً ليس لها. خصوصاً وهي العابدة الزاهدة التقية المعصومة. ودليل عصمتها امران :

الاول : طهارتها التي وُصفت في قوله تعالى : (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً)[11]. والارادة الالهية هنا تدلّ على وقوع الفعل للشيء المراد.

الثاني : يدلُّ على عصمتها قوله (ص) : «فاطمةٌ بضعةٌ مني، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله عز وجل». ولو كانت تقترف الذنوب لا يمكن ان يكون مؤذيها مؤذياً لرسول الله (ص). فكان على الخليفة الاول تصديقها (ع).

          2 ـ ان البيّنة التي يطلبها القاضي ـ على الاغلب ـ انما يُراد منها التغليب في الظن على صدق المدّعى. ولاشك ان العدالة معتبرة في الشهادات لانها تؤثر في غلبة الظن. ولذلك اُجيز للحاكم ان يحكم بعلمه من غير شهادة، لان علمه اقوى من الشهادة.

          وقد روي ان اعرابياً نازع النبي (ص) في ناقة. فقال (ص) : «هذه لي، وقد خرجت اليك من ثمنها». فقال الاعرابي : من يشهد لك بذلك ؟ فقال خزيمة بن ثابت : أنا أشهد بذلك. فقال النبي (ص) : «من اين علمت وما حضرت ذلك ؟». قال : لا. ولكن علمت ذلك من حيث علمتُ انك رسول الله. فقال (ص) : «قد اجزت شهادتك، شهادتين». فسُمي ذا الشهادتين[12].

          وفيما نحن فيه، كان على الخليفة الاول الا يستظهر عليها (ع) بطلب شهادة او بيّنة. فهو يعلم مكانها في الدين وموقعها من رسول الله (ص).

          3 ـ وقع الخليفة الاول في اول تناقض فقهي له بعد بيعة قريش له. فإن كانت فاطمة (ع) قد طالبت بفدك وتدعي ان اباها (ص) نحلها ايّاها احتاجت الى اقامة البيّنة، فلم يبق لقول ابي بكر المنسوب الى رسول الله (ص) : «نحن معاشر الانبياء لا نوّرث» من معنى. وإن كانت تطالب بميراث فلا حاجة بها الى الشهود. فالذي يستحق التركة لا يحتاج الى شاهد الا اذا كان نسبه مُنكراً او مجهولاً.

          قال المعتزلي : «سألتُ علي بن الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد، فقلت له : أكانت فاطمة صادقة ؟ قال : نعم. قلت : فلِمَ لم يدفع اليها ابو بكر فدك وهي عنده صادقة ؟ فتبسّم ثم قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته، قال : لو اعطاها اليوم فدكاً بمجرد دعواها لجاءت اليه غداً وادّعت لزوجها الخلافة، وزحزحته عن مقامه. ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيء، لانه يكون قد أسجل على نفسه انها صادقة فيما تدعي كائناً ما كان من غير حاجة الى بينة ولا شهود.

          وهذا كلام صحيح، وإن كان اخرجه مخرج الدعابة والهزل»[13].

          4 ـ من اصول القضاء انه يجوز ان يقضي بيمين وشاهد. وقد روى ابو داود «ان رسول الله (ص) قضى بيمين وشاهد»[14]. فكان بامكان الخليفة ان يفعل ذلك اقتداءً برسول الله (ص)، لكنه لم يفعل.

          5 ـ ان جملة : «نحن معاشر الانبياء لا نوّرث» قد طبّقت فقط على فاطمة الزهراء (ع) فمُنعت من فدك، بينما لم يطبقوا القاعدة على زوجات النبي (ص) وبالخصوص عائشة ام المؤمنين. فعندما دخل رسول الله (ص) المدينة اراد شراء موضع المسجد من قوم بني النجار فوهبوه له. فكان بيتاً له ومسجداً، قال كتاب الله : (ياايها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الا ان يؤذن لكم...)[15]. ولم يكن لزوجته عائشة داراً بالمدينة ولا لابيها ولا لعشيرتها لانهم من اهل مكة. ولم يروَ انها بنت بيتاً لنفسها. ولكنها عندما ادعت حجرة النبي (ص) بعد وفاته حيث دفن  فيها، صدقها ابو بكر وسلمها اليها بمجرد سكناها، او دعواها.

          ومن المعلوم ان البيوت للازواج. فقد ورد في الذكر الحكيم : (ياايها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدّة واتقوا الله ربكم، لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا ان يأتين بفاحشة مبينة...)[16]. والمراد ببيوتهنّ : البيوت التي كنَّ يسكنها قبل الطلاق، أضيفت اليهن بعناية السكنى، لا الملك.

احتجاج علي (ع) على الخليفة الاول :

          بعد ان ادرك الامام (ع) ما فُعِلَ في فدك من اخراج وكيل فاطمة الزهراء (ع) ونكرانهم ملكيتها لفاطمة (ع)، اتى (ع) ابا بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والانصار.

          فقال (ع) : يا ابا بكر لِمَ منعت فاطمة ميراثها من رسول الله (ص) وقد ملكته في حياة رسول الله (ص) ؟[17]

          فقال ابو بكر : هذا فيء للمسلمين، فإن اقامت شهوداً ان رسول الله جعله لها، والا فلا حقّ لها فيه.

          فقال الامام (ع) : ياابا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين ؟

          قال : لا.

          قال (ع) : فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه، ثم ادعيت أنا فيه من تسأل البيّنة ؟

          قال : ايّاك اسأل البيّنة.

          قال (ع) : فما بال فاطمة سألتها البيّنة على ما فيها في يديها. وقد ملكته في حياة رسول الله (ص) وبعده ولم تسأل المسلمين بيّنة على ما ادعوها شهوداً، كما سألتني على ما أدعيت عليهم ؟

          فسكت ابو بكر. فقال عمر : يا عليّ دعنا من كلامك فانّا لا نقوى على حجتك، فان أتيت بشهود عدول، والا فهو فيء للمسلمين لا حقّ لك ولا لفاطمة فيه.

          فقال الامام (ع) : ياابا بكر تقرأ كتاب الله ؟

          قال : نعم.

          قال (ع) : اخبرني عن قول الله عز وجل : (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً)[18] ، فيمن نزلت، فينا او في غيرنا ؟

          قال : فيكم.

          قال (ع) : فلو ان شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول الله (ص) بفاحشة ما كنت صانعاً بها ؟

          قال : كنت أقيم عليها الحدّ، كما أقيمه على نساء المسلمين.

          قال (ع) : اذن كنت عند الله من الكافرين.

          قال : ولِمَ ؟

          قال (ع) : لانك رددت شهادة الله لها بالطهارة، وقبلت شهادة الناس عليها، كما رددت حكم الله وحكم رسوله أن جعل لها فدكاً قد قبضته في حياته. ثم قبلت شهادة اعرابي بائل على عقبيه عليها وأخذت منها فدكاً، وزعمت انه فيء للمسلمين. وقد قال رسول الله (ص) : «البيّنة على المدعي، واليمين على المدعى عليه». فرددت قول رسول الله (ص) ... قال ] الراوي [ : فدمدم الناس وانكروا ونظر بعضهم الى بعض، وقالوا : صدق والله علي بن ابي طالب (ع)...»[19].

تداول فدك بين الايادي عدا فاطمة (ع) :

          قال ابو الفداء في ذكر بعض ما نقم الناس على عثمان : «وأقطع مروان ابن الحكم فدكاً، وهي صدقة رسول الله (ص) التي طلبتها فاطمة ميراثاً، فروى ابو بكر عن رسول الله (ص) : نحن معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة. ولم تزل فدك في يد مروان وبنيه، الى ان تولى عمر بن عبد العزيز فانتزعها من اهله وردها صدقة»[20].

          واخرج البيهقي : «قال الشيخ : انما اقطع مروان فدكاً في ايام عثمان بن عفان وكأنه تأول في ذلك ما روى عن رسول الله (ص) : اذا أطعم اللهُ نبياً طعمة فهي للذي يقوم من بعده وكان مستغنياً عنها بماله فجعلها لاقربائه ووصل بها رحمهم... وذهب آخرون الى ان المراد بذلك، التولية وقطع جريان الارث فيه. ثم تصرف في مصالح المسلمين كما كان ابو بكر وعمر يفعلان»[21].

          واشار ابن عبد ربه الاندلسي : «ومما نقم الناس على عثمان انه آوى طريد رسول الله (ص) الحكم بن ابي العاص... وقطع فدك مروان وهي صدقة لرسول الله (ص) وافتتح افريقية واخذ خمسه فوهبه لمروان»[22].

          ثم دارت الايام حتى جاء عصر المأمون - عبد الله بن هارون الرشيد- «فدفعها الى ولد فاطمة وكتب بذلك الى قثم بن جعفر عامله على المدينة : اما بعد فان أمير المؤمنين - يقصد المأمون- بمكانه من دين الله وخلافة رسوله (ص) والقرابة به أولى من استن سنته، ونفذ أمره وسلم لمن منحه منحة وتصدق عليه بصدقة منحته وصدقته، وبالله توفيق امير المؤمنين وعصمته واليه في العمل بما يقربه اليه رغبته. وقد كان رسول الله (ص) اعطى فاطمة بنت رسول الله (ص) فدك وتصدّق بها عليها، وكان ذلك امراً ظاهراً معروفاً لا خلاف فيه بين آل رسول الله (ص). ولم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدق عليه فرأى امير المؤمنين ان يردها الى ورثتها ويسلمها اليهم تقرباً الى الله تعالى باقامة حقه وعدله والى رسول الله (ص) بتنفيذ أمره وصدقته. فأمر باثبات ذلك في دواوينه والكتاب به الى عماله. فلئن كان ينادي في كل موسم بعد ان قبض الله نبيه (ص) ان يذكر كلّ من كانت له صدقة او وهبة او عدة ذلك فيقبل قوله وينفذ عدته، ان فاطمة رضي الله عنها لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول الله (ص) لها.

          وقد كتب امير المؤمنين الى المبارك الطبري مولى امير المؤمنين يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله (ص) بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة اليها وما فيها من الرقيق والغلات وغير ذلك وتسليمها الى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب، ومحمد بن عبد الله بن الحسن ابن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب لتولية امير المؤمنين اياهما القيام بها لاهلها، فاعلم ذلك من رأي امير المؤمنين وما ألهمه الله من طاعته ووفقه له من التقرب اليه والى رسوله (ص)، واعلمه من قبلك. وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل المبارك الطبري، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلاتها ان شاء الله، والسلام.

          وكتب يوم الاربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة عشر ومائتين. فلما اُستُخلِف المتوكل على الله، أمر بردها الى ما كانت عليه قبل المأمون»[23].

          وهنا يثار تساؤل معقول، وهو : ان فدكاً لو كانت فيئاً للمسلمين، كما ادعاه ابو بكر، فما وجه تخصيصه بمروان ؟ وإن كان ميراثاً لفاطمة (ع) فما هو دخل الخليفة الاول والثالث في ذلك ؟ وإن كان نحلة من النبي (ص) لابنته (ع) فكيف يجوز هذا التصرف بملك الغير ؟ ان تضارب اعمال الخلفاء الثلاثة في امر فدك - حيث انتزعها ابو بكر منهم (ع)، وردها عمر اليهم، واقطعها عثمان لمروان- اكبر دليل على عدم كفائتهم في التعامل مع مصداق شرعي من مصاديق الولاية، وهو الملكية ودور ذات اليد فيها.

          وهكذا فشلت دعوى النحلة عند الخليفة الاول، فكان لابد من سلوك طريق المطالبة بميراث رسول الله (ص). فقد كانت فاطمة الزهراء (ع) البنت الوحيدة للنبي (ص).

ب ـ دعوى الميراث :

          لما حاولت الزهراء (ع) بكل ما لديها من ادلة وفصاحة وعصمة في الدين اقناع الخليفة الاول بحقها في فدك، وابى ابو بكر ان يقبل منها ذلك، رأت ان تبسط الخصومة بطريق آخر وهو طريق الميراث. فان فدك مما افاء الله به على رسوله (ص) فاذا لم تنتقل في حياته (ص) الى ابنته (ع)، حسب زعم ابي بكر، فلابد ان تنتقل اليها بعد وفاته (ص) بالميراث.

          فقالت في خطبة لها : «ايها المسلمون أأغلب على إرثي ؟ ياابن ابي قحافة، أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث ابي ؟ لقد جئت شيئاً فرياً. أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ؟ اذ يقول : (وورث سليمان داود...)[24] ، وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا اذ قال : (...فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب...)[25] ، وقال : (...وأولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله...)[26] ، وقال : (يوصيكم الله في اولادكم للذكر مثل حظ الانثيين...)[27] ، وقال : (...ان ترك خيراً الوصية للوالدين والاقربين بالمعروف حقاً على المتقين)[28].

          وزعمتم ان لا حظوة لي ولا ارث من ابي، ولا رحم بيننا. أفخصكم الله بآية أخرج ابي منها ؟ ام تقولون : ان أهل ملتين لا يتوارثان ؟ او لست أنا وابي من اهل ملّة واحدة ؟ ام انتم اعلم بخصوص القرآن وعمومه من ابي وابن عمي ؟ ».

          وكان جواب الخليفة الاول في غاية الاضطراب، فمرة كان يقول : «سمعتُ رسول الله (ص) يقول : ان الله اذا اطعم نبياً طعمة فهي للذي يقوم من بعده»[29]. وقال في اخرى : «سمعتُ رسول الله (ص) يقول : انا معاشر الانبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة»[30]. وثالثة : «سمعتُ رسول الله (ص) يقول : ان النبي لا يوّرث، من كان النبي يعوله فأنا أعوله، ومن كان النبي (ص) ينفق عليه، فأنا أنفق عليه...»[31].

          وقد انفرد ابو بكر برواية حديث : «نحن معاشر الانبياء لا نوّرث، ما تركناه صدقة»[32].

الرد على احتجاج الخليفة الاول :

          1 ـ ان اختلاق حديث : «نحن معاشر الانبياء لا نوّرث...» يناقض آيات الارث الواردة في القرآن الكريم. فقد نص القرآن على ان الانبياء يورثون. وقد احتجت فاطمة الزهراء عليهم بالقرآن. قال تعالى : (وورث سليمانُ داودَ...)[33]، وفي خبر يحيى بن زكريا اذ قال : (...فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب...)[34] وغيرها من الآيات القرآنية التي تثبت ان النبي يوّرث. وصريح القرآن يقتضي دخول النبي (ص) في آيات الارث مثل : (يوصيكم الله في اولادكم...)[35].

          2 ـ لو كان حديث «نحن معاشر الانبياء لا نورّث ...» صحيحاً، ومقتضاه ان الانبياء (ع) لا يورثون، فكيف تم لزوجات النبي (ص) اخذ حجرات بيته (ص) من غير بيّنة ولا شهادة. ونسبة البيوت اليهن لا تقتضي الملك، بل ان العادة جارية فيها بانها تستعمل من جهة السكنى، ولذلك قال تعالى : (وقرن في بيوتكن...)[36] ، و(...لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن الا ان يأتين بفاحشة مبينة)[37]. فهنا اراد تعالى منازل الازواج التي يُسكنون فيها زوجاتهم، ولم يرد به اضافة الملك.

          3 ـ ومما نقض رواية نفي الارث ان «ابا بكر دفع الى علي (ع) آلة رسول الله (ص) ورايته وحذاءه، وقال : ما سوى ذلك صدقة»[38]. واختلف العباس وعلي (ع) في بغلة رسول الله (ص) وسيفه وعمامته، و«حكم بها - ابو بكر - ميراثاً لعلي (ع). ولو كانت صدقة لما حلّت على علي (ع)، فكان يجب على ابي بكر انتزاعها منه»[39]. و«اذا كان النبي (ص) غير موروث، كيف سلّم البغلة والعمامة الى امير المؤمنين (ع) ؟ وكان ينبغي ان لا يعطيه اياه !! وكذلك البردة والقضيب كان يجب ان لا يتداولها الخلفاء !...»[40].

وعلى اي تقدير فقد فشلت دعوى الميراث باقناع الخليفة الاول بأحقية فاطمة (ع) بأرث ابيها. فكان لابد من التقدم خطوة اخرى، والمطالبة بسهم ذوي القربى.

ج ـ سهم ذوي القربى :

          «كان النبي (ص) يخص أقاربه بسهم من الخمس ويخص نفسه بسهم آخر، ولذا قسّم اموال خيبر، واعطى المسلمين حقهم، وجعل الكتيبة[41] خمس الله وخمس النبي (ص) وسهم ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل»[42]. وقد قال تعالى : (واعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل...)[43]. فكانت سيرته (ص) ان يختص بسهم من الخمس، ويخص اقاربه بسهم آخر منه.

          ولما ولي ابو بكر اسقط سهم النبي (ص) وسهم ذوي القربى، ومنع بني هاشم من الخمس وجعلهم كغيرهم. فارسلت اليه فاطمة (ع) تسأله ان يدفع اليها ما بقي من خمس خيبر فابى ان يدفع اليها شيئاً.

          قال ابن ابي الحديد : «وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه، انه - اي الخمس - كان على ستة: لله وللرسول سهمان، وسهم لاقاربه، وثلاثة اسهم للثلاثة ]المسكين والفقير وابن السبيل[ ، حتى قبض (ص) فاسقط ابو بكر ثلاثة اسهم، وقسّم الخمس كله على ثلاثة اسهم، وكذلك فعل عمر.

          وروى ان ابا بكر منع بني هاشم الخمس، وقال : انما لكم ان نعطي فقيركم، ونزوج أمائكم ونخدم من لا خادم له منكم...»[44].

          وروى باسناده عن انس بن مالك «ان فاطمة (ع) أتت ابا بكر. فقالت (ع) : لقد علمت الذي ظلمتنا عنه اهل البيت من الصدقات، وما افاء الله علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربى، ثم قرأت عليه قوله تعالى : (واعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خُمسه وللرسول ولذي القربى...)[45].

          فقال لها ابو بكر : بابي أنتِ وأمي ووالد وَلَدَكِ، السمع والطاعة لكتاب الله، ولحق رسول الله (ص) وحق قرابته. وانا اقرأ من كتاب الله الذي تقرئين منه، ولم يبلغ علمي منه أن هذا السهم من الخمس يسلّم اليكم كاملاً.

          قالت (ع) : أفلك هو ولأقربائك ؟

          قال : لا، بل انفق عليكم منه، واصرف الباقي في مصالح المسلمين.

          قالت : ليس هذا حكم الله تعالى.

          قال : هذا حكم الله، فان كان رسول الله عهد اليكِ في هذا عهداً أو أوجبه لكم حقاً صدقتك وسلمته كله اليك والى اهلك.

          قالت (ع) : ان رسول الله (ص) لم يعهد الي في ذلك بشيء، الا اني سمعته يقول : لما أنزلت هذه الآية : «ابشروا آل محمد فقد جاءكم الغنى».

          قال ابو بكر : لم يبلغ علمي من هذه الآية ان أسلّم اليكم هذا السهم كله كاملاً، ولكن لكم الغنى الذي يغنيكم، ويفضل عنكم. وهذا عمر بن الخطاب، وابو عبيدة بن الجراح فاسأليهم عن ذلك، وانظري هل يوافقك على ما طلبت احدٌ منهم.

          فانصرفت الى عمر، فقالت له مثل ما قالت لابي بكر، فقال لها مثل ما قاله لها ابو بكر، فعجبت فاطمة (ع) من ذلك، وتظنت انهما كانا قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه»[46].

          وقد قيل[47] بان «منع فاطمة من الخمس كان اجتهاداً من قبل الخلفاء في جعل سهم ذوي القربى حقاً لهم من جهة الفقر وأجراهم مجرى غيرهم» انتهى قوله. ولكن هذا باطل، ذلك لان الاجتهاد لا يكون مقابل النص. ولم يُعرف عن رسول الله (ص) انه ابطل سهم ذوي القربى.

          وهكذا حُرمت فاطمة (ع) ابنة المصطفى (ص) من جميع حقوقها، ولم يستجيبوا حتى لطلب من مطاليبها المدعومة بالادلة والحجج. وعندما ادركت (ع) ان الامر قد تجاوز حدود العقل والمنطق والدين، بدأت بالاجهار في معارضتها للنظام القرشي الجديد.

المرحلة الثانية : الاجهار في معارضتها :

          وانصع امثلتها خطبتها الشهيرة في مسجد رسول الله (ص). فلما اُوصدت الابواب امامها وحيل بينها وبين اخذ حقها، واجمع ابو بكر على منعها (ع) فدكاً «لاثت خمارها[48] على رأسها واقبلت في لمّة من حفدتها[49] تطأ ذيولها ما تخرم من مشية رسول الله (ص) شيئاً[50]، حتى دخلت على ابي بكر وهو في حشد من المهاجرين والانصار فنيطت[51] دونها ملاءة. ثم أنّت أنّةً اجهش القوم لها بالبكاء وارتج المجلس. فأمهلت حتى سكن نشيج القوم[52] وهدأت فورتهم. فافتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله (ص) فعاد القوم في بكائهم، فلما امسكوا عادت في كلامها.

          فقالت: (لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)[53] ، فان تعرفوه تجدوه ابي دون آبائكم واخا ابن عمي دون رجالكم فبلغ النذارة (اي الانذار)[54] صادعاً بالرسالة (اي مجاهراً بها) ، مائلاً عن مدرجة المشركين (اي عن مسلكهم) ، ضارباً لثبجهم[55]، آخذاً بكظمهم[56]، يهشم الاصنام، وينكث الهام، حتى هزم الجمع وولوا الدبر، وتغرى الليل (أي اسفر) عن صبحه ، وأسفر الحق عن محصنه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشياطين[57] ، وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة (اي جرعة) الشارب ، ونهزة (فرصة) الطامع ، وقبسة العجلان[58]، وموطىء الاقدام.

          تشربون الطرق[59]، وتقتاتون الورق، أذلة خاسئين، تخافون ان يتخطفكم الناس من حولكم، فانقذكم الله برسوله (ص) بعد اللتيا والتي، وبعد ما منى بهم الرجال[60]، وذؤبان العرب (اي لصوصهم ومردتهم) ، ومردة اهل الكتاب. كلما حشوا (اوقدوا) ناراً للحرب اطفأها ] الله [ ، ونجم (ظهر) قرن للضلال ، وفغرت فاغرة من المشركين[61] قذف بأخيه في لهواتها[62].

          فلا ينكفىء (يرجع) حتى يطأ صماخها بأخمصه[63]، ويخمد لهبها بحده مكدوداً[64] في ذات الله قريباً من رسول الله، سيداً في أولياء الله، وانتم في بلهنية[65] وادعون آمنون.

          حتى اذا اختار الله لنبيه دار انبيائه ظهرت خلة النفاق وسمل (رثّ) جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين، ونبع خامل الآفلين، وهدر فنيق[66] المبطلين. فخطر في عرصاتكم[67]، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه[68]، صارخاً بكم فوجدكم لدعائه مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين[69]. فاستنهضكم فوجدكم خفافاً، واجمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم (اي علّمتم) غير إبلكم، وأوردتموها غير شربكم[70].

          هذا والعهد قريب، والكلم رحيب (اي الجرح واسع)، والجرح لما يندمل (يلتئم). انما زعمتم خوف الفتنة الا في الفتنة سقطوا[71] وان جهنم لمحيطة بالكافرين. فهيهات منكم، وانى بكم، وانى تؤفكون[72]، وهذا كتاب الله بين اظهركم وزواجره بينة، وشواهده لائحة، واوامره واضحة، أرغبة عنه تدبرون ؟ ام بغيره تحكمون ؟ بئس الظالمين بدلاً (ومن يبتغِ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)[73].

          ثم لم تريثوا الاريث[74] أن تسكن نغرتها، تشربون حسواً وتسرون في ارتغاء، ونصبر منكم على مثل حزّ المدى، وانتم الآن تزعمون أن لا ارث لنا، أفحكم الجاهلية تبغون[75] (...ومن احسن من الله حكماً لقوم يوقنون)[76] . ويها معشر المهاجرين أأبتز إرث ابي؟ يابن ابي قحافة[77]. أفي الكتاب أن ترث أباك ولا ارث ابي ؟ لقد جئت شيئاً فرياً فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك. فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون. ولكل نبأ مستقر، وسوف تعلمون.

          ثم انحرفت الى قبر النبي (ص) وهي تقول :

قد كان بعدك انباء وهنبثة *** لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب[78]

انا فقدناك فقد الارض وابلها *** واختل قومك فاشهدهم ولا تغب[79]

          قال : فما رأينا يوماً اكثر باكياً ولا باكية من ذلك اليوم»[80].

          روى ابن ابي الحديد باسناده «لما سمع ابو بكر خطبتها شقّ عليه مقالتها، فصعد المنبر، وقال : ايها الناس ما هذه الرعة الى كل قالة ! أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله (ص). ألا من سمع فليقل، ومن شهد فليتكلم. انما هو ثعالةٌ شهيدهُ ذنبهُ، مُرِبّ لكل فتنة، هو الذي يقول : كرّوها جذعة بعدما هرمت، يستعينون بالضعفة، ويستنصرون بالنساء، كأم طحال أحب اهلها اليها البغي. ألا اني لو أشاء ان اقول لقلت، ولو قلت لبحت، اني ساكت ما تركت.

          ثم التفت الى الانصار، فقال : قد بلغني يامعشر الانصار مقالة سفهائكم، وأحق ممن لزم عهد رسول الله (ص) انتم فقد جائكم فآويتم ونصرتم، ألا أني لست باسطاً يداً ولا لساناً على من لم يستحق ذلك منا. ثم نزل، فانصرفت فاطمة (ع) الى منـزلها.

          قلت : قرأتُ هذا الكلام على النقيب ابي يحيى جعفر بن يحيى بن زيد البصري، وقلت له : بمن يعرّض ؟ فقال : بل يصرح. قلت : لو صرح لم اسألك. فضحك، وقال : بعلي بن ابي طالب (ع). قلت : هذا الكلام كله لعلي يقوله ! قال : نعم، انه المُلك يا بني. قلت : فما مقالة الانصار ؟ قال : هتفوا بذكر علي (ع) فخاف من اضطراب الامر عليهم، فنهاهم. فسألته عن غريبه، فقال : اما الرعة بالتخفيف، اي الاستماع والاصغاء. والقالة : القول. وثعالة : اسم الثعلب، علم غير مصروف، مثل ذؤالة للذئب. وشهيده : ذنبه، اي لا شاهد له على ما يدعي الا بعضه وجزء منه. وأصله مثلٌ، قالوا : ان الثعلب اراد ان يغري الاسد بالذئب، فقال : انه قد أكل الشاة التي كانت قد أعددتها لنفسك، وكنت حاضراً. قال : فمن يشهد بذلك ؟ فرفع ذنبه وعليه دم. وكان الاسد قد افتقد الشاة فقبل شهادته، وقتل الذئب. ومرب : ملازم أرب بالمكان، وكروها جذعة : أعيدوها الى الحال الاولى، يعني الفتنة والهرج. وام طحال : امرأة بغي في الجاهلية، ويضرب بها المثل، فيقال : أزنى من ام طحال»[81].

المرحلة الثالثة : مقاطعة قريش حتى استشهادها (ع) :

          وبقيت فاطمة الزهراء (ع) بعد تلك الاحداث - والى جنبها علي (ع)- باكية العين محترقة القلب بوفاة رسول الله (ص). وكانت الصدمة، فيما حصل بعد الوفاة من احداث، عظيمة ومحزنة. فقررت مقاطعة قريش من الذين تولوا الامر بعد رسول الله (ص). قال ابن قتيبة الدينوري : «فقال عمر لابي بكر : انطلق بنا الى فاطمة، فانا قد اغضبناها فانطلقا جميعاً فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما. فأتيا علياً (ع) فكلماه فادخلهما عليها، فلما قعدا عندها، حولت وجهها الى الحائط فسلما عليها فلم ترد السلام.

          فتكلم ابو بكر، فقال : يا حبيبة رسول الله، والله ان قرابة رسول الله احب الي من قرابتي، وانك لأحب اليّ من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات ابوك أني مت ولا ابقى بعده. افتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وامنعك حقك وميراثك من رسول الله. الا اني سمعت اباك رسول الله (ص) يقول : لا نوّرث ما تركناه صدقة.

          فقالت (ع) : أرأيتكما ان حدثتكما حديثاً عن رسول الله (ص) تعرفانه وتفعلان به ؟    

          قالا : نعم.

          فقالت (ع) : نشدتكما الله، ألم تسمعا رسول الله (ص) يقول : رضى فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن ارضى فاطمة فقد ارضاني، ومن أسخط فاطمة فقد اسخطني ؟

          قالا : نعم، سمعناه من رسول الله (ص).

          قالت (ع) : فاني أشهد الله وملائكته انكما اسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي (ص) لأشكونكما اليه.

          فقال ابو بكر : انا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة. ثم انتحب يبكي... وهي تقول : والله لادعون الله عليك في كل صلاة أصليها»[82].

          روى احمد بن ابي طاهر طيفور بسنده عن عطية العوفي قال : «لما مرضت فاطمة (ع) المرضة التي توفيت بها دخل النساء عليها،  فقلن : كيف  اصبحت من علتك يابنت رسول الله ؟

          قالت (ع) : اصبحت والله عائفة (كارهة) لدنياكم، قالية (مبغضة) لرجالكم، لفظتهم بعد ان عجمتهم (نبذتهم بعد ان جربتهم) ، وشنئتهم بعد ان سبرتهم (ابغضتهم بعد ان اختبرتهم) . فقبحاً لفلول الحد (ثلم السيف) ، وخور القنا (كسر الرماح) ، وخطل الرأي (فساده) . وبئسما قدمت لهم انفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. لا جرم[83] لقد قلدتَهم ربقتها[84] ، وشنت عليهم عارها[85] ، فجدعاً وعقراً وبعداً للقوم الظالمين[86].

          ويحهم انى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، ومهبط الروح الامين، الطبن (الخبير) بأمور الدنيا والدين . الا ذلك هو الخسران المبين. وما الذي نقموا من ابي الحسن[87]، نقموا والله منه نكير سيفه[88]، وشدة وطأته، ونكال وقعته[89]، وتنمره في ذات الله[90] .

          والله لو تكافئوا[91] على زمام نبذَهُ رسولُ الله (ص) لسار بهم سيراً سجحاً (سهلاً) ، لا يكلم خشاشه[92] ، ولا يتعتع راكبه[93] ، ولأوردهم نهلاً روياً فضفاضاً[94] تطفح ضفتاه، ولاصدرهم بطاناً[95] ، قد تحرى بهم الري غير متحل منهم بطائل بعمله الباهر، وردعه سورة الساغب[96] . ولفتحت عليهم بركات من السماء وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون. الا هلمن[97] فأسمعن وما عشتن أراكن الدهر عجباً، الى اي لجا لجأوا واسندوا وبأي عروة تمسكوا ؟ ولبئس المولى[98] ولبئس العشير.

          استبدلوا والله الذنابي بالقوادم[99] ، والعجز بالكاهل[100] ، فرغماً لمعاطس قوم[101] (يحسبون انهم يحسنون صنعاً الا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)[102] ، ويحهم (أفمن يهدي الى الحق احق ان يتبع أمن لا يهدي الا ان يُهدى[103] . فما لكم كيف تحكمون)[104] .

          اما لعمر الهكن[105] لقد لقحت[106] فنظرة ريثما تنتج[107] ، ثم احتلبوا طلاع العقب[108] دماً عبيطاً (طرياً)، وذعافاً ممقراً[109] ، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب (عاقبة) ما اسس الاولون، ثم اطيبوا عن أنفسكم نفساً، واطمئنوا للفتنة جأشاً (نفساً)، وابشروا بسيف صارم وبقرح شامل[110]، واستبداد من الظالمين يدع فيكم زهيداً، وجمعكم حصيداً. فيا حسرة لكم، وأنى بكم، وقد عميت عليكم انلزمكموها وانتم لها كارهون، ثم امسكت (ع) »[111] .

          وعندما حضرتها الوفاة كتبت (ع) وصيتها ووضعتها عند رأسها. يقول الخوارزمي : «وكشف علي (ع) عن وجه فاطمة فاذا برقعة عند رأسها فنظر فيها، فاذا فيها : بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمد. أوصت وهي تشهد ان لا اله الا الله وان محمداً عبده ورسوله وان الجنة حق وان النار حق وان الساعة آتية لاريب فيها، وان الله يبعث من في القبور. ياعلي، انا فاطمة بنت محمد زوجني الله منك لاكون لك في الدنيا والآخرة، فانت أولى بي من غيرك، فحنّطني وكفنّي وغسلني بالليل وصلّ عليّ وادفني بالليل ولاتُعلم احداً واستودعك الله واقرأ على ولدي السلام الى يوم القيامة»[112] .

          وقد روي ان فاطمة (ع) لما حضرتها الوفاة اغتسلت وتطهرت[113] . وروى الخوارزمي باسناده عن اسماء بنت عميس : «ان فاطمة (ع) اوصت ان يغسلها زوجها علي، فغسلها هو واسماء بنت عميس، قال احمد بن الحسين : وهذا اشبه لان غسل الميت في مذاهب اهل العلم انما يجب بالوفاة فلا يقوم الغسل قبلها مقامه»[114] .

          وعندما دفنها زوجها (ع) قال : «ياارض استودعك وديعتي هذه بنت رسول الله...»[115] . وقيل انها عاشت بعد النبي (ص) اربعين يوماً [116] ، وقيل شهرين[117] . وعلى اية حال، فقد استشهدت ولها ثماني عشر سنة وخمسة واربعون يوماً[118] على الارجح . دفنت ليلاً وصلى عليها علي (ع). ولا يزال قبرها مجهولاً الى اليوم، وكذلك يوم وفاتها.

          عندما اكمل علي (ع) دفنها، وحاول ازالة آثار القبر «نفض يده من تراب القبر، هاج به الحزن، فأرسل دموعه على خديه، وحول وجهه الى قبر رسول الله (ص) فقال :

          السلام عليك يارسول الله مني، والسلام عليك من ابنتك وحبيبتك، وقرّة عينك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك، المختار الله لها سرعة اللحاق بك. قلَّ يارسول الله عن صفيتك صبري، وضعفَ عن سيدة النساء تجلدي، الا ان في التأسي لي بسنتك، والحزن الذي حلّ بي لفراقك موضع تعزِّ.

          ولقد وسدتك في ملحود قبرك بعد ان فاضت نفسك على صدري، وغمضتك بيدي وتوليت امرك بنفسي. نعم، وفي كتاب الله أنعم القبول، وانا لله وانا اليه راجعون. قد استرجعت الوديعة، وأخذت الرهينة، وأختلست الزهراء. فما أقبح الخضراء والغبراء يارسول الله.

          اما حزني فسرمد، واما ليلي فمسهد، لا يبرح الحزن من قلبي، او يختار الله لي دارك التي فيها مقيم، كمد مقيح، وهمّ مهيج، سرعان ما فرق بيننا والى الله اشكو. وستنبؤك ابنتك بتظافر امتك عليَّ، وعلى هضمها حقها، فاستخبرها الحال. فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد الى بثه سبيلاً، وستقول وسيحكم الله وهو خير الحاكمين.

          سلام عليك يارسول الله، سلام مودع لاسأم ولا قال، فان انصرف فلا عن ملالة وان أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين. والصبر أيمن واجمل، ولولا غلبة المستولين علينا، لجعلت المقام عند قبرك لزاماً، والتلّبث عنده معكوفاً. ولأعولت اعوال الثكلى على جليل الرزية. فبعين الله تدفن ابنتك سراً، ويُهتضم حقها قهراً، وتمنع جهراً، ولم يطل العهد، ولن يخلق منك الذكر. فالى الله، يارسول الله، المشتكى، وفيك اجمل العزاء، فصلوات الله عليها وعليك ورحمة الله وبركاته»[119] .


 

[1] (الدر المنثور في طبقات ربات الخدور) – زينب بنت فوّاز ص 360.

[2] (معجم البلدان) – ياقوت الحموي ج 4 ص 238.

[3] (سنن ابي داود) ج 3 ص 218. رقم 3016. رواها ابو داود عن حسين بن علي العجلي، عن يحيى ابن آدم، عن ابن ابي زائدة، عن محمد بن اسحاق، عن الزهري، عن عبد الله بن ابي بكر، وبعض ولد محمد بن مسلمة.

[4] سورة الحشر: الآية 6-7.

[5] (شرح نهج البلاغة) ج 16 ص 210.

[6] سورة الروم: الآية 38.

[7] (اصول الكافي) – كتاب الحجة ج 1 ص 543 رقم 5 باب الفيء والانفال وتفسير الخمس. و(الدر المنثور في التفسير بالمأثور) ج 4 ص 177.

[8] (شرح نهج البلاغة) ج 16 ص 216.

[9] (نهج البلاغة) – كتاب رقم 45 ص 532.

[10] (الصواعق المحرقة) – ابن حجر. الباب الثاني ص 31.

[11] سورة الاحزاب: الآية 33.

[12] (شرح نهج البلاغة) ج 16 ص 272- 274.

[13] م. ن. – ج 16 ص 284.

[14] (سنن ابي داود) ج 3 ص 419 باب القضاء باليمين والشاهد. باسناده عن ابن عباس وابي هريرة.

[15] سورة الاحزاب: الآية 53.

[16] سورة الطلاق: الآية 1.

[17] لاحظ ان هذا السؤال من قبل الامام (ع) يحمل معنيين لم يدركهما الخليفة الاول. وهما: ان فاطمة (ع) لو كانت تملك فدكاً في حياة رسول الله (ص) لما اصبح ارثاً لها لانه ملكها لا ملك ابيها (ص). وإن كان ابوها (ص) مالكاً له لوجب لها الارث.

[18] سورة الاحزاب: الآية 33.

[19] (الاحتجاج) – الطبرسي ج 1 ص 90.

[20] (تأريخ ابي الفداء: المختصر في اخبار البشر) ج 1 ص 169.

[21] (السنن الكبرى) – البيهقي ج 6 ص 301 باب بيان مصرف اربعة اخماس الفيء بعد رسول الله (ص).

[22] (العقد الفريد) – ابن عبد ربه ج 4 ص 283.

[23] (فتوح البلدان) – البلاذري ص 46.

[24] سورة النمل: الآية 16.

[25] سورة مريم: الآية 5- 6.

[26] سورة الانفال: الآية 75.

[27] سورة النساء: الآية 11.

[28] سورة البقرة: الآية 180.

[29] (سنن ابي داود) ج 3 ص 198 رقم 2973.

[30] (تأريخ الخلفاء) – السيوطي ص 73.

[31] (شرح نهج البلاغة) ج 16 ص 219. قاله ابو بكر الجوهري.

[32] (تفسير الثعلبي) ص 352. و(صحيح البخاري) ج 5 ص 177 باب غزو خيبر.

[33] سورة النمل: الآية 16.

[34] سورة مريم: الآية 5 – 6.

[35] سورة النساء: الآية 11.

[36] سورة الاحزاب: الآية 33.

[37] سورة الطلاق: الآية 1.

[38] (الاحكام السلطانية) – لابي يعلي الحنبلي ص 202.

[39] (نهج الحق وكشف الصدق) – العلامة الحلي ج 1 ص 127.

[40] (تلخيص الشافي) – الشيخ الطوسي ج 3 ص 147.

[41] الكتيبة: الجيش.

[42] (تأريخ الطبري) ج 3 ص 19 ملخصاً.

[43] سورة الانفال: الآية 41.

[44] (شرح نهج البلاغة) ج 12 ص 219.

[45] سورة الانفال: الآية 41.

[46] (شرح نهج البلاغة) ج 16 ص 230.

[47] قاله قاضي القضاة: القاضي عبد الجبار المعتزلي ونقله صاحب (شرح نهج البلاغة) ج 12 ص 211.

[48] اللوث: عصب العمامة، والخمار: ما يُستر به الانسان.

[49] اللمة: الصاحب والاصحاب في السفر، والحفدة: ابناء الابن.

[50] ما تخرم: ما تترك، بمعنى ان مشيتها كمشية ابيها (ص).

[51] نيطت: علّقت.

[52] من نشيج الباكي: اذا غص بالبكاء في حلقه.

[53] سورة التوبة: الآية 128.

[54] وهو من انذره حذره وخوفه في ابلاغه.

[55] الثبج: وسط الشيء ومعظمه وما بين الكاهل الى الظهر.

[56] الكظم: مخرج النفس.

[57] شقشقة: شيء يخرجه البعير من فمه إذا هاج.

[58] القبسة: مما تقبضه بيدك. تريد انهم كانوا ضعافاً مهانين يتخطفهم الناس.

[59] الطرق: الماء الذي خاضته الابل وبالت فيه.

[60] بهم الرجال: شجعانهم، جمع بهمة.

[61] فغر فاه: فتحه.

[62] اللهوات: جمع اللها، وهي اقصى الحلق.

[63] الصماخ: داخل الاذن، والاخمص: اصبع القدم.

[64] مكدوداً: من كدّ، وهو الجد والتعب.

[65] بلهنية: مثل رفهنية، وهي غضاضة العيشة ونعيمها.

[66] الفنيق: الجمل البازي القوي.

[67] العرصات: ساحة الدور.

[68] المغرز: الرقدة.

[69] أي مغترين فيه.

[70] تريد انهم اخذوا ما ليس لهم واغتصبوا حقوق غيرهم.

[71] تشير الى ما كان منهم عند وفاة رسول الله (ص) حيث انصرفوا عن تغسيله الى تنصيب خليفة عليهم يلي امورهم بعد النبي (ص)، ولم يشتغل بتكفينه إلا آل البيت (ع) وآخرون معهم.

[72] انى: كيف. الافك: اشنع الكذب.

[73] سورة آل عمران: الآية 85.

[74] تريثوا: تبطئوا، اي لم تبطئوا عن منع الارث عنا، الا ريثما تم لكم أمر الخلافة دوننا فبدأتم بهذه ولمنيتم بتلك.

[75] كانت النساء لا يرثن في الجاهلية من الآباء وكان الكبير يرث ولا يرث الصغير وان كان ذكراً. وكانوا يقولون بالنسبة الى النساء لا تركب فرساً ولا تحمل كلاً ولا تنكا عدواً يكسب عليها ولا تكتسب. نزلت الآية: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون مما قلّ منه أو كثر نصيباً مفروضاً)سورة النساء: الآية 7. (تأريخ الطبري ج 4 ص 263).

[76] سورة المائدة: الآية 50.

[77] تريد ابا بكر الخليفة.

[78] الهنبثة: الامور الشديدة. والخطب: الخطوب أي الامور العظيمة.

[79] الوابل: المطر الغزير.

[80] (بلاغات النساء) ص 23. رواها احمد بن ابي طاهر باسناده. و(كشف الغمة) – الاربلي ج 1 ص 479 مفصلاً.

[81] (شرح نهج البلاغة) ج 16 ص 214.

[82] (الامامة والسياسة) ج 1 ص 13.

[83] اصله: لابد، أو لا محالة. وبعد كثرة الاستعمال تحول الى معنى القسم.

[84] أي قلدتهم الخلافة مسؤوليتها.

[85] أي صبت عليهم عارها.

[86] الجدع: قطع الانف. والعقرب: ضرب قوائم البعير بالسيف ونحوه. ويراد بالجملة دعاء على من ارادت الدعاء عليه.

[87] كرهوا من علي (ع).

[88] صرامة سيفه.

[89] النكال: من التنكيل.

[90] أي غضبه لله.

[91] تكافئوا: استووا.

[92] لا يجرح جانبه. والخشاش: عود يجعل في انف البعير يشد به الزمام.

[93] أي من غير ان يصيبه اذى، ومنه الحديث الشريف: (ويؤخذ للضعيف حقه غير متعتع).

[94] يفيض منه الماء.

[95] بطاناً: شبعى.

[96] سَورة الساغب: حدة الجائع.

[97] هلمن: تعالن.

[98] المولى: الصاحب والجار.

[99] الذنابي: الذنب، والقوادم: ريش في مقدم الجناح. والمراد انهم استبدلوا الذي هو ادنى بالذي هو خير.

[100] العجز: مؤخر الشيء. الكاهل: مقدم الظهر.

[101] أي ذلاً لانوفهم. وهو مجاز عن ذل انفسهم.

[102] سورة الكهف: الآية 104.

[103] المراد منه انه لا يهدي الانسان غيره الا إذا كان مهدياً، وإلا فكيف يعطي الشيء فاقده.

[104] سورة يونس: الآية 35.

[105] أي اما وحق بقائه.

[106] لقحت: حبلت.

[107] فنظرة ريثما تنتج: أي نظرة تأخير في الامر، وتنتج: تلد.

[108] أي ملئوه.

[109] يقال سم زعاف أي معجل الى الموت، والممقر: المر.

[110] القرح: الدمل، كناية عن فساد الامور.

[111] (بلاغات النساء) ص 32.

[112] (مقتل الحسين) – الخوارزمي ج 1 ص 85 الفصل الخامس.

[113] (حلية الاولياء) – ابو نعيم ج 2 ص 43.

[114] (مقتل الحسين) – الخوارزمي ج 1 ص 82.

[115] المصدر السابق ج 1 ص 85.

[116] (نظم درر السمطين) – الزرندي ص 181.

[117] (تأريخ دمشق) – ابن عساكر ج 1 ص 299.

[118] (نظم درر السمطين) ص 181.

[119] (بشارة المصطفى لشيعة المرتضى) – محمد بن محمد الطبري ص 258 – 259. وتجد شطراً من هذه الخطبة في (نهج البلاغة) – خطبة رقم 202.