الفصل السادس والعشرين

مباني دولة الامام (ع)

(2) النظام الاداري

 

1 _ اضاءات من رسائل الامام (ع) في الادارة: أ _ اختيار الافضل من عمال الدولة. ب _ مراقبة الولاة ومحاسبتهم. ج _ ارشادُ الامام (ع) لموظفيه. د _ الاستشارة. هـ _ الحلقة الخاصة الصالحة * 2 _ الامام (ع) والادارة: أ _ الوظيفة الادارية. اولاً: شروط الوظيفة الادارية. ثانياً: اللغة الادارية عند الامام (ع). ب _ العملية الادارية. اولاً: «حكم القانون» او الشريعة. ثانياً: توزيع السلطة. ج _ السلوك الاداري * 3 _ عوامل نجاح الادارة في عهد الامام (ع).

-------------
 

النظام الاداري

يُقصد بالنظام الاداري: القانون والجهاز اللذان ينظمان السلطة السياسية والمالية والقضائية والاجتماعية بعنوانها العام. فالنظام الاداري يكشف عن صلاحيات الولاة والمدراء والقادة في مختلف مجالات الحياة، ويفصح عن الزاماتهم الاخلاقية والدينية تجاه الامام (ع). فولاية هؤلاء _ حتى لو كانت محدودة بحدود التخويل _ كانت تقتضي مسؤولية قانونية وشرعية امام القائد العام وهو أمير المؤمنين (ع).

 1 _ اضاءات من رسائل الامام (ع) في الادارة

تحتوي رسائل الامام أمير المؤمنين (ع) وكتبه الى عماله وموظفيه افكاراً عظيمةً حول طبيعة الادارة الاجتماعية، بما فيها تنظيم امور الناس على صعيد المعاش وتوزيع الثروة والعمل والضمان. وقد انتخبنا خمسة مواضيع من رسائله، وهي: اختيار الافضل من عمال الدولة، ومراقبة الولاة ومحاسبتهم، وارشاده (ع) لموظفيه، والاستشارة، والحلقة الخاصة الصالحة. وحاولنا تحليل نصوصها.

أ _ اختيار الافضل من عمال الدولة:

والادارة في مجملها تعني اختيار مجموعة كفوءة من الافراد من قبل مدير يدير عملها. نستنبط ذلك من قوله (ع) لمالك الاشتر: «... ثمّ انظر في حالِ كُتّابكَ، فولِّ على اُموركَ خيرهُم، واخصُص رسائلكَ التي تُدخلُ فيها مكائدكَ وأسرارَكَ بأجمعهم لوجوهِ صالحِ الاخلاقِ، ممّن لا تبطرهُ الكرامةُ، فيجتريءََ بها عليكَ في خلافٍ لكَ بحضرةِ ملأٍ، ولا تقصرُ به الغفلةُ عن إيرادِ مُكاتباتِ عمّالكَ عليكَ، وإصدارِ جواباتها على الصوابِ عنكَ، فيما يأخذُ لكَ ويعطي منكَ، ولا يُضعِفُ عقداً اعتقده لكَ، ولا يُعجزُ عن إطلاقِ ما عُقِدَ عليكَ. ولا يَجهلُ مبلَغَ قدرِ نفسِه في الأمورِ، فإنَّ الجاهلَ بقدرِ نفسِهِ يكونُ بقدرِ غيرهِ أجهلَ.

ثمّ لا يكُنِ اختياركَ ايّاهم على فراستكَ واستنامتكَ (أي ثقتك) وحُسنِ الظنّ منكَ، فإن الرجال يتعرّفونَ لفراسات الولاةِ بتصنعهم وحُسنِ خدمتهم، وليس وراء ذلكَ من النصيحةِ والامانَةِ شيءٌ. ولكن اختبرهُم بِما وُلُّوا للصالحينَ قبلَكَ. فأعمِد لأحسنهم كانَ في العامةِ أثراً، وأعرفهم بالامانةِ وجهاً، فإن ذلكَ دليلٌ على نصيحتكَ للهِ ولمَن وُلِّيتَ أمرهُ. واجعل لرأسِ كُلِّ أمرٍ من أموركَ رأساً منهم، لا يقهرُهُ كبيرها، ولا يتشتتُ عليهِ كثيرُها، ومهما كان في كُتّابِكَ من عَيبٍ فتغابيتَ عنهُ اُلزِمتَهُ»[1]. 

دلالات النصوص:

هنا مجموعة أمور يمكن استخلاصها من النصوص، وهي:

اولاً: اختيار الافضل والاوثق من بين الموظفين وتعيينه رئيساً عليهم. وهذا الافضل ينبغي ان يتمتع بصفات حميدة منها: انه قد جمع صالح الاخلاق، ولم تبطره الكرامة، ولا يفكّر بالتجرىء على سيده، ولا يغفل عن رفع المعلومات الى رئيسه، ولا يخذّل الناسَ عنه، ولا يجهل قدر نفسه. وتلك مواصفات عظيمة، إن توفرت في رئيس الموظفين. ولا شك ان هذا المنحى، من المباني العقلائية ايضاً التي يطمئن اليها الحاكم في عمله.

ثانياً: ينبغي اختيار الموظفين والثقاة بمختلف الطرق المعهودة، من اجل الاطمئنان على سلامة ذلك الاختيار. والاصل في ذلك ان يكون للموظف اثرٌ حسنٌ بين الناس، وان يكون معروفاً بالامانة.ِ كأن يكون الاختيار عن طريق المال، فتختبر درجة نزاهته وتعففه عن المال مثلاً.

ثالثا: تقسيم امور الاعمال العامة الى لجان، يترأس كل واحد منها رئيس موثق بالطريقة التي ذُكرت آنفاً. فالامام (ع) يقول: «واجعل لرأسِ كُلِّ أمرٍ من أمورِكَ منهُم». وطبيعة ادارة تلك اللجان تتكون من ركنين. الاول: ان لا يكون مدير اللجنة متسلطاً قاهراً. لان ذلك يعيق انتاج الثمرة، وهو معنى قوله (ع): «لا يقهره كبيرُها». الثاني: ان تكون اللجنة صغيرة في العدد، لان الكثرة تشتت الرأي، وهو فحوى قوله (ع): «ولا يتشتتُ عليه كثيرُها».

رابعاً: ينبغي معالجة عيوب الموظفين، ولا يمكن اهمالها. لان في اهمالها تمادياً يدفع ثمنه الوالي او الرئيس لاحقاً. وهو فحوى قوله (ع): «ومهما كان في كُتّابك من عيبٍ فتغابيتَ عنهُ اُلزِمتَهُ». 

ب _ مراقبة الولاة ومحاسبتهم:

وكان الامام (ع) دقيقاً مع ولاته فهو (ع) وإن عيّنهم بناءً على حسن ظاهرهم، وظاهر تقواهم وكفائتهم في الامور الادارية، الا ان عينه الشريفة بقيت تراقبهم مراقبة قريبة. وما ان رأى من احدهم خيانةً واغتراراً بالدنيا حتى عنّفه واستدعاه كي يلقى جزاءه. وفيما يلي مجموعة من النصوص:

1ً _ من كتابٍ له (ع) الى زياد بن ابيه، وهو احد عماله: «وانّي اُقسمُ باللهِ قَسماً صادقاً، لئنْ بلغَني أنّك خُنتَ من فيءِ المسلمينَ شيئاً صغيراً أو كبيراً، لأشدنَّ عليكَ شدّةً تدعُكَ قليلَ الوفرِ، ثقيلَ الظهرِ، ضئيلَ الامرِ، والسلام»[2].

2ً _ والى زياد بن ابيه ايضاً: «فدعِ الاسرافَ مُقتصداً ، واذكُر في اليومِ غَداً. وأمسِك من المالِ بقدرِ ضرورَتِكَ، وقدِّمِ الفضلَ ليومِ حاجتكَ. أترجو أن يُعطيكَ اللهُ أجرَ المتواضعينَ وأنتَ عندهُ مِنَ المتكبرينَ. وتطمعُ _ وأنتَ متمرّغٌ في النعيمِ تمنعُهُ الضعيفَ والأرمَلَةَ _ أن يوجبَ لَكَ ثوابَ المُتصدّقينَ؟ وإنَّما المرءُ مجزيٌ بما أسلَفَ، وقادمٌ على ما قدّمَ. والسلامُ»[3].

3ً _ ومن كتابٍ لهُ (ع) الى بعض عماله: «اما بعدُ، فقد بلغني عنكَ أمرٌ، إن كُنتَ فعلتَهُ فقد أسخطتَ ربّكَ، وعصيتَ إمامكَ، وأخزيتَ أمانتكَ. بلغني أنَّكَ جردّت الارضَ، فأخذتَ ما تحتَ قَدَميكَ، وأكلتَ ما تحتَ يَديكَ. فارفع اليَّ حسابَكَ، واعلم أنّ حسابَ اللهِ أعظمُ من حسابِ الناسِ، والسلامُ»[4].

4ً _ ومن كتابٍ له (ع) الى بعض عماله يحاسبه فيها: «... فسبحانَ اللهِ! اما تؤمنُ بالمعاد؟ أو ما تخافُ نقاشَ الحسابِ؟ أيُّها المعدودُ _ كان _ عندنا من اولي الالبابِ، كيفَ تُسيغُ شراباً وطعاماً، وأنت تعلمُ أنّك تأكُلُ حراماً، وتشربُ حراماً، وتبتاعُ الإماءَ، وتنكِحُ النساءَ من أموالِ اليتامى والمساكينِ والمؤمنينَ والمجاهدينَ، الذينَ افاءَ اللهُ عليهم هذهِ الاموالَ، وأحرز بهم هذهِ البلادَ! فاتقِّ اللهَ واردُد الى هؤلاءِ القومِ أموالهم. فانّك إن لم تفعَل، ثمّ أمكنني اللهُ منكَ لأعذَرنّ الى اللهِ فيكَ، ولأضربنكَ بسيفي الذي ما ضربتُ بهِ أحداً إلاّ دخلَ النار! وواللهِ لو أنّ الحسنَ والحسينَ فعلا مِثلَ الذي فعلتَ، ما كانت لهما عندي هوادةٌ، ولا ظَفِرا منّي بإرادةٍ حتى آخُذَ الحقَّ منهما، وأزيحَ الباطلَ عن مظلمتهما. واُقسِمُ باللهِ ربِّ العالَمينَ ما يسُرني أن ما أخذته من اموالهم حلالٌ لي، أترُكُه ميراثاً لمَن بعدي...»[5].

5ً _ ومن كتابٍ له (ع) الى عثمان بن حنيف الانصاري وكان عامله على البصرة، وقد بلغه انه دعي الى وليمةِ قومٍ من اهلها فمضى اليها: «امّا بعدُ، يا ابن حنيفٍ فقد بلغني أنّ رجُلاً من فتيةِ أهلِ البصرةِ دعاكَ الى مأدُبَةٍ فأسرعتَ اليها، تُستطابُ لَكَ الالوانُ وتُنقلُ اليكَ الجَفانُ. وما ظننتُ أنّكَ تُجيبُ الى طعامِ قومٍ، عائلهُم مجفوٌّ، وغنيّهم مدعوٌّ. فانظُر الى ما تقضمهُ من هذا المقضمِ. فما اشتبه عليكَ علمُهُ فالفظهُ، وما أيقنتَ بطيبِ وجوههِ فنَل منهُ»[6].

6ً _ ومن كتاب له (ع) الى المنذر بن الجارود العبدي، وقد خان في بعض ما ولاه من اعماله: «أما بعدُ، فإنّ صلاح أبيكَ ما غرّني منكَ، وظننتُ أنَّكَ تتبعُ هديَهُ، وتسلُكُ سبيلَهُ، فإذا انتَ فيما رُقيََّ اليَّ عنك، لا تدعُ لهواكَ انقياداً، ولا تُبقي لآخرتكَ عناداً. تعمُرُ دنياكَ بخرابِ آخِرَتِك، وتصلُ عشيرتَك بقطيعةِ دينكَ. ولئن كان ما بلغني عنك حقّاً، لجملُ أهلِكَ وشِسعُ نعلِكَ (أي جلدتها) خيرٌ منكَ. ومن كانَ بصفتكَ فليسَ بأهلٍ أن يُسدّ به ثغرٌ، أو يُنفذ به أمرٌ، أو يُعلى لهُ قدرٌ، أو يُشرَكَ في أمانةٍ، أو يؤمَنَ على خيانةٍ، فأقبِل اليَّ حينَ يصلُ اليكَ كتابي هذا، ان شاء اللهُ»[7]. 

دلالات النصوص:

وفي تلك النصوص الواردة عن الامام (ع) دلالات نعرض لها كالتالي:

اولاً: ان الامام (ع) كان يراقب عمل ولاته وموظفيه مراقبة دقيقة، وكانت التقارير حول عملهم وتصرفاتهم تصله باستمرار. وهذا يعني انه لم يكن يعينهم ويتركهم يتصرفون كما توحي اليهم رغباتهم. بل كان يشعرهم ان هناك رقيباً ظاهراً وهو الامام (ع)، ورقيباً باطناً وهو الضمير الذي يحاسب الانسان ايضاً امام مولاه.

ثانياً: ان الخيانة، والاسراف، والتمرغ في النعيم، ونهب مال المسلمين، واكل الحرام، كلها صفات للظالمين والطغاة. وهذا لا يليق بولاة الامر في حكومة أمير المؤمنين (ع). فكان (ع) يحاسب عمّاله ويحذرهم من الانحطاط الى ذلك المستوى الذي لا يليق بادارة العدل ولا بالمؤمن النـزيه الهبوط اليه.

ثالثاً: ان الامام (ع) عندما يتثبت من وجود خيانة ارتكبها احد عماله، فانه كان يستدعيه على عجل. ويعجّل له العقوبة ايضاً. وتلك الرسائل تثبت ان العقوبة كانت تطال المذنب فعلاً. اما المخطىء _ مثل عثمان بن حنيف الذي اسرع الى وليمة اهل البصرة _ فانه كان يرشد بالنصيحة: «... فانظُر الى ما تقضمُهُ من هذا المقضَمٍ. فما اشتبَهَ عليكَ علمُهُ فالفظِهُ، وما أيقنتَ بطيبِ وجُوهِهِ فنل منهُ...»[8].

رابعاً: ان اوامر الامام (ع) المتعلقة بمراقبة الموظفين، كانت أوامر اخلاقية يستنشق منها عبير التقوى والتجرد والاخلاص لله سبحانه. فأغلب المخالفات التي ارتكبت كانت مخالفات مالية، وكان ينبغي _ اخلاقياً _ ان يتنـزهوا عنها.

ج _ ارشاد الامام (ع) لموظفيه:

وكان امير المومنين (ع) راغباً في تربية عماله في الدولة على ادراك حقيقة دينية مهمة وهي ان الحكم امانة بيد الحاكم من اجل تحقيق العدالة، ومنع الظالم، ومعاقبة المعتدي، والانتصار للمظلوم، واشباع الفقير. ولا شك ان عمارة البلاد، واصلاح وضع العباد، وتعبيد الناس لربّ العالمين ينبغي ان تكون من اولويات الولاة. وحول ذلك نقرأ النصوص التالية:

1ً _ حفظ الامانة: من كتابٍ له (ع) الى الاشعث بن قيس عامل اذربيجان: «وإنَّ عملَكَ ليسَ لَكَ لكَ بطعمةٍ، ولكنّهُ في عُنُقكَ أمانةُ، وأنتَ مسترعى لمَن فوقَكَ، ليسَ لكَ أن تفتاتَ (أي تستبدّ) في رعيةٍ، ولا تخاطرَ إلاّ بوثيقةٍ وفي يديك مالٌ من مالِ اللهِ عزّ وجلّ، وأنتَ من خُزّانهِ حتّى تُسلّمهُ اليَّ. ولعلّي ألاّ أكُونَ شرَّ وُلاتِكَ لكَ، والسلامُ...»[9].

2ً _ مراقبة الوضع عبر العيون: ومن كتاب له (ع) الى قثم بن العباس عامله على مكة: «اما بعدُ، فإنَّ عيني بالمغربِ، كتَبَ اليَّ يُعلمُني أنَّهُ وُجِّهَ الى الموسمِ اناسٌ من اهلِ الشامِ... فأقم على ما في يديكَ قيامَ الجازمِ الصليبِ (أي الشديد) والناصحِ اللبيبِ. والتابعِ لسُلطانهِ، المطيعِ لإمامهِ. وإياك وما يُعتذرُ منهُ، ولا تكن عند النعماءِ بطِراً، ولا عند البأساء فشِلاً، والسلامُ»[10].

3ً _ واجبات حاكم الولاية: في كتابه (ع) الى مالك الاشتر: «بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. هذا ما امر به عبدُ اللهِ عليٌّ اميرُ المؤمنين، مالكَ بن الحارثِ الاشترَ في عهدهِ اليهِ، حين ولاّهُ مِصرَ: جبايةَ خراجِها، وجِهادَ عدوِّها، واستصلاحَ أهلِها، وعمارَةَ بلادِها. أمرهُ بتقوى اللهِ، وإيثارِ طاعتهِ واتباعِ ما أمرَ بهِ في كتابه: من فرائضهِ وسُنَنِهِ، التي لا يَسعَدُ أحدٌ إلاّ باتباعها، ولا يشقى الاّ معَ جُحودها وإضاعتها، وأن ينصُرَ اللهَ سُبحانهُ بقلبهِ ويدهِ ولسانهِ، فإنَّ جلَّ اسمُهُ، قد تكفَّلَ بنصرِ مَن نَصَرَهُ، وإعزازِ مَن أعزَّهُ. وأمرَهُ أن يَكسِرَ نفسَهُ من الشهواتِ، ويزعَها عندَ الجَمَحاتِ (أي يكفها عن اطماعها)، فإنَّ النفسَ أمّارَةٌ بالسوءِ، إلاّ ما رَحِمَ اللهُ»[11].

4ً _ اقامة الفرائض: وفي نفس الكتاب: «وأمضِ لكُلِّ يَومٍ عملَهُ، فإنَّ لكلّ يَومٍ ما فيهِ. واجعَل لنفسِكَ فيما بينكَ وبينَ اللهِ أفضلَ تلكَ المواقيتِ، وأجزَلَ تلكَ الاقسامِ. وإن كانت كُلّها للهِ إذا صَلُحَت فيها النيةُ، وسَلِمَت منها الرعيةُ. وليكن في خاصةِ ما تُخلِصُ به للهِ دينكَ: اقامةُ فرائضهُ التي هيَ لَهُ خاصةً، فاعطِ اللهَ من بدنِكَ في ليلكَ ونهاركَ. ووفِّ ما تقربتَ بهِ الى اللهِ من ذلكَ كاملاً غيرَ مَثلُومٍ ولا منقُوصٍ، بالغاً من بَدَنِكَ ما بَلَغَ»[12]. 

دلالات النصوص:

ونستلهم من تلك النصوص دلالات مهمة، منها:

اولاً: ان الحكم امانة ووسيلة من وسائل رعاية الامة، وآلة من آلات الحفاظ على حقوقها. وليس الحكم وسيلة من وسائل الاستئثار بالسلطة والانتفاع بامتيازاتها.

ثانياً: كان (ع) يرى شرعية بثّ العيون في ارجاء الدولة، وفي مناطق العدو، من اجل نقل المعلومات اليه. وقد ذكرنا قوله (ع) لعامله على مكة: «... انّ عيني بالمغرِب كتبَ اليَّ يُعلمني...». والاعلام عن طريق العيون يعني ان للدولة في ذلك العصر جهازاً يراقب ما يجري على الساحة الاجتماعية من انشطة علنية وما يحاك من خفايا ومؤامرات.

ثالثاً: ان من واجبات الحاكم الشرعي ان يعمر البلاد، ويستصلح الناس، ويجاهد العدو، ويجبي الخراج والضرائب. واذا قام الوالي بذلك فقد اصلح الوضع الاجتماعي. ولكن هذا غير كافٍ ما لم يصلح الوضع الديني للناس.

رابعاً: اصلاح الوضع الديني يتم عبر التزام الوالي التقوى وايثار طاعة الله سبحانه واقامة فرائضه وسُننه. وان تم ذلك تنقاد الرعية الى راعيها في تقوى الله واقامة الدين.

خامساً: ان يجعل الوالي لنفسه فيما بينه وبين الله افضل المواقيت. وبتعبير آخر ان الواليَ اذا كان عابداً لله متقياً مخلصاً يقضي افضل اوقاته في عبادة الله، فان الله سبحانه سوف يساعده على اتمام عمله ويرزقه فيما يُعينه على ذلك مما لا يحتسب. فللادراة قلبها النابض، وهو الايمان بالله والاخلاص له سبحانه والتقوى. وما بقي من تنظير، فهو من قبيل الاطراف التي تحرك العمل الاداري.

د _ الاستشارة:

           تحتل الاستشارة مكانة متميزة في حياة الحاكم. فالحاكم _ ان لم يكن معصوماً _ هو بشر يُخطىء ويُصيب. والاستشارة لا تغير رأي الحاكم في كل الاوقات، بل انها تسلط اضواءً على الموضوع المستشارُ فيه فتنيره.

وهنا ينبغي الالتفات الى نقطة مهمة، وهي ان الامام امير المؤمنين (ع) قد جعل له مشاورين، وكان يشاور العقلاء قبل الاقدام على بعض الاعمال. ولكن كانت تلك المشاورة منحصرة في المواضيع الخارجية، ولم تكن في الاحكام الشرعية. فهو لم يستَشِر أحداً في معرفة الحكم الشرعي لانه كان عالماً به، بل كان الصحابة والعقلاء يسألونه عن الاحكام الشرعية عندما يعجزون عن معرفتها او استنباطها. وهكذا كانت الاستشارة الموضوعية ركناً من اركان حكم الامام (ع)، كما نستوحيه من رسائله وكلماته (ع). فمنها:

1ً _ قال (ع): «فلا تكُفُّوا عن مقالةٍ بحقِ، أو مَشورةٍ بعدلٍ. فإنّي لَستُ في نَفسي بفوقِ أن أخطِيءَ، ولا آمَنُ ذلكَ من فعلي، الا أن يكفي اللهُ من نفسي ما هوَ أملكُ بهِ منّي. فإنَّما أنا وأنتم عبيدٌ مملوكونَ لربٍّ لا ربَّ غيرهُ. يملكُ منّا ما لا نملِكُ من أنفسنا، وأخرجنا ممّا كُنّا فيهِ الى ما صلحنا عليهِ. فأبدلنا بعدَ الضلالةِ بالهدى، وأعطانا البصيرةَ بعد العمى»[13].

2ً _ وقال (ع) مخاطباً احد ولاته: «ولا تُدخلنَّ في مشورتكَ بخيلاً يعدلُ بكَ عنِ الفضلِ، ويعدُكَ الفقرَ. ولا جباناً يُضعفكَ عنِ الأمورِ. ولا حريصاً يُزيِّنُ لَكَ الشَرَهَ بالجورِ. فإنَّ البُخلَ والجُبنَ والحِرصَ غرائزُ شتّى يجمعها سوءُ الظنِّ بالله»[14].

3ً _ وقال (ع) ايضاً: «وأكثر مُدارسةَ العُلماءِ، ومنافثةَ الحُكماء، في تثبيت ما صلحَ عليهِ أمرُ بلادِكَ، وإقامَةِ ما استقامَ بهِ الناسُ قبلَكَ»[15].

4ً _ وقال (ع) لعبد الله بن العباس وقد اشار عليه في شيء لم يوافق رأيه: «لكَ أن تُشيرَ عليَّ وأرى، فإن عصيتُكَ فأطعني»[16].

5ً _ وفي حِكَمٍ اخرى له (ع): «... مَن استبدَّ برأيهِ هَلَكَ، ومَن شاورَ الرجالَ شاركها في عُقولها»[17]. و«الاستشارةُ عينُ الهدايةِ. وقد خاطرَ من استغنى برأيِهِ»[18].

دلالات النصوص:

وفي تلك النصوص دلالات، منها:

اولاً: ينبغي الاقرار بان الحاكم _ غير المعصوم _ قد يُخطىء، فكيف نستطيع اجتناب اخطاء الحاكم؟ يعتقد الامام (ع) ان الاستشارة هي الحلّ الامثل لعلاج مشكلة خطأ الحاكم. وحتى لولم ينبع الخطأ عن تقصير، لكان قصور الانسان مدعاةً لارتكاب الاخطاء. ولذلك فان اجتماع عدة عقول تفكّر، قد يساهم في احتمالية تقليل الاخطاء الى ادنى حد ممكن.

ثانياً: ان الحاكم بحاجة الى لجنة مستشارين من اهل الاختصاص، وظيفتها تقديم النصح والمشورة له. ذلك لان الاستشارة عين الهداية، كما قال (ع). ولجنة كتلك ينبغي ان لا تتصف بالبخل او الجبن او الحرص، فتلك صفات تشجّع على الفقر والتردد والظلم.

ثالثاً: الاكثار من الاستفادة من العلماء والحكماء واهل الرأي. ووظيفة الاختلاط بهم عملية مشابهة لوظيفة الاستشارة. ولا شك ان اهل العلم والمعرفة والمشورة هم عماد الحكومة.

رابعاً: ان استشارة الحاكم العادل لاهل الرأي والمعرفة لا تعني ان يكون ملزماً بالاخذ بها. بل له ان يُعلم المستشارين بانه إن عصاهم فعليهم الطاعة. لانه هو المسؤول الاخير في اتخاذ القرار. 

هـ _ الحلقة الخاصة الصالحة (النخبة الاجتماعية المؤمنة):

وكما ان الاستشارة مهمة في تتميم عمل الحاكم، فان الحلقة الخاصة الصالحة مهمة في اكمال مسيرته نحو معرفة التيارات الاجتماعية المتصارعة. والحلقة الخاصة لها دور في تصوير الحالة الاجتماعية والوضع السياسي والاقتصادي للحاكم. أي انها مرآة مصغرة للحالة الاجتماعية الكبرى التي يعيشها المجتمع. ومن شروط المنتسبين للحلقة الخاصة الصالحة _ حسبما يراه الامام (ع) _ امورٌ منها:

1ً _ ان يكون من ذوي المروءات والاحساب: في كتابه (ع) لمالك الاشتر: «ثمَّ الصِق بذوي المروءات والاحسابِ، وأهلِ البيوتاتِ الصالحةِ والسوابقِ الحسنةِ، ثمّ أهل النجدةِ والشجاعةِ والسخاءِ والسماحةِ، فإنّهم جماعٌ منَ الكرمِ، وشُعبٌ من العُرفِ (أي المعروفِ)»[19].

2ً _ ان لا يكون احدهم قد عَمَلَ للظالم: «شرُّ وزرائكَ مَن كان للأشرارِ قَبَلكَ وزيراً، ومَن شَرَكَهُم في الآثامِ، فلا يكوننَّ لَكَ بِطانةً. فإنهم أعوانُ الأثمةِ، واخوانُ الظلمةِ. وأنتَ واجِدٌ منهُم خيرَ الخَلَفِ ممن لَهُ مثلُ آرائِهم ونفاذِهم، وليسَ عليهِ مثلُ آصارِهم وأوزارهم، ممَّن لَم يُعاوِن ظالِماً على ظُلمِهِ، ولا آثِماً على إثمِهِ. أولئكَ أخفُّ عليكَ مؤونةً، وأحسنُ لَكَ معُونةً، وأحنى عليكَ عطِفاً، وأقلُّ لغيرِكَ إلفاً (أي محبة). فاتَّخِذ أولئكَ خاصةً لخلواتِكَ وحَفَلاتِكَ. ثُمَّ ليكُن آثُرهُم عندكَ أقولَهُم بمرِّ الحقِّ لكَ وأقلَّهُم مساعدةً فيما يَكونُ مِنكَ، مما كَرِهَ اللهُ لأوليائِهِ، واقعاً ذلكَ من هَواكَ حيثُ وقعَ. والصِق باهل الورعِ والصدقِ. ثمّ رُضهُم على ان لا يُطرُوكَ ولا يبجُجوكَ بباطلٍ لم تفعَلهُ، فإنَّ كثرةَ الإطراءِ تُحدِثُ الزَهوَ وتُدني منَ العزَّةِ»[20].

3ً _ لا امتيازات للنخبة: «ثمّ انّ للوالي خاصةً وبطانةً، فيهم استئثارٌ وتطاولٌ وقلّةُ إنصافٍ في معاملةٍ، فأحسِم مادةَ أولئكَ بقطعِ اسبابِ تلكَ الاحوال. ولا تُقطعنَّ لأحدٍ من حاشيَتِكَ وحامَّتِكَ (أي قرابتك) قطيعةً (أي منحة من الارض)، ولا يطمعنَّ منكَ في اعتقادِ عُقدةٍ، تضُرُّ بمن يليها من الناسِ، في شَربٍ أو عملٍ مشتركٍ، يحملونَ مؤُونتهُ على غيرهم، فيكونَ مهنأُ ذلكَ لهم دونكَ، وعيبُهُ عليكَ في الدنيا والآخرةِ»[21].

4ً _ رضا العامة اولى من سخط الخاصة: «وليكُن أحبُّ الأمورِ اليكَ اوسطها في الحقِّ واعمَّها في العدلِ، واجمعها لرضا الرعيةِ، فإن سُخطَ العامةِ يُجحِفُ بِرضا الخاصةِ، وإن سُخط الخاصة يُغتَفرُ معَ رضا العامةِ. وليسَ أحدٌ من الرعيةِ اثقلَ على الوالي مؤُونَةً في الرخاءِ، وأقلَّ معونةً له في البلاءِ، وأكرهَ للإنصافِ، وأسأل بالإلحافِ، وأقلَ شُكراً عندَ الإعطاءِ، وأبطأ عُذراً عندَ المَنعِ، وأضعفَ صبراً عندَ مُلِمّاتِ الدهرِ _ مِن أهلِ الخاصةِ. وانّما عِمادُ الدينِ وجماعُ المسلمينَ والعُدَّةَ للأعداءِ، العامةُ منَ الأُمّةِ. فليكُن صغُوكَ لهم وميلُكَ معَهُم»[22]. 

دلالات النصوص:

وفي تلك النصوص دلالات، منها:

اولاً: ينبغي للحاكم _ على ضوء فكر الامام (ع) _ تشكيل نخبة خاصة صالحة مؤمنة من اهل البيوتات الصالحة والاحساب العريقة الشريفة، ومن اهل السوابق الحسنة، يستأنس بآرائها. وان كان من هؤلاء من يعتمد عليهم في الادارة كالوزراء ونحوهم فهو امرٌ حسنٌ، والا فانهم يبقون نخبة صالحة يستفاد منها في تثبيت الدولة ونظام الحكم.

ثانياً: من شروط توزير المرء هو ان يكون من اهل السوابقِ الحسنة، ومن اهل الورع والصدق. أي من الذين لم يستوزروا عند الظالم. وبتعبير آخر، ان الوزير عند الحاكم العادل ينبغي ان يكون ذا تأريخ ناصع وصفحة بيضاء لم تلطخ بآثام العمل للظالم.

ثالثاً: ان النخبة الصالحة من الوزراء والبطانة المؤمنة لا تنـزلق في اطراء الحاكم، او مدحه لعمل لم يعمله. فان الاطراء وكيل المديح والثناء يُحدث زهواً عند الحاكم، شعر ذلك به او لم يشعر.

رابعاً: ان النخبة الاجتماعية المؤمنة او الحلقة الخاصة لا تتوقع من الحاكم ان يفيض عليها بالامتيازات. فينبغي للحاكم ان يعلنها لهم صريحةً واضحة في جلساته الخاصة: لا امتيازات ولا استئثار من تلك السلطة. بل هي مسؤولية وامانة امام الله سبحانه وتعالى.

خامساً: ان يكون اهتمام الحاكم منصبّاً على كسب رضا الامة. أي ان الحاكم ينبغي ان يهتم بمشاكل الناس ويحاول حلها، ويستشير الخاصة في ذلك. ولكن لا يعني هذا انه ينجر مع الخاصة على حساب العامة. بل ينبغي ان يكون ارضاء الامة بشرائحها الواسعة هو الاصل. ومن هنا نفهم تأكيد الامام (ع) على ان رضا العامة اولى من سخط الخاصة.


 

[1]  «نهج البلاغة» - كتاب 53 ص 560.

[2]  «نهج البلاغة» - كتاب 20 ص 476.

[3]  م. ن. كتاب 21 ص 477.

[4]  م. ن. – كتاب 40 ص 524.

[5]  «نهج البلاغة» - كتاب 41 ص 526.

[6]  م. ن. – كتاب 45 ص 530.

[7]  م. ن. كتاب 71 ص 594.

[8]  «نهج البلاغة» - كتاب 45 ص 530.

[9]  «نهج البلاغة» - كتاب 5 ص 463.

[10]  م. ن. – كتاب 33 ص 517.

[11]  م. ن. – كتاب 53 ص 546.

[12]  م. ن. – كتاب 53 ص 565.

[13]  «نهج البلاغة» - خطبة 216 ص 421.

[14]  م. ن. – كتاب 53 ص 550.

[15]  م. ن. – كتاب 53 ص 552.

[16]  م. ن. – المختار من حكمه (ع). رقم 312 ص 670.

[17]  م. ن. – المختار من حكه (ع). رقم 152 ص 638.

[18]  م. ن. – المختار من حكمه (ع). رقم 201 ص 645.

[19]  «نهج البلاغة» - كتاب 53 ص 554.

[20]  م. ن. – كتاب 53 ص 550.

[21]  م. ن. – كتاب 53 ص 567.

[22]  م. ن. – كتاب 53 ص 549.