الفصل الثامن والعشرين

مباني دولة الامام (ع)

(4) القانون وحاكمية الشريعة

 

1 _ اضاءات من أقوال الامام (ع): أ _ حاكمية القانون في المال. ب _ حاكمية القانون في رجال الدولة. ج _ حاكمية القانون في القضاء. د _ حاكمية القانون في الخوارج * 2 _ القانون وحاكمية الشريعة: الآليات. أ _ حكومة الامام (ع): حكومة قانون. آليات دولة القانون. الشرعية في دولة القانون. ب _ حكومة الامام (ع): اقرار مباني العقلاء. الرابط بين القانون والنظام. ج _ حكومة الامام: النظام القانوني. خصائص حكم القانون. د _ الامام (ع) وحاكمية الشريعة * 3 _ القانون وحاكمية الشريعة: الدستور وتوزيع السلطات. أ _ القانون ومؤسسات الدولة. بين القانون والعرف الاجتماعي. ب _ القرآن والسنّة: دستور حكومة الامام (ع). ج _ توزيع السلطات: مشاركة الامة في ادارة شؤونها. د _ دولة القانون والحقوق العامة.

-----------------------
 

القانون وحاكمية الشريعة

هناك ثلاث نقاط مهمة نحاول بحثها في هذا الفصل، وهي:

1 _ ماهية علاقة القانون أو الشريعة بالنظام الاجتماعي.

2 _ ماهية العلاقة بين الالزام الديني والالزام القانوني.

3 _ ماهية القوانين الاجتماعية التي تعرضها الشريعة الاسلامية.

وسوف تنتشر الافكار الخاصة بهذه المواضيع على مساحة واسعة من بنود هذا الفصل من الكتاب باذنه تعالى.

 1 _ اضاءات من أقوال الامام (ع)

بنى الامام امير المؤمنين (ع)، بكل اقتدار، دولة اسلامية واسعة تحكمها قوانين الشريعة. وبالرغم من قصر فترة خلافته (ع)، الاّ انه وضع منارات واضحة لبنيان الدولة الشرعية التي تحكم بالحق والعدل والانصاف. فكانت دولة الامام (ع) _ بحق _ دولة الشريعة والقانون.

وسوف نعرض بتحليل: حاكمية القانون في المال، وفي رجال دولته، وفي القضاء، وفي المعارضة (الخوارج):

 

أ _ حاكمية القانون في المال:

ذكرنا سابقاً أن المال يلعب دوراً مركزياً في ادارة عجلة سلطة الحكومة او الدولة. ويلعب ايضاً دوراً أساسياً في تمييز الطبقات الاجتماعية. فالمال يساعد الفقراء على شراء حاجاتهم الاساسية. ويساعد الاغنياء على ابقاء سيطرتهم على المجتمع. والحاكم العادل أمين على المال، يوزعه حيث أمره الله سبحانه. وهكذا كان الامام امير المؤمنين (ع). وفي ذلك ثلاث روايات:

1 _ قال (ع) حول قبيلتين تبغضانه وهما «باهلة، وغُنية»، وهو يوزع عطايا بيت المال: «يا باهلة اغدوا خذوا حقكم مع الناس، والله يشهد انكم تبغضوني واني ابغضكم»[1].

2 _ ورد عن المغيرة الضّبّي: كان اشراف اهل الكوفة غاشّين لعلي (ع) وكان هواهم مع معاوية. وذلك ان علياً (ع) كان لا يعطي أحداً من الفيء أكثر من حقه، وكان معاوية بن أبي سفيان جعل الشرف في العطاء الفي درهم[2].

3 _ قال عبد الله بن جعفر بن أبي طالب لعلي (ع): يا امير المؤمنين لو أمرت لي بمعونة او نفقةٍ. فوالله ما عندي الا أن ابيع بعض علوفتي (ناقتي). قال (ع): لا. والله ما أجد لك شيئاً الا أن تأمر عمّك ان يسرق فيعطيك[3]. 

دلالات النصوص:

وتلك النصوص لها دلالات مهمة على صعيد الحاكمية، منها:

أولاً: ان الحقوق المالية توزع على الفقراء، بغض النظر عن عواطف الحاكم تجاههم. فاذا كان الحاكم يحبّهم او يكرههم، فانّ ذلك ينبغي أن لا يؤثر على مستوى عطائهم واصل مساواتهم مع الآخرين.

ثانياً: ان الامام امير المؤمنين (ع) ساوى في العطاء، ولم يعطِ الاشراف اكثر مما يستحقون. والقاعدة فيها ان الفقراء (من الاشراف أو غيرهم) ينبغي مساواتهم في العطاء لعلتين:

أ _ ان وعاء الانسان للطعام والشراب متقارب عند الجميع، فليس هناك من مبرر لاعطاء فرد رغيفاً من الخبز مثلاً، واعطاء آخر عشرة أرغفة.

ب _ ان التفاضل في العطاء قد يخلق لوناً من الظلم بين الفقراء. فقد يكفي دينار واحد (عشرة دراهم) اشباع فقير واحد. ولكن اعطاء مائتي دينار (ألفي درهم) لفرد واحد «كما كان يعمله معاوية»، يؤدي الى عدم مساواة وظلم، ووضع للشيء في غير محلّه. وهذا خلاف العدالة.

ثالثاً: ان القرابة من الحاكم لا ينبغي أن تكون فرصة لاستئثار الاقرباء بالثروة، وان كانوا في حاجة الى المال. ذلك ان الحاجة لا تبرر للقريب استئثاراً، لان الاغلبية من الناس بحاجة الى المال. فاذا أُعطي القريب، فما ذنب البعيد لا يُعطى؟ ولكن الامام (ع) كان صريحاً واضحاً في سياسته، فقد جعل القريب والبعيد على منـزلة سواء في العطاء.

رابعاً: ان رواية المغيرة الضّبّي قد خصصت بعضاً من الناس من الذين كان هواهم مع معاوية، وهم أشراف الكوفة. وهذا يعني أن عموم الناس _ من فقراء وغيرهم _ كانت مع الامام (ع). وبتعبير آخر أن هوى النخبة الجاهلة من اهل الكوفة كانت مع معاوية، بينما كان اعتقاد الاكثرية من الامة مع الامام امير المؤمنين (ع). 

ب _ حاكمية القانون في رجال الدولة:

وكان الامام أمير المؤمنين (ع) دقيقاً مع رجال دولته، وكان (ع) يريد لهم أن يكونوا بمستوى المسؤولية الملقاة على عاتقهم. أي ان يكونوا اول من يخدم الناس وينفذ القانون، وآخر من يستلم العطاء والهدية. وفي ذلك ثلاث روايات:

1 _ يعث الامام علي (ع) الى لبيد بن عطارد التميمي ليؤتى به. فجاؤا به ولكنهم مرّوا بمجلس من مجالس بني أسدٍ وكان فيهم (نعيم بن دجاجة)، فقام نعيم فخلّص الرجل. فأتوا امير المؤمنين (ع) فقالوا: أخذنا الرجل فمررنا به على نعيم بن دجاجة فخلّصه. وكان نعيم من شرطة الخميس فقال (ع): عليَّ بنعيم. فأمر به أن يُضرب ضرباً مبرّحاً (شديداً مؤلماً). فلما ولّوا به، قال: يا امير المؤمنين ان المقام معك لذلٌّ، وان فراقك لكفرٌ! قال (ع): انه لكذلك؟ قال: نعم . قال (ع): خلّوا سبيله[4].

2 _ أمر امير المؤمنين (ع) قنبر أن يضرب رجلاً حدّاً. فغلط قنبر فزاده ثلاثة أسواط فأقاده علي (ع) من قنبر ثلاثة أسواط[5].

3 _ عندما اشترى شُريح بن الحارث (القاضي) داره بثمانين ديناراً وبّخه الامام (ع)، وقال له: «... فانظر يا شُريح لا تكونُ ابتعتَ هذهِ الدارَ من غيرِ مالكَ، أو نقدتَ الثَمَنَ من غير حلالك! فإذاً أنتَ قد خَسِرت دار الدُنيا ودارَ الآخرةِ...»[6]. 

دلالات النصوص:

وفي تلك النصوص دلالات نعرض لها بالترتيب:

أولاً: ان القانون الشرعي زمن الامام (ع) كان فوق الاشخاص، حتى لو كانوا من افراد الحكومة او الجيش او الشرطة. وكلام الامام (ع) نافذ لانه كان الرجل الاول في الدولة. فلا يستطيع شرطي مثل نعيم بن دجاجة أن يستنقذ مجرماً أو أن يخلّص جانياً. واذا ارتكب الشرطي خطأً شبيه ذلك الخطأ، فانه لابدّ أن يعاقب. وهذا لا يحصل الا في دولة القانون.

ثانياً: ان عقوبة الجاني حتى لو كانت قاسية الا انها عادلة ومحددة في الشريعة. ولا ينبغي لاحد _ بموجب القانون الشرعي _ أن يتجاوزها، من اجل التشفي والانتقام، بل حتى الخطأ. فانزال عقوبة زائدة بالجاني أكثر مما هو مرسوم، لا يستقيم مع نظر الشريعة. ولابد من الاقتصاص هنا من موظف الدولة الذي زاد حجم العقوبة خطأً. وهذا لا يحصل الا في دولة القانون.

ثالثاً: كان الامام (ع) يفتش ويدقق في امور عماله من موظفين وولاة وقضاة. وتلك المتابعة في قضاياهم الشخصية لا تعتبر متابعة لقضايا شخصية، بل هي متابعة لقضايا تخص الدولة والمجتمع. ذلك لان الموظف المسؤول طالما وضع نفسه تحت نظر العين الاجتماعية، كان لابد من محاسبته على كل صغيرة وكبيرة، خصوصاً فيما يتعلق بالمال الاجتماعي. 

ج _ حاكمية القانون في القضاء:

كان القضاء ولا يزال سلاح الدولة في محاربة الانحراف السياسي والاجتماعي والديني، وحلّ المنازعات بين الناس في المجتمع. ودولة القانون تحترم القضاء، وتجد فيه باباً للعدالة بين الناس وبضمنهم اعضاء الحكومة والقائد الاعلى للدولة. وفي ذلك ثلاث روايات حول القضاء والشرطة:

1 _ وجد علي (ع) درعاً له عند نصراني، فجاء به الى (شُريح) القاضي يخاصمه اليه. فلما نظر اليه (شُريح) ذهب يتنحى [خجلاً من امامه (ع)]، فقال (ع): مكانك، وجلس... قال علي (ع): ان هذه درعي لم أبع ولم أهب. فقال [شُريح] للنصراني: ما يقول امير المؤمنين؟ فقال النصراني: ما الدرع الا درعي، وما امير المؤمنين عندي الا بكاذب.

فالتفت (شُريح) الى علي (ع) فقال: يا امير المؤمنين هل من بيّنة؟

قال (ع): لا.

فقضى بها للنصراني. فمشى النصراني هنية ثم أقبل. فقال: اما انا فأشهد أن هذه احكام الانبياء. امير المؤمنين يمشي بي الى قاضيه! وقاضيه يقضي عليه! أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله. والدرع والله درعك يا امير المؤمنين. انبعث الجيش وأنت منطلق الى صفين فخرّت (سقطت) من بعيرك الاورق (الاسود المائل الى البياض)...»[7].

2 _ روي ان امير المؤمنين (ع) ولّى ابا الاسود الدؤلي القضاء ثم عزله، فقال له: لمَ عزلتني وما خنت ولا جنيت؟

فقال (ع): «انّي رأيت كلامك يعلو كلام خصمك»[8].

3 _ شرطة الخميس: في كتاب «الاختصاص» للشيخ المفيد (ت 413 هـ) في مجموعة من الاحاديث ذكر ان شرطة الخميس كانوا ستة آلاف رجل من انصار الامام (ع). قال عليّ بن الحكم: أصحاب امير المؤمنين (ع) الذين قال لهم: تشرّطوا فأنا اُشارطكم على الجنّة ولست اُشارطكم على ذهب ولا فضة. انّ نبيّنا (ص) فيما مضى قال لاصحابه: تشرّطوا فاّني لست اُشارطكم الا على الجنّة. وهم: سلمان الفارسي، والمقداد، وابوذر الغفاري (توفي قبل خلافته)، وعمار بن ياسر، وابو ساسان وابو عمرو الانصاريان، وسهل (بدريٌّ) وعثمان: ابنا حنيف الانصاري، وجابر بن عبد الله الانصاري.

وكان من شرطة الخميس: أبو الرضي عبد الله بن يحيى الحضرمي، وسليم بن قيس الهلالي، وعبيدة السلماني المرادي (العربيّ)[9].

قال في «النهاية»: «شرطة السلطان نخبة من اصحابه الذين يقدمهم على غيرهم من جنده. والشرطة اول طائفة من الجيش تشهد الواقعة. وقال: في حديث ابن مسعود (وتشرط شرطة للموت، لا يرجعون الا غالبين)...». وقال في «القاموس»: «الشرطة _ بالضم _ هم اول كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت وطائفة من اعوان الولاة سُمّوا بلذلك لانهم اعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها».

روى الكشي في رجاله عن بشر بن عمرو الهمداني، قال: مرّ بنا امير المؤمنين (ع) وقال: ألبثوا في هذه الشرطة. فوالله لا تلي بعدهم الا شرطة النار، الا من عمل بمثل أعمالهم.

وروى ايضاً عن امير المؤمنين (ع) انه قال لعبد الله بن يحيى الحضرمي يوم الجمل: أبشر يا ابن يحيى فانك وأباك من شرطة الخميس حقاً، أخبرني رسول الله (ص) باسمك واسم أبيك في شرطة الخميس. والله سماكم شرطة الخميس على لسان نبيّه (ص). وأشار الى ما ذكرناه آنفاً من أن شرطة الخميس كانت ستة آلاف رجل[10]. والمراد بالخميس: الجيش. سُمّي به لانه مقسوم بخمسة اقسام: المقدمة، والساقة، والميمنة، والميسرة، والقلب. 

دلالات النصوص:

أولاً: ان وقوف القائد الاعلى للدولة كمدعي ضد مواطن عادي سرق منه حاجة، امام القاضي، يعدّ أعظم مصداق من مصاديق دولة القانون والعدالة. ذلك لان الحاكم لو استغل الامتيازات العظيمة التي ترد مع السلطة، لما احتاج الى القضاء في حلّ الخصومات. بل أن سطوته وسلطته تجعله ينتزع أي حق يريد، ظلماً كان او عدلاً. ولكن دولة الامام امير المؤمنين (ع) أبت الا ان تسلك طريق الحق والعدالة والتحضر. وقد تعلمت اوروبا الحديثة من هذا السلوك، فجعلته بنداً من بنود دستورها.

ثانياً: ان القضاء الذي من مهمته ضبط قضايا النـزاع والتخاصم بين الافراد، يخضع لضوابط عليا ايضاً. أي ان القاضي يستخدم القانون لتثبيت الحق، ولكن اذا تجاوز حدّه فان هناك قانوناً اعلى منه يحدد له تصرفاته ايضاً. وقد تمثّل ذلك بعزل ابي الاسود الدؤلي عن القضاء لانه كان يرفع صوته على صوت الخصم.

ثالثاً: ان حكومة الامام (ع) كانت منظمة الى درجة ان جهاز الشرطة، وهو الذي كان يضم خواص الحاكم والمستميتين في الحرب من اجل بقاء النظام، كان مكونّاً من ستة آلاف رجل. وهذا جهاز ضخم يضبط امور الحرب والامن الداخلي في الدولة. ويبدو _ ظاهراً _ ان اساس ذلك الجهاز هو الايمان بالاسلام والولاية وحكومة الامام (ع) . فهو (ع) لم يغرِهم بالمال، بل وضع أجرهم على الله سبحانه. ولكن الظاهر ان عطاءهم كان من الفيء الذي كان يصل بيت المال، لانهم كانوا ينتمون الى الجيش.

د _ حاكمية القانون في الخوارج:

كانت معارضة الخوارج لامير المؤمنين (ع) معارضة حمقاء وفاسدة في نفس الوقت. فهم الذين اجبروه على القبول بالتحكيم في صفين، ثم قاموا بعد فشل التحكيم، بالانشقاق المسلح على حكم الامام (ع). ولكن الامام امير المؤمنين (ع) فسح لهم المجال بابداء الرأي والكلام والمعارضة اللفظية، أملاً منه (ع) بهدايتهم. وكان موقف الامام (ع) يعبّر عن سياسة حكيمة مشى عليها (ع) في قبول المعارضة اللفظية «السلمية»، باعتبار انها سبٌّ بسبٍّ. وفي ذلك ثلاث روايات:

1 _ «... كان الخرّيت بن راشد قد شهد مع علي (ع) صفين. فجاء [بعد رجوعهم الى الكوفة وبعد تحكيم الحكمين] الى الامام علي (ع) في ثلاثين من اصحابه يمشي بينهم حتى قام بين يدي عليٍّ (ع) فقال له: والله لا اطيع امرك ولا اصلي خلفك، وانّي غداً لمفارقٌ لك. فقال له علي (ع): ثكلتك امّك. اذاً تنقض عهدك، وتعصي ربّك، ولا تضرّ الا نفسك. أخبرني لمَ تفعل ذلك؟ قال: لانّك حكّمت في الكتاب وضعفت عن الحق اذ جدّ الجدُّ، وركنت الى القوم الذين ظلموا انفسهم، فأنا عليك رادٌّ، وعليهم ناقمٌ ولكلٍّ جميعاً مباين.

فقال له علي (ع): ويحك هلمّ اليَّ اُدارسك واُناظرك في السنن، واُفاتحك اموراً من الحق، أنا اعلم بها منك. فلعلك تعرف ما أنت له الآن منكر، وتستبصر ما انت به الآن عنه عمٍ، وبه جاهلٌ. فقال الخريت: فانّي عائدٌ عليك غداً. فقال له علي (ع): اغدوا لا يستهوينك الشيطان، ولا يتقحّمنّ بك رأي السوء، ولا يستخفنّك الجهلاء الذين لا يعلمون. فوالله لئن استرشدتني واستنصحتني وقبلت منّي لاهدينك سبيل الرشاد. فخرج الخريت من عنده منصرفاً الى اهله...

(قال عبد الله بن قعين انه اسرع لملاقاة ابن عمّ الخريت ليكلمه فيما حصل بين الخريت والامام (ع). ثمّ رجع الى علي (ع) فأخبره بما قام به). قال الامام (ع): دعه فان قبل الحق ورجع عرفنا ذلك له وقبلناه منه. وإن أبى طلبناه. فقلت: يا امير المؤمنين فلِمَ لم تأخذه الآن فتستوثق منه؟

فقال (ع): انّا لو فعلنا هذا لكلّ من نتهمه من الناس، ملأنا السجون منهم. ولا أراني يسعني الوثوب على الناس وحبسهم لهم وعقوبتهم، حتى يظهروا لنا الخلاف...»[11].

2 _ «... لما بلغ عليّاً (ع) مصاب بني ناجية وقتل صاحبهم، قال (ع): هوت امّه، ما كان أنقص عقله وأجرأه على ربّه. فانه جاءني مرةً فقال لي: ان في اصحابك رجالاً قد خشيت ان يفارقوك فما ترى فيهم؟ فقلت له: اني لا آخذ على التهمة، ولا اعاقب على الظن، ولا اقاتل الا من خالفني وناصبني وأظهر لي العداوة. ثم لستُ مقاتله حتى ادعوه واُعذر اليه. فان تاب ورجع الينا قبلنا منه، وان أبى الا الاعتزام على حربنا استعنا بالله عليه وناجزناه...»[12].

3 _ تكلّم الامام (ع) في امرٍ، فقال رجل من الخوارج: قاتله الله كافراً ما افقهه. فوثب القوم ليقتلوه. فقال (ع): «رويداً، انما هو سبٌّ بسبٍّ أو عفوٌ عن ذنب»[13]. 

دلالات النصوص:

أولاً: ان مراتب الجنايات كانت ملحوظة في حكومة امير المؤمنين (ع). فالتهمة على انسان لا تستوجب السجن، والسبّ الذي يقوم به سابّ لا يستوجب القتل، والظن لا يعاقب عليه. فالدولة كانت دولة قانون، بحيث ان حرّيات الناس كانت مضمونة. والثابت تأريخياً أن الامام امير المؤمنين (ع) لم يمارس اكراهاً أو جبراً، أو ارهاباً ضدّ أي فرد، معارضاً كان أو جانياً.

ثانياً: كان الاصل في انزال العقوبة هو الجناية المتعمدة. فاذا قتل جيش كامل مسلماً واحداً ظلماً وعدواناً، كان للامام (ع) الحق في مقاتلة ذلك الجيش بأجمعه. ولكن لو قام فرد كالخريت وأعلن عصيانه ضدّ الامام (ع)، كان الامام (ع) يتريّث ليرى ما سيؤول اليه امره. أي انه كان يبقي العاصي او المعارض حرّاً طليقاً حتى يرتكب مخالفة مسلحة تبرر للامام (ع) سجنه أو محاربته.

ثالثاً: كان الامام (ع) يستخدم اسلوب ارشاد معارضيه ومحاولة هدايتهم بالكلمة الطيبة، والحجة الدامغة. فان تابوا ورجعوا قَبِلَ منهم. وان أبوا الا محاربته، قام الامام (ع) _ عندئذٍ _ بمحاربتهم والاقتصاص منهم.

 

2 _ القانون وحاكمية الشريعة: الآليات

ان ما يميز استقرار المجتمع وثبات تركيبته السياسية، هو وجود نظام قانوني او هيمنة شرعية من طراز الهيمنة التي تشعر الناس بان الشريعة تتعامل مع حياة الناس وتعالج مشاكلهم معالجة واقعية. بمعنى ان الانسان في دولة القانون يشعر بان الشريعة حاكمة على الافراد، عبر مؤسسات قانونية خضع لها الجميع دون استثناء. فلا يستطيع الفرد كسر القانون وانتهاك حرمة احكام الشريعة، حتى لو كان يشغل اعلى المناصب في الدولة.

أ _ حكومة الامام (ع): حكومة قانون

وكانت حكومة الامام امير المؤمنين (ع) حكومة تشريع وقانون. ونقصد بذلك، انها نظّمت العلاقات المالية والتجارية والحقوقية والانسانية بين الناس على اساس احكام الشريعة. وقد قرأنا فيما سبق شذرات من حاكمية الشريعة والقانون في فترة خلافته (ع).

فعلى المستوى القضائي والمخاصمات بين الافراد، يقف رئيس الدولة على قدم المساواة مع المواطن العادي امام القضاء، من اجل حل خصومة، كما وقف الامام (ع) مع فرد من اهل الذمة مطالباً بدرعه[14]. وكانت تلك حادثة استثنائية، بكل المعايير. ولم تكن بلاد روما ولا بلاد فارس ولا قريش لتسمح لسادتها وامرائها بالوقوف امام القضاء. ولكن عليا (ع) وقف يدعي درعه امام قاضي الدولة. وقد تعلمت اوروبا الحديثة من الامام علي (ع) فكرة فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، وتعلمت منه (ع) ايضا ادارته للدولة بما نفعها في بناء الدولة الحديثة.

وعلى المستوى الجنائي، اذا ازدادت العقوبة على المعاقَب اُقتص من المعاقِب، كما حصل عندما غلط قنبر فضرب الجاني سوطاً زائداً فاقتص منه الامام (ع)[15].

وعلى المستوى الحقوقي، كانت الحقوق توزع على الناس، حتى لو كان بعضهم على خلافٍ مع الامام (ع). بل حتى لو كان بعضهم يكره الامام (ع) ويتمنى زوال حكمه[16].

فهنا كانت حاكمية الشريعة، في تلك الفترة الزمنية، هي المهيمنة على الوضع العام. وبذلك ادركت الناس طبيعة السلطة الشرعية، وفهمت ابعاد الاحكام وملاكاتها في الضبط الاجتماعي، وادركت ايضاً طبيعة الحقوق المدنية، وضرورة التمييز بين المُلك العام والملك الخاص.

آليات دولة القانون:

كانت هناك مجموعة من الآليات العقلية، تضافرت جميعاً في تثبيت حكومة الامام امير المؤمنين (ع)، منها:

أولاً: القانون: آلة النظام: ان دولة القانون وحاكمية الشريعة، في زمن خلافة الامام (ع)، كانت تعني ان القانون هو آلة من آلات النظام العام، ووسيلة من وسائل حلّ الخصومات، وأثر من آثار الشرعية السياسية، وفرع من فروع المشاركة المدنية في الحكم. وتحكيم القانون الشرعي في الحياة الاجتماعية، يثمر دون شك بمكتسبات اجتماعية عظيمة للانسان المسلم في تلك الفترة الحساسة من الزمن.

ثانياً: واقعية القانون الشرعي: أثبتت حكومة الامام امير المؤمنين (ع) ان للاحكام الشرعية طبيعة واقعية. فلا الخصوص عممَ الحكم الشرعي، ولا العموم خصص ذلك الحكم. أي لا كرهه (ع) لقبيلتي باهلة وغنيّاً حرمهما من عطاء بيت المال، ولا حبّه (ع) لعشيرته وأهل بيته (ع) كان مبرراً لزيادة عطائهم من بيت المال. وبتعبير ثالث، ان الكره لم يغيّر حكماً، ولم يبدّل الحبّ أمراً شرعياً جاء به الدين.

ولم يشتكِ الامام (ع) أصلاً من استحالة التوفيق بين اصدار الحكم وبين تطبيقه، خصوصاً فيما يتعلق بتحقيق العدالة الحقوقية والاجتماعية بين الناس. فقد قال الامام (ع): «لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وانما المالُ مالُ الله». وهذا هو حكم نظري بالمساواة ؛ وعند التطبيق ساوى فعلاً بينهم بالعطاء.

نعم، كان هناك خللٌ في خصائص شريحة من الناس أتعبها تعلق الامام امير المؤمنين (ع) بالآخرة، بينما كان نظرها شاخصاً الى الدنيا ومتعلقاً بزخارفها ومتعها. فذمّها (ع) بشدة وتمنى ان يبادلها بعدوّها.

ولكن الامام (ع) عالج مشاكل افراد تلك الشريحة عبر حثّهم على جهاد عدوّهم ومقاتلته، كما هو الحال مع اهل الكوفة الذين أتعبهم التفكر بالآخرة. وعالج مشاكل الدولة عبر محاسبة بعض الولاة الذين أكلوا من اموال بيت المال بغير حق، كما هو الحال مع من ذكرنا اسماءهم في الفصول السابقة . وعزل البعض الآخر لضعفهم، كما هو الحال مع (محمّد بن ابي بكر) واليه على مصر حيث عزله لضعف فيه واضطراب الامر عليه.

وهكذا كانت سياسة الامام (ع): تطابق النظرية مع التطبيق، وتطابق الاحكام بما فيها من أوامر مع التنفيذ. وهذا يثبت واقعية الشريعة في دولة القانون.

ثالثاً: تعددية السلطات: ان للحكومة في الاسلام طبيعة تعددية. بمعنى ان حل الخصومات يختص بالقضاء وقاضي القضاة، وان الولاة على الامصار يتولون تنفيذ جبي الضريبة وتوزيعها وتنظيم الجيش والامن والتجارة في امصارهم، وان القائد العام للجيش يرسم السياسة العسكرية للدولة. فلم يكن هناك تقاطع ولا تداخل بين السلطات. أي ان سلطة القاضي لا تمتد الى سلطة الامام (ع)، ولا سلطة قائد الجيش تمتد الى سلطة القاضي، ولا سلطة الكتّاب تتقاطع مع سلطة الشرطة، وهكذا. فالسلطات خلال خلافته (ع) كانت متوازية، ومنفصلة ومستقلة، لكنها كانت تلتقي عند نقطة واحدة، وهي اشراف الامام (ع) عليها جميعاً.

وعلى هذا الاساس كان وجود القانون في الوطن الاسلامي وجوداً حيّاً، يحسّ به المرء في كل جانب من جوانب حياته. وعندما يكون القانون حاكماً، تكون للدولة سلطة شرعية يحترمها الناس جميعاً.

رابعاً: الشريعة أكبر من الحقائق الاجتماعية: وسّعت حكومة امير المؤمنين (ع) عند الناس، افق التفكير المنطقي بالدولة والقانون والشريعة. فجعلت المؤمنين المخلصين يحسون بأن الشريعة واحكامها اكبر من الحقائق الاجتماعية، ولذلك فهي قادرة على حلّها ومعالجتها. بينما وضعت الجهلاء من الناس امثال الاشعث بن قيس في الكوفة ومسلمة بن مخلّد ومعاوية بن حديج في مصر وغيرهم في موضع الحسد والنفاق وعدم القدرة على مواكبة منجزات الدولة، ولذلك فانهم توجهوا الى معاوية. لانه كان يلبّي طموحاتهم في الاثراء السريع.

خامساً: الشرعية القانونية: ان المفتاح في قضية حكم القانون والشريعة هو «الشرعية» وليس الاكراه. ونعني بالشرعية هو ان الامام (ع) كان مخوّلاً من قبل النبي (ص) بالادارة الشرعية للامة. فكل ما يصدر عن الامام (ع) كان له امضاء شرعي من رسول الله (ص). فالشرعية هي مفتاح تطبيق القوانين. وكما ان هناك الزاماً شرعياً بدفع الضريبة، هناك شرعية في المطالبة بها من قبل الحاكم العادل او من يمثله. فالشرعية تجعل تلك العملية (الدفع والاستلام) عملية قانونية تميل النفس الى ادائها. ولكن لو كانت السلطة تفتقد الى مثل تلك الشرعية، لاصبحت عملية اخذ الضريبة من المالك عملية انهاك لحرمة الملكية الشخصية. وهنا يتبدل الالزام _ تحت ظل الظالم _ الى اكراه.

ومن هنا اصبح مجتمع القانون الذي قاده امير المؤمنين (ع) مجتمعاً حضارياً متطوراً يحمل معه آلات علاج المشاكل الشرعية، ووسائل حل المعضلات الاجتماعية.

الشرعية في دولة القانون:

يُفهم من مقولة «حاكمية الشريعة» _ عند العقلاء _ ان الحاكم العادل قادر على تشخيص الواجبات والحقوق تشخيصاً صالحاً، من الناحية الشرعية. وهذا يعني ان تلك الحاكمية حاكمية شرعية صحيحة. ولذلك فانها تستدرُّ قدراً عظيماً من الطاعة لدى التابعين والمريدين بالاخص، وعامة الناس بالوجه الاعم. فهنا عدّة نقاط نفهمها من «الشرعية» في دولة القانون، وهي:

أولاً: طاعة الاتباع: وحاكمية الشريعة او القانون في عهد الامام (ع) كشفت قدراً عظيماً من طاعة الناس لامامهم (ع). فهذا عمرو بن الحَمِق الخزاعي يخاطب امير المؤمنين (ع): «والله ما جئتك لمالٍ من الدنيا تعطينيه، ولا لالتماس سلطان ترفع به ذكري. إلاّ لانك ابن عم رسول الله (ص)، وأولى الناس بالناس، وزوج فاطمة سيدة نساء العالمين (ع)، وأبو الذرية التي بقيت لرسول الله (ص)، وأعظم سهماً للاسلام من المهاجرين والانصار. والله لو كلّفتني نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي (المملؤة بالماء) ابداً حتّى يأتي عليَّ يومي وفي يدي سيفي أهزُ به عدوّك، وأٌقوّي به وليك، ويعلو به الله كعبك (شرفك)، ويفلج (تظفر) به حجتك، ما ظننت اني أدّيت من حقك كل الحق الذي يجب لك عليَّ. فأجابه امير المؤمنين (ع): اللهم نوّر قلبه باليقين وأهده الى الصراط المستقيم، ليت في شيعتي مائة مثلك»[17].

وقال (ع) وهو يصف بعض المؤمنين من صحابته المطيعين له: «أين اخواني الذين ركبوا الطريق ومضوا على الحق؟ أين عمار؟ وأين ابن التيهان؟ وأين ذو الشهادتين (خزيمة بن ثابت الانصاري)؟ وأين نظراؤُهم من اخوانهم الذين تعاقدوا على المنية، وأُبرِد َبرؤوسهم الى الفجرة!... اوِّه على اخواني الذين تلوا القرآن فاحكموه، وتدبروا الفرضَ فاقاموه. احيوا السُّنة واماتوا البدعة. دُعُوا للجهاد فاجابوا، ووثقوا بالقائد فاتبعُوه»[18].

وهؤلاء وغيرهم كانوا من اطوع ما يكون المؤمن لسيده وقائده. وقد أثبتوا حسن طاعتهم عبر الاستشهاد في ساحات المعارك.

وما يُذكر في الكتب التأريخية من تجرأ الاشعث والخوارج على الامام (ع) وتباطؤ اهل الكوفة، هو صورة لدائرة ضيقة. أي ان تلك الصورة قد ضُخّمت بعد مقتل مالك الاشتر ومحمد بن ابي بكر (رضوان الله عليهما)، وطغت على الصورة العامة للوضع. ولكن الصورة الكلية للامة في الحجاز واليمن والعراق ومصر وفارس كانت مع الامام (ع).

ثانياً: الاحساس بالشرعية: وما خروج الامام (ع) لمواجهة اهل الجمل، واهل الشام، والخوارج، الى اسلوب شرعي لتثبيت حكم القانون والشريعة في المجتمع الاسلامي، ومحاولة تأسيس نظام قانوني قوي يعتمد على الشريعة أساساً ومنهاجاً واسلوب عمل. ولم يكن ذلك الخروج لمحاربتهم امراً ثانوياً، بل كان امراً حتمياً من اجل تثبيت الدولة والامن الاجتماعي.

ومن ادراك الافكار التي ذُكرت آنفاً، نستطيع ان نتصور الفرق بين ضعف حكم نظام كنظام معاوية وبين قوة النظام القانوني الشرعي لحكومة الامام امير المؤمنين (ع). لان الاول كان يفتقد للشرعية ويستخدم شتى اساليب الاغراء والترغيب والترهيب من اجل تحقيق طموحاته، فكان حكماً اكراهياً مقيتاً. بينما كان حكم الامام (ع) حكماً شرعياً، مبنيّاً على الكتاب والسنّة، وعلى العلم وحريّة التعبير والمنطق والعقل. ولذلك ماتت دولة معاوية بموته، لانها كانت دولة غصب واكراه. وبقيت دولة الامام امير المؤمنين (ع)، لانها دولة حق وشرعية دينية وقانون.

لقد كان التلازم بين الشريعة والشرعية في عهد الامام (ع) تلازماً ثابتاً محكماً. فالشريعة _ بما فيها الاحكام والقواعد التي تنظم شؤون الانسان في الحياة _ كانت بحاجة الى من ينفذها ويضعها على ارض الواقع. والحاكم الذي ينفذها يحتاج الى تخويل شرعي ، نسمّيه بـ «الشرعية».

اذن كان حكم الامام (ع) حكماً مشروعاً ذا صلاحية دينية، تطبق فيه الشريعة على النظام الاجتماعي. فكان سلطة شريعة، ولها شرعية، ومتطابقة مع احكام العقل واسلوب العقلاء في التعامل مع المشاكل الاجتماعية.

ثالثاً: الاحساس بالعقلائية: وبذلك كان تطبيق القانون في زمن الامام (ع) يعني ان هناك: سلطة، واتفاقاً، وعقلائية في النظام القانوني. فالنظام القانوني يرفع الاكراه، ويقبل المنطق (الدليل العقلي)، ويساهم في الاتفاق الاجتماعي العام بخصوص الواجبات المدنية. فيكون هدف القانون هو اخضاع السلوك الانساني لاحكام الشريعة في المجتمع.

والعدالة والانصاف ومحاربة الظلم من الامور التي يقرّها العقل. اذن ، نستطيع الان ان نقول بان حكومة الامام امير المؤمنين (ع) كانت حكومة الشرع والعقل في المجتمع الانساني. واذا اقتربنا من ادراك كيفية تحويل الامام (ع) تلك الدولة الواسعة الى دولة قانون وشريعة ومنطق، لاقتربنا من ادراك حجم المكسب الاخلاقي الذي كسبته الامة في تلك الفترة الحاسمة من عمرها المديد. 

ب _ حكومة الامام (ع): اقرار مباني العقلاء

لا يتّفق العقلاء على شيء، الا ولابدّ أن يكون مطابقاً لمنطق الاشياء الظاهرية وسجيتها في الحياة. فالعقلاء يتفقون على ان العدل والانصاف واحقاق الحق وابطال الباطل، من الامور التي تنسجم مع ضمير الانسان وتتناغم مع ايمانه بالوجود وبخالقه. وفي ضوء ذلك، اقرّ العقلاء صلاحية حكومة امير المؤمنين (ع)، ووضعوها في الدرجة الاعلى من سلّم الادارة المدنية للدولة. وفي ذلك نقاط نرتبها كما يلي:

أولاً: الرابطة بين الشرعية والقانون: يُفترض من خلال وجود القانون في المجتمع، ان القوة التي ترشد الحكومة هي نفس القوة التي مُنحت الصلاحية الشرعية. وقد ذكرنا سابقاً ان منح الصلاحية الشرعية لانسان في الحكم تعني اعطاءه الحق في ادارة امورالناس، والحق في ارشادهم وتوجيههم. ولا يعطى الحق الا لمن كان مؤهلاً لاداء المهمة بشكلها الكامل.

اذن تستبطن الصلاحية الشرعية الممنوحة للحاكم معنى مطلق الحق في الارشاد والادارة. وهذا يشمل: الحق في توزيع ثروة الامة، والحق في اصدار الاوامر، والحق في تطبيق حكم الله. ولا شك ان مصدر الصلاحية الشرعية في الدين هي: اما ارادة الهية مباشرة، واما ارادة الهية غير مباشرة كأن تكون بواسطة الرسول (ص) مثلاً.

هنا، وفيما نحن فيه، كانت الصلاحية الشرعية الممنوحة للامام امير المؤمنين (ع) من قبل رسول الله (ص)، حقّاً من حقوقه (ع). ولذلك كان (ع) كثيراً ما يكرر بعد أحداث السقيفة، بأن حقه في الخلافة قد اغتُصب. فالصلاحية الشرعية الممنوحة، هي حق بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

والصلاحية الشرعية هي الخطوة الاولى نحو دولة القانون. أي ان الدولة التي تفتقد لتلك الصلاحية التي يمنحها لها الدين، لا يمكن ان تكون دولة الزام وأخلاق ومُثل. فأي مُثل تلك التي تؤدي الى الغصب وانتهاك حقوق الآخرين؟! وأي مُثل تلك التي تحارب الحق والعدل؟!

ولو نأخذ حكومة معاوية مثلاً كمصداق على ما نقول، لرأينا بأن تلك الحكومة ليست قانونية. ذلك لانها لم تكن تتمتع بالصلاحية الشرعية. بينما نستطيع ان نجزم جزماً عقلياً قطعياً بقانونية دولة علي بن ابي طالب (ع). لانها دولة استمدت جميع صلاحياتها الشرعية من رسول الله (ص) يوم تبوك والغدير وقبيل وفاته (ص).

لقد كان الامام (ع) يعطي العلّة الشرعية في اغلب تصرفاته كخليفة. وعندما كان الامر يلتبس على البعض من الناس، كان (ع) يستدلّ بآية قرآنية او بسيرة رسول الله (ص) او بمبنى العقلاء. 

أمثلة الرابطية:

وفي ذلك الكثير من الامثلة:

فمن كلام له (ع) كلّم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة، وقد عتبا عليه من ترك مشورتهما: «... وأمّا ما ذكرتما من أمر الاُسوةِ (أي التسوية في العطاء بين المسلمين) فانّ ذلك أمرٌ لَم أحكم أنا فيهِ برأيي، ولا ولّيتهُ هَوىً مني، بل وجدتُ أنا وأنتما ما جاء بهِ رسول الله (ص) قد فَرِغَ منهُ، فلم أحتجّ إليكما فيما قد فَرِغَ اللهُ من قَسمِهِ، وأمضى فيهِ حُكمهُ، فليس لكما واللهِ عندي ولا لِغيرِكما في هذا عُتبى...»[19].

ومن كتاب له (ع) الى معاوية جواباً: «... وذكرتَ أنّي قتلتُ طلحة والزبير، وشرّدتُ بعائشة، ونَزلتُ بينَ المصرين (الكوفة والبصرة)! وذلكَ أمرٌ غِبتَ عنهُ فلا عليكَ، ولا العذرُ فيهِ إليكَ»[20].

ومن كلام له (ع) وقد استبطأ اصحابه اذنه لهم في القتال بصفين: «أمّا قولكُم: أكُلّ ذلكَ كراهيةَ الموتِ؟ فواللهِ ما اُبالي ؛ دخلتُ الى الموتِ أو خَرَجَ الموتُ اليَّ. وأمّا قولكُم شكّاً في أهل الشام! فواللهِ ما دفعتُ الحربَ يوماً الاّ وأنا أطمعُ أن تلحقَ بي طائفةٌ فتهتديَ بي، وتعشو إلى ضوئي، وذلِكَ أحبُّ إليَّ من أن أقتُلها على ضلالها، وإن كانت تبوءُ بآثامها»[21].

ومن كلام له (ع) وفيه يبيّن بعض احكام الدين، ويكشف للخوارج الشبهات وينقض حكم الحكمين: «... وقد علمتُم أنّ رسول الله (ص) رَجَم الزانيَ المُحصنَ، ثمّ صلّى عليه، ثمّ ورّثهُ أهلهُ. وقَتَل القاتِلَ وورَّث ميراثَهُ أهلَهُ. وقطع السارقَ، وجلد الزانيّ غير المُحصنِ ثمّ قسَمَ عليهما من الفيءِ، ونكحا المُسلِماتِ. فأخذهُم رسول الله (ص) بذنوبِهم، وأقامَ حقَّ اللهِ فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام، ولم يُخرج أسمائهم من بين أهلِهِ»[22]، وكان من زعم الخورج ان من أخطأ وأذنب فقد كفر، فأراد الامام امير المؤمنين (ع) ان يقيم الحجة على بطلان زعمهم بما رواه عن رسول الله (ص).

وقال (ع) بعد الانتهاء من محاربة الخوارج: «أمّا بعد حمد اللهِ، والثناءِ عليهِ. أيُّها الناسُ، فإنّي فقأتُ عينَ الفتنةِ (يعني الخوارج)، ولَم يَكُن ليجترىءَ عليها أحدٌ غيري، بعد أن ماجَ غيهَبُها (أي ظلمتها)، واشتدّ كلَبُها»[23].

وكل ذلك يعني ان الصلاحية الشرعية كانت تحمل بذور دولة القانون. ودولة القانون _ دائماً _ تربط العلّة بالمعلول. أي ان لكل حكم شرعي، ملاكاً قد يدركه الناس وقد لا يدركونه، ولكنهم يعملون به جميعاً. لانّ علته كانت ظاهرة بالعقل او بالوجدان. فالمقياس في المجتمع الاسلامي هو ان يكون الحكم _ أمراً كان او نهياً _ حكماً دينياً نابعاً من منبع شرعي صحيح.

فلا ريب ان تكون حكومة الامام (ع) فيما يتعلق بتنظيم المجتمع وادارته قويه للغاية. لان العلل الحُكمية المرتبطة بالمعلول (الموضوع) _ التي كانت تعرضها _ كانت عللاً يقبلها العقل. وفوق كل ذلك كانت عللاً سماوية مستمدة من القرآن والسنّة، بينما كانت علل مناوئية باطلة وغير صالحة للبقاء او الانتقال.

والانتقال من الصلاحية الشرعية الى حكم القانون، كان يتطلب ادراكاً بان الحاكم قادر على الاجابة عما يدور في اذهان الجماعة. فقد كانوا يسألونه وكان (ع) يجيبهم. وكان (ع) يقول: «يا معشر الناس سلوني قبل ان تفقدوني. هذا سفط العلم. هذا لعابُ رسول الله (ص). هذا ما زقني رسول الله. فاسألوني فان عندي علم الاولين والآخرين. واما والله لو ثنيت لي وسادة وجلست عليها لافتيت اهل التوراة بتوراتهم... واهل الانجيل بانجيلهم... واهل القرآن بقرآنهم...»[24].

لقد ابتنى الامام امير المؤمنين (ع) حكمه على اساس احكام الشريعة وتعاليم السماء، ولذلك كانت حكومته حكومة قانون وعدالة وصلاحيات شرعية.

ثانياً: اتفاق العقلاء: اذا اصبحت قضية «الصلاحية الشرعية» جزءً من تفكير الامة، فان تأسيس دولة القانون تصبح قضية ممكنة. ولكن اذا غابت «الصلاحية الشرعية» عن ذهن الامة، فان السقيفة قد تتكرر في كل فترة زمنية. وبتعبير آخر، فان «الصلاحية الشرعية» الممنوحة للحاكم هي قضية عقلائية بالاضافة الى كونها قضية دينية. فاذا اتفق العقلاء على الرجوع الى الشريعة، كان ذلك عوناً للحاكم على تطبيق احكامها. وقد كان ذلك امراً واقعاً خلال حكم الامام (ع).

فقد كانت تحيط به (ع) مجموعة من اهل الرأي والعقل والتفكير. وكان منهم من السابقين المقربين من امير المؤمنين (ع): الاركان الاربعة: سلمان، والمقداد، وابوذر، وعمار، وكان هؤلاء من الصحابة.

ومن التابعين: اُويس بن أنيس القرني (الذي يشفع في قبيلة مثل ربيعة ومضر)، عمرو بن الحمق الخزاعي، رُشيد الهَجري، ميثم التمار، كميل بن زياد النخعي، قنبر مولى امير المؤمنين (ع)، محمّد بن ابي بكر، مزرع مولى امير المؤمنين (ع) (من اكمل رجالات الشيعة)، عبد الله بن يحيى (من شرطة الخميس)، جندب بن زهير العامري، وبنو عامر شيعة علي (ع) على وجه، حبيب بن مظهّر الاسدي، الحارث بن عبد الله الاعور الهمداني، مالك بن الحارث الاشتر العلم الازدي، ابو عبد الله الجدلي، وجويرية بن مسهر العبدي[25].

وقد قرأنا للتو ما قاله عمرو بن الحمق الخزاعي في امامه (ع)، فدعا له الامام (ع) بأن يملأ قلبه نوراً ويقيناً.

لقد كان خطاب الامام (ع) موجهاً الى العقلاء في المجتمع. فهو بتلك اللغة الادبية البديعة العالية، كان يصور معاني الدين بأبدع الصور. ولا شك انه لا يفهم تلك الصور البديعة الا العقلاء. وقد أشار الكتاب المجيد الى العقلاء في المجتمع بأفضل الاشارة، فقال: (إنَّ في خَلقِ السَماواتِ والأرضِ واختِلافِ الليلِ والنَّهارِ لآياتٍ لاُولي الألبابِ)[26]، (...كَذلِكَ نُفصِّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَعقِلُونَ)[27]، (وتِلكَ الأمثالُ نَضرِبُها للنّاسِ وما يَعقِلُها إلاّ العالِمونَ)[28]. والعقلاء في المجتمع هم خلاصة العقل العام. فاذا كسبهم الحاكم، فان حكمه يكون مدعاةً، للاستقرار والثبات. وقد قال (ع) في رسالته الى الاشتر: «وأكثِر مُدارَسَةَ العلماءِ، ومُنافَثَةَ (أي مجالسة) الحكماءِ، في تَثبيتِ ما صَلَحَ عليهِ أمرُ بِلادِكَ، وإقامَةِ ما استَقامَ بهِ الناسُ قَبلَكَ»[29].

ان الضمير العام الذي يؤمن بالحاكمية الشرعية، هو الذي يدرك _بعمق _ معنى الحرية تحت ظل القانون. أي ان الانسان _ في دولة القانون والدين_ يستطيع ان يعبر عن رأيه في الوقت الذي لا يخاف فيه على ماله ونفسه وعرضه من الانتهاك . وربما كان هذا هو السبب الذي جعل الخوارج يتمادون في مواجهتهم اللفظية مع الامام امير المؤمنين (ع). فقد كانوا في مأمن تام وطمأنينة بان الامام (ع) لا يودعهم السجن، ولا يعذبهم، ولا يقتلهم. بل عندما كانوا يسبّون الامام (ع) ويتوثب الناس لقتلهم، كان (ع) يقول للناس: «... انما هو سبٌّ بسبٍّ. أو عفوٌ عن ذنب»[30]. فيتركونهم وشأنهم.

ثالثاً: مقدار الانتقاد المسموح به: اذا بُنيت دولة القانون ورسخت اقدامها، فان مقداراً من النقد العقلائي لابد ان يسمح به، في قضايا الادارة. ونقصد بالنقد العقلائي: طريقة العقلاء في الاشارة الى الاخطاء في الامور التي يقوم الناس بأدائها. فقد يخطىء القاضي في حل النـزاع، وقد يفشل والي الاقليم في توزيع الثروة بين الناس، وقد يفشل جابي الخراج. فيكون نظر العقلاء الى تلك الاخطاء نظر الناقد الذي يوصل النقد الى الامام (ع).

قال الامام (ع) عن نفسه: «فلا تَكُفُّوا عن مَقالَةٍ بحقٍّ، أو مشورةٍ بعدلٍ. فإنّي لستُ بنفسي بفوقِ أن أُخطيء، ولا آمَنُ ذلكَ من فعلي، إلاّ أن يَكفيَ اللهُ من نفسي ما هُوَ أملكُ به مني. فانما انا وانتم عبيدٌ مملوكونَ لربٍّ لا ربَّ غيرُهُ. يملكُ منّا ما لا نملِكُ من أنفسنا، واخرجنا ممّا كنّا فيهِ الى ما صَلحنَا عليه. فأبدلنا بعدَ الضلالَةِ بالهُدى، واعطانا البصيرَةَ بعد العمى»[31].

وهذا النص ظاهر في ان الله سبحانه وتعالى قد كفاه من نفسه ما هو املك به منه. فقد كفاه شرّ ارتكاب الاخطاء. ولم ينقل لنا التأريخ ولا حادثة واحدة أخطأ فيها الامام (ع)، فيما يتعلق بالاحكام الشرعية على الاقل. وهذا يثبت عصمته (ع). بينما وقع الخلفاء في أخطاء شرعية عديدة تراها متناثرة في هذا الكتاب. وكان الاعداء يتربصون بالامام (ع) الدوائر، ويتمنون ان يقع في خطأ. حتى يشهّروا به. ولكن لم يقع ذلك منه ابداً.

ومع هذا المستوى السامي من الادراك الذهني والاداء الديني، الا انه (ع) كان يدعو العقلاء الى اسداء المشورة اليه. فيقول لهم: «فلا تكُفُّوا عن مقالةٍ بحقٍّ، أو مشورةٍ بعدلٍ». فالمقياس في المشورة والنقد ان يكونا بحقٍّ وعدلٍ. وهذا هو نقد العقلاء في المجتمع.

ان مقدار النقد المسموح به يعتمد على مقدار العلم بتمحيص الحق من الباطل، والتمييز بين الخطأ والصواب. وقد انتقد المسلمون عهد الخليفة الثالث، وطريقة تبذير الاموال واهدارها بحيث ان العقلاء اتفقوا على بطلان حكمه، فحاربه العقلاء من امة محمّد (ص). بينما اتفق العقلاء على صحة حكم الامام امير المؤمنين وكماله (ع) ، وحاربه الجهلة من الناس، والذين لا يرجون الا مطامع الدنيا وزخرفها.

وكان اهل المشورة في عهد الامام (ع) يمثلون مؤسسة لنقد الوضع الاجتماعي والاشارة على الامام (ع) لحل بعض المشاكل الموضوعية. وكان الامام (ع) يستمع اليهم، وكانت سياسته (ع): «لكَ أن تُشير عليَّ وارى، فان عصيتك فاطعني»[32].

لقد كان موقف الخوارج موقف ضلال وزيغ عن الدين، ولم يكن موقف نقد عقلائي. ولكن الامام (ع) سمح لهم بالكلام والتجريح ولم يمسهم بسوء، الى ان استخدموا العنف والسلاح فحاربهم. وكان لسان حاله (ع) يقول: «لا تقتِلوا الخوارِجَ بعدي (يقصد ابناء الخوارج واحفادهم) فليسَ من طلبَ الحقَّ فأخطأهُ (يعني الخوارج) كمَن طَلَبَ الباطِلَ فادركَهُ (يعني معاوية واصحابه)...»[33].

وكان موقف اهل الكوفة موقف تخاذل، فعنفهم وادانهم لفظياً، ولم يستخدم معهم العنف او السلاح. فمن كلام له (ع) قاله للاشعث بن قيس وهو على منبر الكوفة يخطب عندما اعترضه: يا امير المؤمنين، هذه عليك لا لك. فخفض (ع) اليه بصره ثمّ قال: «وما يُدريكَ ما عليَّ ممّا لي؟ عليكَ لَعنَةُ اللهِ ولعنةُ اللاعنين! حائكٌ ابن حائك! منافقٌ ابنُ كافرٍ! والله لقد أسَرَكَ الكُفرُ مرةً والاسلامُ اخرى! فما فداكَ من واحدةٍ منهما مالُكَ ولا حسَبُكَ! وإنَّ امرءً دلَّ على قومهِ السيفَ، وساق اليهم الحتفَ، لحريٌّ ان يمقتَهُ الاقربُ ولا يأمنَهُ الابعدُ»[34].

وكان الاشعث من اصحاب الامام (ع) _ ظاهراً _ ثمّ خرج عليه. ويريد (ع) أنه اُسر في الكفر مرة وفي الاسلام مرة. واما قوله (ع): «دلَّ على قومه السيف» فاراد به: حديثاً كان للاشعث مع خالد بن الوليد باليمامة، غرّ فيه قومه ومكَرَ بهم حتى اوقع بهم خالد. وكان قومه بعد ذلك يسمونه «عُرف النار» وهو اسم للغادر عندهم.

رابعاً: مقدار تحمّل الامام (ع): كان الامام (ع) صبوراً متجلداً الى ابعد حدود الصبر والتجلد. وقد تحمّل في عهده ما لم تكن الجبال قادرة على تحمله ؛ فقد حاربته عائشة وهي زوجة النبي (ص)، وحاربه امير احد الاقاليم وهو معاوية، ثم حاربته شريحة من جيشه وهم الخوارج، ثم تباطأ اهل الكوفة في الذهاب الى مصر بعد مقتل محمّد بن ابي بكر. وتلك هموم ليس من السهل تحملها. ولكن الامام (ع) تعلّم من رسول الله (ص) تحمّل المشاقّ العظام. فآثر ان يسير على خطاه وهديه.

وقد ادرك اصحاب الامام (ص) مقدار معاناته (ع) وتألمه من كل ذلك، ولذلك فانهم بقوا معه يدافعون عن الدين وعن امامهم وعن دولتهم حتى النهاية. فعمرو بن الحمق الخزاعي يقسم لو كلفوه نقل الجبال الرواسي، ونزع البحور الطوامي ابداً، ثم قاتل عدو امير المؤمنين (ع) ما ادى حقّه[35]. وزيد بن صوحان يقسم لامامه (ع) وهو على شفا الموت في واقعة الجمل: «... وانت يا مولاي يرحمك الله. فوالله ما عرفتك الا بالله عالماً وبآياته عارفاً. والله ما قاتلت معك من جهل...» [36]. وعمار بن ياسر كان يقول في معركة صفين: «والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وهم على الباطل... والذي نفسي بيده لنقاتلنهم على تأويله كما قاتلناهم على تنـزيله...»[37].

ولا شك ان التغيير الاجتماعي الذي حصل خلال عقدين ونصف بعد وفاة رسول الله (ص) _ من حيث توسع دولة المسلمين، ودخول اقوام مختلفة في الاسلام، وازدياد موارد بيت المال، وعصيان معاوية في الشام، واستفحال الخط الاموي _ اثقل حكومة الامام (ع) بمشاكل جديدة.

فحكومة الامام (ع) اصبحت تواجه مشكلتين. الاولى: انحلال السلطة الشرعية وضمورها في العهد الذي سبق خلافته (ع). والثانية: استفحال الطبقية الظالمة في المجتمع. ولذلك قام الامام امير المؤمنين (ع) بعملية توازن بين مفردتين هما: تثبيت السلطة الشرعية الحقيقية، وتحقيق العدالة الحقوقية بين الناس.

وهنا كان العقلاء في المجتمع الاسلامي الجديد متضافرون مع الامام (ع) تماماً، في دعم افكاره، والاقتداء بسلوكه الديني الشخصي والاجتماعي، ونصرة تصرفاته كحاكم اعلى للامة الاسلامية.


 

[1]  «الغارات» ص 12.

[2]  م. ن. – ص 29.

[3]  م. ن. – ص 43.

[4]  «الغارات» ص 72.

[5]  «الكافي» - كتاب الحدود. ج 7 ص 260.

[6]  «نهج البلاغة» - المختار من كتبه (ع). كتاب رقم 3 ص 461.

[7]  «الغارات» ص 75.

[8]  «مستدرك الوسائل» ج 3 ص 197.

[9]  «الاختصاص» ص 2 – 3. و«بحار الانوار» ج 8 ص 725. ط حجرية.

[10] رجال الكشي ص 4.

[11]  «الغارات» ص 220.

[12]  م. ن. – ص 251.

[13]  «نهج البلاغة» - القصار من حكمه (ع) رقم 410 ص 692.

[14]  «الغارات» ص 75.

[15]  «الكافي» - كتاب الحدود ج 7 ص 260.

[16]  «الغارات» ص 12.

[17]  «الغارات» ص 14 – 15. و«وقعة صفين» - نصر بن مزاحم ص 56.

[18]  «نهج البلاغة» خطبة 182 ص 327.

[19]  «نهج البلاغة» - خطبة رقم 205 ص 405.

[20]  م. ن. المختار من كتبه (ع) رقم 64 ص 585.

[21]  م. ن. خطبة رقم 54 ص 94.

[22]  م. ن. – خطبة 127 ص 226.

[23]  م. ن. – خطبة 92 ص 165.

[24]  «الاختصاص» ص 235.

[25]  «الاختصاص» ص 7. و«بحار الانوار» ج 8 ص 725 – 726.

[26]  سورة آل عمران: آية 190.

[27]  سورة الروم: آية 28.

[28]  سورة العنكبوت: آية 43.

[29]  «نهج البلاغة» - كتاب 53 ص 552.

[30]  «نهج البلاغة» - القصار من حكمه (ع) رقم 410 ص 692.

[31]  م. ن. – خطبة 216 ص 421.

[32]  «نهج البلاغة» - المختار من حكمه (ع) رقم 312 ص 670.

[33]  م. ن. – خطبة 60 ص 97.

[34]  م. ن. – خطبة 19 ص 54.

[35] «الغارات» ص 14 – 15.

[36]  «المناقب» - الخوارزمي ص 111 باسناده عن الاصبغ بن نباتة.

[37]  «وقعة صفين» ص 340. و«مروج الذهب» - المسعودي ج 2 ص 391.