الفصل التاسع والعشرين

مباني دولة الامام (ع)

(5) النظام القضائي

 

1_ اضاءات من اقوال الامام (ع) وسيرته: أ _ صفات القاضي. ب _ اشراف الامام (ع) على فعاليات القاضي. ج _ الشهادة والشهود. د _ في قضايا الزوجية. هـ _ اخلاقية القضاء. 2 _ القضاء والقوة القضائية: وظيفة المحكمة. مصادر القانون. طبيعة الاستماع للدعوى. الاستدلال القضائي. 3 _ القضاء والعملية القضائية: ميزات القضاء في عهد الامام (ع). خصائص القاضي. مراحل العملية القضائية. التركيبة القضائية. السلوك القضائي. القيم والاخلاق القضائية. العقلائية القضائية.

---------------------
 

النظام القضائي

لا شك ان النظام القضائي يعدّ من اركان الادارة الاجتماعية التي تحمّل مسؤوليتها الامام (ع). فعن طريق استنقاذ الحقوق، وتحديد الواجبات والمسؤوليات، وحل التنازع والتخاصم الاجتماعي بين الناس، استطاع امير المؤمنين (ع) ان يؤسس لقاعدة صلبة للدولة الاسلامية الشرعية. فقد كان ولي الامر ملزَماً بالتدخل لحل الدعاوى المدنية المتعلقة بالحقوق والواجبات، وحل الدعاوى الجنائية المتعلقة بالقتل والسرقة والاعتداءات. وبذلك حقق النظام القضائي زمن الامام (ع) نظافة اخلاقية، وعدالة حقوقية، وإنهاء لنـزاعاتٍ متأصلة بين الناس.

 

1 _ اضاءات من اقوال الامام (ع) وسيرته

اعطى امير المؤمنين (ع) لفكرة القضاء دفعة روحية قوية، حيث اشرف على القضاء بنفسه، وصمم للقاضي الذي عيّنه كل مستلزمات انجاح القضية القضائية ، ووضع اخلاقيات الشهادة والشهود. ولذلك كان القضاء في عهده المبارك (ع) من انجح المؤسسات الحكومية التي كان يديرها.\ 

أ _ صفات القاضي:

يتحلى القاضي _ في ضوء فكرة الامام (ع) _ بصفات علمية محددة، قبل ان يُعيّن لاحتلال مقعده على منصة القضاء. نستقرىء تلك الصفات من عهده (ع) الى مالك الاشتر. قال (ع): «ثمّ اختَر للحُكمِ بينَ الناسِ افضلَ رعيتكَ في نفسكَ، ممّن لا تضيقُ بهِ الامور، ولا تمحكُهُ الخصومُ، ولا يتمادى في الزلَّةِ، ولا يحصَرُ من الفيءِ الى الحقِّ اذا عرفَهُ، ولا تشرفُ نفسُهُ على طمعٍ، ولا يكتفي بأدنى فَهمٍ دونَ اقصاهُ، وأوقَفُهم في الشبهاتِ، وآخذَهُم بالحُجَجِ، وأقلَّهُم تبرُّماً بمراجعةِ الخصمِ، وأصبَرَهُم على تكشُّفِ الامورِ، وأصرمَهُم عندَ اتّضاحِ الحُكمِ، ممن لا يَزدهيهِ إطراء، ولا يستميلُهُ اغراءٌ، واولئكَ قليلٌ، ثم أكثِر تعاهُدَ قضائهِ، وافسَح لَهُ في البَذلِ ما يُزيلُ علَّتَهُ، وتقِلُّ معَهُ حاجتُهُ الى الناسِ. واعطهِ من المنـزلةِ لديكَ ما لا يطمعُ فيهِ غيرُهُ من خاصتكَ ليأمَن بذلكَ اغتيالَ الرجالِ لهُ عِندَكَ...»[1]. 

دلالات النصوص:

وفي تلك النصوص، دلالات مهمة نعرض لها بالترتيب:

1 _ ان القاضي يعين من قبل الوالي ولا ينتخب من قبل الناس. وهذا بحد ذاته امر ينبغي التوقف عنده. فالتعيين يخضع لضوابط علمية منها: كفاءة القاضي للحكم بين الناس، ودرجته العلمية في معرفة الحجج والدلالة، ونزاهته في عدم التحيز لطرف دون آخر. بينما لو كان الامر يتم عن طريق انتخاب الناس، لاختلف الوضع. فالناس على العموم لا تلحظ الدرجة العلمية ولا تقدرها. فد تنتخب من تراه مناسباً لطموحاتها، فحسب.

2 _ ان من مواصفات القاضي ان يكون من افضل الرعية، وان يكون واسع الصدر، يعترف بالخطأ، ويتجنب الزلل، ويميل الى الحق دائماً، سريع البديهة، دقيق التأمل في الشبهات، يبحث عن الحجة والدليل، ولا يطمع بما في ايدي الناس، صبوراً حتى يظهر الحق، مستقراً لا يهزه الذم ولا يطربه المدح. ولا شك ان تلك المواصفات، مثالية في تكوين شخصية القاضي.

3 _ ينبغي أن يكون للقاضي _ بموجب فكر الامام (ع) _ راتباً معقولاً يغنيه عما في ايدي الناس، ويجعله مستقلاً في قضاياه المالية. وهذا يعني ان يكون عطاؤه المالي عطاءً كريماً، يجعله في عين الناس مستغنياً عن مالهم، ولذلك قال (ع): «وافسح له في البذلِ ما يُزِيلُ علَّته». 

ب _ اشراف الامام (ع) على فعاليات القاضي:

وكان امير المؤمنين (ع) يشرف على قضاء شريح اشرافاً مباشراً. حيث كان (ع) يعترض عليه اذا استدعى الموقف اعتراضاً، ويصححه اذا كانت هناك مساحة للتصحيح، ويرفض حكمه اذا كان فاقداً للبينات او غير مستوعبٍ للحقائق القضائية. وفي ذلك جملة من الروايات:

1ً _ لما ولي امير المؤمنين (ع) شريحاً القضاء اشترط عليه ان لا ينفذ القضاء حتى يعرضه عليه[2]. وقال (ع) له: قد جلست مجلساً لا يجلسه الا نبي او وصي نبي او شقي[3].

2ً _ حكم الاستئناف واستئناف الحكم: دخل امير المؤمنين (ع) المجلس فاستقبله شاب يتذمر من حكم شريح القاضي، ويقول: يا امير المؤمنين ان شريحاً قضى عليَّ. ان ابي سافر مع هؤلاء النفر. ولم يرجع حين رجعوا، وكان ذا مال عظيم فرفعتهم الى شريح فحكم عليَّ.

فارجعهم امير المؤمنين (ع)، وجلس (ع) على منصة القضاء، ففرقهم وغطى رؤوسهم بالثياب. وبدأ يسأل كل متهم على حده عن تفاصيل السفر ووقته ومنازله، حتى تبين تناقض كلامهم. فاعترف احدهم بالقتل وأخذ المال، ثمّ اعترف جميعهم الواحد تلو الآخر بالجناية. فالزمهم المال والدم.

قال (ع) متمثلاً:

اوردها سعد وسعد مشتمل          يا سعد ما تروى على هذا الابل

ثمّ قال (ع): «ان اهون السقاء التشريع» أي كان ينبغي لشريح ان يستقصي في الاستكشاف ولا يقتصر على البينة[4].

3ً _ كان امير المؤمنين (ع) قاعداً في مسجد الكوفة، فمر به عبد الله بن قفل التميمي ومعه درع طلحة، فقال الامام (ع): هذه درع طلحة اُخذت غلولاً (أي غنيمةً) يوم البصرة. فقال له عبد الله بن قفل: فاجعل بيني وبينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين. فجعل بينه وبينه شريحاً.

فقال علي (ع): هذه درع طلحة اُخذت غلولاً يوم البصرة. فقال له شريح: هات على ما تقول بيّنة. فأتاه الحسن (ع) فشهد انها درع طلحة اُخذت غلولاً يوم البصرة. فقال شريح: هذا شاهد واحد، فلا أقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر.

فدعى قنبر فشهد انها درع طلحة اُخذت غلولاً يوم البصرة. فقال شريح: هذا مملوك ولا اقضي بشهادة مملوك. فقال (ع): خذها. فان هذا قضى بجور، ثلاث مرات.

فقال شريح للامام (ع): لا أقضي بين اثنين حتى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرات. فقال (ع) له: ويحك اني لما اخبرتك انها درع طلحة اُخذت غلولاً يوم البصرة، فقلت: هات على ما تقول بيّنة، وقد قال رسول الله (ص): «حيثما وجد غلول اُخذ بغير بيّنة». فقلت: رجلٌ لم يسمع الحديث. فهذه واحدة.

ثمّ أتيتك بالحسن (ع)، فشهد. فقلت: هذا واحد ولا اقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر. وقد قضى رسول الله (ص) بشاهد واحد ويمين. فهذه ثنتان.

ثم أتيتك بقنبر، فشهد انها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقلت: هذا مملوك ولا اقضي بشهادة مملوك. وما بأس بشهادة مملوك اذا كان عدلاً.

ثم قال (ع): ويلك امام المسلمين يؤمن من امورهم على ما هو اعظم من هذا[5]. 

دلالات النصوص:

وفي تلك النصوص دلالات، نعرضها كما يلي:

1 _ ان اشتراط امير المؤمنين (ع) على شريح ان لا ينفذ القضاء حتى يعرضه عليه (ع)، فيه دلالة على ان الامام (ع) كان يشرف على القضاء في مراحله النهائية. وفيه دلالة على اهمية القضاء بين الناس، وارتباطه بالامام المعصوم (ع). ذلك لان القاضي يحكم في الدماء والاعراض والاموال.

2 _ ان الامام امير المؤمنين (ع) مارس ما يطلق عليه اليوم في المحافل القضائية بـ «استئناف الحكم»، واصدار حكمه النهائي في القضايا الجنائية والحقوقية وهو «حكم الاستئناف». وهذا يدلّ على شرعية استئناف الحكم، اذا كانت المقدمات في المحكمة الادنى غير كاملة، او باطلة أساساً.

3 _ ان اللغة القضائية التي استخدمها امير المؤمنين (ع) في الاعتراض على حكم شريح كانت في غاية الدقة، وكانت العلل التي يقدمها (ع) مدعومة بالادلة الشرعية، من قبيل: قول النبي (ص): «حيثما وجد غلول اُخذ بغير بيّنة»، وقضاء رسول الله (ص) بشاهد واحد ويمين، ولا بأس بشهادة المملوك اذا كان عدلاً.

ج _ الشهادة والشهود:

وللشهادة اصول مبنائية تُلحظ في الدعاوى القضائية. منها: عدالة الشاهد وصحة الشهادة، وتخصيص شهادة ما يتعلق بالقضايا النسائية بالنساء، واستخدام اساليب فنية في الاستقصاء وعدم الاقتصار على طلب البينة. وفي ذلك روايات:

1ً _ تفريق الشهود او المتهمين: كان الامام (ع) يفرّق الشهود حتى يعرف مدى صدقهم في الشهادة.  وقد قرأنا انه فرّق الشهود في قضية الشابّ الذي قُتل اباه من قبل نفر من المرافقين، خلال سفرهم[6].

وفي رواية اخرى ان امرأة اتهمت فتاة يتيمة بالفاحشة وأتت بشهود من النساء، ولكن الامام (ع) فرّق الشهود وسألهن كلاً على حدة. فاعترفت الاولى بالمكيدة ثم اعترفن الواحدة بعد الاخرى بما اعترفت به الاولى[7].

2ً _ شهادة النساء في الامور الخاصة بهنّ: اُتي امير المؤمنين (ع) بامرأة بكر، زعموا انها ارتكبت الفاحشة. فأمر النساء فنظرن اليها، فقلن هي عذراء. فقال (ع): ما كنت لاضرب من عليها خاتمٌ من الله عزّ وجلّ. وكان يجيز شهادة النساء في مثل هذا[8].

3ً _ شهادة الاربع في الزنا: كتب معاوية الى ابي موسى الاشعري ان ابن ابي الجسرى وجد على بطن امرأة رجلاً فقتله، وفقد اشكل حكم ذلك على القضاة. فسأل ابو موسى امير المؤمنين عليّاً (ع)، فقال (ع): والله ما هذا في هذه البلاد _ يعني الكوفة وما يليها _ وما هذا بحضرتي، فمن أين جاءك هذا؟ قال: كتب اليَّ معاوية ان ابن ابي الجسرى وجد مع امرأته رجلاً فقتله، وقد اشكل ذلك على القضاة. فرأيك في هذا؟ فقال علي (ع): ... ان جاء بأربعة يشهدون على ما شهد، والا دفع برمته[9].

4ً _ العدالة في الشهادة والشهود: قضى امير المؤمنين (ع) في رجل شهد عليه رجلان بأنه سرق فقطع يده. بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر، فقالا: هذا السارق وليس الذي قطعت يده، انا اشتبهنا ذلك بهذا. فقضى عليهما أن غرمهما نصف الدية ولم يجز شهادتهما على الاخر[10].

وفي رواية اخرى في ثلاثة شهدوا على الرجل بالزنا. فقال امير المؤمنين (ع): اين الرابع؟ فقالوا: الآن يجيء. فقال (ع): حدوهم فليس في الحد نظرة ساعة (أي تأخير لحظة)[11].

دلالات النصوص:

وفي تلك النصوص دلالات، منها:

1 _ ان الاستقصاء في اكتشاف الحقائق المتعلقة بالقضايا الجنائية والحقوقية من فنون القاضي التي ينبغي ان يتمكن منها، ويسعى فيها من اجل الوصول الى الحقيقة. والاقتصار على طلب البينة قد لا يكفي في تحقيق العدالة القضائية. ولذلك كان الامام (ع) يفرّق الشهود او المتهمين، وكان يسألهم على حدة من اجل ان يتوصل الى حقيقة الامر.

2 _ ان التخصص في الشهادة، بحيث تشمل شهادة النساء على القضايا الشخصية المتعلقة بهنّ، أمرٌ فيه الكثير من العدالة القضائية. ذلك ان الرجل لا يستطيع الشهادة في مثل تلك الامور. وحتى على فرض كونه محرماً فانه لا يستطيع النظر الى ما لا تحلّه الشريعة. وبكلمة، فان الاجازة بشهادة النساء فيما يخص المشاكل القضائية النسائية امرٌ يستبطن العدالة القضائية.

3 _ ان الشهادة في الامور القضائية، قضية خطيرة للغاية. لان ميزان الشهادة قد يُقلِب الحكم النهائي رأساً على عقب. فكان لابد من التدقيق في قضايا الشهود، والتثبت من عدالتهم، والاطمئنان بانهم على ادراك تام بان قضية جدية وخطيرة. ولذلك نرى اهتمام الامام (ع) بهذه القضية. بل انه (ع) أعطى درساً بليغاً في ذلك. فقد حدّ الشهود الثلاثة لانهم لم يأتوا بالرابع. وقضى على الشاهدين اللذين اشتبها في تعيين السارق، بنصف الدية وعدم جواز شهادتهما على الآخر. 

د _ في قضايا الزوجية:

تنتاب الحالات الزوجية الكثير من المشاكل المعقدة التي تحتاج الى ذهن ثاقب وعقلية فقهية متفتقة، لحل تلك المشاكل. وقد كان امير المؤمنين (ع) المثل الاعلى في زمانه. ولا عجب في ذلك، فقد تربى في حجر رسول الله (ص) فزقّه العلم زقّاً. ولنقرأ الروايات التالية:

1ً _ قضى امير المؤمنين (ع) في رجلٍ تزوّج امرأة وأصدقها واشترطت عليه ان بيدها الجماع والطلاق. قال (ع) عنها: «خالفتْ السنّة ووليت حقّاً ليست بأهلهِ». قال الرواي: فقضى (ع) ان على الرجل النفقة وبيده الجماع والطلاق وذلك السنّة[12].

2ً _ كان امير المؤمنين (ع) اذا أبى المؤلي (أي الزوج الحالف ان لا يأتي زوجته غضباً واضراراً) ان يطلّق، جعل له حظيرة من قصب واعطاه ربع قوته حتى يطلّق[13]. والمعنى: أنه (ع) جعل له الحظيرة بعد مضي الاجل الذي جعله الله تعالى له في قوله: (للذينَ يؤلُونَ مِن نسائِهِم تَربُّصُ أربَعَةِ أشهُرٍ...)[14].

والمعنى ان من آلى من امرأته، يتربص له الحاكم اربعة اشهر أي ينتظره اربعة اشهر. فان رجع الى حق الزوجية وهو المباشرة، وكفّر وباشر فلا عقاب عليه (فإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ). وان عزم الطلاق واوقعه، فهو الحل الآخر المخلّص (فإنَّ اللهَ سَميعٌ عليمٌ). كما ذكرته آيات سورة البقرة: 226 _ 228.

3ً _ في كتاب «المناقب» في اجوبته على المسائل العويصة: ان امرأة جاءت الى الامام أمير المؤمنين (ع) فقالت: ما ترى اصلحك الله واثرى لك أهلاً:

في فتاةٍ ذات بعلٍ أصبحت       تطلبُ بعلاً بعد اذنٍ من أبيها

اترى ذلك حلالاً؟ فأنكر السامعون. فقال امير المؤمنين (ع) لها: احضريني بعلك. فاحضرته، فأمره بطلاقها، ففعل ولم يحتج لنفسه بشيء.

فقال (ع): انه عنين. فاقر الرجل بذلك، فأنكحها رجلاً من غير ان تقضي عدة. والمراد بطلاقها هو المعنى اللغوي، أي تخلية السبيل. فالعنين تفسخ امرأته العقد ولا تحتاج الى طلاق. 

دلالات النصوص:

وفي تلك النصوص الشريفة دلالات، منها:

1 _ رتب الامام امير المؤمنين (ع) اولويات الشريعة، في الوقت الذي كانت فيه شريحة من الناس جاهلة لها. ومن تلك الاولويات:

أ _ ان على الزوج نفقة زوجته.

ب _ ان الجماع والطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة، وقد قالت السنّة بذلك.

ج _ ان الزوج الحالف بأن لا يأتي زوجته غضباً او إضراراً، لابد له _ بعد اربعة اشهر _ من امرين: إمّا ان يرجع الى زوجته ويكفّر، وامّا ان يطلّق. فالعدل ان لا يترك القضية الزوجية معلّقة، بل لابد له من حسم الامر.

د _ ان من حق الزوجة اذا اكتشفت عنن زوجها ان تطلب فسخ العقد منه.

2 _ طبّق الامام امير المؤمنين (ع) اخلاقية الاسلام بصورة رائعة. ومن تلك الاخلاقية: الحسم في قضية الايلاء. فوضعُ الزوج في حظيرة من قصب واعطاؤه ربع طعامه _ من اجل ان يطلق _ فيها جنبة اخلاقية لمصلحة الزوجة. فهل من الاخلاق ان تترك الزوجة معلّقة بسبب غضب الزوج او اصراره على إضرارها؟ هنا يتدخل الاسلام ليحل المشكلة، من خلال الضغط على الزوج كي يحسم الامر وينهي القضية المتنازع عليها، عبر الطلاق.

3 _ احد الفوارق بين امير المؤمنين (ع) وبين عامة الناس انه كان قادراً على ادراك ما يريده السائل فوراً. فقد انكر السامعون ما قالته زوجة الرجل العنين. ولكن امير المؤمنين (ع) ادرك بحسه الثاقب مراد المرأة، ولذلك طلب (ع) منها ان تحضر بعلها ليفسخ عقده معها. وقد قرأنا في صفحات هذا الكتاب الكثير من ذلك. وفيه دلالة على عصمته في الدين، وادراكه الكامل لشريعة سيد المرسلين (ص).

هـ _ اخلاقية القضاء:

وكان الامام (ع) حريصاً على نزاهة القضاء وتعفف القضاة، واهم ما نذكره في هذا الصدد الرواية التالية:

روي أن شريح بن الحارث قاضي امير المؤمنين (ع) اشترى على عهده داراً بثمانين ديناراً، فبلغه ذلك. فاستدعى شريحاً وقال له: بَلَغَني أنّكَ ابتعتَ داراً بثمانينَ ديناراً، وكتبتَ لها كتاباً، واشهدتَ فيهِ شُهوداً. فقال له شريح: قد كان ذلك يا امير المؤمنين. قال: فنظرَ اليه نظرَ المُغضَبِ.

ثم قال له: «يا شريح، امّا انه سيأتيكَ من لا ينظُرُ في كتابكَ، ولا يسألُكَ عن بيِّنَتِكَ، حتى يُخرِجَكَ منها شاخصاً، ويُسلمَكَ الى قبرِكَ خالصاً. فانظُر يا شُريح لا تكونُ ابتعتَ هذهِ الدارَ من غيرِ مالِكَ، أو نَقدتَ الثمنَ من غيرِ حَلالِكَ! فإذاً أنتَ خَسِرتَ دار الدُنيا ودارَ الآخِرَةِ! اما إنَّكَ لو كُنتَ أتيتني عند شرائكَ ما اشتريتَ لكتبتُ لكَ كتاباً على هذهِ النسخةِ. فلم ترغب في شراءِ هذهِ الدار بدرهمٍ فما فوق»[15].

دلالات النص:

وهذا النصّ يدل على ان امير المؤمنين (ع) كان يرى ان القضاء، من مسؤولية الدولة. وكان (ع) لا يريد لعماله وقضاته التميز عن بقية الناس، بالمال وشراء الدور والاراضي، ومع انه (ع) طلب من مالك الاشتر ان يفسح لقاضيه في البذل ما يزيلُ علّته وتقلّ مع حاجته الى الناس، لكن هدف الامام (ع) لم يكن خلق طبقة عليا حاكمة من ولاته وقضاته. بل اراد للقاضي ان يتعفف عما في ايدي الناس.

ولذلك فانه ادان شريحاً على شرائه تلك الدار الغالية الثمن، واعطاه (ع) درساً في اخلاقية تعفف القضاة وزهدهم في الدنيا وعدم اهتمامهم بزخارفها.

 

2 _ القضاء والقوة القضائية

كان القضاء ولا يزال طريقة شرعية عقلائية من طرق تسوية التخاصم والتنازع بين الناس. ذلك ان الطريقة القضائية العادلة تفتح طريقاً للاطراف المتنازعة بمشاركة فعالة في عرض الحجج والادلة والبراهين من اجل احقاق الحق وابطال الباطل. ولا شك ان الطريق القضائي هو الطريق الامثل لحل مشاكل النـزاع بين الناس.

الا ان المجتمع يساهم احياناً في حل بعض قضايا التنازع بطرق اخرى، مثل: التفاوض والمراضاة السلمية (المصالحة)، والتنازل عن شروط العقود ونحوها، والتأديب من قبل الآباء تجاه ابناءهم البالغين. وتلك طرق متعارفة في حل لون من الوان الخصومات، ولكن تلك الطرق لا تلغي من دور النظام القضائي في المجتمع الانساني. بل ان للقضاة والمحاكم دور مركزي تأريخي في حل الخصومات بين البشر.

وظيفة المحكمة:

ان الوظيفة الاساسية للمحكمة ورئيسها القاضي هو حل التنازع بين الاطراف المتخاصمة في قضايا القتل والسرقة والاعتداء ونحوها. وتتعدى وظيفة المحكمة الى امور اخرى، منها: الحكم على القضايا اللااخلاقية في شرب الخمر والانحرافات الجنسية، وتنظيم الاجراءات المتعلقة بالافلاس والحجر على اموال القصر حتى البلوغ، وتنظيم وصية الميت في الثلث اذا حصل النـزاع بين الورثة، وقضايا النكاح ومشاكل الطلاق.

ولا شك ان المبادئ التي طرحها امير المؤمنين (ع) في وصيته لمالك الاشتر، تفصح عن ان التنازع يمكن ان يحلّ _ بالطريقة القانونية _ بموجب مبادئ تقوم على اساس عرض الحجج والبراهين من قبل جميع الاطراف. وهذه الطريقة العقلائية تضمنها المحكمة ذاتها. ذلك ان القاضي الذي يستمع الى الحجج والبراهين ويوازن بينها، ينبغي ان يكون حيادياً عادلاً غير منحاز الى طرفٍ دون آخر.

فهو «أوقفهم في الشبهاتِ، وآخذهم بالحججِ، وأقلّهم تبرّماً بمراجعةِ الخصمِ، وأصبرهُم على تكشّفِ الامور»[16]. ولذلك فان قراره يكون قراراً عادلاً ومحقاً، لانه يُفترض ان يكون مع الحق دائماً. واصلُ الحق واحد، مدنياً كان ذلك الحق او جزائياً.

فالدعاوى التي ترد القاضي في المحكمة على نوعين:

الاول: الدعاوى المدنية، وهي المتعلقة بالحقوق والواجبات والالزامات الدينية والاجتماعية والعرفية، وامثلتها، درع طلحة التي كانت محل خصام بين امير المؤمنين (ع) وعبد الله بن قفل، وقضايا الزواج والطلاق والفسخ والنفقة ونحوها.

الثاني: الدعاوى الجنائية، وهي المتعلقة بالقتل والسرقة والاعتداء الجسدي واللفظي ونحوها.

وبالاجمال، نستطيع القول بان الجهاز القضائي يعطينا مؤشرات واضحة عن مدى نظافة المجتمع، أو عن مدى انتشار الجنايات والمشاجرات بين الناس. ذلك ان عمل المحاكم والقضاة مرتبطٌ بشكل مباشر بكل الخصام الاجتماعي والانحلال الاخلاقي. فاذا قلّت الدعاوى، انخفض نشاط المحكمة. وانخفاض نشاط محكمة شريح القاضي يكشف لنا عن انخفاض نسب الجرائم والجنايات والدعاوى زمن خلافة امير المؤمنين (ع). وهذا يدلّ بشكل قطعي على استتباب الامن الاجتماعي، وتنعم الناس بنعمة النظافة الاخلاقية في ذلك العصر من عصور حكم آل محمّد (ص). 

وظيفة القاضي في المحكمة:

ان للقاضي وظائف مهمة في عمل المحكمة، نلخّصها بالموارد التالية:

1 _ كشف الحقيقة الخارجية وتثبيتها. وهو يعني الجواب عن السؤال التالي: هل ان الجاني قد ارتكب الجناية فعلاً! او ان الجناية قد لُفقت ضده؟

وانصع مثال على ذلك رواية حصلت قبل خلافة الامام (ع) بسنين. وهي رواية المرأة التي تعلّقت برجلٍ من الانصار وكانت تهواه ولم تتمكن منه، فصبّت بياض البيض على ثيابها ثمّ ادّعت انه اعتدى عليها واشتكت الى الخليفة الثاني في ذلك. فاحتكموا الى الامام (ع) فكشف زيف الدعوى عن طريق صبّ الماء الحار على البياض فادى الى انجماده[17].

وكشف الحقيقة هنا كان يحتاج الى مجموعة ادلة وطرق لمعرفتها. فهناك قرائن موضوعية وهناك قرائن شرعية تثبت ارتكاب العمل (على الصعيد الجنائي)، وتثبت الحق المالي او الملكية مثلاً (على الصعيد الحقوقي). وفيما نحن فيه، فان القرينة الموضوعية كانت صبّ الماء الحار على البياض ليتم تمييزه عن المني الذي لا ينجمد بالماء الحار. وتلك وظيفة مهمة من وظائف القاضي قام بها الامام (ع).

2 _ تشخيص القانون الشرعي الخاص بتلك القضية. وهذا التشخيص يتطلب معرفة علمية توصل القاضي الى منابع الحكم الشرعي. وهذا يتطلب فهماً لمعاني الالفاظ الشرعية ومذاق الشارع الحكيم وانطباق شروط الحكم على القضية المتنازع عليها. ورجوعاً الى مثال بياض البيض، فان الامام (ع) اقام الحد على تلك المرأة المُدانة.

3 _ ربط الحكم الشرعي بالموضوع، في مورد القضية المتنازع عليها. ولا شك ان ربط حجم العقوبة بطبيعة ذلك الاحتيال هو من مهمة القاضي الفقيه في المحكمة. وهذا الربط هو الثمرة العظمى لعلم القاضي وعدالته وحسن ادائه في العملية القضائية.

ومن هنا نفهم بان القاضي لا يشرع قانوناً أو حكماً، وانّما يطبّق القانون او الحكم الذي استنبطه بالطريق الصحيح. ولكن الحق، ان كل حكم يصدره قاضٍ معترفٌ بعلمه واجتهاده يعتبر صوتاً يُضاف الى الاجماع الذي قال بحجيته شريحة من الفقهاء.

مصادر القانون:

اين يجد القاضي القانون الذي يبحث عنه في القضية الجنائية او الحقوقية؟ لا شك ان مصدري التشريع: القرآن الكريم والسنّة النبوية، يمدان القاضي بالكليات التي تعينه على اتمام عمله القضائي. وكليات عدالة القضاء وجدية العقوبات في الكتاب والسنة، لها ظهور لفظي.

خذ على سبيل المثال قوله تعالى في القضاء وانزال العقوبات: (...وإذا حَكَمتُم بَينَ النّاسِ أن تَحكُمُوا بالعدلِ...)[18]، (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا كُتِبَ عليكُمُ القصاصُ في القَتلى...)[19]، (وكَتَبنا عليهِم فيها أنَّ النفسَ بالنفسِ والعينَ بالعينِ والأنفَ بالأنفِ والأُذُنَ بالأُذُنِ والسِّنَ بالسِّنِ والجُرُوحَ قِصاصٌ...)[20]، (والسارِقُ والسارِقَةُ فاقطَعُوا أيديهما جزاءً بِما كَسَبا...)[21].

والظهور اللفظي للكليات لا يعني ان قاضي الحق يستغني عن الرجوع الى مباني العقلاء والدليل العقلي، في كشف الحجج القانونية والاستفادة من القرائن الموضوعية في اصدار الحكم النهائي. بل ان الاخذ بمباني العقلاء تعني ان القاضي هو «أوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج...» كما قال امير المؤمنين (ع).

اذن، فان هناك مساحات عقلية واسعة يستطيع ان يستثمرها القاضي في تحديد الحكم، بالاضافة الى المساحة الشرعية المنصوصة. فالاقرار بأن ذات البعل تطلب بعلاً، كما قرأنا في الرواية، يعني اعمال الفكر بان البعل الاول لا يستطيع المقاربة، وعليه فان النكاح ينبغي ان يفسخ، ولها الحق في الزواج من رجل آخر. وحد الشهود الثلاثة الذين لم يكتمل عددهم الى اربعة في شهادة على «زنى»، هو إعمالٌ للعقل بضرورة توفر الشروط الشرعية للاخذ بشهادتهم. وامر النساء بالنظر الى الفتاة التي اُتهمت بالفاحشة، هو إعمال العقل بضرورة اكتشاف حقيقة ما حصل لمن عليها خاتم من الله عزّ وجلّ.

وقرار الحكم الذي يتخذه القاضي في تلك الحالات مبني على اسس الشرع. والعقل يلعب دوراً رئيسياً في ايصال القاضي الى المبنى الشرعي المطابق للموضوع. وفي ذلك، تحقيق لمبادىء العدالة والانصاف التي جاء بها الدين الحنيف.

لقد كانت القوة العظيمة الكامنة في النظام القضائي في زمن الامام امير المؤمنين (ع)، تحرّك المجتمع نحو لونٍ من الاستقرار النفسي والطمأنينة. وكان شعور الجماعة في ان احكام القرآن اذا طُبقت، فانها سوف تحقق عدالة قضائية وحقوقية بين الجميع وقد تحقق ذلك فعلاً. ذلك لان انتشار مفاهيم القرآن الكريم بذلك الوضوح عند الامة، جعل قضية التوقع الاجتماعي للعقوبات امراً حتمياً. وهذا مهم على صعيد الوضع الاجتماعي العام، لان التوقع الاجتماعي للعقوبات يردع الجناة عن العبث بمقدرات الناس.

طبيعة الاستماع للدعوى:

ان جوهر فكرة القضاء تكمن في استماع القاضي لادلة الطرفين في محل النـزاع. والاستماع ضروري حتى لو كانت الحقائق واضحة جداً، بحيث لا يسع القاضي الا ان يقضي. وهكذا كان امير المؤمنين (ع) يستمع الى افادات المدعي او المدعى عليه من اجل التثبت من الحقيقة.

وفي رواية «الارشاد» للشيخ المفيد (ت 413 هـ) دلالة مهمة. تقول الرواية ان امرأة جيء بها الى الخليفة الثاني فقالت: انّي فجرتُ فأقم فيَّ حدَّ الله. فأمر برجمها. فتدخل الامام (ع) وقال له: سلها كيف فجرت؟ (وفي رواية اخرى: ردوها فاسألوها فلعل لها عذراً). وعندما سُئلت، قالت بان الرجل اكرهها على ذلك. فقال علي (ع): (... فَمَن اضطُرَّ غَيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليهِ...)[22] فدرأ عنها الحد.

والحاصل من الرواية ان الامام (ع) بعد ان سمع دعوى المتهمة حَكَمَ بأن الوطىء كان وطئاً اضطرارياً لا أثر له. وفي بعض الروايات جعله نوعاً من التزويج.

فالاستماع الى ادلة الطرفين، على درجة عظيمة من الاهمية في المبنى القضائي. ذلك لانه قد يغير حكم القاضي، بعد ان تتوضح له الحقائق المخفية.

واذا كانت المحاكمة تكشف عن حقائق القضية المتَنازع عليها، فان الاستماع للحجج والبراهين والدعاوى انما هي آلة من آليات القضاء، من اجل الوصول الى القرار القضائي. ذلك ان القاضي الذي يدير المحاكمة ينبغي ان يكون مؤهلاً (أي تنطبق عليه مواصفات الامام (ع) في القاضي)، وعادلاً، ولا يطمح بان ينتصر في القضية طرف دون غيره.

ولقد لمسنا عن قرب مدى اهمية تدخل الامام (ع) في الحكم على القضايا المختلفة، من خلال الاستماع للدعوى من قبل المتهمين والشهود. ومن خلال اكتشاف الحقائق المخفية عن جهل او خوف من قبل المتهمين. وبذلك وَضَعَ القضاء في زمن الامام (ع) ، حدوداً واضحة في الاعلان عن الحقوق والواجبات والعقوبات، في حالات التنازع والتخاصم والتعدي على الغير.


 

[1]  «نهج البلاغة» - كتاب 53 ص 556.

[2]  «تهذيب الاحكام» - الشيخ الطوسي ج 6 ص 217.

[3]  م. ن. – ج 6 ص 217.

[4]  «الكافي» - الكليني. كتاب الديات. النوادر ج 7 ص 371.

[5]  «الكافي». كتاب الشهادات. باب 8 «شهادة الواحد ويمين المدعي» ج 7 ص 385.

[6]  «الكافي». كتاب الديات. النوادر ج 7 ص 371.

[7]  م. ن. – كتاب القضاء. باب النوادر ج 7 ص 425 – 427.

[8]  م. ن. – باب الشهادات. النوادر ج 7 ص 404.

[9]  «من لا يحضره الفقيه». نوادر الديات ج 4 ص 127.

[10]  «الكافي» - كتاب الشهادات. باب «من شهد ثم رجع» ج 7 ص 384.

[11]  «تهذيب الاحكام» - كتاب الحدود في اواخر حدود الزنا.

[12]  «التهذيب» - كتاب النكاح في اواسط المهور.

[13]  «الكافي» - كتاب الطلاق. باب الايلاء ج 6 ص 133.

[14]  سورة البقرة: آية 226.

[15]  «نهج البلاغة» - كتاب 3 ص 460.

[16]  «نهج البلاغة» - خطبة 53 ص 556.

[17]  «الكافي» - كتاب القضاء. النوادر ج 7 ص 422 مسنداً عن الامام الصادق (ع).

[18]  سورة النساء: آية 58.

[19]  سورة البقرة: آية 178.

[20]  سورة المائدة: آية 45.

[21]  سورة المائدة: آية 38.

[22]  سورة البقرة: آية 173.