الفصل الثلاثون

مباني دولة الامام (ع)

(6) النظام الجنائي

 

1 _ اضاءات من اقوال الامام (ع) وسيرته: أ _ السجن. ب _ اقامة الحدود. ج _ اخلاقية النظام. 2 _ الجناية والعقوبة: أ _ العقوبة والمجتمع. ب _ اسلوب الضبط الاجتماعي. 3 _ الاعتقال والسجن: أ _ وظائف السجن. ب _ اهداف السجن. 4 _ الجناية والقانون الجنائي: أ _ اسباب ارتكاب الجناية. ب _ اشكال الجنايات. 5 _ القانون الجنائي (الحدود): أ _ القوانين الجنائية. ب _ الجناية والحالة العقلية. 6 _ الجناية والقصاص.

-----------------------
 

النظام الجنائي

ابتنى النظام الجنائي الاسلامي في زمن امير المؤمنين (ع) على عدّة مبادئ نعرض لها في هذا الفصل باذنه تعالى. واهم المبادئ الجنائية تفصح عن ان الجناية تثبت على الجاني _ بضميمة القرائن الموضوعية _ اذا كان في حالة عقلية سليمة، وبنيّة مبيّتة لارتكابها. وعندها يثبت القصاص وبقية العقوبات المنصوصة. ولكن اذا خرج الامر عن ذلك، تعينت الدية او التعزير.

لقد قام الامام (ع) بعدّة خطوات لتحقيق العدالة الجنائية، منها:

اولاً: إحكام بناء سجن الكوفة كي لا يهرب الجناة منه، فيرتكبوا جنايات جديدة.

ثانياً: تحقيق العدالة الحقوقية بين الناس، من حيث المساواة في العطاء من بيت المال، وحثّ الموسرين على دفع حقوقهم المالية، والتأكيد على نظافة سوق الكوفة من الغش والاحتكار. وبذلك قلّل حجم الجنايات الاجتماعية الى ادنى حد ممكن.

ثالثاً: الحزم والقطع في تطبيق الحدود التي شرعها الله سبحانه وتعالى.

وعن هذا الطريق وضع الامام (ع) المبنى الجنائي، في موضعه الصحيح من الخريطة الحقوقية للبشر.

 

1 _ اضاءات من اقوال الامام (ع) وسيرته

بنى امير المؤمنين (ع) اسساً قويةً لتطبيق النظام الجنائي الاسلامي في المجتمع. فعن طريق الحزم واللين، واقامة الحد والرحمة بالمحدود، استطاع (ع) ان يطهّر المجتمع الاسلامي من الآثار الوخيمة للجريمة. ومن آثار ذلك انه وضع الحق في نصابه، وارجع للمظلوم حقوقه المهدورة. وبكلمة، فقد كان علي بن ابي طالب (ع) مثلاً للعدالة الجنائية في التأريخ البشري.

أ _ السجن:

لا شك ان للسجن دوراً مهماً في عزل الجناة عن الاختلاط بالمجتمع الكبير. فقد تكون للسجن وظيفة العقوبة، وقد يقوم بوظيفة عزل الجاني اجتماعياً عن الناس. وقد يوم بوظيفة الملجأ (للجاني) بانتظار قرار المحكمة وتنفيذ العقوبة الجسدية به. وبخصوص السجن وردت مجموعة من الروايات، نعرضها فيما يلي:

1 _ في حديث رواه الثقفي في «الغارات» يسنده الى البربري قال: «رأيتُ عليّاً (ع) أسس محبس الكوفة الى قريب من طاق الزيّاتين قدر شبرٍ. قال: ورأيتُ المحبس وهو خُصّ (أي بيتاً من قصب)، وكان الناس يفرجونه ويخرجون منه. فبناه عليّاً (ع) بالجصّ والآجر.

قال: فسمعته وهو يقول (ع):

اما تراني كيساً مكيساً         بنيتُ بعد نافع مخيّساً[1]

قال في «قاموس اللغة» _ مادة خيس: «المخيّس: كمعظم ومحدِّث: السجن. وسجن بناه علي رضي الله عنه. كان اولاً جعله من قصب وسماه نافعاً، فنقبه اللصوص، فقال:

اما تراني كيِّساً مكيساً        بنيتُ بعد نافع مخيِّسا

باباً حصيناً                    واميناً كيّساً[2]

وفي «لسان العرب» قال ابن سيّده: «المخيّس: السجن... قال نافع: سجنٌ بالكوفة، وكان غير مستوثق البناء، وكان من قصب، فكان المحبوسون يهربون منه. وقيل: انه نقب وافلت منه المحبوسون. فهدمه علي رضي الله عنه وبنى المخيّس لهم من مدر. وكل سجن مخيِّس ومحبِّس ايضاً»[3].

2 _ روى الصدوق عن علي (ع) انه قال: «يجب على الامام ان يحبس الفساق من العلماء، والجهال من الاطباء، والمفاليس من الاكرياء»[4]. وقال علي (ع): حبس الامام بعد الحد ظلم.

وروى ايضاً عنه (ع): انه قضى ان يحجر على الغلام المفسد حتى يعقل. وقضى (ع) في الدين انه يحبس صاحبه فاذا تبين افلاسه والحاجة فيخلي سبيله حتى يستفيد مالاً. وقضى (ع) في الرجل يلتوي على غرمائه انه يحبس ثمّ يأمر به، فيقسّم ماله بين غرمائه بالحصص. فان ابى، باعه فقسّمه بينهم[5].

3 _ عن ائمة اهل البيت (ع): «لا يخلد في السجن الا ثلاثة: الذي يمسك على الموت يحفظه حتى يقتل، والمرأة المرتدة عن الاسلام، والسارق بعد قطع اليد والرجل»[6].

دلالات النصوص:

وفي تلك النصوص دلالات مهمة نعرض لها بالترتيب:

1 _ ان بناء امير المؤمنين (ع) سجن الكوفة في بداية عهده (ع) في الحكم، انما يدلّ على انه (ع) كان عازماً على بناء دولة القانون. فلا شك ان الامام (ع) يدرك ان للسجن وظائف مهمة، منها: عزل الجناة عن الاختلاط بالمجتمع، وضمان نيلهم العقوبة المقررة بحقهم اذا ثبتت ادانتهم. وهذا يتماشى مع تقويته (ع) للنظام القضائي والاداري في المجتمع. فما هي فائدة القضاء اذا لم يكن هناك نظام فعال في العقوبات؟

2 _ حدد الامام (ع) اصناف المعاقَبين بالحبس، وهم:

أ _ الفساق من العلماء. ذلك ان العالم العادل ينشر علمه بين الناس فيربّيهم على الفضائل والسجايا الحسنة. ولكن الفاسق من العلماء ينشر الرذيلة بين الناس، فيستجيب له شريحة منهم. فكان الحبس من افضل العقوبات لمنع الرذيلة في المجتمع.

ب _ الجهال من الاطباء. ذلك لان دور الطبيب في المجتمع هو علاج الناس ومداواة جروحهم. فاذا كان جاهلاً فانه يكون علّة وسبباً في قتل الناس. ولذلك يُجاز الطبيب اليوم من قبل جهة علمية يُركن اليها، حتى يميز العالم عن المدعي او الجاهل. وافضل عقوبة للجاهل المدعي هو الحبس.

ج _ المفاليس من الاكرياء. وربما ان (الاكرياء) هو تصحيف لكلمة (الاثرياء)، وذلك للاسباب التالية:

اولاً: إن كان جذر كلمة (الاكرياء) هو (كرى) فيكون الجمع: المُكَارُونَ من المكارِي. سقطت الياء لاجتماع الساكنين[7]. ولكن وردت هنا كلمة (الاكرياء)، وهو خلاف البلاغة.

ثانياً: ان المكارين بطبيعة عملهم لا يملكون مالاً، فكيف يسوغ حبسهم، وهم يرتزقون من اجل سد حاجات اسرهم.

ثالثاً: ان المفلس من الاثرياء، قد يُقصد به الذي يتظاهر بالثراء، ولكنه في واقع الحال ليس كذلك. بل ان وجوده في المجتمع يضر الناس، لان الثقة في كونه ثرياً تدفعهم لايداع اموالهم او استثمارها لديه. فيكون افلاسه الواقعي واظهار ثروته الكاذبة محاولة للتدليس على الناس.

د _ المديون: الذي يماطل في دفع ديونه، يحبس. ولكن اذا تبين افلاسه يطلق سراحه من اجل ان يستفيد مالاً ليسدد ديونه.

ب _ اقامة الحدود:

تعدُّ اقامة الحدود بالجناة، افضل اشكال اقامة العدالة الجنائية في المجتمع. فاقامة الحد في الجاني فيما يخص حقوق الناس او حق الله عزّ وجلّ، هو تطهير للمجتمع من آثار الانحراف. وفي ذلك عدّة روايات:

1 _ في رواية «الكافي» ان امرأة جاءت الى امير المؤمنين (ع) فقالت: اني زنيت فطهرني طهرك الله فان عذاب الدنيا ايسر من عذاب الآخرة الذي لا ينقطع. فقال لها: مم أطهرك؟ فقال: اني زنيت. فقال لها: او ذات بعل انت ام غير ذلك؟ قالت: بل ذات بعل. فقال لها: أفحاضراً كان بعلك اذ فعلت ما فعلت أم غائباً عنك؟ فقالت: بل حاضراً. فقال لها: انطلقي فضعي ما في بطنك ثم اتيني اطهرك.

ثم جاءته بعد فترة وطلبت العقوبة فاعاد عليها نفس الاسئلة. ثم قال (ع) لها: انطلقي وارضعيه حولين كاملين كما امرك الله.

ثمّ جاءته بعد الفترة التي حددها لها، وطلبت العقوبة، فاعاد عليها، ثم قال: انطلقي فاكفليه... فكفله شخص.

ورجعت على الامام (ع) فاعاد عليها واعترفت كما اعترفت في المرات السابقة فرفع (ع) رأسه الى السماء، وقال: اللهم انه قد ثبت لك عليها اربع شهادات وانك قلت لنيبّك (ص) فيما اخبرته من دينك: «يا محمّد من عطّل حدّاً من حدودي فقد عاندني وطلب بذلك مضادتي». اللهم واني غير معطل حدودك ولا طالب مضادتك ولا مضيع لاحكامك بل مطيع لك ومتّبع سنّة نبيّك. فأقام الحد عليها[8].

2 _ روى علماء السير ان اربعة نفر شربوا المسكر على عهد امير المؤمنين (ع) فسكروا، فتباعجوا بالسكاكين ونال الجراح كل واحد منهم. ورُفع الخبر الى امير المؤمنين (ع) فأمر بحبسهم حتى يفيقوا. فمات في السجن منهم اثنان وبقي اثنان. فجاء قوم الاثنين (اللذين قتلا في السجن) الى امير المؤمنين (ع) فقالوا: أقدنا من هذين النفسين، فانهما قتلا صاحبينا. فقال لهم: وما علمكم بذلك، ولعل كل واحد منهما قتل صاحبه. قالا: لا ندري فاحكم فيها بما علمك الله. فقال (ع): دية المقتولين على قبائل الاربعة، بعد مقاصة الحيين منهما بدية جراحهما.

قال الشيخ المفيد في «الارشاد»: «وكان ذلك هو الحكم الذي لا طريق الى الحق في القضاء سواه، الا ترى لا بينة على القاتل تفرده من المقتول، ولا بينة على العمد في القتل. فلذلك كان القضاء على حكم الخطأ في القتل، واللبس في القاتل دون المقتول».

3 _ روى الشيخ الصدوق ان رجلاً جاء اليه (ع) فأقر بالسرقة، فقال له: اتقرأ شيئاً من القرآن؟ قال: نعم، سورة البقرة. قال (ع): قد وهبت يدك لسورة البقرة. فقال الاشعث: أتعطل حدّاً من حدود الله؟ قال (ع): وما يدريك ما هذا!! اذا قامت البينة فليس للامام ان يعفو، واذا أقرّ الرجل على نفسه فذاك الى الامام ان شاء عفا وان شاء قطع[9].

وروى القمي ابراهيم بن هاشم في عجائبه ان امير المؤمنين (ع) قضى في رجلين تاجرين يبيع هذا هذا _ ويفران من بلدٍ الى بلدٍ _ قال: تقطع ايديهما لانهما سارقا انفسهما واموال الناس.

4 _ وروى الكليني: قضى امير المؤمنين (ع) فيمن قتل وشرب خمراً وسرق، فاقام عليه الحد: فجلده لشربه الخمر، وقطع يده في سرقته، وقتله بقتله[10].

وروى ايضاً ان امير المؤمنين (ع) اتى بالنجاشي الشاعر قد شرب الخمر في شهر رمضان، فضربه ثمانين ثم حبسه ليلاً. ثم دعا به الى الغد فضربه عشرين سوطاً. فقال: يا امير المؤمنين ما هذا؟ ضربتني ثمانين في شرب الخمر، وهذه العشرون ما هي؟ فقال (ع): هذا لتجريك على شرب الخمر في شهر رمضان[11].

5 _ قال (ع) بعد ان ضربه ابن ملجم: «يا بنيَّ عبد المُطلب، لا ألفينَّكُم تخوضونَ دماءَ المسلمينَ خوضاً، تقولونَ: قُتِلَ أميرُ المؤمنينَ. ألا لا تَقتُلَنَّ بي إلاّ قاتلي. انظروا اذا أنا متُ من ضربتهِ هذهِ، فاضربُوهُ ضربَةً بضربَةٍ، ولا يُمَثَّلُ بالرجُلِ، فإنّي سَمِعتُ رَسُولَ الله (ص) يقول: إيّاكُم والمُثلَة ولو بالكَلبِ العَقورِ»[12]. 

دلالات النصوص:

وفي تلك النصوص دلالات نعرضها فيما يلي:

1 _ حاول الامام امير المؤمنين (ع) الستر على عورات الناس وفضائحهم. وكان تحريه عن جناية المرأة المحصنة في ارتكاب الفاحشة، مثلاً من امثلة حثّها على الاستغفار بدل طلب العقوبة. ذلك لانها اقرت على نفسها بارتكاب الفاحشة، ولم يثبت ذلك بالبينة. الا انها أبت الا انزال العقوبة بها من اجل تطهيرها من ذنبها.

وفي ذلك دلالة على ان الامام (ع)، لم يبتغِ الانتقام او التشفي في معاقبة المذنب. بل كان يطلب في العقوبة _ اذا ثبتت شروطها الشرعية _ عدم تعطيل الحدود، وتنظيف المجتمع من ادران الفساد الاجتماعي.

2 _ وقد أكدت الرواية الثالثة ما ذهبنا اليه تواً. فالامام (ع) عفا عن السارق _ حيثما سمح الشرع للحاكم بالعفو _ ووهب يده لسورة البقرة، ذلك انه أقر على نفسه بالسرقة. ولا شك ان الاقرار بالذنب يعبّر عن ندم المذنب واعترافه بارتكاب الجناية.

3 _ ان فرض دية المقتولَين على قبائل الاربعة في الرواية الثانية، بعد مقاصة الرجلين اللذين بقيا على قيد الحياة منهما بدية جراحهما، هو حكم قضائي دقيق في قضية جنائية معقدة. ذلك _ لانهم شربوا المسكر _ فليست هناك بيّنة تدلّ على ان القاتل قد تفرد بقتل من قتل، لان الجميع كانوا سكارى. وليست هناك بيّنة تدلّ على نية العمد في القتل. ولذلك كان قضاء الامام (ع) هو: حكم الخطأ في القتل، لان الالتباس كان في القاتل. وتلك القضية من افضل الموارد الدراسية في القضايا الجنائية، حيث تحتاج الى بحث وتمحيص وتدقيق.

4 _ يقام الحد على كل جناية على حدة. بمعنى ان عقوبة الجناية الكبرى لا تلغي عقوبة الجناية الصغرى. فاذا قتل الجاني وشرب خمراً وسرق، فان العقوبة لا تكون القتل فقط. بل لابد من الجلد لشرب الخمر، والقطع للسرقة، ثم القتل قصاصاً. ولا شك ان في هذا النظام الجنائي، ردعاً عظيماً للناس في التفكير بالجنايات.

5 _ حرمة المُثلَة. فالعدالة القضائية والجنائية تكمن في القصاص. أي انزال عقوبة بالجاني تماثل الجناية التي ارتكبها. ولا يحق التعدي عن ذلك.

ج _ اخلاقية النظام الجنائي:

ولا شك ان للنظام الجنائي في الاسلام اخلاقية عظيمة لم تسبقه فكرة فلسفية ولم تلحق به نظرية جنائية مادية. ولا عجب في ذلك، فان نظاماً كهذا هو رحمة من السماء للبشرية المعذبة. ومن اجل توضيح هذه الفكرة، نقرأ الروايات التالية:

1 _ اجراء العقوبات لا تُخرج الجاني من حقوقه الاخرى: قال (ع) يخاطب الخوارج: «وقد عَلِمتُم ان رسول الله (ص) رَجَمَ الزانيَ المُحصَنَ ثمّ صلّى عليهِ، ثمّ ورَّثَهُ أهلَهُ. وقَتَلَ القاتِلَ وورَّثَ ميراثَهُ أهلَهُ. وقطَعَ السارِقَ وجَلَدَ الزانيَ غَيرَ المُحصَنِ، ثمّ قسَمَ عليهِما منَ الفيءِ. ونكحا (أي الذي حُدّ بالسرقة والزنا) المُسلِماتِ. فأخذَهُم رسولُ الله (ص) بذنُوبِهم، وأقامَ حقَّ اللهِ فيهم، ولم يمنعهُم سَهمَهُم من الاسلامِ، ولم يُخرِج أسماءهُم من بينِ أهلِهِ»[13].

2 _ الاكراه يرفع العقوبة: جيءَ بامرأة الى الامام (ع) مع رجل فجر بها، فقالت: أستكرهني والله يا امير المؤمنين. فدرأ عنها الحد. ولو سئل هؤلاء عن ذلك لقالوا لا تُصدَّق. وقد فعله امير المؤمنين (ع)[14].

3 _ التحذير يرفع العقوبة: كان صبيان في زمن علي (ع) يلعبون بأخطار (رماح) لهم. فرمى احدهم بخطره فدقّ رباعية صاحبه. فرُفع ذلك الى امير المؤمنين (ع)، فاقام الرامي البيّنة بانه قال: حذار. فدرأ عنهم القصاص. ثم قال (ع): قد أعذر من أنذر[15]. والرباعية: السِّنُّ التي بين الثنية والناب.

4 _ الدية: كان علي (ع) يقول: «من ضربناه حداً من حدود الله فمات فلا دية له علينا. ومن ضربناه في حقوق الناس فمات فان ديته علينا»[16]. 

دلالات النصوص:

وفي تلك النصوص دلالات، نعرضها فيما يلي:

1 _ ان تطبيق العقوبة على الجاني لا يخرجه عن استلام حقوقه الطبيعية في المجتمع. حتى ان رجم الجاني او تطبيق حكم القصاص عليه لا يُخرج اهله عن حق الارث. وقطع السارق وجلد المنحرف لا يحرمهما من استلام حقهما المالي، ومن التزوج من المسلمات. وبتعبير آخر ان تطبيق العقوبة في الاسلام لا تعني حرمان الجاني من جميع حقوقه الطبيعية، بل ان له حقوقاً انسانيةً يتمتع بها واهله ايضاً.

2 _ ان الاكراه على فعل الشيء يرفع العقوبة عن المُكرَه. وهذا هو عين العدل والانصاف. لان الإكراه يخرج الانسان عن فعله الارادي ونيته المسبقة.

3 _ ان نظرية (قد أعذر من أنذر) تعدُّ من النظريات الجنائية التي تسالم عليها العقلاء. وبذلك، فان التحذير من آثار الفعل، يرفع العقوبة عن الفاعل.

4 _ حدد الامام امير المؤمنين (ع) الاستثناءات الحاصلة خلال اجراء العقوبة على الجاني، ومنها الموت تحت وطأة اجراء الحدود. فالموت خلال تطبيق حد الله سبحانه (في الزنا وشرب الخمر) لا دية فيها للمحدود. بينما يختلف الامر مع فرد يُعاقب بسبب انتهاك حقٍ من حقوق الناس (كالسرقة)، ويموت تحت وطىء العقوبة، فان ديته تكون على بيت المال.

 

2 _ الجناية والعقوبة

تعبّر العقوبة عن انزال الجاني منـزلاً يكرهه بالطبع، بفرض القصاص عليه او السجن او التعزير او الغرامة. ذلك ان ارتكاب الجناية، بعلمٍ ونيةٍ قطعيةٍ من قبل الجاني، يبرر اقامة الحد عليه. والاصل في الاسلام انه ليست هناك عقوبة بدون عمل جنائي او مخالفة حقوقية يقوم بها الجاني ضد المجتمع بالعموم او المجني عليه بالخصوص.

ولذلك فان القاضي العادل لابد ان يقرأ في قسمات الجاني دوافع الجناية ونوايا الجاني وعقليّته المريضة. فالجناية امر يخص المجتمع اكثر مما يخص الفرد.

وعقوبة قطع اليد في جريمة السرقة تعدّ عقوبة اخلاقية، لانها تجرد الجاني من صفاته الطبيعية وتضعه موضع الادانة الدائمية لانه مقطوع. وكأن التشريع _ والله اعلم _ اراد ان يفضح السارق، كما حاول السارق هتك اموال الناس الموضوعة في حرز مقفل. ولذلك فان عقوبة السرقة هي عقوبة لشرف الانسان الذي ارتكب ذلك العمل اللااخلاقي.

أ _ العقوبة والمجتمع:

ان اعلان الاسلام عن لائحة العقوبات، يعني ان الحكومة ينبغي ان تكون قادرة على انزال الجناة منـزلاً يكرهونه. فالانسان لا يدخل السجن باختياره، ولا يوافق على قطع يده باختياره، ولا يقبل بتحمل الم الجلد باختياره. بل ان القوة الدينية الحاكمة في المجتمع تُكره ذلك المجرم على تجرع طعم العقوبة، من اجل تثبيت الامن الجماعي والاستقرار في المجتمع الكبير.

ولا شك ان العقوبة هي الحل الاخير لامان المجتمع. فالاسلام يفترض ان يعيش الناس حياةً طبيعيةً، تُعرف فيها الحقوق وتُشخّص فيها الواجبات. ومن اجل ذلك لابد ان يلمس الناس ان هناك رادعاً يردعهم عن ارتكاب المخالفات الشرعية والقانونية. ولابد ان يدركوا ان الافضل ممارسة الكسب الحلال بدل السرقة والغصب، وممارسة العلاقات الطبيعية السلمية بدل القتل والاعتداء والعنف، والتزوج الشرعي الصحيح بدل الممارسات الجسدية البعيدة عن مباني الدين الحنيف.

وهذا الفهم للدين يحوّل السلام الداخلي الذي يجلبه الايمان عند الافراد الى سلام اجتماعي، ينتفي معه التفكير بالجريمة، وتقلُّ فيه الجنايات والاعتداءات الى ادنى حد ممكن. ولذلك تبرز هنا افكار جديدة مثل: المسؤولية، والعدالة، والرحمة، والضمير، والعفو، بدل: الجريمة، والظلم، والقسوة، والوحشية، والانتقام.

ولم يكن في العصر الجاهلي قضاء كما هو في الاسلام. ولذلك كانت عقوبات القبائل في الجاهلية غير منظّمة ولا قانونية. بينما جاء الاسلام بنظام متكامل للقضاء والعقوبات. فالعقوبة التي كان يفرضها قاضي الشرع في زمن امير المؤمنين (ع) كانت عقوبة مقننة، أي انها كانت شرعية منحها الدين صلاحية التطبيق والتنفيذ.

والفرق بين العقوبة المقننة والعقوبة غير المقننة هي ان الاولى تصدر عن المصدر القضائي الشرعي ولها ابعاد اجتماعية. بينما تصدر الثانية عن عشيرة او قبيلة، كأن تقاطع العشيرة احد افرادها لانه ارتكب جنحة مخلّة بالشرف مثلاً. والمقاطعة الشخصية هي نوع من العقوبة غير المقننة التي يستخدمها الصديق ضد صديقه، او القبيلة ضد المتمردين عليها.

ولا شك ان الجريمة التي تستحق العقوبة المقننة من قبل القاضي، تعدّ سلوكاً يخص العموم ويضر المجتمع، وليس سلوكاً شخصياً يسلكه الجاني لمفرده. أي ان الجاني بارتكابه الجناية او الجريمة كان قد تجاوز حدوده الشخصية الى الحد العام الذي لابد ان يُحاسب عليه.

ومن هنا نلمس العدالة في النظام الاسلامي، لانه تعامل مع الجناية الفردية وكأنها جناية ضد المجتمع ككل.

ب _ اسلوب الضبط الاجتماعي:

ومن الطبيعي فان العقوبة الجسدية تشمل القضايا الجنائية اكثر مما تخص القضايا الحقوقية المقدّمة للقضاء. فالعقوبة على القضايا الحقوقية المدنية المتنازَع عليها كالغصب، تكون على شكل غرامات مالية لجبر الضرر مع ضمان ارجاع المادة المغصوبة. وعقوبة السرقة هو قطع اليد (وهي قضية جنائية)، لان السارق قد انتهك المادة الموضوعة في حرز. بينما لو سرق نفس المقدار من مكان عام، فانه لا يقطع.

لقد كان للعقوبة الجسدية _ بما فيها من معاناة وألم للجاني _ موقع في ماكنة العدالة في عصر امير المؤمنين (ع). فلم تكن العقوبة عشوائية، بل كانت عقوبة مقننة تقوم بها مؤسسات شرعية تابعة للدولة. وكانت ماكنة العدالة الجنائية تبدأ بالعمل عندما يتم مطابقة التعريف القانوني للجاني على المتهم.

فاذا اُدين المتهم ادانة قضائية، فان عليه ان يتوقع انزال العقوبة به او اقامة الحد عليه. واذا عوقب الجاني، فان العدالة الجنائية تكون قد حققت جميع اهدافها. وطالما كانت القوانين الجنائية مستمدة من القرآن والسنّة كانت لتلك العدالة قيمة اخلاقية عظمى.

ولم يستخدم الامام (ع) اسلوب التهديد والوعيد في انتزاع اعترافات المتهمين، بل كان (ع) يستخدم اسلوب العلم والذكاء في حثّ الجاني على الاقرار بجنايته.

والامثلة على ذلك كثيرة، منها:

أ _ التظاهر بتزويج الغلام من المرأة التي ادعت انها ليست امه[17]. وكان ذلك سبباً في اعتراف الام بولدها.

ب _ صبّ الماء الحار على بياض البيض التي وضعته امرأة على ثوبها، مدعية بان الرجل قد افتضحها. فتبين الغش في ذلك، وأقرّت المرأة على فعلتها[18].

ج _ تفريق الشهود في قضية قتل رجل[19]. فأقر الشاهد الاول على انفراد، ثم الثاني... وهكذا حتى اقروا جميعاً بارتكاب الجناية.

ولو درسنا التأريخ الجنائي العالمي لرأينا بأن الاعترافات كانت تُنتزع من خلال تعذيب المتهمين. ولكن امير المؤمنين علي (ع) لم يستخدم أي ضغط مادي او معنوي على المتهمين. بل كان علمه (ع) يساعده على انتزاع الاقرار من المجرمين.

وكل الدلائل التأريخية تُشير الى ان العقوبات في زمن الامام امير المؤمنين (ع) كانت آلة فعالة في تنظيم السلوك الاجتماعي العام.

وفي رسالة معاوية الى ابي موسى الاشعري زمن الامام (ع) دلالة على ذلك. فقد كتب معاوية ان ابن ابي الجسرى وجد على بطن امرأته رجلاً فقتله، وقد اشكل حكم ذلك على القضاة. فسأل ابو موسى امير المؤمنين عليّاً (ع)، فقال (ع): والله ما هذا في هذه البلاد _ يعني الكوفة وما يليها _ وما هذا بحضرتي، فمن أين جاءك هذا؟ قال: كتب اليَّ معاوية ان ابن ابي الجسرى وجد مع امرأته رجلاً فقتله، وقد اشكل ذلك على القضاة...[20].

وقول الامام (ع): «والله ما هذا في هذه البلاد وما هذا بحضرتي»، يعني ان محيط دولته كان آمناً ونظيفاً من تلك الالوان المرعبة من الانحرافات الاخلاقية .

اذن، يمكننا القول الآن بان وظيفة العقوبة هي الردع. أي ان الذي يعلم بان قتل العمد حرام ولمرتكبه عقوبة القصاص، فانه يرتدع عن التفكير بارتكاب ذلك العمل المحرّم. والذي يعلم بان لارتكاب الفاحشة عقوبة جسدية شديدة، فانه لا يفكر بالاقدام على ذلك العمل الفاحش، وهكذا. وبسبب تلك الاهمية افرد الفقهاء مساحة واسعة في علم الفقه لدراسة العقوبات. وفي نفس الوقت لعبت فلسفة العقوبة دوراً مهماً في النظريات القانونية ايضاً.

ذلك لان العقوبة القانونية التي تتمثل بالقصاص، والغرامة، والدية، والتعزير، والسجن انما تعكس طريقاً وحيداً لاعادة الانسجام الاجتماعي الى حالته قبل وقوع الجناية. فالمجتمع يهتز عندما تقع جريمة يروح ضحيتها ابرياء، ولا ترجع الحالة الاجتماعية الى وضعها الطبيعي حتى يذوق الجاني طعم القصاص الذي امر الله سبحانه به.

اذن، نستنتج بان فكرة العقوبة ليست فكرة فقهية بمعزلٍ عن المجتمع، بل ان لها تأثيرات على النظام الاجتماعي العام عبر ما يسمّى بـ «الضبط الاجتماعي».

والمسلّم به ان ضبط المجتمع لا يتم عبر آلية واحدة، بل هناك عدة مبادئ ومسالك تعمل بصورة مشتركة من اجل تحقيق ذلك. فالعقوبة هي احد الاساليب المستخدمة لمعالجة مشكلة الانحراف والفساد. والعدالة الاجتماعية والحقوقية اسلوب آخر لمعالجة اصل الانحراف، عبر سد حاجة الانسان حتى لا يصل به الامر الى السرقة او الفجور من اجل اشباع نفسه واشباع متعلقيه. والتربية الاخلاقية على اصول الدين والتقوى والتعلق بالخالق عزّ وجلّ اسلوب ثالث لدرء الانحراف عن الناس وهكذا، فان تلك المسالك كانت تعمل بشكل مشترك في عصر امير المؤمنين (ع) من اجل تنظيف المجتمع من الفساد. فلا ريب ان يقول (ع) بشأن الجناية التي ذكرتها احدى الروايات السابقة: والله ما هذا في هذه البلاد وما هذا بحضرتي، أي في الكوفة وما يليها.


 

[1]  «الغارات» ص 79.

[2]  «قاموس اللغة» - مادة خيس.

[3]  «لسان العرب» - ابن منظور ج 6 ص 74 مادة «خيس».

[4]  «من لا يحضره الفقيه». كتاب القضاء – باب الحبس بتوجد الاحكام ج 3 ص 20.

[5]  «المصدر السابق». باب الحجر والافلاس ج 3 ص 19.

[6]  م. ن. – كتاب القضاء ج 3 ص 20.

[7]  «الصحاح» ج 4 ص 2473.

[8]  «الكافي» - كتاب الحدود. الباب التاسع ج 7 ص 185. باختصار.

[9]  «من لا يحضره الفقيه» - باب حد السرقة ج 4 ص 44.

[10]  «الكافي» - كتاب الحدود. باب من وجبت عليه حدود. ج 7 ص 250.

[11]  م. ن. – كتاب الحدود. باب 31 ج 7 ص 216.

[12]  «نهج البلاغة» - كتاب 47 ص 540.

[13]  «نهج البلاغة» - خطبة 127 ص 226.

[14]  «الكافي» - كتاب الحدود. باب المستكرهة. عن الامام الصادق (ع) ج 7 ص 196.

[15]  م. ن. – كتاب الديات. باب «من لا دية له». ج 7 ص 292.

[16] ) «من لا يحضره الفقيه» - باب نوادر الحدود. ج 4 ص 51.

[17]  «الكافي» - كتاب القضاء. النوادر ج 7 ص 423.

[18]  «الكافي». ج 7 ص 422.

[19]  م. ن. – ج 7 ص 371.

[20]  «من لا يحضره الفقيه» - نوادر الديات ج 4 ص 127.