الفصل الثالث : بعض فوائد السورة

في ذكر بعض فوائد هذه السورة |على سبيل| الإختصار والإيجاز

فإن قيل: ما معنى 'هل' و |ما| حكمها في الكلام؟ قلنا: 'هل' حرف إستفهام.

|و| ذهب بعض العلماء إلى أنّه بمعنى 'قد'. و هذا ممّا يقلّ وجوده في لسان العرب و تعارفه فيه؟ و إنّما يصلح 'قد' بتأويل، والّذي يصلح فيه من متعارف كلامهم- واللَّه أعلم- وجهان:

أحدهما: حذف الجواب إيجازاً لتعارف المعنى من سياق الكلام كسائر مافي القران من ذلك، كأنّك قلت: أم لم يأت فحذفته لتعارفه.

والثاني: أن يكون 'هل' بمعنى تقرير على جحد بحرف الإستفهام، كقولك: 'ماأتى على الإنسان' أو 'لم يأت على الإنسان'. و تأويل هذا الوجه: 'قد أتى على الإنسان'.

فأمّا 'هل' في نفسها فلا يكاد تجدها بمعنى 'قد' على غير هذا التأويل ولكن قد يصلح أن يكون بمعنى الجحد ذهاباً إلى أنّه لم يأت عليه حين من الدهر لم يكن فيه شيئاً مذكوراً "80" عند اللَّه عزّوجلّ لأنّه ممّا قد سبق به حكم اللَّه عزّوجلّ و علمه، فهو عنده شي ء مذكور في كلّ حال و كلّ وقت من قبل خلقه.

و قال الفرّاء: 'هل' معناه في هذا الموضع 'قد' و كذلك في قوله: 'و هل أتاك نبؤ الخصم' :|21 ص:38 |

و قال سيبويه- في حروف الإستفهام إلاّ الألف و أم-: إنّهما قد يكونان غير استفهام و إنّما صارت استفهاماً بمعنى دخول الألف فيها و من ذلك بدخول 'أم' عليها، و 'أم' لا يدخل على الألف لأنّها الأصل، تقول: هل جاءك زيد؟ أم هل جاءك عمرو؟ قال: و إنّما دخلت 'أم' على 'هل' لأنّ 'هل' قد يكون في معنى غير الإستفهام.

و قال الأستاذ أبوبكر أحمد بن علي بن منصور النحوي رحمه اللَّه: 'هل' يكون استفهاماً وجحداً، فالجحد |ك| قوله في سورة الأنبياء: 'هل هذا إلّا بشر مثلكم' :|3 الأنبياء:21| و كقوله في |الاية:24 من| سورة المؤمن: 'ماهذا إلّا بشر مثلكم'، و لذلك جاز أن يوضع موضع قوله: 'ألم تر إلى الّذي مر؟' أي هل رأيت كالّذي مرّ، و 'هل' حرف موقوف لايليق في اخره ساكنان و هو حرف توقّع يخصّ به الإستفهام.

و روى أبوعبيدة عن العرب و حكى قطرب عنهم أنّهم يقولون: أل فعلت؟ أي "81" هل فعلت؟

و قال بعض العلماء: 'هل' على ستة أوجه: |بمعنى| قد واستفهام و سؤال و تنبيه و توبيخ و جحد و أمر.

فما يكون بمعنى 'قد' فإنّه يكون بعده 'على' مثل |قوله تعالى|: 'هل أتى على الإنسان'.

و ما كان بمعنى الإستفهام فيكون بعده 'إلى' مثل قوله: 'هل إلى مردّ من سبيل' :|44 الشورى:42 |. و ما يكون بمعنى السؤال فلا يكون بعده شيء، منها قوله: '|ف|هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً' :|44 الأعراف:7 |.

و ما كان بمعنى التنبيه فيكون بعده فعل مثل: 'هل أدلّكم على من يكفله' :|40 طه: 20| أو مايكون بمعناه كقوله: 'هل أدلّكم على تجارة' :|10 الصف:61 | .

و ما يكون بمعنى الجحد فيكون بعده 'إلاّ' مثل قوله تعالى: 'هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم اللَّه' :|210 البقرة:2 |.

و ما كان بمعنى الأمر مثل قوله تعالى: 'فهل أنتم منتهون' :|91 المائدة:5| و |مثل قوله تعالى '|وقيل للناس| فهل أنتم مجتمعون' :|39 الشعراء:26| أي انتهوا و اجتمعوا.

و لذلك قال عمر بن الخطّاب عند قراءة |النبي| الاية عليهم: انتهينا يا ربّنا(1).

فأمّا قوله تعالى: 'هل أتى على الإنسان' فإنّ معناه ألم يأت على الإنسان حين من الدهر و قد كان شيئاً، أي قد أتى على الإنسان حين من الدهر و قد كان شيئاً إلاّ أنّه كان تراباً وطيناً إلى أن نفخ فيه الروح و لم يكن قبل نفخ الروح فيه شيئاً مذكوراً.

يجوز أن يعني |اللَّه تعالى| به ادم عليه السلام و يجوز أن يكون المعني به جميع الناس لأنّهم كانوا نطفاً ثمّ علقاً ثم مضغاً إلى أن صاروا شيئاً مذكوراً.

فإن قيل: ما أصل الإنسان و كيف سمّي به؟ قلنا :"82" روي عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّما سمّي الإنسان |إنساناً| لأنّه عهد إليه فنسي فيكون أصله من النسيان.

و عند الفرّاء يجوز أن يكون أفعلاناً من نسي فيكون الأصل أنساناً؟ قال: والدليل على هذا أنّهم يقولون في تصغيره: أنيسيان و أنيسين.

و قيل أصله |من| الأنس والتأنّس؟ والناس محذوف منه فاؤه و أصله أناس مثل غراب، و قد جاء في الشعر الأناس، قال الشاعر:

إنّ المطايا يطلعن *** على الأناس الامنينا

ثمّ يكون فعلاناً من الإنس.

و قيل: أصله النوس و هو الحركة، يقال: ناس ينوس نوساً، إذا تحرّك، و من نوس القرط، و احتجّوا في ذلك بقول العرب في تصغيره: 'نويس'.

و |أمّا قوله تعالى|: 'وأناسيّ كثيراً' :|49 الفرقان: 25| |فهو| جمع أنسي مثل كرسي و كراسي.

و يجوز أن يكون جمع إنسان فيكون الياء بدلاً من النون والأصل أناسين مثل سرحان و سراحين، و يقال: ثمّ ناس و أناس، و يقال: أناسي بالتخفيف و أناسيه.

و طي ء تقول: 'ما رأيت إيساناً' بالياء أي إنساناً و يجمعونه على أناسين.

و في كتاب اللَّه عزّوجلّ: 'يس والقران الحكيم' قيل: هو بلغة طي ء.

والإنس ضدّ الجنّ واحده إنسي كقولك: جنّي و جنّ، و رومي و روم، و يجمع |على| إنسان و أناس. و يقال: هم أنس فلان أي الّذين يستأنس إليهم، و كم من إنس رأيت في هذه

الدار أي جمع، و كم ابن أنسك و انسك أي كيف تراني "83" والإنس: النّاس، و يجمع إنسان العين |على| الأناسي، و قالت امرأة من تغلب:

نحن إذا ما نسيت تغلب *** منها الأناسيّ الّتي في السواد

أي مثل حدقة العين في العزّة والأثرة.

و قيل: سمّي الإنسان |إنساناً| لأنّه يأنس مع كلّ أحد ويأنس معه كلّ أحد حيلة و حبلة؟

و قيل: أصله من الإيناس من قوله: 'إنّي انست ناراً' :|10 طه:20| أي رأيتها، و ذلك لأنّ الإنس يرى و يحسّ، والشياطين والجنّ والملائكة غير محسوسين للعوام.

و قال القتيبي: وق ال البصريّون: تقدير إنسان فعلان زيدت التاء في اخره كما يقال في تصغير ليلة: لييلة، و في تصغير رجل: رويجل.

و قال بعض البغداديين: الأصل فيه: إنسيان على زنة إفعلان فحذفت الياء استخفافاً لكثرة ما يجري على ألسنتهم فإذا صغّروه قالوا: أنيسيان فردّوا الياء لأنّ التصغير ليس يكثر لكثرة الإسم مكبّراً و لذلك قالوا في النّاس: أناس، و لا يقال ذلك في إنسان العين. والّذي روي عن ابن عبّاس دليل على أنّه انسيان في الأصل.

فإن قيل: مامعنى 'حين من الدهر'؟

قلنا: الحين: المدّة من الزمان يقع على ما طال منه و ما قصر، و هو هاهنا مدّة لا يعلم مقدارها إلاّ اللَّه عزّوجلّ.

و روي عن عكرمة أنّه أتاه رجل بغلام له حلف ليحبسه حيناً يسأله عن المخرج عن يمينه؟ فقال عكرمة :"84" حين يدرك و حين لا يدرك، فأمّا الحين الّذي لا يدرك فقوله تعالى: 'هل أتى على الإنسان حين من الدهر' فهو لا يدرك، و قوله تعالى: 'و ليعلمنّ نبأه بعد حين' :|88 ص: 38| فهذه أيضاً لا يدرك.

و أمّا|الحين| الّذي يدرك فقوله تعالى: 'تؤتي أكلها كلّ حين' :|25 إبراهيم:14| فنظر فوجد سّتة أشهر فاحتبسه ستّة أشهر و قد حلّت يمينك.

و روي عن أبي صالح |إنّه قال:| 'حين من الدهر': خمسة الاف سنة(2).

قلت: يعني الّتي كان فيها خلق سائر الأشياء دون خلق ادم عليه السلام، و هذا إذا ذهب إلى أنّ 'هل' استفهام بمعنى التقرير أي لم يأت عليه حين لم يكن فيه شيئاً موجوداً لأنّه لم يكن أظهر خلقه للمشاهدة والوجود، هذا خطاب على ما يتعارفه المخاطبون بذلك من سائر الاية؟ لأنّ المعلوم المتعارف أنّه لم يظهر خلقه فليس بشي ء موجود و لا مذكور؟ حتّى يظهر فإذا ذهب إلى أن 'هل' بمعنى الجحد أي لم يأت عليه حين إلاّ و هو مذكور عنداللَّه تعالى فإنّ الحين في هذا الوجه يقع على كلّ لحظة بعين.

و روي عن الحسن أنّه قال: لمّا خلق اللَّه تعالى كلّ شي ء في السماوات و الأرض قبل أن يخلق ادم، ثمّ خلق ادم بعد حين.

و كذلك روي عن أبي صالح وزاد: |أنّه تعالى| خلق كلّ شي ء قبل ادم بخمسة أيّام واليوم |منها| كألف سنة و خلق ادم في اليوم السادس.

و روى عن ابن عبّاس |أنّه قال:| مكث ادم مخلوقاً "85" بين مكّة والطائف أربعين سنة لايدري مااسمه ولامايراد به إلاّ اللَّه عزّوجلّ.

فإن قيل: ما معنى الدهر؟

قلنا: منه ابتداء الخلق إلى انقضائه وفنائه وهو في الأصل من كلام العرب: 'المدّة الطويلة' و مدّة عمر الإنسان أيضاً و كلّ ذلك يقع عليه إسم الوقت والزمان قال الشاعر:

إنّ دهراً يلفّ شملي *** لزمان يهمّ بالإحسان

فإن قيل: كيف قال: 'لم يكن شيئاً مذكوراً' و قد ذكر في اللوح؟

قلنا: إن حملت الإنسان على ادم عليه السلام ففيه و جهان:

أحدهما: |أنّه| لم يكن شيئاً يذكر في الملائكة الّذين خلقوا في الأرض و استخلفوا فيها لأنّه لم يخلق و لم يشاهد كسائر ما خلق قبله و شوهد، و مشاهدوا ذلك الملائكة صلوات اللَّه عليهم و كذلك الملائكة الّذين كانوا في السماء لأنّهم

لا يطّلعون على ما في اللوح المحفوظ. والوجه الاخر: أن يكون ذلك على جهة ما يتعارفه المخاطبون من هذا المعنى بهذا اللفظ من الوضع عن أمره و رتبته.

و إذ اذهب إلى أنّ كلّ واحد من الذريّة فهو في علم اللَّه سبحانه كالّذي في ادم عليه السلام.

و في الوجه الاخر كان معدوماً عند سائر المخاطبين بالاية.

و قيل: معناه لم يكن فيه روح و لم يدر ما هو من خلقه من طين إلى أن نفخ فيه الروح و سمّي و ذكر و كان في تلك المدّة شيئاً غير مذكور و لا معلوم ما هو "86" عند المخلوقين و لم يزل مذ كان شيئاً مذكوراً معلوماً عند اللَّه عزّوجلّ.

و قيل: إنّه صورة كان معلوماً عنداللَّه مذكوراً أنّه يكون في لا يزال مصوّراً مخلوقاً.

و قال بعض المفسّرين: معناه و لم يجر ذكره في تلك الأشياء "الأزمنة 'خ ل'" بين من خلقهم اللَّه تعالى إلى أن قال: 'إنّي جاعل في الأرض خليفة' :|30 البقرة:2 |.

و قال الكلبي: |معنى| 'لم يكن شيئاً مذكوراً' أي لا يدري ما اسمه و لا ما يراد به إلاّ اللَّه عزّوجلّ، و هذا كما يقال لمن لا ينفع و لا يضرّ: 'هو ليس على شي ء' أي من حقارته و ذلّته كأنّه ليس بشي ء.

فإن قيل: ما معنى الأمشاج؟ و من هذا الإنسان المخلوق من نطفة أمشاج؟

أهو المذكور أوّلاً أم غيره؟

قلنا: هذا الإنسان يراد به جميع النّاس من ذريّة ادم عليه السلام لأنّه تقدّم في الاية الماضية ذكر خلق الأب ثمّ ذكر بعدها خلق الذريّة ليكون موافقاً لقوله: 'و لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثمّ جعلناه نطفة' :|12 المؤمنون:32| يعني أولاده وذريّته كلّ ذلك في معنى صلة قوله: 'أيحسب الإنسان أن يترك سدى' :|36 القيامة:75| و هو اسم جنس كالملك والدرهم والدينار.

و أمّا الأمشاج فإنّها الأخلاط و احدها مشيج كما يقال: خلط و أخلاط و حمل و أحمال، ويقال: مشجت الشي ء أمشجه مشجاً إذا خلطته فهو ممشوج و أمشج، والأمشاج هاهنا اختلاط ماء الرجل بماء المرأة و كونهما دماً ثمّ مضغة.

و قال أبووجزة السعدي يصف "87" حماراً و حشياً و أتاناً:

قد شقّه خلق منها و قد قفلت *** على ملاح كلون المشق أمشاج

شقّه: جهده و أتعبه. و قفلت: انطوت و ضمرت. والملاح: ماء الفحل. والمشق: المغرة شبه حمرة بهاماته. و أمشاج: أخلاط، و هي اختلاط المائين و نقلهما من حال إلى حال و من لون إلى لون.

و روي عن ابن عبّاس أنّه قال في أمشاج: خلق من تراب ثمّ من ماء الفرج والرحم و هي النطفة، ثمّ من علقة، ثمّ من مضغة، ثمّ لحماً، ثمّ أنشأناه خلقاً اخر، فهو كذلك.

و روي عن مجاهد أنّه قال: أمشاج: ألوان، نطفة الرجل بيضاء، و نطفة المرأة صفراء و حمراء.

و روي عن عكرمة |أنّه قال|: نطفة الرجل ودم رحم المرأة إذا اختلطا.

و روي أيضاً عن ابن عبّاس أنّ ابن الأزرق |الحروري| سأله عن الأمشاج؟

فقال: ماء الرجل و ماء المرأة إذا اختلطا أما سمعت قول أبي ذؤيب:

كأنّ النصل والفوقي منه *** خلال الريش شيب(3) به المشيج

و روي عن النبي صلى اللَّه عليه |أنّه قال:| 'إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة ذهب بالشبه'(4).

و روي عنه صلى اللَّه عليه أنّه قال: 'إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكراً و إن علا ماء المرأة ماء الرجل كان |الولد| أنثى بإذن اللَّه عزّوجلّ'.

و روي عن ابن مسعود أنّه قال: أمشاجها عروقها.

و عن الضحّاك أنّه قال: الأمشاج ستّة: العظام والعصب والعروق من الرجل "88" و اللحم والدم والشعر من المرأة.

و عن عكرمة أنّه قال في المرأة كقول الضحّاك، و قال: من الرجل الجلد والعظم و الظفر.

و عن الحسن |البصري| أنّه قال: نطفة مُشِجَت بالدم و ذلك الدم دم الحيض، فإذا حملت المرأة ارتفع الحيض.

و عن أسامة بن زيد عن أبيه |أنّه| قال: العروق الّتي في النطفة.

و قال المبرّد: واحد الأمشاج مشج مثل حجر وأحجار يقال: مشج يمشج إذا اختلط و هو هاهنا اختلاط النطفة بالدم.

و قال الشماخ |معقل بن ضرار| في مشج:

طوت أحشاء مرتجة لِوَقت *** على مشج سلالته مهين

و يقال: واحد الأمشاج: مشج و مشيج كلاهما مثل خدر و خدير، و خلّ و خليل.

فإن قيل: كيف انتظام قوله: 'نبتليه' بما قبله و ما بعده؟

قلنا: فيه ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يكون 'نبتليه' ممثّلاً بالمستقبل و معناه الماضي، أراد: ابتليناه فجعلناه سميعاً بصيراً، و ذلك لموافقة قوله: 'خلقنا' و قوله: 'فجعلناه'.

والثاني: أن يكون معناه: فجعلناه سميعاً بصيراً لنبتليه. فلمّا قدّمه على موضعه حذف اللام، و مثل هذا قوله: 'قل أغير اللَّه تأمرونّي' :|64 الزمر:39| و معناه أن أعبد فلمّا حذف 'أن' رفع الفعل.

والثالث: قال الجرجاني صاحب كتاب النظم في قوله 'نبتليه': الإبتلاء:

الإختبار، و لا يجوز أن يكون ذلك منتظماً بالأمشاج من وجهين :"89"

أحدهما: أنّ الأمشاج جمع مشج، والمشج الخلط يقال منه: مشجه يمشجه مشجاً، و إن كان منتظماً بها لوجب أن يقال: نبتليها، والوجه فيه أنّ الإبتلاء لا يقع إلاّ على إنسان يعقل فهو منتظم بالإنسان على تأويل 'إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج لنبتليه' و هذه اللام لام كي و هي تنصب الأفعال المضارعة إذا ظهرت فإذا أضمرت لم يكن لها عمل كما قال |اللَّه تعالى|: 'و لا تمنن تسكتثر' :|6 المدّثّر:74| يعني لتستكثر، فلمّا أضمره و لم يظهره رفع قوله: 'تستكثر'، و هذه اللام إذا وقعت على فعل مستقبل صارت مشبهة بالحال لأنّك إذا قلت: قمت لأضربك و قمت لأضرب زيداً فكأنّك قلت: قمت ضارباً زيداً، لأنّ في قولك: أنا ضارب زيداً معنى استقبال الفعل على تأويل أنا أضرب زيداً.

و قد قيل: إنّ قوله: 'و لا تمنن تستكثر' حال على تأويل 'و لا تمنن مستكثراً' و منه قول الزاجر: 'يقصريمشي و يطول باركاً' معناه: يقصر ماشياً و يطول باركاً.

فإن قيل: ما |هو| السبيل الّذي يهدي إليه في قوله: 'إنّا هديناه السبيل'؟

قلنا: روي عن أبي صالح و مجاهد والضحّاك والسدّي أنّ معناه: 'هدي إلى مخرجه من الرحم'. و روي عن الحسن أنّه قال: 'هديناه' أي دلّلناه على سبيل الهدى و سبيل الضلالة.

و عن مجاهد من رواية أخرى: 'الشقاء والسعادة'.

و عن قتادة :"90"'بيّن له ما أحلّ له و ما حرّم عليه'.

فان قيل: كيف قال: 'إمّا شاكراً و إمّا كفوراً' واللَّه سبحانه تعالى عن الشكّ والريب؟

قلنا: في 'إمّا' و جهان:

أحدهما: التخيير لاحد الأمرين أي أريناه إمّا طريق الشكر و إمّا طريق الكفر وخلقنا|ه| إمّا لأن يؤمن و إمّا لأن يكفر(5).

والثاني: أن يكون |'إن'| الّتي للشرط وصلت بها كسائر ما يفعل بها ذلك

و كتبت على لفظ الإخفاء بحذف النون كما كتب ممّا و ممّن و نحوها فيكون المعنى إن شكر و إن كفر إنّ ما فعل فإنّما هو عن هدايتنا إيّاه بذلك(6). والثانية منسوقة على الأولى.

و إذا كانت بمعنى الوجه الأوّل فلابدّ من أن يؤتى بالثانية بعدها لأنّ التخيّر أو التخيير يقع بين الشيئين و ليس في ذلك شك ألبتّة.

و روي عن قتادة أنّه قال: إمّا شاكراً نعم اللَّه تعالى و إمّا كفوراً لها.

و روي عن بعض العلماء أنّ معناه: فجعلناه سميعاً بصيراً و جعلناه إمّا شاكراً و إمّا كفوراً(7).

فإن قيل: كيف قال: 'سلاسلاً و قواريراً' و عامة النحويين على أنّ فعالل و فعاليل و فواعيل غير مصروفة و لا منوّنة، والقران نزل باللّغة العالية؟

قلنا: أمّا صرف 'سلاسل و قوارير' في الموضعين فباالإتّباع لمصاحف أهل الحجاز و الكوفة لأنّ الألف ثابتة فيها في هذه الكلمات الثلاث.

على أنّه قد روي "91" عن أيّوب بن المتوكّل أنّه قال: الألف فيها ثابتة في مصاحف أهل المدينة و أهل مكّة وعتق مصاحف البصرة.

و قال أبوعبيد: رأيتها في مصحف عثمان بن عفّان: 'قواريرا' بألف مثبتة و الثانية كانت مثبتة فحكّت أثرها و رأيت أثرها بيّناً هناك.

و أمّا الألف في 'سلاسلاً' فرأيتها قد درست و لم يثبت في تلك المصاحف و خاصّة في مصحف عثمان بن عفّان إلّا في الوقت الّذي قد اجتمع فيه على ماأثبت في المصاحف و اتّفق عليه و لم يثبت إلّا ما هو صواب.

و وجه صواب هذا أنّ هذه الكلمات أسماء، و أصل الأسماء الصرف و التنوين إذ كان الإستثناء في وضع الإعراب ان ألزمت الأسماء الصرف استثقالاً، فإذا احتيج إلى تأليف كلام بعضه من المنصرف و بعضه مما استثقل فيه الصرف صرف الجميع ليتّفق في اللفظ، إذ من شأنهم أن يسوّوا بين اللفظ بالكلمتين و إن اختلف معناهما، فإذا اتّفق فهذه أولى بالتسوية وقد أثبت الألف في هذه المواضع الثلاثة في الوقف، ونوّنها في الإتّصال أهل المدينة و أبوبكر بن عاصم والأعمش والكسائي و أبوعبيد و كذلك يروى "92" عن الحسن وابن محيصن(8) و أيّوب بن المتوكّل.

وقرأها ابن عياض في رواية ابن ذكوان و أبوعمرو و حفص عن عاصم: 'سلاسل' بغير ألف و لا تنوين.

و قد روي عن أبي عمرو أنّه ينوّن الأولى في الوصل، و كذلك روي عن خلف، و اختلف عن ابن كثير.

وقرأها حمزة و يعقوب بغير ألف في الوقف و لا تنوين في الوصل. و قد روي ذلك عن الأعمش، و روي عنه أنّه رفع 'قوارير' الثاني.

و قال أبوحاتم: قرأه العامّة عندنا، والموافق لكلام العرب ترك التنوين في 'قوارير' و 'سلاسل' في الوصل والوقف، إلاّ أنّ من وقف على |قوله|: 'كانت قواريراً' بألف أجزنا ذلك، لأنّه رأس اية و رؤس الاي يحتمل الألفات مثل 'الظنونا' و 'السبيلا' و 'والرسولا' في |سورة| 'الأحزاب' خاصّة كما |في| كثيرها؟ ولا أستحبّ الوقوف على 'سلاسل' ولا 'ثمود'، إنّما جوّز في رؤس الاي كما جوّزت 'وماأدراك ماهية' و 'كتابة' و 'حسابية'.

و أما نصب 'قوارير' الثانية فعلى البدل من الاولى.

و روى عن لأعمش الرفع فى الثانية و ذلك جائز إذا لم تنونها فان نونتها فسدت ألا تراهم لم يختلفوا في قوله تعالى "صرح ممرد من قوارير" :|44 النمل:27| بالفتح، و لو جاز ان ينون المرفوعة لنونت المجرورة و المرفوعة على اضمار 'هى قوارير من فضة' و ذلك جائزه في العربية "93" و لم يسمع بها في القراءة الا في هذا الحديث عن الأعمش.

و قال أبوحاتم: في تنوين "قوارير" و "سلاسل" قول النحويين بكل بلد على أن فواعيل و فعالل و فعاليل عند العرب أجمعين و عند غيرهم منونة إلا في الشعر.

و قال الزجاج: الأجود في العربية أن لا يصرف "سلاسل" و لكن جعلت رأس اية فلذلك صرفت ليكون أواخر الاي على لفظ واحدة.

و أما 'قواريرا قواريرا' و 'قوارير قوارير' غير مصروفة و هو الإختيار عند النحويين فإن كل جمع يأتى بعد ألفه حرفان لا ينصرف، فمن قرأ "قواريرا" فصرف الأول فلأنه رأس اية و يدع صرف الثاني لأنه ليس برأس اية.

و من صرف الثاني أتبع اللفظ كما قالوا: 'حجر ضب خرب' فإنما خرب من نعت الجحر فكيف بما ترك صرفه.

و قال الفراء: أهل الكوفة و أهل المدينة يثبتون الألف فيهما جميعا، و كأنهم استو حشوا أن يكون حرف واحد في معنى نصب بكتابين مختلفين، فإن شئت أجزتهما جميعا و إن شئت لم تجز، و إن شئت أجزت الأولى لمكان الألف في مصحف |أهل| البصرة و لم تجز الثانية إذا لم يكن فيها الألف و ليست برأس اية.

و قال الفراء: أختارالإجزاء فيهما.

فإن قيل: كيف قال: "يشربون من كأس" والكأس لا يشرب؟

قلنا :"94" أراد يشربون الخمر من كأس فحذف ذكر الخمر لتعارفه و دلالة الكأس عليها، و هذا مثل قوله تعالى: "واسأل القرية" يريد أهل القرية |أ| و يريد أهل المدينة، و تسمى الخمر |كاسا| كسائر تسميتهم الشى ء باسم سببه.

و قد روى عن ابن عباس و الضحاك و عامة ذوى التفسير انهم قالوا: الكاس في جميع القران يعني بها الخمر.

فان قيل: ما معنى هذا الكافور و ما هو؟ قلنا: فيه و جهان:

احدهما: ان يكون تشبيه و يحها و طعمها بالكافور.

والثانى: ان يكون اسما لعين من عيون الجنة يمزج لهم خمرهم بمائها.

و قال الفراء في الكافور، يقال: انها عين تسمى الكافور و قد يكون كل مزاجها كالكافور الطيب ريحه فلا يكون حينئذ اسما.

فان قيل: كيف قال: "كان مزاجها كافورا" و اصل 'كان' للماضي و هذا شى ء لم يكن بعد؟

قلنا: فيه ثلاثة اوجه: احدها ان يكون كان ممثلا بالماضى و معناه المستقبل، مثل قوله "و جاء ربك" "و قال الشيطان" "و جى ء يومئذ" "و نادى اصحاب الجنة"، و قال الشاعر:

فانى لاتيكم بسكر ما مضى *** من الامر و استيجاب ما كان فى غد اراد ما يكون.

الثانى: قال ابوعلى الجرجانى: 'كان' هاهنا زائدة و العرب تزيدها فى اضعاف الكلام، و لا معنى لها مثل قوله: "كنتم خير امة اخرجت للناس" :|110 ال عمران:3| اى انتم، و مثله :"95"و ما جعلنا القبلة التى كنت عليها" :|143 البقرة:2| يريد انت عليها، و من ذلك قول الشاعر:

فكيف و لو رايت ديار قوم *** و جيران لنا كانوا كرام

اراد و جيران كرام كانوا لنا.

الثالث: و اقول قول الجرجانى رحمه الله: و اما ما يحتاج الى تاويل و تدبر و ذلك لانه معنى؟ كان فى قوله "كان مزاجها كافورا" و يحتج بقول الشاعر: 'و جيران لنا كانوا كرام'. ثم يدعى فيه تقديم اللفظ و تاخيره على معنى: 'و جيران كرام كانوا لنا' فحينئذ يبطل معنى الالغاء الذى ادعاه لانه افاد معنى صحيحا.

و كذلك قوله: "كنتم خير امة" و ان صرفه من |فى 'خ'| ظاهر لفظه الى معنى انتم احد الوجوه مع انه لا حاجة هنا الى صرفه عن لفظه كان معناه: 'كنتم فى سابق علمنا حين قسمنا الامم خير امة'.

و كذلك قوله: "و ما جعلناه القبلة التى كنت عليها" اى كنت عليها قبل ان

نولينك قبلة ترضاها و تهواها، و على ما ذكرناه فى كتاب 'ازمة الاعراب' و فى كتاب 'المبانى لنظم المعانى'، فذكر لهما وجها من تقديم او تاخير او صرف الى معنى انتم و لم يذكر ذلك فى قوله: "كان مزاجها كافورا" و اى ضرورة حملته على هذا الكلام و قد اغناه الله عن هذا التخبط فى الاحكام.

مع ان الحرف الزائد الملغى لا يوثره فى غيره باعراب و قداثر هاهنا فى 'مزاج' و 'كافور'، ومعنى الاية على ما نقدره 'كان "96" مزاجها فى وقت خلقنا اياها كافورا، و قد خلق الله الجنة و عيونها و انهارها و ظلالها و اشجارها قبل ان خلق الخلق و انزل الفرقان' فهذا معنى صحيح مستقيم من غير تخبط و لا تعسف.

و روى عن السدى قال: 'و كان طعمها طعم الكافور'.

و عن ابى جعفر الرازى قال: سالت الربيع عن قوله: "سلسبيلا" و "زنجبيلا" و "مزاجها كافورا" فقال: 'هو اربع فى الجنة لا يعلمهن الا الله عز و جل'.

و عن قتادة انه قال: 'يمزج لهم بالكافور و يختم بالمسكة'.

و عن مجاهد انه قال: 'يمزج به'.

فان قيل: ما معنى النصب فى قوله: "عينا يشرب بها عبادالله"؟

قلنا: فيه اربعة اوجه:

احدها: على الترجمة و البدل عن كافور لانه هى، او هو اسمها.

والثانى: بحذف 'من' كانك قلت: 'كان مزاجها كافورا من عين'.

الثالث: و قال الزجاج: و جائز ان يكون من صفة الكاس و الاجود ان يكون المعنى ت: 'من عين'.

الرابع: و قال الفراء: قوله: "عينا" ان شئت جعلتها تابعة للكافور كالمفسرة،و ان شئت نصبتها على القطع من الهاء فى "مزاجها".

فان قيل: ما حكم الباء المتصلة بالهاء فى قوله: "بها عبادالله"؟ قلنا: فيه اربعة اوجه:

احدها: ان تكون زائدة كما قال: "بايكم المفتون" :|6 القلم:68| على احد الوجوه، و قال الشاعر: 'نضرب بالسيف و نرجو بالفرج' يريد "97" نرجو الفرج.

الثانى: ان يكون دخولها بمعنى توكيد الفعل فيكون دخولها و خروجها سواء كنا قال عنترة بن شداد العبسى:

شربت بماء الد حرضين فاصبحت *** زوراء تنفر عين حياض الديلم

الثالث: ان يكون بمعنى 'من' او 'عند' كانك قلت: يشرب منها او شرب عندها، و قد يوضع حروف الصفات بعضها موضع بعض.

الرابع: و قد يذهب بالشرب ها هنا الى الرى و التنعم فيكون الباء حينئذ مما يوصل بها الكلام فكان معناه يتنعم بها عبادالله او يروى بها عبادالله.

فان قيل: ما معنى قوله: "يفجرونها تفجيرا"؟

قلنا: معناه يستخرجون ماء ها من اى جهة احبوا او من اى موضع شاؤا.

فان قيل: كيف قال: "يوفون بالنذر" متصلا بقوله "يفجرونها تفجيرا"؟

قلنا: هذا من اختصار الكلام فى موضع يدل عليه حكم النظام و تاويله لانهم كانوا يوفون بالنذر و يخافون و يطعمون فيكون مثل قوله: "ان المتقين فى جنات و عيون اخذين ما اتاهم ربهم انهم كانوا "98" قبل ذلك محسنين كانوا قليلا من الليل ما يهجعون" الايات:|17-16 من سورة الذاريات:51 |

ثم ان العرب تحذف اذا كان فيما ابقوا دليل على ما القوا و دلالة الحال و شواهد المقال ناطقة بهذا ايضا و مشيرة اليه عند الصغير و الكبير، و هذا مثل حذفهم القول و ما يشقق منه، فالقول و الكون متقاربان فى هذا الباب، كقوله تعالى: "و الملائكة باسطوا ايديهم اخرجوا انفسكم" :|93 الانعام:6| اى يقولون: 'اخرجو انفسكم' فحذف للدلالة عليه و مثل هذا كثير.

فان قيل ما معنى قوله: "مستطيرا"؟

قلنا معناه المقيد المتسع الفاشى، من قولهم: استطار ضوء الفجر اذا امتد فى الافق و اتسع فيه و كذلك استطار البرق واستطار الصدع فى القارورة اذا امتد، فيها و يقال ايضا: استطال بالام وهو بالراء اكثر و ادل على الاتساع مع الامتداد قال الاعشى:

بانت و قد اورثت فى الفؤا *** دصدعا على قلبها مستطيرا

كصدع الزجاجة لا يستطي *** ع كف الصناع لها ان يجيرا

فان قيل: كيف قال: "يوما عبوسا قمطريرا" و هذا من اوصاف الاحياء الناطقين؟

قلنا: اراد به تعظيم شانه و بيان شدته فوصف اليوم بما يوصف به الرجل المنكر للشى ء المغضب او الغائظ. و قد يكون بمعنى انه يعبس فيه و من اجله كنا قال: "|فى| عيشة راضية" اى يرضى و يرضى ما فيها، و كقولهم :"99"'ليل نائم' اى ليل ينام فيه، و يقال: عبس الرجل عبسا و عبوسا اذا كلح فهو عابس و عبوس و عبس تعبيسا فهو معبس و عباس.

و روى عن ابن عباس انه قال: "عبوسا" شديدا و هو انقباض ما بين العينين يقبض منه الرجل ما بين عينيه و وجهه.

و كذلك روى عن الجماعة؟ و يقال: 'قد اقمطر يومنا': اى اشتد يقمطر اقمطرارا فهو مقمطر و قمطرير و قماطير، قال الراجز:

قد بكرت شتوة بزئير *** يكسو استها لحما و تقمطرا(9)

و قال الشاعر:

بنى عمنا هل تذكرون بلائنا *** عليكم اذا ما كان يوم قماطير

فاتباع العبوس بالقمطرير الزيادة من تعظم امره و وصف نكره.

فان قيل: ما معنى قوله: "نضرة و سرورا"؟ قلنا 'النضرة حسن الوجه و اشراقه'.

و عن سفيان و ابى العالية: 'النضرة فى الوجه، و السرور فى القلب'.

و عن الضحاك: 'النضرة البياض، والسرور دون الفرح'.

و روى عن سعيد بن جبير و الحسن: 'النضرة فى الوجه والسرور فى القلب'،

و منه قوله تعالى: "تعرف فى وجوههم نضرة النعيم" :|24 المطففين:83 |

و قوله تعالى: "وجوه يومئذ ناضرة" :|22 القيامة:75| بالضاد من النضرة و السرور الى ربها ناظرة بالظاء من النظر بالعين(10).

فان قيل: ما وجه النصب فى قوله تعالى "متكئين عليها"؟

قلنا: فيه خمسة اوجه احدها الاتصال بنصب "جنة" اى جزاؤهم جنة متكئين "100" فيها فاتبع النصب النصب.

الثانى: ان يكون نصبهم على الحال اى جزاؤهم ذلك فى هذه الحال.

الثالث: و قال الجرجانى متكئين نصب على الخروج من قوله و جزاهم بما صبروا جنة و حريرا.

الرابع: و يحتمل نصبهم على القطع لان الاسماء المكنية فى قوله و جزاهم بما صبروا جنة وحريرا معرفة و قوله متكئين نكرة.

الخامس: و قيل: نصبهم بالخروج من الوصف و من القطع ان شئت.

فان قيل: هل تفرق بين الارائك والسرير فى المعنى ام هما فى المعنى واحد؟

قلنا: روى عن الحسن انه قال: انه لم يكن يعرف الارائك حتى لقينا رجلا من اهل اليمن و زعم ان الارائك عندهم الحجلة يكون فيها السرير.

و قد روى عن ابن عباس انه قال الارائك السرر فى الحجال، و كذلك روى عن الجميع.

قال الاعشى:

و سبتك حين تبسمت *** من الارائك و الستارة

و اذا كان السرر، بلا حجلة فهو سرير و مثله الخوان والمائدة فاذا خلا عن الطعام فهو خوان واذا كان عليه طعام فهو مائدة و مثله الجنازة- بكسر الجيم- اذا كان عليها ميت، فاذا لم يكن عليها ميت فهو جنازة- بالفتح-.

فان قيل: ما معنى قوله: "لا يرون فيها شمسا و لا زمهريرا"؟

قلنا: الزمهرير شدة البرودة. و عن ابن مسعود: الزمهرير لون من العذاب. و عن "101" الاعمش: الزمهرير البرد المقطع. و كذلك روى عن مجاهد.

و ذكر عن بعضهم: الزمهرير: القمر، و معناه لا يرون فيها الشمس و لا القمر اى ان ضوء الجنة و نورها من اجرامها و عناصرها لا من شمس او قمر، و انشدوا:

و ليلة ظلامها قد اعتكر *** قطعتها والزمهرير ما زهر

اراد: القمر لم يطلع بضوئه.

والجمهور على القول الاول واظن البيت موضوعا.

فان قيل: ما وجه انتصاب قوله: "ودانية عليهم ظلالها"؟

قلنا: فيه خمسة اوجه:

احدها: الاتصال بنصب "الجنة" اى جزاؤهم جنة متكئين فيها دانية، فاتبعت النصب النصب.

الثانى: ان يكون نصبها على الحال، اى جزاؤهم ذلك فى هذه الحال.

الثالث: على المدح و يكون الواو دالة على ارادة المدح لا على النسق، و ينشد هذا البيت:

و ياوى الى نسوة عاطلات *** و شعثا مراضع مثل السعالى

بنصب 'شعث' و بخفضه، فالنصب على الذم و هو و المدح سواء فى هذه الجهة من الاعراب، و الخفض بالنسق على 'عاطلات'.

الرابع: و قال الفراء: ان شئت جعلت الرانية متبعة للمتكئين على سبيل القطع. الخامس: و قال الجرجانى: و قيل: انتصابه على معنى الفعل على تاويل: ودنت عليهم ظلالها، يدل على هذا قوله فى اثره: "و ذللت قطوفها تذليلا" "102" فقوله: "ذللت" فعل منسوق على قوله: "و دانية" و دانية نعت موضعه فعل.

و هم، اذا وضعوا موضع الفعل نعتا يصلوه؟ و ان كان موضعه رفعا ليعلم ان موضعه فعل كما قال امرؤالقيس:

و قوفا بها صحبى على مطيهم *** |يقولون لا تهلك اسى و تجمل|

|و| على هذا المعنى انتصب قوله 'مطيهم'.

و قد يصلح رفع: "دانية" على الاستئناف، كانك قلت: و ظلالها دانية عليهم.

و قد قيل: ان فى قراءة ابى: "و دان عليهم ظلالها" بالرفع، و فى قراءة عبد الله: "و دانيا عليهم ظلالها" بالنصب، و كلاهما بالتذكير، و التانيث، و التذكير فى هذا كالذى ذكرت فى قوله: 'خاشعا ابصارهم' و "خاشعة ابصارهم" فى كتاب 'ازمة الاعراب'.

و رفع "ظلال" ب "دانية" على الابتداء و الخبر على الحقيقة.

و ان نصبت "دانية" لاتصالها بالمنصوب و لو قدمت "ظلالها" لم تكن دانية الا مرفوعة و تقديرها: و دنت عليهم ظلالها.

فان قيل: و ما معنى قوله تعالى "و ذللت قطوفها تذليلا"؟

قلنا: معناه انهم ينالونها كيف شاؤا و على اى حال شاؤا.

و عن مجاهد قال: ارض الجنة من ورق و ترابها المسك و اصول شجرها من ذهب و فضة و افنانها من اللؤلؤ و الزبرجد و الياقوت. و قال مرة و زمرد، و الورق "103" و الثمر بين ذلك فمن اكل منها قاعدا لم تؤذه و من اكل منها مظطجعا لم تؤذه.

و روى عن البراء عن النبى صلى الله عليه انه قال: 'ذللت له فيتناولون منها كيف شاؤا و هم جلوس و هم نيام و على اى حال شاوا'.

فان قيل: كيف قال: "كانت قواريرا" و انما يقال فى مثل هذا الشى ء: كان اولا على حال ثم زال عنه، تقول للحرف: كان ظنيا، و معناه: كان اولا ظنا ثم تحول عنه الى هيئة الحرف؟

قلنا: معناه: تكونت كذلك، و ظهر خلقها كذلك، و قد يكون الكون خبرا عن الحدوث و الوقوع، مثل قوله |تعالى| "و ان كان ذو عسرة" :|280 البقرة:2| اى كان حدث و وقع، و لذلك ارتفع "ذو" و ليس ذلك باخبار عن حال متقدمة زالت او انتقلت.

فان قيل كيف قال: "قوارير من فضة"؟ و جوهر الزجاج يخالف جوهر الفضة؟

قلنا: هذا مما دل الله سبحانه على ان اسباب الاخرة افضل من اسباب الدنيا و اعلى، و انما سميت بالاسماء التى يعرفها اهل الدنيا ليعلموا ما معنى ما اشيربهم اليه.

ثم اعلموا؟ انه و كان بهذا المعنى فليس بالوصف الذى شاهدوه بل فيه زيادة فضائل و محاسن لا تكون فى الدنيا، اذ ليس فيها قوارير من فضة و انما يعرف فيها القوارير بمعنى و الفضة بمعنى فاراهم "104" انها فضة يرى ما فيها كما يرى ما فى القوارير من صفاتها واثار القدرة فيها.

و عن عكرمة عن ابن عباس |فى قوله تعالى:| "كانت تقواريرا قوارير من فضة" قال: لو انك اخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى تكون مثل جناح الذباب ما رايت الماء من ورائها و لكن فضة الجنة فى بياض الفضة و صفاء القوارير.

و روى انه قال: قوارير كل ارض من تربتها و قوارير الجنة من ارض الجنة، و ارض الجنة فضة. و قد روى هذا المعنى عن الجميع.

فان قيل: كيف صرفت القوارير الاولى و لم تصرف الثانية؟

قلنا: "قوارير" لا ينصرف لان تقديرها فواعيل فمن صرفها هاهنا و الحق الالف التى هى صورة التنوين فى النصب فعلى اتباعها رؤس الايات قبلها و بعدها لانها بالف يائية كما فعلوا ذلك فى قوله: "و تظنون بالله الظنونا" و قوله: "فاضلونا السبيلا" و قوله: "و اطعنا الرسولا".

و قد قيل: ان انتصابها على انها نكرة، و النكرة عندهم اخف من المعرفة.

و اما قوله: "قوارير من فضة" فانها غير مصروفة لخلائها من هذه العلل التى ذكرناها، و من صرفها فعلى انها نكرة. و ليست بقوية لان النكرة اذا تكرر ذكرها صارت معرفة كما يقال فى الكلام 'مررت برجل' فيقال: من الرجل، قال عزوجل: "فيها مصباح المصباح "105" فى زجاجة" ثم قال: "الزجاجد كانها كوكب درى" :|35 النور:24| فجعل النكرة معرفة بتكرر ذكرها، فقوله: "قوارير من فضة" بحالها و تقديرها فى الفعل ممتنعة من الصرف.

فان قيل: ما معنى قوله "قدروها تقديرا"؟

قلنا: المعنى به الملائكة انهم يقدرون الاشربة فى الانية فيجعلونها بقدر رى

الشارب لا فوقه و لا دونه.

و من قرا "قد روها" بضم القاف و كسر الدال فانه اراد: قدرت لهم تقديرا ثم كف ذكر اللام كما قالوا: و هبت تلك مالا و وهبتك مالا، و كسبت لك مالا و كسبتك مالا، فالمعنى: عقلت شهواتهم و ارادتهم بمقاديرها، واللام من "قدروا" لها كقوله تعالى: "و اذا كالوهم او وزنوهم" :|3 المطففين:83| فى احد الوجهين المقولين فى ذلك، و كقول الراجز: 'فى ساعة يحبها الطعام'. اى يحب فيها، فحذف 'فى'.

و قد روى عن ابن عباس انه قال: اتوابها فادوتهم فلا يشتهون بعده شيئا و لا يعضلون فيها شيئا.

و روى عنه انه قال: قدرت للملك، و انه قال: قدرت على الرى و الظما.

و روى عن الشعبى انه قال: قدروها على ما فى انفسهم فوافتهم على ما قدروا فى انفسهم لا يزيد و لا ينقص.

و عن الحسن: قدروها فى انفسهم فجاءت على ما قدروها.

و عن مجاهد انه قال: لا ينقص و لا يفيض.

و عن الضحاك: على قدر اكف الجوارى ورى الاقوام لا يعجز "106" عن رى و لا يعجز عنها كف.

فان قيل: كيف حكم السلسبيل و تصرفه و معناه؟

قلنا: هو وصف للشراب بالسلاسة و العذوبة، و سميت العين به، و قد يكون السلسبيل اسما مبنيا من غير وصف، الا انه صرف كما ذكرت فى صرفهم "سلاسلا" و "قواريرا".

و روى عن طلحة بن مصرف انه قرا: "سلسبيل" بالفتح من غير تنوين و لا يقف؟ عليه بالالف، و هذا |بناءا| على انه ذهب الى انه اسم لمعرفة مؤنثة |ظ| و فى حروفه مع ذلك زيادة على جمهور تسمية العرب، و جواز حذف الالف كجوازها فى قراءة من قرا "سلاسل" و "قوارير" بغير الف و لا تنوين، و ثمود؟ اذا كان منصرفا |منصوبا 'خ'| ايضا، و كتابته بالالف فى جمع المصاحف.

و روى عن مجاهد انه قال: سلسبيل: سلسلة السبيل.

و روى انه قال: حديدة الحربة.

و عن عكرمة انه قال: ذلك اسمها.

و عن محمد بن على بن الحسين |عليهم السلام| قال: لينة فيما بين الحنجرة و الحلقوم.

فان قيل: كيف قال "حسبتهم لؤلؤا منثورا" و الجنة دار الحقيقة لا دار الحسبان لان الحسبان من اشكال الشك؟

قلنا: هذا على |وفق| ما يتخاطب به العرب اذا وصف احدهم شيئا غالبا فخاطبهم |الله| بما يتعارفون، و ليس يقع بالتخاطب شك عند رؤيتهم فى انهم ولدان مخلدون، و انما شبههم باللؤلؤ المنثور فى الوانهم و كثرتهم "107" اذا نثر الؤلؤ، لا فى اعيانهم و اجناسهم، ولا يقع النثر الا بما يكثر عدده.

و روى تعن قتادة انه قال: يعنى من حسنهم و كثرتهم.

و عن سفيان انه قال: كثرة و بياضا.

فان قيل: ما معنى 'الملك الكبير'؟

قلنا: هو الخلود والبقاء والامان عن الزوال و الفناء و الاضمحلال.

و روى عن ابن مسعود و مجاهد و سفيان: هو استئذان الملائكة عليهم.

فان قيل: قرا اهل مكة الا ابن محيصن، و اهل الشام و حفص و ابوبكر عن عاصم و ابوعمرو و بكار بن صقر عن الاعمش و الكسائى و يعقوب بن خلف: "عاليهم" بالف بين العين و اللام و بفتح الياء، و كذلك روى عن عمر و على و ابن عباس و الحسن و ابى عبد الرحمان السلمى و ابى الجوازاء و الاعرج.

على ان قوله "عاليهم" محل مبنى على الفتح، و هو ظرف المكان، كما يقال: 'فوقهم'.

و قرا ابوجعفر و نافع و المفضل عن عاصم و الاعمش فى اكثر الرواية عنه و حمزة: "عاليهم" باسكان الياء، و كذلك روى عن ابن محيصن و ابن ادريس و ايوب بن المتوكل.

و روى عن قتادة ضم الهاء مع اسكان الياء.

والباقون كلهم كسروا الهاء مع اسكان الياء على ان 'عاليا' اسم مبتدا و خبره

ثياب.

و روى عن مجاهد و قتادة انهما قرا "عليهم" بغير الف "108" و لم يذكر عنهما فى الهاء ضم و لا كسرة.

و قد روى عن عون العقيلى "عليهم" بضم الهاء من غير الف.

و عن محمد بن سيرين "عليهم" بكسر الهاء من غير الف.

و قال الزجاج: من قرا: "عاليهم" بفتح الياء و زعم بعض النحويين انه ينصبه على الظرف، كما يقال |ظ|: فوقهم ثياب سندس.

|قال الزجاج| و هذا لا يعرف فى الظروف، و لو كان ظرفا لم يجز اسكان الياء، و لكنه نصبه على الحال من شيئين:

احدهما من الهاء و الميم |فى "يطوف عليهم" و| المعنى: يطوف على الابرار ولدان مخلدون عاليا الابرار ثياب سندس، لانه وصف احوالهم فى الجنة، فيكون المعنى: يطوف عليهم فى هذه الحال هؤلاء.

و يجوز ان يكون حالا من الولدان و المعنى: اذا رايتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا فى حال علو الثياب اياهم، والنصب فى هذا بين(11).

و اما |قوله تعالى| "عليهم ثياب سندس" فرفع، كقولك: عليه مال، فترفعه بالابتداء و يكون المعنى: 'و ثياب سندس عليهم'.

و روى عن عبدالله انه قرا: "اعاليهم ثياب سندس" بالياء و هى حجة لمن ارسل الياء و سكنها؟

فان قيل: ما وجه الرفع و الخفض فى "سندس و استبرق"؟

قلنا: قرا اهل الشام و ابوجعفر و ابوعمرو و سلام البصرى و يعقوب و

ابوعبيد "خضر" بالرفع، و "استبرق" بالخفض على ان خضرا نعت للثياب اذ كلاهما جمع "109" و "سندس" اسم الجنس و على ان قوله: "استبرق" خفض بالنسق على "سندس" اذ كلاهما اسم للجنس.

و قرا نافع و حفص عن عاصم: "خضر و استبرق" برفعهما جميعا، و كذلك روى عن الحسن و السلمى و ابن ابى اسحاق؟ و ايوب، و اما |رفع لفظة| الخضر فكما ذكرت، و اما |رفع| الاستبرق فبالنسق على الثياب.

و قرا اهل مكة- الا ابن محيصن و ابوبكر والمفضل عن عاصم: "خضر" بالخفض، و "استبرق" بالرفع، على انهم جعلوا خضرا نعتا لسندس، ذهابا الى انها هى الثياب، لما اضيف الى جنسها، و نسقوا ب"استبرق" على ثياب.

و قرا الاعمش و حمزة والكسائى و خلف: "خضر و استبرق" بخفضهما جميعا على ان خضرا من نعت "سندس" و استبرقا منسوق على "سندس". و كذلك روى عن يحيى بن وثاب و ابن ادريس. و قد روى هذا الوجه عن ابى عمرو، من رواية عبيد بن عقيل. و روى الوجه الذى قبله عن الاعمش من طريق خلف.

و روى عن ابن محيصن. "خضر" بالخفض كسائر من خفضه.

فان قيل: ما وجه النصب فى قراءة من قرا "و استبرق" بفتح القاف؟

قلنا: فيه وجهان: احدهما: الذهاب به الى انه اراد به الخفض، نسقا على "سندس" فلم يصرفه ففتح.

و الثانى: الذهاب به الى انه مبنى على استفعل من البريق، فهو حينئذ فعل ماض فى الاصل "110" سمى هذا الجنس |به| فقطعت الفه ليخرج من طريق الفعل الى الاسم، و من وصل الفة تركه على اصل بنائه.

و قال الزجاج: و قرا ابن محيصن: "و استبرق" بنصب القاف، قيل: انه نصبه لانه اعجمى فحول الى العربية فلم يصرف.

|قال الزجاج:| و هذا غلط لانه نكرة، الا ترى ان الالف و اللام يدخلان عليه فيقال: السندس، و الاستبرق |ظ|.

فان قيل: كيف جعل اساورهم مع كرامتهم عنده من فضة، و لم يجعلها من ذهب؟

قلنا: ان الذهب انما له فضل القيمة فى الدنيا، و الفضة لبياضها احسن منه سيما فضة الجنة التى قد وصفت بما وصفت من الفضل و الصفاء و الحسن والبياض احسن الالوان فى اكثر الاشياء.

و قال الكلبى: هذه ثياب المخدومين و حليهم.

و قال الشيخ ابوسهل الانمارى رحمه الله: ان جعلت هذه الصفة للخدم الذين يخدمونهم فى الجنة دون المخدومين كان اصوب، لان الله تعالى جعل صفة المخدومين فى سورة الحج على غيره هذه الصفة، فقال: "جنات تجرى من تحتها الانهار يحلون فيها من اساور من ذهب و لؤلؤا و لباسهم فيها حرير" :|23 الحج:22 |

و قد قلنا فى كتاب المبانى: يحتمل ان الله سبحانه ذكر فى هذه السورة الفضة لانه ذكر قبلها السندس الخضر و الاستبرق، فذكر بعدها حلى الفضة لان "111" بياض الفضة مع خضرة السندس احسن، و ذكر فى سورة الحج الذهب لانه ذكر معها الحرير، و صفرة الذهب مع الحرير ازين.

و يحتمل ايضا انه ذكر الفضة فى هذه السورة لانه ذكر قبلها اوانى الفضة بقوله: "قوارير من فضة" و "و يطاف عليهم بانية من فضة" فذكر اساور من فضة لتكون الابواب موافقه، على ما جرت من عادات الملوك اذا اتخذوا مجلسا من بياض جعلوا ما يتعلق به من ذلك الجنس ايضا، و كذلك فى الملبس، ثم اذا اتخذوا السواد جعلوا سائر اخواته على ما يوافقه، فذكر الفضة عقيب ذكر الفضة احسن و اوفق.

و يصلح ان يكون تخصيص الفضة فى هذه السورة اشارة مرموزة الى الجارية التى كانت للمرتضى رضوان الله عليهم المسماة 'فضة' على ما ذكرناه فى الفضة والرموز تدخل فى كلام الحكماء لنوع من الاستظراف و الحسن فى الايماء.

فهذه اربعة اوجه ذكرناها من غير حكم على واحد منها، و الله اعلم بالصواب.

فان قيل: كيف قال: "و سقاهم ربهم شرابا طهورا" و هل فيه شى ء يدل على التشبيه؟

قلنا: ليس فيه شى ء من معنى التشبيه،لان العرب تجعل 'سقى' و 'اسقى'

بمعنى واحد، قال الشاعر لبيد:

سقى قومى بنى مجد و اسقى *** نميرا و القبائل من هلال

و منهم "112" من يفرق بينهما فيقول: سقيت فلانا اذا ناولته الماء ليشرب، و اسقيته اذا جعلت له شربا او عرضته لان يشرب بفيه، او يسقى بزرعه، قال الله:

"|و انزلنا من السماء ماءا طهورا لنحيى به بلدة ميتا| و نسقيه مما خلقنا انعاما |و اناسى كثيرا|" |49-48 الفرقان: 25| و قال الله عز وجل: "|و الرسلنا الرياح لواقح فانزلنا من السماء ماء| فاسقينا كوه |و ما انتم له بخازنين|" :|22 الحجر: 15| فقول الله تعالى: "و سقاهم ربهم" هو كقولك: 'اعطانى الامير كذا درهما' و انما امرا الامير بذلك فباشره خدمه بامره فنسب اليه |لانه حصل بامره|، لا انه تولى فعله، و كذلك ضرب الامير اللص، و قطع الوالى يد فلان، و صلب الخليفة الخارجى، و كل ذلك يتولاه الجلادون والجلاوزة بامره فنسبت اليه |لانه ينفذ بامره|.

فكذلك يامرالله سبحانه الملائكة فيسقون عباده فينسب اليه لانه بامره يكون.

و قد قيل: تاتيهم كؤوس من اعالى الجنة الى ايديهم لم يحملها كف و لا ابصر حاملها طرف، فلذلك قال: "و سقاهم ربهم" لانهم يرون الكاس و لا يرون الساقى!

و الطهور: هو الشراب العذب الملذ اللذيذ الذى ليس بنجس و لا مولد النجاسة و لا بمحرم كاشربة الدنيا.

و روى عن عطية انه قال: |الشراب الطهور| هو الذى لا يبولون منه و لا يسقمون عنه.

فان قيل: كيف قال: "و لا تطع منهم اثما او كفورا" و كلام الله سبحانه تعالى عن الشك؟

قلنا: ليست الكلمة |او| بموجبة للشك لانها بمعنى الواو مفردة و قد يضع العرب "113"'او' موضع الواو، كما يضع الواو موضع 'او'، قال الله سبحانه: "فانكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى و ثلاث و رباع" :|3 النساء:4 | اراد- و الله اعلم-: او ثلاث او رباع، و قال: "و ارسلناه الى مائة الف او

يزيدون" :|147 الصافات:37| اراد: و يزيدون، و قال النابغة:

قالت: الاليتما هذا الحمام لنا *** الى حمامتنا او نصفه فقد

و قال توبة بن الحمير:

و قد زعمت ليلى بانى فاجر *** لنفسى تقاها او عليها فجورها

و لهما امثال و نظائر كثيرة.

و الوجه الثانى: معناها التسوية بين الحالين اى لا تطع منهم من اثم او كفر اى لا هذا و لا هذا؟

والثالث: |ان او| هى بمعنى الواو، مع اعادة لا، اقيمت مقامها ايجازا كما قال الشاعر:

لا وجد ثكلى كما وجدت *** و لا وجد عجول اصلها رنع

او وجد شيخ اضل ناقته *** يوم يوافى الحجيح فاندفعوا

يريد: و لا وجد شيخ، و معنى الاية- و الله اعلم-: انا نحن تولينا انزال القران و اردناك به، و نحن نمنع منك، فاصبر لما انزلناه من اجله، و لما حكمنا عليك فيه، و لا تطع من نهاك عنه فما فيهم الا اثم كفور.

و قال الزجاج: 'او' هاهنا او كد من الواو، لان الواو |لا تدل على ما تدل عليه لفظة 'او' ف| اذا قلت 'لا تطع زيدا وعمرا' و اطاع |المامور| احدهما كان غير عاص لانه امره ان لا يطيع الاثنين، و اذا قال: |لا تطع| اثما او كفورا، ف|لفظة| 'او' قد دلت على ان كل "114" واحد منهم اهل لان يعصى، و كما انك اذا قلت: 'لا تخالف الحسن او ابن سيرين' فقد قلت: ان هذين اهل لان يتبع.

فان قيل: كيف قال: "و من الليل فاسجد له و سبحه ليلا طويلا" فامره بالسجود مبعضا بمن؟

قلنا: هذا منسوق على ما قبله و هو قوله: "واذكر اسم ربك بكرة و اصيلا و من الليل" اراد بالذكر الصلاة المكتوبة فى طرفى الليل، و |اراد من| قوله: "بكرة" صلاة الفجر، |و اراد من قوله:| "و اصيلا" صلاة الظهر و العصر، الا ترى انك تقول لصاحبك اذا زالت الشمس: 'كيف امسيت'؟

و قوله: "و من الليل" اراد المغرب والعشاء، ثم قال "فاسجد له" تاكيدا لذلك.

فان قيل: كان يجب على هذا القياس ان يقول: 'و اسجد له' بالواو.

قلنا: يجوز ان يكون الفاء بمعنى الواو، لانهما من حروف العطف، يصلح ان يوضع احدهما موضع الاخر.

ثم قال سبحانه: "ليلا طويلا" اراد: صل له صلاة النافلة ليلك كله اذا اردت ذلك، فانت موسع فيه؟ غير موقت عليك و لا محدود، و النافلة تسمى السبحة.

و روى عن ابى العالية انه قال "بكرة" صلاة الفجر "و اصيلا" صلاة العصر.

و عن ابن عباس |انه قال فى قوله:| "و سبحه ليلا طويلا" يقول: وصل له ليلا طويلا.

فان قيل: كيف قال: "نحن خلقناهم و شددنا اسرهم" و قد يرى الناس مطلقين غير ماسورين؟

قلنا: ليس الامر على ما توهمت "115" فان هذا الاسر ليس من الاسير و الاسار،بل هو احكام الخلق.

و حكى الفراء عن العرب انهم يقولون: 'لقد اسر هذا الرجل احسن الاسر' اى خلق احسن الخلق.

و روى عن ابن عباس انه قال: |معنى| "شددنا اسرهم" اى خلقهم.

و عن ابى هريرة قال: هى المفاصل.

و عن ابى صخر: و شددنا ظهورهم؟

و عن مجاهد: و شددنا امرهم.

و عن السدى و قتادة و مجاهد- ايض-ا: و شددنا خلقهم، كقول ابن عباس.

و عن بعضهم: |الاسر| هو مسلك الغائط و البول.

فان قيل: |الى| ما تعود الاشارة بقوله: "ان هذه تذكرة"؟

قلنا: يصلح ان يكون اشارة الى المقالة او الكلمة او السورة او الاية او القصة اى بما ذكرنا بها و بما نبهنا بما ضمناها من الايات والمواعظ، و بما قصصنا من القصة

ليتعظ العاقل فيرتدع عما يورثه ذما و يتسارع الى ما يحدث له حمدا كالمرتضى و ذويه رضوان الله عليهم اجمعين.

فان قيل: كيف اطلق |الله| تعالى قوله: "يدخل من يشاء فى رحمته"؟ و هذا النوع لا بدله من قبيل ما يوزيه؟

قلنا: اراد: يدخل من يشاء فى رحمته فضلا و يدخل من يشاء فى عقوبته عدلا فحذف |الثانى| لدلالة ما بعده عليه، والعرب تحب الايجاز و الاختصار لاسيما فى موضع يدل الباقى على المحذوف، و يدل عليه قوله تعالى: "و الظالمين اعد لهم عذابا أليما".

فان "116" قيل: كيف انتصب قوله: "و الظالمين اعدلهم" ولا ناصب له؟

قلنا: فى نصبها خمسة اوجه: احدها: ارادة اللام فيها، فحذفت اكتفاءا باعادتها فى "لهم" و قد قيل: ان فى قراءة عبدالله "وللظالمين اعد لهم"؟

والثانى: انه لما لم يكن لهم حظ فى الوصف و انما هم فى الحقيقة فوقع بهم العذاب و هم مفعولون نصبوا بهذا التاويل؟

و الثالث: قال الزجاج: نصب "الظالمين" لان قبله |كان| منصوبا، والمعنى: 'يدخل من يشاء فى رحمته و يعذب الظالمين' و يكون |قوله|: "اعد لهم" تفسيرا لهذا المضمر.

الرابع: قيل: ان قوله: "والظالمين" متصل بقوله: "يدخل من يشاء فى رحمته" و لذلك انتصب على تاويل يدخل من يشاء فى رحمته و يدخل الظالمين عذابا اعده لهم.

الخامس: قال الجرجانى: انه مبتدا منقطع مما قبله،و انما انتصابه بقوله: "اعد لهم" لانهم فى موضع مفعول.

و احتج هذا القائل بقوله |تعالى| فى |سورة| "حم عسق": "و لو شاء الله لجعلهم امة واحدة ولكن يدخل من يشاء فى رحمته والظالمون مالهم من ولى و لا نصير" :|9 الشورى:42| فقال: لو كان انتصابه بانتظامه بماقبله و عمل ما قبله فيه لوجب ان يكون هاهنا نصبا، مثله |فى قوله تعالى|: "هل اتى على الانسان"، فلما رفع علم انه غير منظوم بما قبله و منقطع منه، و لم يقع عليه شى ء بعده ينتصب به،فاما انتصابه "117" فى |سورة| "هل اتى" فبعمل ما بعده و وقوعه عليه و هو قوله: "اعد لهم".

و روى عن عبدالله بن الزبير و ابان بن عثمان انهما قرءا: "والظالمون اعد لهم" بالواو على انهم مرفوعون بالابتداء، و خبره: "اعد لهم".

و قد قيل: رفعهم برجوع الهاء والميم اللتين فى: "اعد لهم" كما اجتمعوا على |رفع| قوله: "والظالمون مالهم من ولى و لا نصير" والله اعلم.

***

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: 'فهل أنتم منتهون': في قوله ائذان بأنّ الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية و أنّ الأعذار قد انقطعت.

قال الزمخشري في الكشاف: |هو| من أبلغ ما ينهى به، كأنّه قيل: قد تلي عليكم ما فيها من أنواع الصوارف والموانع فهل مع هذه الصوارف منتهون؟ أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا و لم تزجروا؟!!

و أيضاً روى الزمخشري في باب اللهو واللذّات والقصف واللعب- و هو الباب-76 من كتاب ربيع الأبرار: ج5 ص51 قال:

قد أنزل اللَّه تعالى في الخمر ثلاث ايات: أوّلها قوله تعالى: 'يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير و منافع للناس' :|219 البقرة:2| فكان المسلمون بين شارب و تارك، إلى أن شرب رجل و دخل في الصلاة فهجر فنزلت: 'يا أيّها الّذين امنوا لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى' :|43 النساء: 4| فشربها من شرب من المسلمين، حتّى شربها عمر فأخذ لحي بعير فشجّ |بها| رأس عبدالرحمان بن عوف!! ثمّ قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن عبديغوث:

و كائن بالقليب قليب بدر *** من الفتيان والشرب الكرام

و كائن بالقليب قليب بدر *** من الشيزى المكلّل بالسنام

أيوعدنا ابن كبشة أن سَنُحيى *** و كيف حياة أصداء و هام

أيعجز أن يردّ الموت عنّي *** و ينشرني إذا بليت عظامي

ألا من مبلغ الرحمان عنّي *** بأنّي تارك شهر الصيام

فقل للَّه يمنعني شرابي *** وقل للَّه يمنعني طعامي

فبلغ ذلك رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم فخرج مغضباً يجرّ رداءه فرفع شيئاً كان في يده ليضربه فقال |عمر|: أعوذ باللَّه من غضب اللَّه و رسوله!!!

والأبيات أوردها البخاري قبيل 'باب مقدم النبي صلى اللَّه عليه و سلّم المدينة' من كتاب بدء الخلق، في الحديث3670 من صحيحه: ج15 ص 133 بشرح الكرماني.

و في فتح الباري: ج7 ص206 طبع دار إحياء التراث العربي ببيروت.

و انظر الحديث2923 في باب تحريم الخمر من كشف الأستار: ج3 ص 352 والرقم2 من فضائل أبي بكر المأثورة من كتاب الغدير: ج7 ص97 طبع1.

(2) هذا هو الظاهر، و في أصلي: 'الخمسة الالاف السنة'.

(3) كذا، و في لسان العرب و تاج العروس: 'والفُوقَين... سيط به...'.

(4) هذا هو الظاهر من السياق، و في أصلي: 'بالسة'؟.

(5) و هذا الوجه مرفوض لمنافاته للأدلّة العقليّة و محكمات الكتاب والسنّة، و الصواب أنّ الوصفين حال عن المفعول لا عن الفاعل أي حال عن الضمير في قوله 'لمن هداه اللَّه' أي بعد ما هديناه السبيل إمّا أن يكون شاكراً لنعمنا فنزيده من فضلنا، و إمّا أن يصبح كفوراً لنعمتنا عليه و مختاراً للضلالة على الهدى بسوء إرادته و عزيمته فنجزيه جزاء كافري النعم و مختاري السيّئات على الحسنات والغيّ على الرشد.

والحاصل أنّ الاية الكريمة في مقام بيان أنّ هدايته تعالى بنصب الأدلّة والبراهين و تمكين البشر من فهمها و اتّباعها- ليست ملازمة لأن يهتدي بها جميع أفراد الإنسان بل هدايتنا إنّما هو إحسان و لطف منّي و قطع لمعاذير العباد إن أعرضوا عنها، أمّا الإهتداء بهدايتنا و عدم الإهتداء فراجع إلى حسن إختيار العباد أو سوء اختيارهم.

(6) ومعنى هداية اللَّه الإنسان إلى الشكر والخير: هو تعريفه تعالى إيّاه الشكر والخير و اثارهماالطيّبة و ترغيبه فيهما كي يختارهما و لا يعرض عنهما. و معنى هدايته إلى الكفر: بيانه و تعريفه له هويّة الكفر وشين اثاره و قباحة فاعله و من يؤثره على الإيمان والإنقياد للَّه تعالى ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنة.

(7) من محكمات الشريعة انّ الإنسان مجزي بشكره لنعم اللَّه بالتنعيم والتقريب، و بكفره بالتعذيب والتبعيد عن ساحة العظمة والكرامة، و على هذا فلايمكن أن يكون الشكر والكفر مجعولان لأنّ الشي ء المجعول من حيث هو مجعول لا يعقل أن يكون من موجبات التنعيم أو التعذيب، كما أنّه لا يمكن أن يكون نفس السمع والبصر من موجبات الثواب والعقاب أو المدح والذمّ عند اللَّه تعالى، نعم الاستفادة الحسنة من السمع والبصر من وسائل القرب إلى اللَّه و موجبات ثوابه، كما أنّ استفادة الشرّ والسيّئة من السمع والبصر من موجبات العقاب والبعد عن اللَّه تعالى.

(8) الظاهر أنّ هذا هو الصواب، و في أصلي: 'و أبي محيص'.

(9) و فى تاج العروس و لسان العرب:

قد جعلت شبوة تربئر *** تكسو استها لحما و تقمطر

(10) و لكن لقيام الادلة العقلية و النقلية على تجرده تعالى و تنزهه عن التحيز والتلون و غيرها مما يعتبر فى رؤية العين لابد ان يكون المراد غير المعنى الحقيقى.

(11) قال الطبرسى- رفع الله مقامه- فى تفسير الاية الكريمة من تفسير مجمع البيان: ج 10 ص:408 قرا اهل المدينة و حمزة "عاليهم" ساكنة الياء و الباقون "عاليهم" بفتح الياء.

قال ابوعلى: من نصب "عاليهم" فان النصب يحتمل امرين: احدهما ان يكون حالا، و الاخر ان يكون ظرفا، فاما الحال فيحتمل ان يكون العامل فيها احد شيئين: احدهما "لقاهم" و الاخر "جزاهم". و مثله فى كونه حالا |قوله|: "متكئين على الارائك".