اما تشبيه الأبوين في الحكم والتسوية

|قال العاصمي:| فإنّ النبيّ صلى اللَّه عليه؛ في كثرة ما أنعم اللَّه تعالى عليه و وفور إحسانه إليه لم يرزقه إسلام أبويه؛ و على هذا جمهور المسلمين (1).

|قال العاصمي|-... "644": فكذلك المرتضى رضوان اللَّه عليه فيما أكرمه اللَّه به من الأخلاق والخصال و فنون النعم والإفضال لم يرزقه لإسلام أبويه؟!!(2).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا تخرّص من العاصمي و من على نزعته؛ و ركون منهم إلى روايات الجهّال و مبغضي أهل البيت و شانئيهم؛ و أنّى لهم أن يعرفوا ذلك و هم محدقون على مائدة السكارى من طواغيت بني أميّة؟!

و أنّى لهم أن يعترفوا بذلك- إن علموه- و هم ينتظرون نوال بني أميّة و صلاتهم؟!!

و أنّى لهم أن ينطقوا أو يخبروا بذلك و بمرعاهم و مسمعهم أنّ معترفي فضائل أهل البيت و ذاكري مناقبهم محرومين مطرودين مسجونين مقتولين؟!!

و كيف يقول العاصمي: "و على هذا جمهور المسلمين" مع أنّ شيعة أهل البيت من الإماميّة والزيدية و بعض المحقّقين من غيرهم على أنّ أبوي النبيّ سلام اللَّه عليهما و على من أنجبا؛ كانا موحّدين و على ملّة إبراهيم صلى اللَّه عليهم أجمعين؛ و لم يكونا مكلّفين بشريعة الإسلام؛ إذ ماتا سلام اللَّه عليهما قبل بعث النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم بأربعين سنة أو ما قاربها. إلاّ شرذمة قليلون

و هم الذين أدّوا عظيم حقّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم و أهل بيته عليهم السلام؛ و شكروا اللَّه على ما منّ عليهم من بعث الرسول؛ و ارتضاء الإسلام لهم ديناً؛ و حصر ولايتهم فيه و في نبيّه و وصيّ نبيّه؛ فشرّفهم اللَّه و مدحهم بقوله تبارك و تعالى: "و قليل من عبادي الشكور" |13: سبأ: 24|. لايلتفت إليهم.

أي لم يلتفت إليهم الأكثرون المعرضون عن أهل البيت عليهم السلام والآخذون عن معانديهم والملتفّون حول طواغيت الأمّة؛ والموسومون في أكثر من ثلاثين موضعاً من الذكر الحكيم بأنّهم لا يعلمون؛ أو بأنّهم لا يعقلون؛ أو بأنّ أكثرهم فاسقون؛ أو ما في معناها!!!

أقول: وحيث إنّ العاصمي في هذا المقام قد سهى قلمه- فأكثر من إيراد روايات مشايخ حريز الحمصي وتلاميذه؛ و نقد تلك الروايات يستدعي وقتاً واسعاً غير حاصل لي الآن- أخرّنا ذكر ما رواه هاهنا و نقده؛ إلى وقت فراغي من تحقيق الكتاب بكامله؛ و صرفنا عنان القلم إلى ذكر ما أفاده الحافظ عبدالرحمان بن أبي بكر جلال الدين السيوطى المتوفّى سنة: "911" في كتابه: 'مسالك الحنفا في |شأن| والدي المصطفى' فإنّ جلّ ما أورده فيه موافق للبرهان والحقّ والحقيقة؛ و بعض ما فيه مما لنا فيه نظر لا يضرّنا؛ فإنّ المقصد من إيراد رسالته في هذا المقام هو تصديقه في أصل مدّعائه و هو كون والدي النبيّ صلى اللَّه عليهم أجمعين من أهل الجنّة؛ لا في جميع المقدّمات التي أقامها لإثبات هذاالمدّعى؛ و إن كنّا قد أشرنا في بعض الموارد إلى سقم بعض مقدّماته و أدرجناه في كلام السيوطي و وضعناه بين المعقوفات تمييزاً؛ و لكن هذا المقدار لا يفيد لجميع القرّاء؛ و لعلّ اللَّه تعالى أن يوفّقني فيما سيأتي لتحقيقه و بيان الصحيح من مقدّماته و سقيمها تفصيلاً؛ فإنّه المنّان على المؤمنين؛ و وهّاب العطايا لآمليه والمتمسّكين بشريعته و أوليائه.

ثمّ انّ رسالة الحنفاء للسيوطيّ قد وجدتها في الورق 190 أ في ضمن مجموعة من مخطوطاة المكتبة الظاهرية؛ و لكن ذهب عن بالي ذكر معرّفاتها؛ والكتاب مطبوع بمصر؛ و كذا طبع في دارالكتب العلمية ببيروت في ضمن كتاب الحاوي للفتاوي: ج 2 ص 202، و إليك نصّ الطبعة البيروتية:

|هذا كتاب| مسالك الحنفا |في شأن| والدي المصطفى

بسم اللَّه الرحمن الرحيم؛ الحمد للَّه؛ و سلام على عباده الذين اصطفى

مسألة: الحكم في أبوي النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم أنّهما ناجيان و ليسا في النار؛ صرّح بذلك جمع من العلماء؛ و لهم في تقرير ذلك مسالك:

المسلك الأوّل أنّهما ماتا قبل البعثة؛ و لا تعذيب قبلها؛ لقوله تعالى: 'وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولا' |15: الأسراء: 17|.

و قد أطبقت أئمّتا الأشاعرة من أهل الكلام والأصول؛ والشافعيّة من الفقهاء على أنّ من مات و لم تبلغه الدعوة يموت ناجياً؛ و أنّه لا يقاتل حتّى يدعى إلى الإسلام؛ و أنّه إذا قتل يضمن بالدية والكفّارة؛ نصّ عليه الإمام الشافعيّ رضي اللَّه عنه و سائر الأصحاب.

بل زاد بعض الأصحاب و قال: 'إنّه يجب في قتله القصاص' و لكنّ الصحيح خلافه؛ لأنّه ليس بمسلم حقيقيّ و شرط القصاص المكافات.

و قد علّل بعض الفقهاء كونه إذا مات لا يعذّب؛ بأنّه على أصل الفطرة و لم يقع منه عناد و لا جاءه رسول فكذّبه.

و هذا المسلك أوّل ما سمعته في هذا المقام- الذي نحن فيه- من شيخنا شيخ الإسلام شرف الدين المناوي فإنّه سئل عن والد النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم هل هو في النار؟!! فزأر في السائل زأرةً شديدة! فقال السائل: هل ثبت إسلامه؟ فقال إنّه مات في الفترة و لا تعذيب قبل البعثة.

و نقله سبط ابن الجوزي في كتاب مرآت الزمان؛ عن جماعة فإنّه حكى كلام جدّه على حديث إحياء أمّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم ثمّ قال ما نصّه:

و قال قوم: قد قال اللَّه تعالى: 'و ما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً' والدعوة لم تبلغ أباه و أمّه فما ذنبهما؟!

و جزم به الآبيّ في شرح مسلم و سأذكر عبارته.

و قد ورد في أهل الفترة أحاديث أنّهم يمتحنون يوم القيامة؛ و آيات مشيرة إلى عدم تعذيبهم. و إلى ذلك مال حافظ العصر شيخ الإسلام أبوالفضل ابن حجر في بعض كتبه فقال: 'والظنّ بآله صلى اللَّه عليه و آله و سلم- يعني الذين ماتوا قبل البعثة- أنّهم يطيعون عند الإمتحان إكراماً له صلى اللَّه عليه و آله و سلم لتقرّ بهم عينه' ثمّ رأيته قال في الإصابة:

ورد من عدّة طرق في حقّ الشيخ الهرم و من مات في الفترة؛ و من ولد أكمه أعمى أصمّ؛ و من ولد مجنوناً أو طرأ عليه الجنون قبل أن يبلغ؛ و نحو ذلك؛ أنّ كلاًّ منهم يدلي بحجّة و يقول: لو عقلت أو ذكّرت لآمنت.

فترفع لهم نار و يقال: 'أدخلوها' فمن دخلها كانت له برداً و سلاماً؛ و من امتنع أدخلها كرهاً.

هذا معنى ما ورد من ذلك |ثمّ| قال: و قد جمعت طرقه في جزء مفرد |ثمّ| قال: و نحن نرجو أن يدخل عبدالمطّلب و آل بيته في جملة من يدخلها طائعاً فينجو إلاّ أباطالب فإنّه أدرك البعثة و لم يؤمن |بزعم الحريزيّين| و ثبت |في صحاح تلاميذ حريز| أنّه في ضحضاح من نار!!

و قد جعلت قصّة الإمتحان داخلة في هذا المسلك؛ مع أنّ الظاهر أنّها مسلك مستقلّ؛ لكنّي وجدت ذلك لمعنىً دقيق لا يخفى على ذوي التحقيق.

ذكر الآيات المشيرة إلى ذلك |أي المعنى الذي ذكرناه في المسلك الأوّل هذا|.

|الآية| الأولى قوله تعالى: ' و ما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً' |15: الإسراء: 17| و هذه الآية هي التي أطبقت أئمّة |أهل| السنّة على الإستدلال بها في أنّه لاتعذيب قبل البعثة؛ و ردّوا بها على المعتزلة و من وافقهم في تحكّم العقل؟!!

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما عن قتادة في قوله |تعالى|: 'و ما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً' |15: الإسراء: 17| قال: إنّ اللَّه ليس بمعذّب أحداً حتّى يسبق إليه من اللَّه خبر؛ أو تأتيه من اللَّه بيّنة.

الآية الثانية: قوله تعالى: 'لك أن لم يكن ربّك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون' |131: الأنعام: 6| أورد هذه الآية الزركشيّ |أبوعبداللَّه محمّد بن بهادر بن عبداللَّه التركي المصري المتوفّى سنة: "794"| في |كتابه: تشفيف المسامع في| شرح جمع الجوامع استدلالاً على قاعدة أنّ شكر المنعم ليس بواجب عقلاً بل بالسمع؟!

|الآية| الثالثة: قوله تعالى: 'ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدّمت أيديهم فيقولوا ربّنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتّبع آياتك و نكون من المؤمنين' |47: القصص: 28| أورد هذه |الآية| الزركشيّ أيضاً.

و أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عند هذه الآية بسند حسن عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم؟: و الهالك في الفترة يقول: "ربّ لم يأتني كتاب و لا رسول" ثمّ قرأ هذه الآية: 'ربّنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتّبع آياتك و نكون من المؤمنين'.

|الآية| الرابعة: قوله تعالى: 'و لو أنّا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا: ربّنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتّبع آياتك من قبل أن نذلّ و نخزى' |134: طاها: 20| أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عند هذه الآية عن عطيّة العوفي قال: الهالك في الفترة يقول: "ربّ لم يأتني كتاب و لا رسول" و قرأ هذه الآية: 'و لو أنّا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا' إلى آخر الآية.

|الآية| الخامسة: قوله تعالى: 'و ما كان ربّك مهلك القرى حتّى يبعث في أمّها رسولاً يتلو عليهم آياتنا' |59: القصص: 28| أخرح ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس و قتادة في |تفسير| الآية |الكريمة| قالا: لم يهلك اللَّه ملّةً حتّى يبعث إليهم |رسولاً كما بعث إلى العرب| محمّداً صلى اللَّه عليه و سلم فلمّا كذّبوا |الرسل| و ظلموا؛ بذلك هلكوا.

|الآية| السادسة: قوله تعالى: 'و هذا كتاب أنزلناه مبارك فاتّبعوه و اتّقوا لعلّكم ترحمون؛ أن تقولوا: إنّما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا؛ و إن كنّا عن دراستهم لغافلين' |156: الأنعام: 6|.

|الآية| السابعة قوله تعالى: "وما أهلكنا من قرية إلاّ لها منذرون؛ ذكرى و ما كنّا ظالمين" |208: الشعراء: 26| أخرح عبدبن حميد؛ و ابن المنذر و ابن أبي حاتم في تفاسيرهم عن قتادة في |تفسير| الآية؛ قال: ما أهلك اللَّه من قرية إلاّ من بعد الحجّة والبيّنة والعذر؛ حتّى يرسل الرسل و ينزل الكتب تذكرةً لهم و موعظةً و حجّةً للَّه |و قوله تعالى:| 'ذكرى و ماكنّا ظالمين' يقول: ما كنّا لنعذّبهم إلاّ من بعد البيّنة والحجّة.

|الآية| الثامنة: قوله تعالى: 'و هم يصطرخون فيها ربّنا أخرجنا نعمل صالحاً غير الذي كنّا نعمل! أولم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر؟ و جاءكم النذير؟' |37: فاطر: 35| قال المفسّرون: احتجّ |اللَّه تعالى| عليهم ببعثة النبيّ محمّد صلى اللَّه عليه و آله و سلم؛ و هو المراد بالنذير في الآية |الكريمة|.

ذكر الأحاديث الواردة في أنّ أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة؛ فمن أطاع منهم أدخل الجنّة؛ و من عصى أدخل النار:

الحديث الأوّل: أخرج الإمام أحمد بن حنبل، و إسحاق بن راهويه فى مسنديهما؛ والبيهقى فى كتاب الاعتقاد و صححه عن الأسود بن سريع؛ أن النبى صلى الله عليه و سلم قال: أربعة يمتحنون يوم القيامة: رجل أصمّ لايسمع شيئاً؛ و رجل أحمق؛ و رجل هرم؛ و رجل مات فى فترة.

فأمّا الأصمّ فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام و ما أسمع شيئاً

و أمّا الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر؟

و أمّا الهرم فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام و ما أعقل شيئاً

و أمّا الذى مات فى الفترة فيقول: ربّ ما أتاني لك رسول.

فيأخذ |اللَّه تعالى| مواثيقهم ليطيعنّه |فيما يأمرهم فيقبلون| فيرسل إليهم أن ادخلوا النار فمن دخلها كانت عليه برداً و سلاماً: و من لم يدخلها يسحب إليها

الحديث الثانى: أخرج أحمد و إسحاق ابن راهويه فى مسنديهما؛ و ابن مردويه فى تفسيره والبيهقى فى الاعتقاد عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه و سلم قال: 'أربعة يمتحنون' فذكر مثل حديث الأسود بن سريع سواء.

الحديث الثالث: أخرج البزّار في مسنده عن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: يؤتى بالهالك في الفترة؛ والمعتوه والمولود؛ فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب و لا رسول. و يقول المعتوه: أي ربّ لم تجعل لي عقلاً أعقل به خيراً و لا شرّاً. و يقول المولود: لم أدرك العمل.

قال: فيرفع لهم نار فيقال لهم: رِدوُها- أو قال: ادخلوها- فيدخلها من كان في علم اللَّه سعيداً لو أدرك العمل؛ و يمسك عنها من كان في علم اللَّه شقيّاً لو أدرك العمل؛ فيقول تبارك و تعالى: إيّاي عصيتم فكيف برسلي بالغيب

في إسناده عطية العوفي |و| فيه ضعف- والترمذي يحسّن حديثه- و هذا الحديث له شواهد تقتضي الحكم بحسنه و ثبوته.

الحديث الرابع: أخرج البزّار و أبويعلى في مسنديهما عن أنس قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود والمعتوه و من مات في الفترة؛ و بالشيخ الفاني |و| كلّهم يتكلّم بحجّته؛ فيقول اللَّه تبارك و تعالى لعنق من جهنّم: ابرزي |فيبرز| فيقول لهم: إنّي كنت أبعث إلى عبادي رسلاً من أنفسهم و إنّي رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه. فيقول من كتب اللَّه عليه الشقاء: يا ربّ أتدخلناها و منها كنّا نفرق؟

و من كتب له السعادة فيمضي فيقتحم فيها مسرعاً؛ فيقول اللَّه |للطائفة الأولى|: قد عصيتموني فأنتم لرسلي أشدّ تكذيباً و معصيةً؛ فيدخل هؤلاء الجنّة و هؤلاء النار.

الحديث الخامس: أخرج عبدالرزّاق و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم؛ عن أبي هريرة قال: إذا كان يوم القيامة جمع اللَّه أهل الفترة والمعتوه والأصمّ والأبكم والشيوخ الذين لم يدركوا الإسلام؛ ثمّ أرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار!! فيقولون: كيف و لم تأتنا رسل؟! قال: و أيم اللَّه لو دخلوها لكانت عليهم برداً و سلاماً؛ ثمّ يرسل إليهم فيطيعه من كان يريد أن يطيعه.

|ثمّ| قال أبوهريرة: اقرؤا إن شئتم |قوله تعالى|: 'و ما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً'.

|قال السيوطي|: إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ و مثله لا يقال من قبل الرأى؛ فله حكم الرفع.

الحديث السادس: أخرج البزّار والحاكم في مستدركه عن ثوبان أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم قال: إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهليّة يحملون أوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربّهم فيقولون: ربّنا لم ترسل إلينا رسولاً و لم يأتنا لك أمر؛ و لو أرسلت إلينا رسولاً لكنّا أطوع عبادك.

فيقول لهم ربّهم: أرأيتكم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيقولون: نعم. فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنّم فيدخلوها؛ فينطلقون حتّى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيّظاً وزفيراً؛ فرجعوا إلى ربّهم؟ فيقولون: ربّنا أجرنا منها. فيقول لهم: ألم تزعموا أنّي إن أمرتكم بأمر تطيعوني؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيقول |لهم|: اعمدوا إليها فادخلوها. فينطلقون حتّى إذا رأوها فرقوا و رجعوا فقالوا: ربّنا فرقنا منها و لا نستطيع أن ندخلها. فيقول: ادخلوها داخرين.

فقال النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم: لو دخلوها أوّل مرّة كانت عليهم برداً و سلاماً.

قال الحاكم: |والحديث| صحيح على شرط البخاري و مسلم.

الحديث السابع: أخرج الطبراني و أبونعيم عن معاذ بن جبل عن النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم قال: يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً و بالهالك في الفترة و بالهالك صغيراً فيقول الممسوخ عقلاً: يا ربّ لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله منّي.

و ذكر في الهالك في الفترة والصغير نحو ذلك؛ فيقول الربّ: إنّي آمركم بأمر فتطيعون؟ فيقولون: نعم. فيقول: إذهبوا فادخلوا النار- قال: و لو دخلوها ما ضرّتهم- فتخزج عليهم فرائص؟ فيظنّون أنّها قد أهلكت ما خلق اللَّه من شي ء فيرجعون سراعاً.

ثمّ يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك؛ فيقول الربّ: قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون؛ و على علمي خلقتكم و إلى علمي تصيرون |ثمّ يقول: يا نار| ضمّيهم فتأخذهم!!

قال الكياالهراسي- |عليّ بن محمّد بن عليّ المولود "450" المتوفّى "504" المترجم في منتخب السياق ص 598|-: في تعليقه في الأصول في مسألة شكر المنعم |قال|:

اعلم أنّ الذي استقرّ عليه آراء أهل السنّة قاطبةً أنّه لا مدرك للأحكام سوى الشرع المنقول؛ و لا يتلقّى حكم من قضيّات العقول؛ فأمّا من عدا أهل الحقّ من طبقات الخلق كالرافضة والكرّامية والمعتزلة وغيرهم فإنّهم ذهبوا إلى أنّ الأحكام منقسمة |إلى قسمين| فمنها ما يتلقّى من الشرع المنقول؛ و منها ما يتلقّى من قضيّات العقول |ثمّ| قال:

و أمّا نحن فنقول: لا يجب شي ء قبل مجي ء الرسول؛ فإذا ظهر و أقام المعجزة تمكّن العاقل من النظر فنقول: لا يعلم أوّل الواجبات إلاّ بالسمع؟ فإذا جاء الرسول وجب عليه النظر |و هذا هو حكم العقل الذي أنكره الكيا و أهل نزعته|.

|قال الكيا:| و عند هذا يسأل المستطرقون فيقولون: ما الواجب الذي هو طاعة و ليس بقربة؟ و جوابه أنّ النظر الذي هو أوّل الواجبات طاعة و ليس بقربة؛ لأنّه ينظر |الناظر| للمعرفة و ليس بقربة؛ فهو مطيع و ليس بمتقرّب لأنّه إنّما يتقرّب إلى من يعرفه

|ثمّ| قال |الكياالهراسي|: و قد ذكر شيخنا الإمام في هذا المقام شيئاً حسناً فقال: قبل مجي ء الرسول تتعارض الخواطر والطرق؛ إذ ما من خاطر يعرض له إلاّ و يمكن أن يقدر أن يخطر خاطر آخر على نقيضه فتتعارض الخواطر و يقع العقل في حيرة ودهشة؛ فيجب التوقّف إلى أن تنكشف الغمّة؛ و ليس ذلك إلاّ بمجي ء الرسول؛ وهاهنا قال الأستاذ أبوإسحاق: 'إنّ قول: "لاأدري نصف العلم" معناه أنّه انتهى علمي إلى حدّ وقف عند مجازه العقل؛ و هذا إنّما يقوله من دقّق في العلم و عرف مجاري العقل ممّا لايجري فيه و يقف عنده' انتهى.

و قال الإمام فخر الدين الرازي في |كتاب| المحصول: شكر المنعم لا يجب عقلاً؛ خلافاً للمعتزلة؛ لنا أنّه لو تحقّق الوجوب قبل البعثة لعذّب تاركه فلا وجوب؛ أمّا الملازمة فبيّنة؛ و أمّا أنّه لاتعذيب فلقوله سبحانه: 'و ما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً' |15: الإسراء: 17| نفى |اللَّه تعالى| التعذيب إلى غاية البعثة؛ فينتفي و إلاّ وقع الخلف في قول اللَّه؛ و هو محال انتهى.

و ذكر أتباعه مثل ذلك كصاحب الحاصل والتحصيل والبيضاوي في منهاجه.

و قال القاضي تاج الدين السبكي في شرح مختصر ابن الحاجب: على مسألة شكر المنعم تتخّرج مسألة من لم تبلغه الدعوة؛ فعندنا |أنّه| يموت ناجياً و لا يقاتل حتّى يدعى إلى الإسلام؛ و هو مضمون بالكفّارة والدية؛ و لا يجب القصاص على قاتله على الصحيح.

و قال البغوي في التهذيب: أمّا من لم تبلغه الدعوة فلا يجوز قتله قبل أن يدعى إلى الإسلام؛ فإن قتل قبل أن يدعى إلى الإسلام وجب في قتله الدية والكفّارة؛ و عند أبي حنيفة لايجب الضمان بقتله.

و أصله أنّه عندهم محجوج عليه بعقله؛ و عندنا هو غير محجوج عليه |بعقله| قبل بلوغ الدعوة إليه؛ لقوله |تعالى|: 'و ما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً' فثبت أنّه لاحجّة عليه قبل مجي ء الرسول انتهى.

و قال الرافعيّ في الشرح: من لم تبلغه الدعوة لا يجوز قتله قبل الإعلام والدعاء إلى الإسلام؛ و لو قتل كان مضموناً؛ خلافاً لأبي حنيفة؛ و بنى الخلاف على أنّه محجوج عليه بالعقل عنده؟ و عندنا |أنّ| من لم تبلغه الدعوة لا تثبت عليه الحجّة و لا تتوجّه |إليه| الموآخذة قال تعالى: 'و ما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً' انتهى.

و قال الغزالي في البسيط: من لم تبلغه الدعوة يضمن بالدية والكفّارة لا بالقصاص على الصحيح؛ لأنّه ليس مسلماً على التحقيق و إنّما هو في معنى المسلم.

و قال ابن الرفعة في الكفاية: لأنّه مولود على الفطرة و لم يظهر منه عناد.

و قال النووي في شرح مسلم في مسألة أطفال المشركين: المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحقّقون أنّهم في الجنّة؛ لقوله تعالى: 'و ما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً' قال: و إذا كان لا يعذّب البالغ لكونه لم تبلغه الدعوة فغيره أولى انتهى.

|ثمّ قال السيوطيّ:| فإن قلت: هذا المسلك الذي قرّرته هل هو عامّ في أهل الجاهليّة كلّهم؟ قلت: لا بل هو خاصّ بمن لم تبلغه دعوة نبيّ أصلاً؛ أمّا من بلغته منهم دعوة أحد من الأنبياء السابقين ثمّ أصرّ على كفره فهو في النار قطعاً؛ و هذا لا نزاع فيه.

و أمّا الأبوان الشريفان |للنبيّ صلى اللَّه عليهم أجمعين| فالظاهر من حالهما ما ذهبت إليه هذه الطائفة من عدم بلوغما دعوة أحد؛ و ذلك لمجموع أمور: |منها| تأخّر زمانهما و بُعْد ما بينهما و بين الأنبياء السابقين؛ فإنّ آخر الأنبياء قبل بعثة نبيّنا صلى اللَّه عليه و سلم عيسى عليه السلام؛ و كانت الفترة بينه و بين بعثة نبيّنا نحو ستّ مائة سنة.

ثمّ إنّهما كانا في زمن جاهليّة؛ و قد طبّق الجهل الأرض شرقاً و غرباً؛ و فقد من يعرف الشرائع و يبلّغ الدعوة على وحهها إلاّ نفراً يسيراً من أحبارأهل الكتاب؛ مفرّقين في أقطار الأرض كالشام و غيرها؛ و لم يعهد لهما تقلّب في الأسفار سوى المدينة؛ و لا عمّرا عمراً طويلاً بحيث يقع لهما فيه التنقيب والتفتيش؛ فإنّ والد النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم لم يعش من العمر إلاّ قليلاً.

قال الإمام الحافظ صلاح الدين العلائي في كتابه: الدرّة السنيّة في مولد سيّد البريّة: كان سنّ عبداللَّه حين حملت منه آمنة برسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم نحو ثمانية عشر عاماً ثمّ ذهب إلى المدينة ليمتار منها تمراً لأهله؛ فمات بها عند أخواله من بني النجّار؛ والنبيّ صلى اللَّه عليه و سلم حمل على الصحيح انتهى

و أمّه |صلى اللَّه عليه و آله و سلم| قريبة من ذلك؛ لاسيّما و هي امرأة مصونة محجّبة في البيت- عن الإجتماع بالرجال؛ والغالب على النساء أنّهنّ لا يعرفن ما الرجال فيه من أمر الديانات والشرائع؛ خصوصاً في زمان الجاهليّة الذي رجاله لا يعرفون ذلك فضلاً عن نسائه؛ و لهذا لمّا بعث |اللَّه| النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم تعجّب من بعثته أهل مكّة و قالوا: 'أبعث اللَّه بشراً رسولاً' |94: الأسراء: 17| و قالوا: 'لو شاء اللَّه |ظ| لأنزل ملائكةً؛ ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين' |24: المؤمنون: 23| فلو كان عندهم علم من بعثة الرسل ما أنكروا ذلك؟ و ربّما كانوا يظنّون أنّ إبراهيم |عليه السلام| بعث بما هم عليه؛ فإنّهم لم يجدوا من يبلّغهم شريعة إبراهيم على وجهها لدثورها و فقد من يعرفها إذ كان بينهم و بين زمن إبراهيم أزيد من ثلاثة آلاف سنة؛ فاتّضح بذلك صحّة دخولهما في هذا المسلك |هذا|.

ثمّ رأيت الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام قال في أماليه ما نصّه:

كلّ نبيّ إنّما أرسل إلى قومه إلاّ نبيّنا صلى اللَّه عليه و سلم |ثمّ| قال: فعلى هذا يكون ما عدا قوم كلّ نبيّ من أهل الفترة إلاّ ذريّة النبيّ السابق فإنّهم مخاطبون ببعثة السابق إلاّ أن تدرس شريعة السابق؟ فيصير الكلّ من أهل الفترة- هذا كلامه-.

فبان بذلك أنّ الوالدين الشريفين |كانا| من أهل الفترة بلا شكّ لأنّهما ليسا من ذريّة عيسى ولا من قومه.

ثمّ يرشّح ما قال حافظ العصر أبوالفضل ابن حجر |قال:| إنّ الظنّ بهما أن يطيعا عند الإمتحان |و يدلّ على ذلك| أمران:

أحدهما ما أخرجه الحاكم في المستدرك و صحّحه عن ابن مسعود قال: قال شابّ من الأنصار- و لم أر رجلاً كان أكثر سوآلاً منه-: "يا رسول اللَّه أرأيت أبواك في النار؟ فقال: 'ما سألتهما ربّي فيطيعني فيهما؟ و إنّي لقائم يومئذ المقام المحمود'.

فهذا الحديث يشعر بأنّه يرتجى لهما الخير عند قيامه المقام المحمود؛ و ذلك بأن يشفّع فيوفّقا للطاعة إذا امتحنا حينئذ كما يمتحن أهل الفترة؛ و لا شكّ في أنّه يقال له عند قيامه ذلك المقام: "سل تعط واشفع تشفع" كما في الأحاديث الصحيحة: فإذا سأل ذلك أعطيه.

الأمرالثاني ما أخرجه ابن جرير في تفسيره |و عنه في شواهد التنزيل| في قوله تعالى: 'و لسوف يعطيك ربّك فترضى' |5: الضحى: 92| قال: من رضا محمّد صلى اللَّه عليه و آله و سلم أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار.

|قال السيوطي:| و لهذا عمّم الحافظ ابن حجر في قوله: "الظنّ بآل بيته كلّهم أن يطيعوا عند الإمتحان".

و حديث ثالث: أخرج أبوسعد في شرف النبوّة والملاّ في سيرته عن عمران بن حصين قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: 'سألت ربّي أن لا يدخل النار أحداً من أهل بيتي فأعطاني ذلك' |هكذا| أورده الحافظ محبّ الدين الطبري في كتابه ذخائر العقبى.

و حديث رابع أصرح من هذين |و هو ما| أخرج تمام الرازي في فوائده بسند ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: 'إذا كان يوم القيامة شفعت لأبي و أمّي و عمّي أبي طالب و أخ لي كان في الجاهلية'.

أورده المحبّ الطبري- و هو من الحفّاظ والفقهاء- في كتابه ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى و قال: إن ثبت فهو مؤولّ في أبي طالب على ما ورد في الصحيح |عند الحريزيين| من تخفيف العذاب عنه بشفاعته انتهى.

|قال السيوطي:| و انّما احتاج إلى تأويله في أبي طالب دون الثلاثة أبيه و أمّه و أخيه- يعني من الرضاعة- لأنّ أباطالب أدرك البعثة و لم يسلم- |على ما يدّعيه الحريزيّون خلافاً لأعمال أبي طالب و أقواله و إجماع أهل البيت عليهم السلام|- والثلاثة ماتوا في الفترة.

و قد ورد هذا الحديث من طريق آخر أضعف من هذا الطريق |و هو| من حديث ابن عبّاس |على| ما أخرجه أبونعيم و غيره؛ و فيه التصريح بأنّ الأخ من الرضاعة.

فهذه أحاديث عدّة يشدّ بعضها بعضاً- فإنّ الحديث الضعيف يُتَقوّى بكثرة طرقه- و أمثلها حديث ابن مسعود فإنّ الحاكم صحّحه.

و ممّا يرشّح ما نحن فيه؛ ما أخرجه ابن أبي الدنيا؛ قال: حدّثنا القاسم بن هاشم السمسار؛ حدّثنا مقاتل بن سليمان الرملي عن أبي معشر؛ عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: سألت ربّي أبناء العشرين من أمّتي فوهبهم لي.

و ممّا ينضمّ إلى ذلك- و إن لم يكن صريحاً في المقصود- ما أخرجه الديلمي عن ابن عمر؛ قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: أوّل من أشفع له يوم القيامة أهل بيتي ثمّ الأقرب فالأقرب.

و ما أورده المحبّ الطبري في ذخائر العقبى- و عزّاه لأحمد |في الحديث: "180؛ و261" من فضائل علي عليه السلام| في |كتاب| المناقب |ص 122| قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه |و آله| و سلم: 'يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحقّ نبيّاً لو أخذت بحلقة |باب| الجنّة؛ ما بدأت إلاّ بكم'.

و هذا أخرجه الخطيب في تاريخه من حديث يغنم عن أنس.

و ما أورده أيضاً- و عزّاه لأبي البختري- عن جابر بن عبداللَّه أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم قال: 'ما بال أقوام يزعمون أنّ رحمي لا ينتفع؟ بلى حتّى تبلغ حكم- و هم أحد قبيلتين من اليمن- إنّي لأشفع فأُشَفّع حتّى أنّ من أشفع له ليشفع فيُشَفَّع؛ حتّى أنّ إبليس ليتطاول طمعاً في الشفاعة'.

و نحو هذا ما أخرجه الطبراني من حديث أمّ هانى ء أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم قال: ما بال أقوام يزعمون أنّ شفاعتي لا تنال أهل بيتي و إنّ شفاعتي تنال حاء و حكم؟!!

لطيفة: نقل الزركشي في الخادم؟ عن ابن دحية أنّه جعل من أنواع الشفاعات التخفيف عن أبي لهب في كلّ يوم اثنين لسروره بولادة النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم و إعتاقه ثويبة حين بشّر به؟! قال: و إنّما هي كرامة له صلى اللَّه عليه و سلم.

تنبيه: ثمّ رأيت الإمام أباعبداللَّه محمّد بن خلف الآبي بسط الكلام على هذه المسألة في شرح مسلم عند حديث: "إنّ أبي و أباك في النار" فأورد قول النووي فيه: "أنّ من مات كافراً في النار؛ و لا تنفعه قرابة الأقربين" ثمّ قال:

قلت: انظر هذا الإطلاق؛ و قد قال السهيلي: ليس لنا أن نقول ذلك فقد قال صلى اللَّه عليه و سلم: 'لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات'.

و قال تعالى: 'إنّ الذين يؤذون اللَّه و رسوله |لعنهم اللَّه في الدنيا والآخرة و أعدّ لهم عذاباً مهيناً|' |57: الأحزاب: 33| و لعلّه يصحّ أنّه صلى اللَّه عليه و سلم سأل اللَّه سبحانه فأحيا له أبويه فآمنا به؛ و رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم فوق هذا؛ و لا يعجز اللَّه سبحانه شي ء.

ثمّ أورد |السهيلي| قول النوويّ- و فيه: "أنّ من مات في الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان |فهو| في النار؛ و ليس هذا من التعذيب قبل بلوغ الدعوة؛ لأنّه بلغتهم دعوة إبراهيم و غيره من الرسل"- ثمّ قال |السهيلي|: تأمّل ما في كلامه |هذا| من التنافي فإنّ من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة؛ فإنّ أهل الفترة هم الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأوّل و لا أدركوا الثاني كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى و لا لحقوا النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم؛ والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كلّ رسولين؛ و لكنّ الفقهاء إذا تكلّموا في الفترة فإنّما يعنون |المعنى| التي بين عيسى والنبيّ صلى اللَّه عليه و سلم؛ و لمّا دلّت القواطع على أنّه لا تعذيب حتّى تقوم الحجّة؛ علمنا أنّهم غير معذّبين. |ثمّ قال|:

فإن قلت: صحّت أحاديث بتعذيب أهل الفترة كصاحب المحجن و غيره؛ قلت: أجاب عن ذلك عقيل بن أبي طالب بثلاثة أجوبة:

الأوّل: إنّها أخبار آحاد فلا تعارض القاطع.

الثاني: قصر التعذيب على هؤلاء؛ واللَّه أعلم بالسبب.

الثالث: قصر التعذيب- المذكور في هذه الأحاديث- على من بدّل و غيّر الشرائع؛ و شرّع من الضلال ما لا يعذربه؛ فإنّ أهل الفترة ثلاثة أقسام:

الأوّل: من أدرك التوحيد ببصيرته؛ ثمّ من هؤلاء من لم يدخل في شريعة كقسّ بن ساعدة و زيد بن عمرو بن نفيل؛ و منهم من دخل في شريعة حقّ قائمة الرسم كتبّع و قومه.

القسم الثاني: من بدّل و غيّر و أشرك و لم يوحّد؛ فشرع لنفسه فحلّل و حرّم؛ و هم الأكثر كعمرو بن لحى أوّل من سنّ للعرب عبادة الأصنام؛ و شرع الأحكام؛ فبحرالبحيرة و سيّب السائبة؛ و وصل الوصيلة و حمى الحامي؟

و زادت طائفة من العرب على ما شرّعه |عمرو بن لحى| أن عبدوا الجنّ والملائكة؛ و خرقوا |للَّه| البنين والبنات؛ و اتّخذوا بيوتاً جعلوا لها سدنةً و حجاباً يضاهون بها الكعبة كالّلات والعزّى و مناة!!!

القسم الثالث: من لم يشرك و لم يوحّد؛ و لا دخل في شريعة نبيّ و لا ابتكر لنفسه شريعة؛ و لا اخترع ديناً؛ بل بقي |في جميع| عمره على حال غفلة عن هذا كلّه؛ و في الجاهلية من كان كذلك. فإذا انقسم أهل الفترة إلى ثلاثة الأقسام؟ فيحمل من صحّ تعذيبه على أهل القسم الثاني لكفرهم بما لا يعذرون به؟!

و أمّا القسم الثالث فهم أهل الفترة حقيقةً و هم غير معذّبين للقطع كما نقدّم؟.

و أمّا القسم الأوّل فقد قال صلى اللَّه عليه و سلم في كلّ من قسّ |بن ساعدة| و زيد أنّه يبعث أمّةً واحدة.

و أمّا تبّع و نحوه فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه ما لم يلحق أحد منهم الإسلام الناسخ لكلّ دين. |قال السيوطيّ:| انتهى ما أورده الآبي |في شرح مسلم|.

المسلك الثاني |لإثبات رفعة مقام والدي النبيّ صلى اللَّه عليه و عليهما|: إنّهما لم يثبت عنهما شرك؛ بل كانا على الحنيفيّة دين جدّهما إبراهيم عليه السلام؛ كما كان على ذلك طائفة من العرب كزيد بن عمرو بن نفيل و ورقة بن نوفل و غيرهما.

و هذا المسلك ذهب إليه طائفة |من العلماء| منهم الإمام فخر الدين الرازي فقال في |تفسير الآية: "74" من سورة الأنعام في| كتابه أسرار التنزيل ما نصّه:

قيل: إنّ آزر لم يكن والد إبراهيم بل كان عمّه؛ و احتجّوا عليه بوجوه:

منها أنّ آباء الأنبياء ما كانوا كفّاراً؛ و يدلّ عليه وجوه: منها قوله تعالى |في الآية: "219" من سورة الشعرا؛|: 'الذي يراك حين تقوم؛ و تقلّبك في الساجدين' قيل: معناه: انّه كان ينقل نوره من ساجد إلى ساجد؛ و بهذا التقدير فالآية دالّة على أنّ جميع آباء محمّد صلى اللَّه عليه و آله و سلم كانوا مسلمين |للَّه تعالى| و حينئذ يحب القطع بأنّ والد إبراهيم ما كان من الكافرين إنّما ذاك عمّه؛ أقصى ما في الباب أن يحمل قوله تعالى: 'وتقلّبك في الساجدين' على وجوه أخرى و إذا وردت الروايات بالكلّ و لا منافات بينها وجب حمل الآية على الكلّ؛ و متى صحّ ذلك؛ ثبت أنّ والد إبراهيم ماكان من عبدة الأوثان.

ثمّ قال |فخر الدين الرازي|:

و ممّا يدلّ على أنّ آباء محمّد صلى اللَّه عليه و آله و سلم ما كانوا مشركين؛ قوله عليه السلام: 'لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات' و|قد| قال تعالى |في الآية: "28" من سورة التوبة|: 'إنّما المشركون نجس' فوجب أن لا يكون أحد من أجداده مشركاً.

|قال السيوطيّ:| هذا كلام الإمام فخر الدين الرازي بحروفه؛- و ناهيك به إمامةً و جلالةً؛ فإنّه إمام أهل السنّة في زمانه والقائم بالردّ على فرق المبتدعة في وقته والناصر لمذهب الأشاعرة في عصره- و هو العالم المبعوث على رأس المائة السادسة ليجدّد على هذه الأمّة أمر دينها!!

|ثمّ قال السيوطي:| و عندي في نصرة هذا المسلك و ما ذهب إليه الإمام فخر الدين أمور: أحدها دليل استنبطّه مرّكب من مقدّمتين:

الأولى: إنّ الأحاديث الصحيحة دلّت على أنّ كلّ أصل من أصول النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم من آدم إلى أبيه عبداللَّه فهو من خير أهل قرنه و أفضلهم.

والثانية: إنّ الاحاديث والآثار دلّت على أنّه لم تخل الأرض- من عهد نوح أوآدم؟ إلى بعثة النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم ثمّ إلى أن تقوم الساعة- من ناس على الفطرة يعبدون اللَّه و يوحّدونه و يصلّون له؛ و بهم تحفظ الأرض؛ و لولاهم لهلكت الأرض و من عليها.

و إذا قارنت بين هاتين المقدّمتين أنتج منها قطعاً؟ أنّ آباء النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم لم يكن فيهم مشرك؛ لأنّه قد ثبت في كلّ منهم أنّه من خير قرنه؛ فإن كان الناس الذين هم على الفطرة هم إيّاهم فهو المدّعى؛ و إن كانوا غيرهم و هم على الشرك لزم أحد أمرين:

إمّا أن يكون المشرك خيراً من المسلم و هو باطل بالإجماع؛ و إمّا أن يكون غيرهم خيراً منهم و هو باطل |أيضاً| لمخالفته الأحاديث الصحيحة؛ فوجب قطعاً أن لايكون فيهم مشرك ليكونوا |هم| خير أهل الارض كلّ في قرنه.

ذكر أدلّة المقدّمة الاولى: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم: بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً؟ حتّى يعثت من القرن الّذي كنت فيه.

و أخرج البيهقي في دلائل النبوّة عن أنس أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم قال: 'ما افترق الناس فرقتين إلاّ جعلني اللَّه في خيرهما؛ فأخرجت من بين أبويّ فلم يصبني شي ء من عهد الجاهليّة؛ و خرجت من نكاح و لم أخرج من سفاح من لدن آدم حتّى انتهيت إلى أبي و أمّي فأنا خيركم نفساً و خيركم أباً |و أمّاً|.

و أخرج أبونعيم في دلائل النبوّة من طرق عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: 'لم يزل اللَّه ينقلني من الأصلاب الطيّبة إلى الأرحام الطاهرة مصفّىً مهذّباً؛ لاتنشعب شعبتان إلاّ كنت في خيرهما.

و أخرج مسلم والترمذيّ- و صحّحه- عن و اثلة بن الأسقع قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم: 'إنّ اللَّه اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل؛ و اصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة؛ و اصطفى من بني كنانة قريشاً و اصطفى من قريش بني هاشم'.

و قد أخرجه الحافظ أبوالقاسم حمزة بن يوسف السهمي في فضائل العبّاس من حديث واثلة بلفظ:

إنّ اللَّه اصطفى من ولد آدم إبراهيم و اتّخذه خليلاً؛ و اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل؛ ثمّ اصطفى من ولد إسماعيل نزار؛ ثمّ اصطفى من ولد نزار مضر؛ ثمّ اصطفى من مضر كنانة؛ ثمّ اصطفى من كنانة قريشاً؛ ثمّ اصطفى من قريش بني هاشم؛ ثمّ اصطفى من بني هاشم بني عبدالمطّلب؛ ثمّ اصطفاني من بني غبدالمطّلب.

|هكذا| أورده المحبّ الطبري- |نقلاً عن حمزة بن يوسف السهمي|- في ذخائر العقبى. و أخرج ابن سعد في طبقاته عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: خير العرب مضر؛ و خير مضر بنو عبدمناف؛ و خير بنى عبدمناف بنو هاشم؛ و خير بني هاشم بنو عبدالمطّلب.

واللَّه ما افترق فرقتان منذ خلق اللَّه آدم إلاّ كنت في خيرهما.

و أخرج الطبراني والبيهقي و أبونعيم عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: إنّ اللَّه خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم؛ و اختار من بني آدم العرب؛ و اختار من العرب مضر؛ و اختار من مضر قريشاً و اختار من قريش بني هاشم؛ و اختارني من بني هاشم فأنا من خيار إلى خيار.

و أخرج الترمذي- و حسّنه- والبيهقي عن ابن عبّاس بن عبدالمطّلب قال:قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: إنّ اللَّه حين خلقني جعلني من خير خلقه؛ ثمّ حين خلق القبائل جعلني من خيرهم قبيلةً و حين خلق الأنفس جعلني من خيرهم نفساً؛ ثمّ حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم بيتاً و خيرهم نفساً.

و أخرج الطبراني والبيهقي و أبونعيم عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم:إنّ اللَّه قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسماً؛ ثمّ جعل القسمين أثلاثاً فجعلني في خيرها ثلثاً؛ ثمّ جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها؛ ثمّ جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتاً.

و أخرج أبوعلي بن شاذان فيما أورده المحبّ الطبري في ذخائر العقبي- و هو في مسند البزار- عن ابن عبّاس قال: دخل ناس من قريش على صفيّة بنت عبدالمطّلب فجعلوا يتفاخرون و يذكرون الجاهلية؛ فقالت صفيّة: منّا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله و سلم. فقالوا: تنبت النخلة أوالشجرة في الأرض الكِبا |ظ| فذكرت ذلك صفيّة لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم فغضب و أمر بلالاً فنادى في الناس فقام على المنبر فقال: أيّها الناس من أنا؟ قالوا: أنت رسول اللَّه. قال: انسبوني. قالوا: |أنت| محمّد بن عبداللَّه بن عبدالمطّلب. قال: فما بال أقوام ينزلون أصلي فواللَّه إنّي لأفضلهم أصلاً خيرهم موضعاً.

و أخرج الحاكم عن ربيعة بن الحارث؛ قال: بلغ النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم أنّ قوماً نالوا منه فقالوا: إنّما مثل محمّد كمثل نخلة نبتت في كناس؟! فغضب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم و قال: 'إنّ اللَّه خلق خلقه فجعلهم فرقتين فجعلني في خير الفرقتين ثمّ جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلاً ثمّ جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً' ثمّ قال: '|ف|أنا خيركم قبيلاً و خيركم بيتاً'.

و أخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم: قال لي جبريل: قلّبت الأرض مشارقها و مغاربها فلم أجد رجلاً أفضل من محمّد؛ و لم أجد بني أب أفضل من بني هاشم.

قال الحافظ ابن حجر في أماليه: لوائح الصحّة ظاهرة على صفحات هذا المتن.

و من المعلوم أنّ الخيرية والاصطفاء والإختيار من اللَّه؛ والأفضليّة عنده لا تكون مع الشرك

ذكر أدلّة المقدّمة الثانية: قال عبدالرزّاق في المصنّف: عن معمر عن ابن جريج قال: قال ابن المسيّب:

قال عليّ بن أبي طالب |عليه السلام|: لم يزل على وجه الدهر في الأرض سبعة مسلمون فصاعداً؛ فلولا ذلك هلكت الأرض و من عليها.

|قال السيوطيّ:| هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ و مثله لا يقال من قبل الرأي فله حكم الرفع.

و|الحديث| قد أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن الدبري عن عبدالرزّاق به.

و أخرج ابن جرير في تفسيره عن شهر بن حوشب قال: لم تبق الأرض إلاّ و فيها أربعة عشر يدفع اللَّه بهم عن أهل الأرض و تخرج بركاتها إلاّ زمن إبراهيم فإنّه كان وحده.

و أخرج ابن المنذر في تفسيره عن قتادة في قوله تعالى |في الآية: "38" من سورة البقرة|: 'قلنا اهبطوا منها جميعاً فإمّا يأتينّكم منّي هدىً فمن تبع هداى' الآية؛ قال |قتادة|: ما زال للَّه في الأرض أولياء منذ هبط آدم؛ ما أخلى اللَّه الأرض لإبليس إلاّ و فيها أولياء له يعملون للَّه بطاعته.

و أخرج الإمام أحمد بن حنبل في |كتاب| الزهد، والخلال؟ في كرامات الأولياء بسند صحيح على شرط الشيخين عن ابن عبّاس قال: ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع اللَّه بهم عن أهل الأرض.

|قال السيوطيّ:| هذا |الحديث| أيضاً له حكم الرفع.

و أخرج الأزرقي في تاريخ مكّة عن زهير بن محمّد؛ قال: لم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعداً |و| لولا ذلك لأهلكت الأرض و من عليها.

و أخرج الجندي في فضائل مكّة؛ عن مجاهد |أنّه| قال: لم يزل على الأرض سبعة مسلمون فصاعداً |و| لولا ذلك هلكت الأرض و من عليها.

و أخرج الإمام أحمد في الزهد؛ عن كعب قال: لم يزل بعد نوح في الأرض أربعة عشر يدفع |اللَّه| بهم العذاب.

و أخرج الخلاّل في كرامات الأولياء عن زاذان |أنّه| قال: ما خلت الأرض بعد نوح من اثني عشر فصاعداً |من الصلحاء| يدفع اللَّه بهم عن أهل الأرض.

و أخرج ابن المنذر في تفسيره بسند صحيح عن ابن جريج في قوله |تعالى في الآية: "40" من سورة إبراهيم: 14|: 'ربّ اجعلني مقيم الصلاة و من ذرّيتي' قال: فلن يزال من ذرّية إبراهيم صلى اللَّه عليه و سلم ناس على الفطرة يعبدون اللَّه.

|قال السيوطيّ:| و إنّما وقع التقييد في هذه الآثار الثلاثة بقوله: "من بعد نوح" لأنّه من قبل نوح كان الناس كلّهم على الهدى.

و أخرج البزّار في مسنده؛ و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم في تفاسيرهم والحاكم في المستدرك- و صحّحه- عن ابن عبّاس في قوله |تعالى في الآية: "113" من سورة البقرة|: 'كان الناس أمّةً واحدة' قال: كان بين آدم و نوح عشرة قرون كلّهم على شريعة من الحقّ؛ فاختلفوا فبعث اللَّه النبيّين؛ |ثمّ| قال |ابن عبّاس|:- و كذلك هي في قراءة عبداللَّه بن مسعود-: 'كان الناس أمّةً واحدةً فاختلفوا'.

و أخرج أبويعلى والطبراني و ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عبّاس في قوله |تعالى|: 'كان اناس أمّةً واحدةً' قال: |كانوا| على الإسلام كلّهم.

و أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في |تفسير| الآية |الكريمة المتقدّم الذكر| قال: و ذكر لنا أنّه كان بين آدم و نوح عشرة قرون كلّهم على الهدى و على شريعة من الحقّ؛ ثمّ اختلفوا بعد ذلك فبعث اللَّه نوحاً؛ و كان أوّل رسول أرسله اللَّه إلى أهل الأرض؟

و أخرج ابن سعد في الطبقات؛ من وجه آخر عن ابن عبّاس |أنّه| قال: ما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام.

و أخرج ابن سعد من طريق سفيان بن سعيد الثوري عن أبيه عن عكرمة قال: كان بين آدم و نوح عشرة قرون كلّهم على الإسلام؛ و في التنزيل |الحكيم| حكايةً عن نوح: 'ربّ اغفر لي ولولديّ و لمن دخل بيتي مؤمناً' |28: نوح: 71|.

و ولد نوح سام مؤمن بالإجماع والنصّ؛ لأنّه نجا مع أبيه في السفينة و لم ينج فيهاإلاّ مؤمن؛ و في التنزيل: 'و جعلنا ذرّيته هم الباقين' |77: الصافات: 37|.

بل ورد في أثر أنّه كان نبيّاً |كما| أخرجه ابن سعد في الطبقات؛ والزبير بن بكّار في الموفّقيات و ابن عساكر في تاريخه عن الكلبي.

و ولده أرفخشد صرّح بإيمانه في أثر عن ابن عبّاس |كما| أخرجه ابن عبدالحكم في تاريخ مصر؛ و فيه أنّه أدرك جدّه نوحاً و أنّه دعا له أن يجعل اللَّه الملك والنبوّة في ولده.

|و| ولد أرفخشد إلى تارخ ورد التصريح بإيمانه في أثر.

و أخرج ابن سعد في الطبقات من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس أنّ نوحاً عليه السلام لمّا هبط من السفينة؛ هبط إلى قرية فبنى كلّ رجل منهم بيتاً فسمّيت سوق الثمانين.

و غرق بنو قابيل كلّهم؛ و ما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام.

فلمّا ضاقت بهم سوق الثمانين تحوّلوا إلى بابل فبنوها فكثروا بها حتّى بلغوا مائة ألف و هم على الإسلام؛ و لم يزالوا على الإسلام و هم ببابل حتّى ملكهم نمرود بن كوش؟ بن كنعان بن حام بن نوح؛ فدعاهم نمرود الى عبادة الأوثان ففعلوا. |قال السيوطيّ:| هذا لفظ هذا الأثر.

فعرف من مجموع هذه الآثار أنّ أحداد النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم كانوا مؤمنين بيقين من آدم إلى زمن نمروذ؛ وفي زمنه كان إبراهيم عليه السلام و آزر؛ فإن كان آزر والد إبراهيم فيستثنى من سلسلة النسب؛ و إن كان عمّه فلا استثناء.

و هذا القول- أعني أنّ أنّ آزر ليس أبا إبراهيم- ورد عن جماعة من السلف:

أخرج ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عبّاس في قوله |تعالى|: 'و إذ قال إبراهيم لأبيه آزر' قال: إنّ أباإبراهيم لم يكن اسمه آزر؛ و إنّما كان |اسمه| تارح.

وأخرج ابن أبي شيبة و ابن المنذر و ابن أبي حاتم من طرق بعضها صحيح؛ عن محاهد قال: ليس آزر أباإبراهيم.

و أخرج ابن المنذر بسند صحيح عن ابن جرَيْج في قوله |تعالى|: 'و إذ قال إبراهيم لأبيه آزر' |74: الأنعام: 6| قال: ليس آزر بأبيه؛ إنّما هو إبراهيم بن تيرح- أو تارَحْ- بن شاروخ بن ناحوربن فالخ.

و أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن السديّ أنّه قيل له: "اسم أبي إبراهيم آزر؟" فقال: بل اسمه تارَح.

و قد وجّه من حيث اللغة بأنّ العرب تطلق لفظ الأب على العمّ إطلاقاً شائعاً و إن كان مجازاً؛ و في التنزيل: 'أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت؛ إذ قال لبنيه: ما تعبدون من بعدي؟ قالوا نعبد إلهك و إله آبائك إبراهيم و إسماعيل و إسحاق' |133: البقرة: 2|. فأطلق على إسماعيل لفظ الأب و هو عمّ يعقوب؛ كما أطلق على إبراهيم و هو جدّه.

|و| أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس أنّه كان يقول: الجدّ أب و يتلو: 'قالوا: نعبد إلهك و إلاه آبائك' الآية.

و أخرج عن أبي العالية في قوله: 'و إله آبائك إبراهيم و إسماعيل' قال: سمّى العمّ أباً.

و أخرج عن محمّد بن كعب القرظي |أنّه| قال:الخال والد؟ والعمّ والد و تلا هذه الآية.

فهذه أقوال السلف من الصحابة والتابعين في ذلك؛ و يرشّحه أيضاً ما أخرجه ابن المنذر في تفسيره بسند صحيح عن سليمان بن صرد؛ قال: لمّا أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار جعلوا يجمعون الحطب؛ حتّى أن كانت العجوز لتجمع الحطب؛ فلمّا أن أرادوا أن يلقوه في النار قال: "حسبى اللَّه و نعم الوكيل" فلمّا ألقوه قال اللَّه: 'يانار كوني برداً و سلاماً على إبراهيم' |69: الأنبياء: 21| فقال عمّ إبراهيم من أجلي دفع عنه. فأرسل اللَّه عليه شرارةً من النار فوقعت على قدمه فأحرقته.

|قال السيوطي:| فقد صرّح في هذا الأثر بعمّ إبراهيم؛ و فيه فائدة أخرى و هو أنّه هلك في أيّام إلقاء إبراهيم في النار؛ و قد أخبر اللَّه سبحانه في القرآن بأنّ إبراهيم ترك الإستغفار له لمّا تبيّن له أنّه عدوّ للَّه؛ و وردت الآثار بأنّ ذلك تبيّن له لمّا مات مشركاً؛ و أنّه لم يستغفر له بعد ذلك.

و أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عبّاس قال: مازال إبراهيم يستغفر لأبيه حتّى مات؛ فلمّا مات |و|تبيّن له أنّه عدوّ للَّه فلم يستغفر له.

و أخرج عن محمّد بن كعب و قتادة و مجاهد والحسن و غيرهم قالوا: كان يرجوه في حياته؛ فلمّا مات على شركه تبرّأ منه.

ثمّ هاجر إبراهيم عقب واقعة النار إلى الشام كما نصّ اللَّه على ذلك فى القرآن.

ثمّ بعد مدّة من مهاجره دخل مصر؛ و اتّفق له فيها مع الجبّار ما اتّفق بسبب سارة و أخدمه هاجر؛ ثمّ رجع إلى الشام؛ ثمّ أمره اللَّه أن ينقلها و ولدها إسماعيل إلى مكّة فنقلهما |إليها|ودعا فقال: 'ربّنا إنّي أسكنت من ذرّيتي بوادٍ غير ذي زرع- إلى قوله:- ربّنا اغفر لي و لوالديّ و للمؤمنين يوم يقوم الحساب' |37: إبراهيم: 14|. فاستغفر لوالديه و ذلك بعد هلاك عمّه بمدّة طويلة.

فيستنبط من هذا أنّ المذكور |ظ| في القرآن بالكفر ء والتبرّي من الإستغفار له؟ هو عمّه لا أبوه الحقيقي فللَّه الحمد على ما ألهم.

روى ابن سعد في الطبقات عن الكلبي قال: هاجر إبراهيم من بابل إلى الشام- و هو يومئذٍ ابن سبع و ثلاثين سنة- فأتى حرّان فأقام بها زماناً ثمّ أتى الأردن فأقام بها زماناً ثمّ خرج إلى مصر فأقام بها زماناً؛ ثمّ رجع إلى الشام فنزل "السبع" أرضاً بين إيلياء و فلسطين؛ ثمّ إنّ بعض أهل البلد آذوه فتحوّل من عندهم فنزل منزلاً بين الرملة و إيلياء.

و روى ابن سعد عن الواقدي قال: ولد لإبراهيم اسماعيل و هو ابن تسعين سنة فعرف من هذين الأمرين أنّ هجرته من بابل عقب واقعة النار و بين الدعوة الّتي دعا بها بمكّة بضعاً و خمسين سنة.

تتميم ثمّ استمر التوحيد في ولد إبراهيم و إسماعيل |عليهماالسلام| قال: الشهرستاني في |كتاب| الملل والنحل:

كان دين إبراهيم قائماً والتوحيد في صدرالعرب شائعاً؛ و أوّل من غيّره و اتّخذ عبادة لأصنام ععمرو بن لحى.

قلت: و قد صح بذلك الحديث |وقد| أخرج البخاري و مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلي اللَّه عليه و سلم: 'رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجرّ قصبه في النار كان أوّل من سيّب السوائب.

و أخرج الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود عن النبي صلي اللَّه عليه و سلم قال: إن أول من سيّب السوائب و عبدالأصنام أبوخزاعة عمرو بن عامر؛ و إني رأيته يجرّ أمعاءه في النار.

و أخرج ابن إسحاق وابن جرير في تفسيره عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: رأيت عمرو بن لحى بن قمعة بن خندف يجرّ قصبه بالنار؟ إنّه أوّل من غيّر دين إبراهيم- و لفظ ابن إسحاق: إنّه كان أوّل من غيّر دين إسماعيل- و نصب الأوثان؛ و بحر البحيرة و سيّب السائبة و وصل الوسيلة و حمى الحامي.

و له طريق أخرى؟

و أخرج البزّار في مسنده بسند صحيح عن أنس قال: كان الناس بعد إسماعيل على الإسلام؛ و كان الشيطان يحدّث الناس بالشي ء يريد أن يردّهم عن الإسلام حتّى أدخل عليهم في التلبية 'لبّيك الّلهم لبّيك؛ لبّيك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك؛ تملكه و ما ملكك |ظ|.

قال |أنس|: فمازال |بالناس| حتّى أخرجهم عن الإسلام إلى الشرك.

|و| قال السهيلي في |كتاب| الروض الأنف: كان عمرو بن لحى- حين غلبت خزاعة على البيت ونفت جرهم عن مكّة- قد جعلته العرب ربّاً لا يبتدع لهم بدعةً إلاّ اتّخذوها شرعةً لأنّه كان يطعم الناس و يكسو|هم| في الموسم.

و قد ذكر ابن إسحاق أنّه أوّل من أدخل الأصنام الحرم و حمل الناس على عبادتها؟! و كانت التلبية من عهد إبراهيم: 'لبّيك الّلهمّ لبّيك؛ لا شريك لك لبّيك' حتّى كان عمرو بن لحى فبينما هو يلبّي تمثّل له الشيطان في صورة شيخ يلبّي معه؛ فقال عمرو: "لبّيك لا شريك لك" فقال الشيخ: "إلاّ شريكاً هو لك" فأنكر ذلك عمرو و قال: و ما هذا؟ فقال الشيخ: قل تملكه و ما ملك؟ فإنّه لا بأس بهذا. فقالها عمرو و دانت بها العرب!! انتهى كلام السهيلي.

و قال الحافظ عماد الدين ابن كثير في تاريخه:

كانت العرب على دين إبراهيم إلى أن ولّي عمرو بن عامر الخزاعي مكّة و انتزع ولاية البيت من أجداد النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم فأحدث عمرو المذكور عبادة الأصنام؛ و شرّع للعرب الضلالات من السواءب و غيرها؛ و زاد في التلبية بعد قوله: 'لبّيك لا شريك لك' قوله:"إلاّ شريكاً هو لك؛ تملكه و ما ملك".

فهو أوّل من قال ذلك؛ و تبعته العرب على الشرك؛ فشابهوا بذلك قوم نوح و سائر الأمم المتقدّمة؛ و فيهم على ذلك بقايا من دين إبراهيم.

و كانت مدة ولاية خزاعة على البيت ثلاث مائة سنة؛ و كانت ولايتهم مشؤمة إلى أن جاء قصيّ جدّ النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم فقاتلهم و استعان على حربهم بالعرب؛ و انتزع ولاية البيت منهم إلاّ أنّ العرب بعد ذلك لم ترجع عمّا كان أحدثه لها عمرو الخزاعي من عبادة الأصنام و غير ذلك؛ لأنّهم رأوا ذلك ديناً في نفسه لا ينبغي أن يغيّر انتهى.

فثبت أنّ آباء النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم من عهد إبراهيم إلى زمان عمرو |المذكور| كلهم مؤمنون بيقين؛ و نأخذ في الكلام على الباقي و على زيادة توضيح لهذا القدر.

الأمر الثاني: ممّا ينتصر به لهذا المسلك آيات و آثار وردت في ذرّية إبراهيم و عقبه:

الآية الأولى و هي أصرحها قوله تعالى: 'و إذ قال إبراهيم لأبيه و قومه: إنّني براء ممّا تعبدون؛ إلاّ الذي فطرني فإنّه سيهدين؛ و جعلها كلمةً باقيةً في عقبه'|28: الزخرف: 43| أخرج عبد بن حميد في تفسيره بسنده عن ابن عبّاس في قوله |تعالى|: 'و جعلها كلمةً باقيةً في عقبه' قال: |جعل كلمة| لاإله إلاّ اللَّه باقيةً في عقب إبراهيم.

و أخرج عبد بن حميد و ابن جرير و ابن المنذر عن مجاهد في قوله: 'و جعلها كلمةً باقيةً' قال: |هي كلمة| لاإله إلاّ اللَّه .

و قال عبد بن حميد: حدّثنا يونس؛ عن شيبان؛ عن قتادة في قوله: 'و جعلها كلمةً باقيةً في عقبه' قال: |هي| شهادة 'أن لا إله إلاّ اللَّه' والتوحيد لا يزال في ذرّيته من يقولها من بعده.

و قال عبد الرزّاق في تفسيره: عن معمر؛ عن قتادة في قوله |تعالى|: 'وجعلها كلمةً باقيةً في عقبه' قال: 'الإخلاص والتوحيد؛ لايزال في ذرّيته من يوحّد اللَّه و يعبده' أخرجه ابن المنذر. ثمّ قال:

و قال ابن جريج في الآية |هي| في عقب إبراهيم؛ فلم يزل بعد من ذرّية إبراهيم من يوحّد اللَّه و يعبده. أخرجه ابن المنذر؟

ثمّ قال: و قال ابن جريج في الآية في عقب إبراهيم؟: فلم يزل بعد من ذرّية إبراهيم من يقول: لا إله إلاّ اللَّه.

قال: و|هنا| قول آخر: فلم يزل ناس من ذرّيته على الفطرة يعبدون اللَّه حتّى تقوم الساعة. و أخرج عبد بن حميد عن الزهري في الآية قال: العقب ولده الذكور والإناث و أولاد الذكور. و أخرج عن عطاء قال: العقب ولده و عصبته.

الآية الثانية: قوله تعالى: 'و إذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا البلد آمناً و اجنبني و بنيّ أن نعبد الأصنام' |35: إبراهيم:14|

أخرج ابن حرير في تفسيره عن مجاهد في هذه الآية قال: فاستجاب اللَّه لإبراهيم دعوته في ولده فلم يعبد أحد من ولده صنماً بعد دعوته؛ و استجاب اللَّه له و جعل هذا البلد آمناً و رزق أهله من الثمرات؛ و جعله إماماً و جعل من ذرّيته من يقيم الصلاة.

و أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن وهب بن منبه أنّ آدم لمّا أهبط إلى الأرض استوحش- فذكر الحديث بطوله في قصّة البيت الحرام؛ و فيه من قول اللَّه لآدم في حقّ إبراهيم عليهماالسلام: و أجعله أمّةً واحداً؟ قانتاً لأمري داعياً إلى سبيلي أجتبيه و أهديه إلى صراط مستقيم؛ أستجيب دعوته في ولده و ذرّيته من بعده؛ و أشفّعه فيهم و أجعلهم أهل ذلك البيت و ولاته و حماته |...| الحديث.

|و| هذا الأثر موافق لقول مجاهد المذكور آنفاً.

و لا شكّ أنّ ولاية البيت كانت معروفة بأجداد النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم خاصّةً دون سائر ذرّية إبراهيم إلى أن انتزعها منهم عمرو الخزاعي ثمّ عادت إليهم.

فعرف أنّ كلّ ما ذكر عن ذرّية إبراهيم فإنّ أولى الناس به سلسلة الأجداد الشريفة الذين خصّوا بالإصطفاء و انتقل إليهم نور النبوّة واحداً بعد واحد؛ فهم أولى بأن يكونوا هم البعض المشار إليهم في قوله |تعالى|: 'ربّ اجعلني مقيم الصلاة و من ذرّيتي' |40: إبراهيم: 14|.

و أخرج ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة أنّه سئل: هل عبد أحد من ولد إسماعيل الأصنام؟ قال: لا ألم تسمع قوله |تعالى|: 'و اجنبني و بنيّ أن نعبد الأصنام' |35: إبراهيم: 14| قيل: فكيف لم يدخل ولد إسحاق و سائر ولد إبراهيم؟ قال: لأنّه دعا لأهل هذا البلد أن لا يعبدوا |الأصنام| اذا أسكنهم إيّاه؟ فقال: 'اجعل هذا البلد آمناً' |35: إبراهيم| و لم يدع لجميع البلدان بذلك؛ فقال: 'و اجنبني و بنيّ أن نعبد الأصنام' فيه؛ و قد خصّ أهله و قال: 'ربّنا إنّي أسكنت من ذرّيتي بوادٍ غير ذي ذرع عند بيتك المحرّم ليقيموا الصلاة' |37: إبراهيم: 14|.

|قال السيوطي:| فانظر إلى هذا الجواب من سفيان بن عيينة؛ و هو أحد الأئمّة المجتهدين؛ و هو شيخ إمامنا الشافعيّ رضي اللَّه عنهما.

الآية الثالثة: قوله تعالى حكايةً عن إبراهيم عليه السلام: 'ربّ اجعلني مقيم الصلاة و من ذرّيتي' |40: إبراهيم: 14| أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: 'ربّ اجعلني مقيم الصلاة و من ذرّيتي' قال: فلن يزال من ذرّية إبراهيم ناس على الفطرة يعبدون اللَّه.

آية رابعة؟:

أخرج أبوالشيخ في تفسيره عن زيد بن عليّ قال: قالت سارة لمّا بشّرتها الملائكة: 'يا ويلتا أألد و أنا عجوز و هذا بعلي شيخاً؟ إنّ هذا لشي ء عجيب' |72: هود: 11| فقالت الملائكة |تردّ على سارة: 'أتعجبين من أمر اللَّه؛ رحمة اللَّه و بركاته عليكم أهل البيت إنّه حميد مجيد' |73: هود 11| قال: فهو كقوله |تعالى|: 'و جعلها كلمةً باقيةً في عقبه' |28: الزخرف: 43| محمّد و آله- من نسبه- عقب إبراهيم داخل في ذلك|.

و قد أخرج |جعفر بن محمّد| ابن حبيب في تاريخه عن ابن عبّاس قال: كان عدنان ومعد وربيعة ومضر وخزيمة وأسد؛ على ملّة إبراهيم فلا تذكروهم إلاّ بخير.

و ذكر أبوجعفر الطبري و غيره أنّ اللَّه تعالى أوحى إلى ارميا أن اذهب إلى بخت نصّر فأعلمه أنّي قد سلّطته على العرب؛ و أمر اللَّه أرميا أن يحتمل معه معد بن عدنان على البراق كيلا تصيبه النقمة؛ فإنّي مستخرج من صلبه نبيّاً كريماً أختم به الرسل.

ففعل أرميا ذلك و احتمل معد إلى أرض الشام؛ فنشأ مع بني إسرائيل ثمّ عاد بعد أن هدأت الفتن.

و أخرج ابن سعد في الطبقات من مرسل عبداللَّه بن خالد؛ قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم: 'لا تسبّوا مضر فإنّه كان قد أسلم'.

و قال السهيلي في الروض الأنف: |و| في الحديث المرويّ: لا تسبّوا مضر و لا ربيعة فإنّهما كانا مؤمنين.

|ثمّ قال السهيلي:| قلت: وقفت عليه مسنداً؛ فأخرجه أبوبكر محمّد بن خلف بن حيّان المعروف بوكيع في كتاب الغرر من الأخبار قال:

حدّثنا إسحاق بن داود بن عيسى المروزي حدّثنا أبويعقوب الشعراني حدّثنا سليمان بن عبد الرحمان الدمشقي حدّثنا عثمان بن قائد؛ عن يحيى بن طلحة بن عبيداللَّه؛ عن اسماعيل بن محمّد بن سعد بن أبي وقّاص؛ عن عبد الرحمان بن أبي بكر الصدّيق:

عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم قال: لا تسبّوا ربيعة و لا مضر فإنّهما كانا مسلمين.

و أخرج بسنده عن عائشة أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم قال: لاتسبّوا تميماً وضبّة فإنّهما كانا مسلمين.

و أخرج بسنده عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: لا تسبّوا قسّاً فإنّه كان مسلماً.

ثمّ قال السهيلي: و يذكر عن النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم أنّه قال: لاتسبّوا إلياس فإنّه كان مؤمناً.

و ذكر أنّه كان يسمع في صلبه تلبية النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم بالحجّ.

قال: و كعب بن لؤيّ أوّل من جمع يوم العروبة. و قيل: هو أوّل من سمّاهاالجمعة؛ فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم فيخطبهم و يذكّرهم بمبعث النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم و يعلمهم أنّه من ولده و يأمرهم باتّباعه والإيمان به و ينشدهم في هذا أبياتاً منها قوله:

يا ليتني شاهداً فحواء دعوته إذا قريش تبغي الحققّ خذلاناً

إذا قريش تبغي الحققّ خذلاناً إذا قريش تبغي الحققّ خذلاناً

|ثمّ| قال |السهيلي|: و قد ذكر الماوردي هذا الخبر عن كعب في كتاب الأعلام له.انتهى |كلام السهيلي|.

|قال السيوطي:| قلت: هذا الخبر أخرجه أبونعيم في دلائل النبوّة بسند|ه| عن أبي سلمة بن عبد الرحمان بن عوف؛ و في آخره: و كان بين موت كعب و مبعث النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم خمس مائة سنة و ستّون سنة.

والماوردي المذكور هو أحد أئمّة أصحابنا؛ و هو صاحب الحاوي الكبير |و| له كتاب أعلام النبوّة في مجلّد كثير الفوائد؛ و قد رأيته و سأنقل منه في هذا الكتاب.

فحصل ممّا أوردناه أنّ آباء النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم من عهد إبراهيم إلى كعب بن لؤيّ كانوا كلّهم على دين إبراهيم؛ و ولد كعب مرّة؛ |و|الظاهر أنّه كذلك؟ لأنّ أباه أوصاه بالإيمان؛ و بقي بينه و بين عبد المطّلب أربعة آباءوهم كلاب و قصيّ و عبد مناف و هاشم؛ و لم أظفر فيهم بنقل لا بهذا و لا بهذا.

و أمّا عبدالمطّلب ففيه ثلاثة أقوال: أحدها- و هو الأشبه- أنّه لم تبلغه الدعوة لأجل الحديث الذي في البخاري و غيره.

والثاني أنّه كان على التوحيد و ملّة إبراهيم؛ و هو ظاهر عموم كلام الإمام فخر الدين؛ وما تقدّم عن مجاهد و سفيان بن عيينة و غيرهما في تفسير الآيات السابقة.

والثالث: أنّ اللَّه أحياه بعد بعثة النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم حتّى آمن به و أسلم ثمّ مات- |و هذا| حكاه ابن سيّد الناس- و هذا أضعف الأقوال و أسقطها و أوهاها؛ لأنّه لا دليل عليه و لم يرد قطّ في حديث ضعيف و لا غيره؛ و لا قال هذا القول أحد من أئمّة السنّة إنّما حكوه عن بعض الشيعة؛ و لهذااقتصر غالب المصنّفين على حكاية القولين الأوّلين و سكتوا عن حكاية القول السالف؛ لأنّ خلاف |بعض| الشيعة لايعتدّ به!!

قال السهيلي: في الروض الأنف: و في الصحيح أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم دخل على أبي طالب عند موته- و عنده أبوجهل و ابن أبي أميّة- فقال: يا عمّ قل: 'لا إله إلاّ اللَّه' كلمة أشهد لك بها عند اللَّه. فقال له أبوجهل و ابن أبي أميّة: أترغب عن ملّة عبدالمطّلب؟ فقال: أنا على ملّة عبدالمطّلب.

قال |السهيلي|: فظاهر هذا الحديث يقتضي أنّ عبدالمطّلب مات على الشرك.

|ثمّ| قال |السهيلي|: و وجدت في بعض كتب المسعودي اختلافاً في عبدالمطّلب و أنّه قد قيل فيه: |إنّه| مات مسلماً لمارآى من الدلائل على نبوّة محمّد صلى اللَّه عليه و سلم و علم أنّه لا يبعث إلاّ بالتوحيد فاللَّه أعلم غير أنّ في مسند البزّار و كتاب النسائيّ من حديث عبداللَّه بن عمرو |شانى ء محمّد في الجاهلية والإسلام| أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم قال لفاطمة- و قد عزّت قوماً من الأنصار عن ميّتهم-: لعلّك بلغت الكُدى |أي المقبرة؟| فقالت: لا. فقال: لو كنت بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنّة حتّى يراها جدّ أبيك.

قال |السهيلي|: و قد خرّجه أبوداود و لم يذكر فيه: "حتّى يراها جدّ أبيك".

|ثمّ قال السهيلي:| و في قوله: "جدّ أبيك" و لم يقل "جدّك" تقوية للحديث الضعيف الذي قدّمنا ذكره |من| أنّ اللَّه أحيا أباه و أمّه و آمنا به فاللَّه أعلم.

|ثم| قال |السهيلى|: و يحتمل أنّه أراد تخويفها بذلك؛ لأنّ قوله صلى اللَّه عليه و آله و سلم حقّ؛ و بلوغها معهم الكدى لا يوجب خلوداً في النار.

|قال السيوطي:| هذا |الذي| قدّمناه كلّه كلام السهيلي بحروفه؛ و قال الشهرستاني في الملل والنحل:

ظهر نور النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم في أسارير عبد المطّلب بعض الظهور و ببركة ذلك النور ألهم النذر في ذبح ولده؛ و ببركته كان يأمر ولده بترك الظلم والبغي و يحثّهم على مكارم الأخلاق؛ و ينهاهم عن دنيّات الأمور؛ و ببركة ذلك النور كان يقول في وصاياه: إنّه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتّى ينتقم منه و تصيبه عقوبة إلى أن هلك رجل ظلوم لم تصبه عقوبة؟

فقيل لعبدالمطّلب في ذلك؟ ففكّر و قال: واللَّه إنّ وراء هذه الدار داراً يجزى فيها المحسن بإحسانه؛ و يعاقب فيها المسي ء بإساءته.

و ببركة ذلك النور قال: |عبدالمطّلب| لأبرهة: إنّ لهذا البيت ربّاً يحفظه. و منه قال؟: و قد صعد أباقبيس:

لاهمّ إنّ المرء يم*** ـنع رحله فامنع رحالك

لايغلبنّ صليبهم *** و محالهم يوماً محالك

و انصرعلى آل الصليب ***و عابديه اليوم آلك

انتهى كلام الشهرستاني، و يناسق ما ذكره؟ ما أخرجه ابن سعد في طبقاته عن ابن عبّاس قال: كانت الدية عشراً من الإبل و عبد المطّلب أوّل من سنّ دية النفس مائةً من الإبل؛ فجرت في قريش والعرب مائةً من الإبل؛ و أقرّها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم.

و ينضمّ إلى ذلك أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم انتسب إليه يوم حنين فقال:

أنا النبيّ لا كذب *** أنا ابن عبدالمطّلب

و هذا أقوى ما تقوّى به مقالة الإمام فخرالدين و من وافقه؛ لأنّ الأحاديث وردت في النهي عن الإنتساب إلى الآباء الكفّار.

روى البيهقي فى شعب الإيمان؛ من حديث أبيّ بن كعب و معاذ بن جبل أنّ رجلين انتسبا على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان أنا فلان بن فلان؟

فقال رسول اللَّه صلى عليه و آله و سلم: انتسب رجلان على عهد موسى فقال: أحدهما أنا فلان بن فلان إلى تسعة؛ و قال الآخر: أنا فلان بن فلان ابن الإسلام.

فأوحى اللَّه إلى موسى: |ما| هذان المنتسبان؟ أمّا أنت أيّهاالمنتسب إلى تسعة آباء في النار فأنت عاشرهم في النار!! و أمّا أنت أيّها المنتسب إلى إثنين |مسلمين| فأنت ثالثهما في الجنّة.

و روى البيهقي أيضاً عن أبي ريحانة عن النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم قال: من انتسب إلى تسعة آباء كفّار يريد بهم عزّاً و شرفاً فهو عاشرهم في النار.

و روى البيهقي أيضاً عن ابن عبّاس أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم قال: لاتفخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية؛ فوالذي نفسي بيده لما يدحدح الجمل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية.

و روى البيهقي أيضاً عن أبي هريرة عن النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم قال: إنّ اللَّه قد أذهب عنكم عبية الجاهلية و فخرها بالآباء؟ لَيَنْتَهِيَنّ أقوام يفتخرون برجال إنّماهم فحم من فحم جهنّم أو لَيكوننّ أهون على اللَّه من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها!!

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة؛ و أوضح من ذلك في التقرير أنّ البيهقي أورد في شعب الإيمان حديث مسلم: 'إنّ في أمّتي أربعاً من أمر الجاهلية ليسوا بتاركين: 'الفخر في الأحساب |...|' الحديث.

و قال عقبة: فإن عورض هذا بحديث النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم في اصطفائه من بني هاشم فقد قال الحليميّ: لم يرد بذلك الفخر إنّما أراد تعريف منازل المذكورين و مراتبهم كرجل يقول: كان أبي فقيهاً لايريد به الفخر؛ و إنّما يريد به تعريف حاله دون ماعداه.

|ثمّ| قال |الحليمي|: و قد يكون أراد به الإشارة بنعمة اللَّه عليه في نفسه و آبائه على وجه الشكر و ليس ذلك من الإستطالة والفخر في شي ء انتهى.

فقوله: 'أراد تعريف منازل المذكورين و مراتبهم أو الإشارة بنعمة اللَّه عليه في نفسه و آبائه على وجه الشكر' فيه تقوية لمقالة الإمام |فخرالدين الرازي|؛ و إجرائها على عمومها كما لا يخفى إذ الإصطفاء لا يكون إلاّ لمن هو على التوحيد

و لا شكّ أنّ الترجيح في عبد المطّلب عسر جدّاً لأنّ حديث البخاري مصادم قويّ |لو لا أنّه من رواية تلميذ حريز الحمصي؟!| و إن أخذ في تأويله لم يوجد تأويل قريب؛ والتأويل البعيد يأباه أهل الأصول؛ و لهذا لمّا رآى السهيلي تصادم الأدلّة فيه لم يقدر على الترجيح فوقف و قال: فاللَّه أعلم.

و هذا يصلح أن يعدّ قولاً رابعاً فيه و هو الوقف؛ و أكثر ما خطر لي في تأويل الحديث و جهان بعيدان فتركتهما.

و أمّا حديث النسائي فتأويله قريب؛ وقد فتح السهيلي بابه و إن لم يستوفه؛ و إنّما سهّل الترجيح في جانب عبداللَّه؛ مع أنّ فيه معارضاً قويّاً و هو حديث مسلم؛ لأنّ ذاك سهل تأويله بتأويل قريب في غاية الجلاء والوضوح؛ و قامت الأدلّة على رجحان جانب التأويل فسهل المصير واللَّه أعلم.

ثمّ رأيت الإمام أباالحسن الماوردي أشار إلى نحو ما ذكره الإمام فخر الدين؛ إلاّ أنّه لم يصرّح كتصريحه؛ فقال في كتابه: أعلام النبوّة:

لمّا كان أنبياء اللَّه صفوة عباده و خيرة خلقه لما كلّفهم من القيام بحقّه و الإرشاد لخلقه؛ استخلصهم من أكرم العناصر؛ و اجتباهم بمحكم الأواصر؛ فلم يكن لنسبهم من قدح و لمنصبهم من جرح؛ لتكون القلوب لهم أصغى والنفوس لهم أوطأ؛ فيكون الناس إلى إجابتهم أسرع؛ و لأوامرهم أطوع؛ و إنّ اللَّه استخلص رسوله صلى اللَّه عليه و آله و سلم من أطيب المناكح؛ و حماه من دنس الفواحش؛ و نقله من أصلاب طاهرة إلى أرحام منزّهة؛ و قد قال ابن عبّاس في تأويل قول اللَّه: 'و تقلّبك في الساجدين' |219: الشعراء: 26| أي تقلّبك من أصلاب طاهرة من أب بعد أب إلى أن جعلك نبيّاً فكان نور النبوّة ظاهراً في آبائه؛ ثمّ لم يشركه في ولادته من أبويه أخ ولا أخت لانتهاء صفوتهما إليه؛ و قصور نسبهما عليه؛ ليكون مختصّاً بنسب جعله اللَّه للنبوّة غايةً و لتفرّده نهايةً؛ فيزول عنه أن يشارك فيه و يماثل فيه؛ فلذلك مات عنه أبواه في صغره؛ فأمّا أبوه فمات و هو حمل؛ و أمّا أمّه فماتت و هو ابن ستّ سنين؟!

و إذا خبرت حال نسبه و عرفت طهارة مولده علمت أنّه سلالة آباءكرام؛ ليس في آبائه مسترذل و لا مغمور مستبذل؛ بل كلّهم سادة قادة؛ و شرف النسب و طهارة المولد من شروط النبوّة انتهى كلام الماوردي بحروفه.

و قال أبوجعفر النحّاس في معاني القرآن في قوله |تعالى|: 'و تقلّبك في الساجدين': روي عن ابن عبّاس أنّه قال: تقلّبه في الظهور حتّى أخرجه نبيّاً.

و ما أحسن قول الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي رحمه اللَّه تعالى:

تنقّل أحمد نوراً عظيماً *** تلألأ في جباه الساجدينا

تقلّب فيهمو قرناً فقرناً *** إلى أن جاء خير المرسلينا

و قال أيضاً:

حفظ الإله كرامةً لمحمّد *** آباءه الأمجاد صوناً لاسمه

تركوا السفاح فلم يصبهم عاره *** من آدم حتّى أبيه و أمّه

و قال الشرف البوصيري صاحب البردة:

كيف ترقى رقيّك الأبياء *** ياسماء ما طاولتها سماء

لم يساووك في علاك و قد حا *** ل سنىً منك دونهم و سناء

إنّما مثّلوا صفاتك للنا *** س كما مثّل النجوم الماء

أنت مصباح كلّ فضل فما تصـ ***ــدر إلاّ عن ضوئك الأضواء

لك ذات العلوم من عالم ال***-غيب و منها لآدم الأسماء

لم تزل في ضمائر الغيب تختا *** ر لك الأمّهات و الآباء

ما مضت فترة من الرسل إلاّ *** بشّرت قومها بك الأنبياء

تتباهى بك العصور و تسمو *** بك علياء بعدها علياء

و بدا للوجود منك كريم *** من كريم آباؤه كرماء

نسب تحسب العلا بحلاه *** قلّدتها نجومها الجوزاء

فهنيئاً لآمنة الفض***-ل الذي شرّفت به حوّاء

من لحوّاء إنّها حملت أحم***ــدأو أنّها به نفساء

يوم نالت بوضعه ابنة وهب *** من فخار ما لم تنله النفساء

و أتت قومها بأفضل ممّا ***قد أتت قبل مريم العذراء

فائدة: قال ابن أبي حاتم في تفسيره:

حدّثنا أبي حدّثنا موسى بن أيّوب النصيبي حدّثنا ضمرة؛ عن عثمان بن عطاء عن أبيه قال: بين النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم و بين آدم تسعة و أربعون أباً!!

الأمر الثالث: أثر ورد في أمّ النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم خاصّةً:

أخرج أبونعيم في دلائل النبوّة بسند ضعيف من طريق الزهري عن أمّ سماعة بنت رهم عن أمّها قالت: شهدت آمنة أمّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم في علّتها التي ماتت فيها و محمّد غلام يفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه ثمّ قالت:

بارك فيك اللَّه من غلام *** يا اين الذي من حومة الحمام؟

نجا بعون الملك المنعام *** فودى غداة الضرب بالسهام؟

بمائة من إبل سوام *** إن صحّ ما أبصرت في المنام

فأنت مبعوث إلى الأنام *** من عند ذي الجلال والإكرام

تبعث في الحلّ و في الحرام *** تبعث بالتحقيق والإسلام

دين أبيك البرّ ابراهام ***فاللَّه أنهاك عن الأصنام

أن لا تواليها مع الأقوام

ثمّ قالت: كلّ حيّ ميّت و كلّ جديد بال؛ و كلّ كبير يفنى و أنا ميّتة و ذكري باق؛ و قد تركت خيراً و ولدت طهراً.

|قالت:| ثمّ ماتت فكنّا نسمع نوح الجنّ عليها فحفظنا من ذلك:

نبكي الفتاة البرّة الأمينة *** ذات الجمال العفّة الرزينة

زوجة عبداللَّه والقرينة؟ *** أمّ نبيّ اللَّه ذي السكينة

و صاحب المنبر بالمدينة

صارت لدى حفرتها رهينة

فأنت ترى هذا الكلام منها صريحاً في النهي عن موالات الأصنام مع الأقوام؛والإعتراف بدين إبراهيم و ببعث ولدها إلى الأنام من عند ذي الجلال والإكرام بالإسلام.

و هذه الألفاظ منافية للشرك؛ فقولها: 'تبعث بالتحقيق' كذا في النسخة؛ و عندي أنّه تصحيف و إنّما هو "بالتخفيف".

ثمّ إنّي استقرأت أمّهات الأنبياء عليهم السلام فوجدتهنّ مؤمنات؛ فأمّ إسحاق و موسى و هارون و عيسى و حوّاء أمّ شيث مذكورات في القرآن؛ بل قيل بنبوّتهنّ و وردت الأحاديث بإيمان هاجر أمّ إسماعيل و أمّ يعقوب و أمّهات أولاده و أمّ داود؛ و سليمان و زكريّا و يحيى و شمويل و شمعون و ذي الكفل.

و نصّ بعض المفسّرين على إيمان أمّ نوح و أمّ إبراهيم؛ و رجّحه أبوحيّان في تفسيره.

و قد تقدّم عن ابن عبّاس أنّه لم يكن بين نوح و آدم والد كافر؛ و لهذا قال |إبراهيم الخليل|:

'ربّ اغفر لي و لوالديّ و لمن دخل بيتي مؤمناً' |28: نوح: 71|.

و|أيضاً| قال إبراهيم: 'ربّ اغفر لي و لوالديّ و للمؤمنين يوم يقوم الحساب' |41: إبراهيم: 14|.

و لم يُعْتَذَر عن استغفار إبراهيم في القرآن إلاّ لأبيه خاصّةً- |بناءاً على القول بكون آزر أباً له|- دون أمّه؛ فدلّ على أنّها كانت مؤمنةً.

و أخرج الحاكم في المستدرك- وصحه- عن ابن عبّاس قال: كانت الأنبياء من بني إسرائيل إلاّ عشرة: نوح و هود و صالح و لوط و شعيب و إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب؟ و محمّد عليهم السلام.

و بنو إسرائيل كلهم كانوا مؤمنين لم يكن فيهم كافر إلى أن بعث عيسى فكفر به من كفر؛ فأمّهات الأنبياء الذين |كانوا| من بني إسرائيل كلّهنّ مؤمنات.

و أيضاً فغالب أنبياء بني إسرائيل كانوا أولاد أنبياء أو أولاد أولادهم فإنّ النبوّة كانت تكون في سبط منهم يتناسلون كما هو معروف في أخبارهم.

و أمّا العشرة المذكورون من غير بني إسرائيل فقد ثبت إيمان أمّ نوح و إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب.

و بقي أمّ هود و صالح و لوط و شعيب؛ يحتاج إلى نقل أو دليل؛ والظاهر- إن شاء اللَّه تعالى- إيمانهنّ.

فكذلك أمّ النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم؛ فكأنّ السرّ في ذلك ما يرينه من النور؛ كما ورد في الحديث.

أخرج أحمد والبزّار والطبراني والحاكم والبيهقي عن العرباض بن سارية أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم قال: إنّي عبداللَّه لخاتم النبيّين و إنّ آدم لمنجدل؟ في طينته؛ و سأخبركم عن ذلك |هي| دعوة أبي إبراهيم و بشارة عيسى و رؤيا أمّي التي رأت.

و كذلك أمّهات النبيّين يرين؛ و إنّ أمّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم رأت حين و ضعته نوراً أضاءت له قصور الشام.

و لا شكّ أنّ الذي رأته أمّ النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم في حال حملهابه و ولادتها له من الآيات أكثر و أعظم ممّا رآه سائر أمّهات الأنبياء كما سقنا الأخبار بذلك في كتاب المعجزات.

وقد ذكر بعضهم أنّه لم ترضعه مرضعة إلاّ أسلمت؛ قال: و مرضعاته أربع: أمّه و حليمة السعدية و ثويبة و أمّ أيمن انتهى.

فإن قلت: فما تصنع بالأحاديث الدالّة على كفرها و أنّها في النار؛ و هي حديث أنّه صلى اللَّه عليه و سلم قال: "ليت شعري ما فعل أبواي؟" فنزلت: 'و لاتسئل عن أصحاب الجحيم' |119: البقرة: 2|.

و حديث: أنّه استغفر لأمّه فضرب جبرئيل في صدره و قال: لاتستغفر لمن مات مشركاً!

و حديث: أنّه نزل فيها: 'ما كان للنبيّ و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين' |113: التوبة: 9|.

و حديث: أنّه قال لابني مليكة: "أمّكما في النار" فشقّ عليهما فدعاهما فقال: "إنّ أمّي مع أمّكما؟".

قلت: الجواب: أنّ غالب ما يروى من ذلك ضعيف؛ و لم يصحّ في أمّ النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم سوى حديث: إنّه استأذن في الاستغفار لها فلم يؤذن له.

و لم يصحّ أيضاً في أبيه إلاّ حديث مسلم خاصّةً و سيأتي الجواب عنهما.

و أمّا الأحاديث التي ذكرت فحديث: 'ليت شعري ما فعل أبواي' فنزلت الآية. لم يخرّج في شي ء من كتب |الحديث| المعتمدة؛ و إنّما ذكر في بعض التفاسير بسند منقطع لا يحتجّ به و لا يعوّل عليه؛ و لوجئنا نحتجّ بالأحاديث الواهية؛ لعارضناك بحديث واهٍ أخرجه ابن الجوزي من حديث عليّ مرفوعاً: "هبط جبريل عليّ فقال: إنّ اللَّه يقرئك السلام و يقول: إنّي حرّمت النار على صلب أنزلك و بطن حملك و حجر كفّلك" و يكون من باب معارضة الواهي بالواهي إلاّ أنّا لانرى ذلك و لا نحتجّ به.

ثمّ إنّ هذا السبب مردود بوجوه أخرى من جهة الأصول والبلاغة و أسرار البيان؛ و ذلك إنّ الآيات من قبل هذه الآية و من بعدها كلّها في اليهود من قوله تعالى: 'يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم و أوفوا بعهدي أوف بعهدكم و إيّاي فارهبون' إلى قوله: 'و إذا بتلى إبراهيم ربّه بكلمات' |124-40: البقرة: 2| و لهذا ختمت القصّة بمثل ما صدّرت به و هو قوله تعالى: 'يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم' |121: البقرة: 2| الآيتين.

فتبيّن أنّ المراد بأصحاب الجحيم كفّار أهل الكتاب؛ و قد ورد ذلك مصرّحاً به في الأثر:

أخرج عبد بن حميد والفريابي و ابن جرير و ابن المنذر في تفاسيرهم عن مجاهد قال: "من أوّل البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين؛ و ثلاث عشرة آية في نعت المنافقين؛ و من أربعين آية إلى عشرين و مائة في بني إسرائيل".

إسناده صحيح؛ و ممّا يؤكّد ذلك أنّ السورة مدنيّة و أكثر ما خوطب فيها اليهود؛ و يرشّح ذلك من حيث المناسبة أنّ الجحيم اسم لما عظم من النار كما هو مقتضى اللغة والآثار.

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله تعالى: 'أصحاب الجحيم' قال: الجحيم ما عظم من النار.

و أخرج ابن جرير و ابن المنذر عن ابن جريج في قوله تعالى: 'لها سبعة أبواب' |44: الحجر: 15| قال: "أوّلها جهنّم ثمّ لظى ثمّ الحطمة ثمّ السعير؛ ثمّ سقر ثمّ الجحيم ثمّ الهاوية؛ قال: والجحيم فيها أبوجهل".

إسناده صحيح أيضاً؛ فاللائق بهذه المنزلة من عظم كفره و اشتدّ وزره و عاند عند الدعوة؛ و بدّل و حرّف و جحد بعد علم لا من هو بمظنّة التخفيف؛ و إذا كان قد صحّ |بزعم الحريزيين| في أبي طالب أنّه أهون أهل النار عذاباً لقرابته منه صلى اللَّه عليه و آله و سلم و برّه به و طول عمره مع إدراكه الدعوة و امتناعه من الإجابة |على ما افتراه الأمويّون خلافاً لأهل البيت!!| فما ظنّك بأبويه اللذين هما أشدّ منه قرباً و آكد حبّاً و أبسط عذراً و أقصر عمراً؟! فمعاذ اللَّه أن يظنّ بهما أنّهما في طبقة الجحيم؛ و أن يشدّد عليهما العذاب العظيم؛ هذا لايفهمه من له أدنى ذوق سليم!!

و أمّا حديث أنّ جبريل ضرب في صدره و قال: "لا تستغفر لمن مات مشركاً" فإنّ البزّار أخرجه بسند فيه من لا يعرف.

و أمّا حديث نزول الآية في ذلك فضعيف أيضاً؛ والثابت |عند تلميذي حريزالحمصي و من على نزعته| في |كتابيهما المسمّيين ب|الصحيحين أنّها نزلت في أبي طالب؛ و قوله صلى اللَّه عليه و سلم: "لأستغفرنّ لك مالم أنه عنك" له |ظ|.

و أمّا حديث: "أمّي مع أمّكما" فأخرجه الحاكم في مستدركه و قال: "صحيح" و شأن المستدرك في تساهله في التصحيح معروف؛ و قد تقرّر في علوم الحديث أنّه لايقبل تفرّده بالتصحيح.

ثمّ إنّ الذهبي في مختصر المستدرك لمّا أورد هذا الحديث و نقل قول الحاكم: "صحيح" قال عقبه: قلت: لا واللَّه؛ فعثمان بن عمير ضعّفه الدارقطني.

فبيّن الذهبي ضعف الحديث و حلف عليه يميناً شرعيّاً؛ و إذا لم يكن في المسألة إلاّ أحاديث ضعيفة؛ كان للنظر في غيرها مجال.

الأمر الرابع: ممّا ينتصر به لهذا المسلك أنّه قد ثبت عن جماعة كانوا في زمن الجاهليّة أنّهم تحنّفوا و تديّنوا بدين إبراهيم عليه السلام و تركوا الشرك؛ فما المانع أن يكون أبوا النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم سلكوا سبيلهم في ذلك.

قال أبوالفرج ابن الجوزي في التلقيح |مستشهداً بذنبه: إنّ هذه| تسمية من رفض عبادة الأصنام في الجاهليّة: أبوبكر الصدّيق؛ زيد بن عمرو بن نفيل؛ عبيداللَّه بن جحش؛ عثمان بن الحويرث؛ ورقة بن نوفل؛ رباب بن البراء؛ أسعد أبوكريب الحميري؛ قسّ بن ساعدة الأيادي |و| أبوقيس بن صرمة انتهى.

|قال السيوطي| و قد وردت الأحاديث بتحنّف زيد بن عمرو؛ و ورقة وقيس؛ و قد روى ابن إسحاق و مثله |ذكره تلميذ حريز| في الصحيح تعليقاً عن أسماء بنت أبي بكر قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نفيل مستنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش ما أصبح منكم أحد منكم على دين إبراهيم غيري. ثمّ |كان| يقول: الّلهمّ إنّي لو أعلم أحبّ الوجوه إليك عبدتك به و لكنّي لا أعلم.

|قال السيوطي:| قلت: و هذا يؤيّد ما تقدّم في المسلك الأوّل أنّه لم يبق إذ ذاك من يبلّغ الدعوة و يعرف حقيقتها على وجهها.

و أخرج أبونعيم في دلائل النبوّة عن عمرو بن عبسة السلمي قال: رغبت عن آلهة قومي في الجاهليّة و رأيت أنّها الباطل يعبدون الحجارة؟.

و أخرج البيهقي و أبونعيم كلاهما في الدلائل من طريق الشعبي عن شيخ من جهينة أنّ عمير بن حبيب الجهني ترك الشرك في الجاهليّة؛ و صلّى للَّه؛ و عاش حتّى أدرك الإسلام.

و قال إمام الأشاعرة الشيخ أبوالحسن الأشعري |مستشهداًبذنبه كابن الجوزي|: و أبوبكر مازال بعين الرضا منه!!

فاختلف الناس في مراده بهذا الكلام؛ فقال بعضهم: إنّ الأشعري يقول: إنّ أبابكر الصدّيق كان مؤمناً قبل البعثة!!!

و قال آخرون: بل أراد أنّه لم يزل بحالة غير مغضوب فيها عليه؛ لعلم اللَّه تعالى بأنّه سيؤمن و يصير من خلاصة الأبرار.

قال الشيخ تقيّ الدين السبكي: لوكان هذا مراده لاستوى الصدّيق و سائر الصحابة في ذلك؛ و هذه العبارة التي قالها الأشعري في حقّ الصدّيق لم تحفظ عنه في حقّ غيره؛ فالصواب أن يقال: إنّ الصدّيق لم يثبت عنه حالة كفر باللَّه؛ فلعلّ حاله قبل البعث كحال زيد بن عمرو بن نفيل و أقرانه؛ فلهذا خصّص الصدّيق بالذكر عن غيره من الصحابة انتهى كلام السبكي.

|قال السيوطي:| قلت: و كذلك نقول في حقّ أبوي النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم أنّهما لم يثبت عنهما حالة كفر باللَّه؛ فلعلّ حالهما كحال زيد بن عمرو بن نفيل و أبي بكر الصدّيق |بزعم الحريزيّين| و أضرابهما؛ مع أنّ الصدّيق و زيد بن عمرو إنّما حصل لهما التحنف في الجاهليّة ببركة النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلّم فإنّهما كانا صديقين له قبل البعثة |على مايدّعيه الحريزيّون| و كانا يوادّانه كثيراً؛ فأبواه أولى بعود بركته عليهما و حفظهما ممّا كان عليه أهل الجاهلية.

فإن قلت: بقيت عقدة واحدة و هي مارواه مسلم عن أنس أنّ رجلاً قال: يا رسول اللَّه أين أبي؟ قال: في النار. فلمّا قفّى دعاه فقال: إنّ أبي و أباك في النار.

و حديث مسلم و أبي داود؛ عن أبي هريرة 'أنّه صلى اللَّه عليه و سلم استأذن في الإستغفار لأمّه فلم يؤذن له' فاحلل هذه العقدة.

قلت: على الرأس والعين |و| الجواب: إنّ هذه اللفظة و هي قوله: "إنّ أبي و أباك في النار" لم يتّفق على ذكرها الرواة؛ و إنّما ذكرها حمّاد بن سلمة عن ثابت؛ عن أنس و هي الطريق التي رواه مسلم منها؛ و قد خالفه معمر عن ثابت فلم يذكر |جملة:| "إنّ أبي و أباك في النار" و لكن قال له: "إذا مررت بقبر كافر فبشّره بالنار"

و هذا اللفظ لا دلالة فيه على والده صلى اللَّه عليه و سلم بأمر البتّة؛ و هو أثبت من حيث الرواية؛ فإنّ معمراً أثبت من حمّاد؛ فإنّ حمّاداً تكُلُّم في حفظه و وقع في أحاديثه مناكير؛ ذكروا أنّ ربيبه دسّها في كتبه!! و كان حمّاد لا يحفظ؛ فحدّث بها فوهم فيها و من ثمّ لم يخرّج له البخاري شيئاً و لا خرّج له مسلم في الأصول إلاّ من روايته عن ثابت.

قال الحاكم في المدخل: ما خرّج مسلم لحمّاد في الأصول إلاّ من حديثه عن ثابت؛ و قد خرّج له في الشواهد عن طائفة.

و أمّا معمر فلم يُتَكلّم في حفظه و لا استُنْكر شي ء من حديثه؛ و اتّفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت.

ثمّ وجدنا الحديث ورد من حديث سعد بن أبي وقّاص بمثل لفظ رواية معمر عن ثابت عن أنس:

فأخرج البزّار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد؛ عن الزهري عن عامر بن سعد؛ عن أبيه أنّ أعرابيّاً قال لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم: أين أبي؟ قال: في النار. قال: فأين أبوك؟ قال: حيثما مررت بقبر كافر فبشّره بالنار.

و هذا إسناد على شرط الشيخين فتعيّن الإعتماد على هذا اللفظ و تقديمه على غيره.

و قد زاد الطبراني والبيهقي في آخره: قال: فأسلم الأعرابيّ بعد فقال: لقد كلّفني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم تعباً؛ ما مررت بقبر كافر إلاّ بشّرته بالنار.

و قد أخرج ابن ماجة من طريق إبراهيم بن سعد؛ عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلى اللَّه عليه و سلّم فقال: يا رسول اللَّه إنّ أبي كان يصل الرحم و كان |يفعل كذا و كذا| فأين هو؟ قال: في النار. قال: فكأنّه وجد من ذلك؛ فقال: يا رسول اللَّه فأين أبوك؟ قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم: حيثما مررت بقبر مشرك فبشّره بالنار. قال: فأسلم الأعرابيّ بعد |و| قال: لقد كلّفني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم تعباً ما مررت بقبر كافر إلاّ بشّرته بالنار.

فهذه الزيادة أوضحت بلا شكّ أنّ هذا اللفظ العام هو الذي صدرمنه صلى اللَّه عليه و سلم ورآه الأعرابيّ بعد إسلامه أمراً مقتضياً للإمتثال فلم يسعه إلاّ إمتثاله.

و لو كان الجواب باللفظ الأوّل لم يكن فيه أمر بشي ء البتّة؛ فعلم من هذا أنّ اللفظ الأوّل من تصرّف الراوي رواه بالمعنى على حسب فهمه.

و قد وقع في الصحيحين روايات كثيرة من هذا النمط فيها لفظ تصرّف فيه الراوي؛ و غيره أثبت منه؛ كحديث مسلم عن أنس في نفي قراءة البسملة؛ و قد أعلّه الإمام الشافعي رضي اللَّه عنه بذلك؛ و قال: إنّ الثابت من طريق آخر نفي سماعها ففهم منه الراوي نفي قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه فأخطأ.

و نحن أجبنا عن حديث مسلم في هذا المقام بنظير ما أجاب به إمامنا الشافعي رضي اللَّه عنه؛ عن حديث مسلم في نفي قراءة البسملة.

ثمّ لو فرض اتّفاق الرواة على اللفظ الأوّل كان معارضاً بما تقدّم من الأدلّة؛ والحديث الصحيح إذا عارضه أدلّة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله و تقديم تلك الأدلّة عليه؛ كما هو مقرّر في الأصول.

و بهذا الجواب الأخير يجاب عن حديث عدم الإذن في الإستغفار لأمّه؛ على إنّه يمكن فيه دعوى عدم الملازمة؛ بدليل أنّه كان في صدر الإسلام ممنوعاً من الصلاة على من عليه دين و هو مسلم؟ فلعلّه كانت عليها تبعات غير الكفر؛ فمنع من الإستغفار لها بسببها؛ والجواب الأوّل أقعد؟ و هذا تأويل في الجملة.

ثمّ رأيت طريقاً أخرى للحديث؟ مثل لفظ رواية معمر؛ و أزيد وضوحاً؛ و ذلك انّه صرّح فيه بأنّ السائل أراد أن يسأل عن أبيه صلى اللَّه عليه و سلم فعدل عن ذلك تجمّلاً و تأدّباً:

فأخرج الحاكم في المستدرك- و صحّحه- عن لقيط بن عامر أنّه خرج وافداً إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و معه نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق؛ فقال: قدمنا المدينة لانسلاخ |شهر| رجب؛ فصلّينا معه صلاة الغداة؛ فقام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم في الناس خطيباً- فذكر الحديث إلى أن قال:- فقلت: يا رسول اللَّه هل أحد ممن مضى منّا في جاهليّة من خير؟ فقال رجل من عرض قريش: "إنّ أباك المنتفق في النار" فكأنّه وقع حرّ بين جلد وجهي و لحمي ممّا قال لأبي على رؤس الناس؛ فهممت أن أقول: و أبوك يا رسول اللَّه؟ ثمّ نظرت فاذاً الأخرى أجمل؛ فقلت: و أهلك يا رسول اللَّه؟ فقال: ما أتيت عليه من قبر قرشيّ أو عامريّ مشرك فقل: أرسلني إليك محمّد فأبشر بما يسوؤك.

هذه رواية لاإشكال فيها و هي أوضح الروايات و أبينها.

تقرير آخر: ما المانع أن يكون قول السائل: "فأين أبوك؟" و قوله صلى اللَّه عليه و سلم في حديث أنس: "إنّ أبي |...|"- إن ثبت- المراد به عمّه أبوطالب لاأبوه عبداللَّه؟ |كما| قال بذلك الإمام |فخر الدين الرازي| في أبي إبراهيم |عليه السلام| أنّه عمّه؛ و قد تقدّم نقله عن ابن عبّاس و مجاهد و ابن جريج والسدّي.

و يرشّحه أمران- |و لكن يعارضهما؟ قوال أبي طالب؛ و إجماع أئمّة أهل البيت عليهم السلام-|:

الأوّل: إطلاق ذلك على أبي طالب كان شائعاً في زمن النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم و لذا كانوا يقولون له: "قل لابنك يرجع عن شتم آلهتنا" و قال لهم أبوطالب مرّة- لمّا قالوا له؛ أعطنا ابنك نقتله و خذ هذاالولد مكانه-: أعطيكم ابني تقتلونه و آخذ ابنكم أكفّله لكم؟

و لمّا سافر أبوطالب إلى الشام و معه النبي صلى اللَّه عليه و سلم نزل له بحيرا؟ فقال له: ما هذا منك؟ قال هو ابني. فقال |له بحيرا|: ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيّاً. فكانت تسمية أبي طالب أباً للنبي صلى اللَّه عليه و آله و سلم شائعة عندهم لكونه عمّه و كونه ربّاه و كفّله من صغره و كان يحوطه و يحفظه و ينصره فكان مظنّة السؤآل عنه.

والأمر الثانى أنه وقع في حديث يشبه هذا ذكر أبي طالب في ذيل القصة |التي|أخرج|-ها| الطبراني عن أم سلمة أنّ الحارث بن هشام أتى النبي صلى اللَّه عليه و آله و سلم يوم حجةالوداع فقال: يا رسول اللَّه انك تحثّ على صلة الرحم والإحسان إلى الجار و إيواء اليتيم و إطعام الضيف و إطعام المسكين؛ و كلّ هذا كان يفعله هشام بن المغيرة؛ فما ظنّك به يا رسول اللَّه؟ فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم: كل قبر لا يشهد صاحبه أن لا الله الا اللَّه فهو جذوة من النار؛ و قد وجدت عمّي أباطالب في طمطام من النار فأخرجه اللَّه لمكانه منّي

و إحسانه إليّ فجعله في ضحضاح من النار.

تنبيه: قداستراح جماعة من هذه الأجوبة كلّها و أجابوا عن الأحاديث الواردة فيهما؟ بأنّها منسوخة؛ كما أجابوا بذلك عن الأحاديث الواردة في أطفال المشركين أنّهم في النار؛ و قالوا: الناسخ لأحاديث أطفال المشركين |هو| قوله تعالى: 'و لا تزر وازرة وزر أخرى' |164: الأنعام 6 و غيره|

و|الناسخ| لأحاديث الأبوين: قوله تعالى: 'و ما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً' |15: الإسراء: 17|.

و من اللطائف كون الجملتين في الفريقين مقترنتين في آية واحدة متعاطفتين متناسقتين في النظم.

و هذا الجواب مختصر مفيد يغني عن كلّ جواب إلاّ أنّه إنّما يتأتّى على المسلك الأوّل دون الثاني كما هو واضح؛ فلهذا احتجنا إلى تحرير الأجوبة عنها على المسلك الثاني.

تتمّة: قد ثبت في الحديث الصحيح |بإعتقاد الحريزيّين الموالين للظالمين المشايعين لهم في ظلمهم و بدعهم؛ المخالفين لأهل بيت الوحي والتنزيل والمشوّهين مجدهم بكلّ فرية و اختلاق| أنّ أهون أهل النار عذاباً أبوطالب!! و أنّه في ضحضاح من النار في رجليه نعلان يغلي منهما دماغه |سبحان اللَّه ما أعظمه من فرية على النبيّ في شأن أوّل مؤمن باللَّه و رسوله|.

|قال السيوطيّ:| و هذا ممّا يدلّ على أنّ أبوي النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم ليسا في النار؛ لأنّهما لو كانا فيها لكانا أهون عذاباً من أبي طالب؛ لأنّهما أقرب منه مكاناً و أبسط عذراً فانّهما لم يدركا البعثة و لا عرض عليهما الإسلام فامتنعا؛ بخلاف أبي طالب |على ما يزعمه الحريزيوّن| و قد أخبرالصادق المصدوق |على ما اختلقه أعداء أهل البيت| "أنّه أهون أهل النار عذاباً" فليس أبواه من أهلها؛ و هذا يسمّى عند أهل الأصول دلالة الإشارة.

نصب ميدان جدليّ: المجادلون في هذا الزمان كثير؟! خصوصاً في هذه المسألة؛ و أكثرهم ليس لهم معرفة بطرق الإستدلال؛ فالكلام معهم ضائع؛ غير أنّي انظر الذي يجادل و أكلّمه بطريقة تقرب من ذهنه؛ فإنّه أكثر ما عنده أن يقول: الذي ثبت في صحيح مسلم يدلّ على خلاف ما تقول!.

فإن كان الذي يجادل بذلك من أهل مذهبنا شافعّي المذهب؛ أقول له: قد ثبت في صحيح مسلم أنّه صلى اللَّه عليه و سلم لم يقرأ في الصلاة 'بسم اللَّه الرحمن الرحيم' و أنت لا تصحّح الصلاة بدون البسملة.

و|أيضاً| ثبت في الصحيحين أنّه صلى اللَّه عليه و سلم قال: 'إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به؛ فلا تختلفوا عليه؛ فإذا ركع فاركعوا و إذا رفع فارفعوا؛ و إذا قال: سمع اللَّه لمن حمده فقولوا: ربّنا لك الحمد. و إذا صلّى جالساً فصلّوا جلوساً أجمعون' و أنت إذا قال الإمام "سمع اللَّه لمن حمده" تقول: "سمع اللَّه لمن حمده " مثله؛ و|لكن| إذا صلّى |الإمام| جالساً لعذر و أنت قادر تصلّي خلفه قائماً لا جالساً؟!!

و|أيضاً| ثبت في الصحيحين في حديث التيمّم: 'إنّما يكفيك أن تقول بيديك هكذا "ثم ضرب بيديه ضربةً واحدةً و مسح الشمال على اليمين و ظاهر كفّيه و وجهه" و أنت لا تكتفي في التيمّم بضربة واحدة؛ و لا بالمسح إلى الكوعين؛ فكيف خالفت الأحاديث التي ثبتت في الصحيحين أو أحدهما؟ فلابدّ إن كانت عنده رائحة من العلم أن يقول: قامت أدلّة أخرى معارضة لهذه |و كانت أقوى منها| فقدّمت عليها.

فأقول له: و هذا مثله؛ لايحتجّ عليه إلاّ بهذه الطريقة؛ فإنّها ملزمة له و لأمثاله.

و إن كان المجادل مالكيّ المذهب أقول له: قد ثبت في الصحيحين: "البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا" و أنت لا تثبت خيار المجلس؟!!

و ثبت في صحيح مسلم أنّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم توضّأ و لم يمسح كلّ رأسه؛ و أنت توجب في الوضوء مسح كلّ الرأس؛ فكيف خالفت ما ثبت في الصحيح؟ فيقول |في الجواب|: قامت أدلّة أخرى معارضة له فقدّمت عليه. فأقول له: و هذا مثله.

و إن كان المجادل حنفيّ المذهب أقول له: قد ثبت في الصحيح 'إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً' و أنت لا تشترط في |تطهير| النجاسة الكلبيّة سبعاً؟

و|أيضاً| ثبت في الصحيحين 'لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب' و أنت تصحّح الصلاة بدونها؟!

و|أيضاً| ثبت في الصحيحين 'ثمّ ارفع رأسك حتّى تعتدل قائماً' و أنت تصحّح الصلاة بدون الطمأنينة في الإعتدال؟

و|أيضاً| صحّ في الحديث: 'إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل خبثاً' و أنت لاتعتبرالقلّتين؟

و|أيضاً| صحّ في الصحيحين أنّه صلى اللَّه عليه و سلم "باع المدبر" و أنت لا تقول ببيع المدبر؟ فكيف خالفت هذه الأحاديث الصحيحة؟ فيقول |في جوابي|: قامت أدلّة أخرى معارضة لها فقدّمت عليها. فأقول له: و هذا مثله.

و إن كان المجادل حنبليّ المذهب أقول له: قد ثبت في الصحيحين 'من صام يوم الشكّ فقد عصى أباالقاسم' و|أيضاً| ثبت فيهما 'لا تقدّموا رمضان بصوم يوم و لا يومين' و أنت تقول بصيام يوم الشكّ؟ فكيف خالفت ما ثبت في الصحيحين؟ فيقول: قامت أدلّة أخرى معارضة له تقدّمت عليه؟ فأقول له: و هذا مثله.

هذا أقرب ما يقرّب به لأذهان الناس اليوم.

و إن كان المجادل ممّا؟ يكتب الحديث و لا فقه عنده |ف|يقال له: قد قالت الأقدمون: المحدّث بلا فقه كعطّار غير طبيب؛ فالأدوية حاصلة في دكّانه و لا يدري لماذا تصلح؛ والفقيه بلا حديث كطبيب ليس بعطّار؛ يعرف ما تصلح له الأدوية إلاّ أنّها ليست عنده!!

و إنّي بحمد اللَّه قد اجتمع عندي الحديث والفقه والأصول و سائر الآلات؟ من العربيّة والمعاني والبيان و غير ذلك؛ فأنا أعرف كيف أتكلّم و كيف أقول؛ و كيف أستدلّ و كيف أرجح؛ و أمّا أنت يا أخي - وفّقني اللَّه و إيّاك- فلا يصلح لك ذلك؛ لأنّك لاتدري الفقه و لا الأصول و لا شيئاً من الآلات؛ والكلام في الحديث والإستدلال به ليس بالهيّن؛ و لا يحلّ الإقدام على التكلّم فيه؛ لمن لم يجمع هذه العلوم؛ فاقتصر على ما آتاك اللَّه؛ و هو أنّك إذا سئلت عن حديث تقول: ورد أو لم يرد |أو| صحّحه الحفّاظ و حسّنوه |أ| و ضعّفوه؛ و لا يحلّ لك في الإفتاء سوى هذا القدر؛ و خلّ ما عدا ذلك لأهله.

لا تحسب المجد تمراً أنت آكله ***لن تبلغ المجد حتّى تلعق الصبرا

و ثمّ أمر آخر أخاطب به كلّ ذي مذهب من مقلّدي المذاهب الأربعة؛ و ذلك إنّ مسلماً روى في صحيحه- |و عنه و عن غيره في الغدير: ج 6 ص 166 ط 1|- عن ابن عباس "أنّ الطلاق الثلاث كان يجعل واحدةً في عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و أبي بكر و صدراً من إمارة عمر" فأقول لكلّ طالب علم: هل أنت تقول بمقتضى هذا الحديث و أنّ من قال لزوجته: "أنت طالق ثلاثاً" تطلق واحدةً فقط |تبعاً لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم و أبي بكر و عمر في بداية زياسته؟| فإن قال: نعم أعرضت عنه |لأنّه خالف عمر بن الخطّاب؟!!| و إن قال: لا |تبعاً لعمر في مخالفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم| أقول له: فكيف تخالف ما ثبت |عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم و رواه جماعة من الحفّاظ؛ و جاء أيضاً| في صحيح مسلم؛ فإن قال |إنّما خالفت قول رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم| لما عارضه |من رأي عمر؟!!| أقول له: فاجعل هذا مثله؛ والمقصود من سياق هذا كلّه أنّه ليس كلّ حديث في صحيح مسلم يقال بمقتضاه لوجود المعارض له.

المسلك الثالث: |لبيان أنّ والدي النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم من أهل الجنّة؛ هو| أنّ اللَّه أحيا له أبويه حتّى آمنا به.

و هذا المسلك مال إليه طائفة من حفّاظ المحدّثين و غيرهم؛ منهم ابن شاهين والحافظ أبوبكر الخطيب البغدادي والسهيلي والقرطبي والمحبّ الطبري والعلاّمة ناصر الدين ابن المنير و غيرهم:

و استدلّوا لذلك بما أخرجه ابن شاهين في |كتاب| الناسخ والمنسوخ؛ والخطيب في السابق واللاحق؛ والدارقطني و ابن عساكر كلاهما في غرائب مالك- بسند ضعيف- عن عائشة قالت: حجّ بنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم فمرّ بي على عقبة بالحجون و هو باك حزين مغتمّ فنزل فمكث عنّي طويلاً ثمّ عاد إليّ و هو فرح متبسّم فقلت له: |ما شأنك؟| فقال: ذهبت لقبر أمّي فسألت اللَّه أن يحييها فأحياها فآمنت بي وردّها اللَّه؟

|قال السيوطي:| هذاالحديث ضعيف باتّفاق المحدّثين بل قيل: إنّه موضوع؛ لكنّ الصواب ضعفه و قد ألّفت في بيان ذلك جزءاً مفرداً.

و أورد|ه| السهيلي في الروض الأنف بسند قال:- إنّ فيه مجهولين- عن عائشة أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم سأل ريّه أن يحيى أبويه فأحياهما له؛ فآمنا به ثمّ أماتهما.

و قال السهيلي بعد إيراده: اللَّه قادر على كلّ شي ء و ليس تعجز رحمته و قدرته عن شي ء؛ و نبّيه صلى اللَّه عليه و سلم أهل أن يختصّ بما شاء من فضله و ينعم عليه بما شاء من كرامته.

و قال القرطبي: لا تعارض بين حديث الإحياء و حديث النهي عن الإستغفار؛ فإنّ إحياءهما متأخّر عن الإستغفار لهما بدليل حديث عائشة أنّ ذلك كان في حجّة الوداع؛ و لذلك جعله ابن شاهين ناسخاً لما ذكر من الأخبار.

و قال العلاّمة ناصر الدين ابن المنير المالكي في كتاب المقتفى في شرف المصطفى:

قد وقع لنبيّنا صلى اللَّه عليه و آله و سلم إحياء الموتى نظير ما وقع لعيسى بن مريم- |و ساق كلامه| إلى أن قال- و جاء في حديث أنّ النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم لمّا منع من الإستغفار للكفّار؛ دعا اللَّه أن يحيى له أبويه فأحياهما له فآمنا به و صدّقا|ه| و ماتا مؤمنين.

و قال القرطبي: و فضائل النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم لم تزل تتوالى و تتابع إلى حين مماته؛ فيكون هذا مما فضّله اللَّه به و أكرمه؛ قال: و ليس إحياؤهما و إيمانهما به يمتنع عقلاً و لا شرعاً فقد ورد في القرآن إحياء قتيل بني إسرائيل و إخباره بقاتله؛ و كان عيسى عليه السلام أحيا اللَّه على يديه جماعةً من الموتى |ظ|.

|ثمّ| قال |القرطبي:| و إذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما |ليكون| زيادة كرامة في فضيلته؟

و قال الحافظ فتح الدين ابن سيّد الناس في سيرته- بعد ذكر قصّة الإحياء؛ والأحاديث الواردة في التعذيب-:

و ذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات ما حاصله: إنّ النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم لم يزل راقياً في المقامات السنيّة؛ صاعداً في الدرجات العليّة إلى أن قبض اللَّه روحه الطاهرة إليه؛ و أزلفه بما خصّه به لديه من الكرامة حين القدوم عليه؛ فمن الجائز أن تكون هذه درجةً حصلت له صلى اللَّه عليه و سلم بعد أن لم تكن؛ و أن تكون الإحياء والإيمان متأخّراً عن تلك الأحاديث؛ فلا تعارض انتهى.

و قد أشار إلى ذلك بعض العلماء فقال- بعد إيراده خبر حليمة و ما أسداه صلى اللَّه عليه وآله و سلم إليها حين قدومها عليه-:

هذا جزاء الأمّ عن إرضاعه *** لكن جزاء اللَّه عنه عظيم

و كذاك أرجو أن يكون لأمّه *** عن ذاك آمنة يد و نعيم

و يكون أحياها الإله و آمنت *** بمحمّد فحديثها معلوم

فلربّما سعدت به أيضاً كما

سعدت به بعد الشقاء حليم

و قال الحافظ شمس الدين ابن ناصرالدين الدمشقي في كتابه المسمّى مورد الصادي في مولد |النبيّ| الهادي- بعد إيراد الحديث المذكور- منشداً لنفسه:

حبا اللَّه النبيّ مزيد فضل *** على فضل و كان به رؤفا

فأحيا أمّه و كذا أباه *** لإيمان به فضلاً لطيفا

فسلّم فالقديم بذا قدير

و إن كان الحديث به ضعيفا

خاتمة: و جمع من العلماء لم تقو عندهم هذه المسالك؟ فأبقوا حديثي مسلم و نحوهما على ظاهرهما من غير عدول عنها بدعوى نسخ و لا غيره؛ و مع ذلك قالوا: لا يجوز لأحد أن يذكر ذلك!!

قال السهيلي في الروض الأنف- بعد إيراده حديث مسلم-: و ليس لنا نحن أن نقول ذلك في أبويه صلى اللَّه عليه و سلم لقوله |صلى اللَّه عليه و آله و سلّم|: 'لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات' و قال تعالى: 'إنّ الذين يؤذون اللَّه و رسوله |لعنهم اللَّه في الدنيا والآخرة و أعدّ لهم عذاباً مهيناً' الآية |57: الأحزاب: 33|.

و سئل القاضي أبوبكر ابن العربي أحد أئمّة المالكيّة: عن رجل قال: أنّ أبا النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم في النار!! فأجاب بأنّ من قال ذلك فهو ملعون لقوله تعالى: 'إنّ الذين يؤذون اللَّه و رسوله لعنهم اللَّه في الدنيا والآخرة' قال: و لا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه:أنّه في النار؟!

و من العلماء من ذهب إلى قول خامس و هو الوقف؛ قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني في كتابه الفجر المنير: أللَّه أعلم بحال أبويه.

و قال الباجي في شرح الموطّأ: قال بعض العلماء: إنّه لا يجوز أن يؤذى النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم بفعل مباح و لا غيره؛ و أمّا غيره من الناس فيجوز أن يؤذى بمباح؛ و ليس لنا المنع منه؛ و لا يأثم فاعل المباح و إن وصل بذلك أذىً إلى غيره؛ قال: و لذلك قال النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم - إذ أراد عليّ بن أبي طالب أن يتزوّج ابنة أبي جهل-: 'إنّما فاطمة بضعة منّي و إنّي لا أحرّم ما أحلّ اللَّه؛ و لكن واللَّه لا تجتمع ابنة رسول اللَّه و ابنة عدوّاللَّه عند رجل أبداً'

فجعل حكمهما في ذلك أنّه لا يجوز أن يؤذى بمباح؛ و احتجّ على ذلك بقوله تعالى: 'إنّ الذين يؤذون اللَّه و رسوله لعنهم اللَّه' الآيتين؛ فشرط على المؤمنين أن |لا| يؤذوا بغير ما اكتسبوا؛ و أطلق الأذى في خاصّة النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم من غير شرط انتهى.

وأ خرج ابن عساكر في تاريخه من طريق يحيى بن عبد الملك بن أبي غنيّة قال: حدّثنا نوفل بن الفرات- و كان عاملاً لعمر بن عبد العزيز- قال: كان رجل من كتّاب الشام مأموناً عندهم استعمل رجلاً على كورة من كور الشام؛ و كان أبوه يزن بالمنانية |قيل: يعنى بالمجوسيّة؟| فبلغ ذلك عمر بن عبدالعزيز فقال |له|: ما حملك على أن تستعمل رجلاً على كورة المسلمين |و| كان أبوه يزن بالمنانيّة؟ قال: أصلح اللَّه أميرالمؤمنين و ما عليّ؟ كان أبوالنبيّ صلى اللَّه عليه و سلم مشركاً!! فقال عمر: آه ثمّ سكت ثمّ رفع رأسه فقال: أأقطع لسانه؟ أأقطع يده و رجله؛ أأضرب عنقه؟ ثمّ قال: لا تلي لي شيئاً ما بقيت!

|ثمّ قال السيوطى:| و قد سئلت أن أنظم في هذه المسألة أبياتاً أختم بها هذا التأليف فقلت:

إنّ الذي بعث النبيّ محمّداً *** أنجى به الثقلين ممّا يجحف

و لأمّه و أبيه حكم شائع *** أبداه أهل العلم فيما صنّفوا

فجماعة أجروهما مجرى الذي *** لم يأته خبر الدعاة المسعف

والحكم فيمن لم تجئه دعوة *** أن لا عذاب عليه حكم يؤلف

فبذاك قال الشافعيّة كلّهم *** والأشعريّة ما بهم متوقّف

و بسورة الإسراء فيه حجّة *** و بنحو ذا في الذكر آي تعرف

و لبعض أهل الفقه في تعليله *** معنىً أرقّ من النسيم و ألطف

و نحا الإمام الفخر رازي الورى *** منحىً به للسامعين تشنّف

إذ هم على الفِطرِ التي ولدوا ولم *** يظهر عناد منهمو و تخلّف ء

قال الاؤلى ولدوا النبيّ المصطفى *** كلّ على التوحيد إذ يتحنّف

من آدم لأبيه عبداللَّه ما *** فيهم أخو شرك و لا مستنكف

فالمشركون كما بسورة توبة *** نجس و كلّهم بطهر يوصف

هذا كلام الشيخ فخرالدين في *** أسراره هطلت عليه الذرّف

فجزاه ربّ العرش خير جزائه *** و حباه جنّات النعيم تزخرف

فلقد تديّن في زمان الجاهليّ***ــة فرقة دين الهدى و تحنّفوا

زيد بن عمرو و ابن نوفل هكذا الص***ــديق ما شرك عليه يعكف

قد فسّر السبكي بذاك مقالةً *** للأشعريّ و ما سواه مزيّف

إذ لم تزل عين الرضا منه على *** الصدّيق و هو بطول عمر أحنف

عادت عليه صحبة الهادي *** فما في الجاهليّة بالضلالة يقرف

فَلاُمُّه و أبوه أحرى سيّما *** و رأت من الآيات ما لا يوصف

و جماعة ذهبوا إلى إحيائه *** أبويه حتّى آمنوا لا خوّفوا

و روى ابن شاهين حديثاً مسنداً *** في ذاك؛ لكنّ الحديث مضعّف

هذي مسالك لو تفرّد بعضها *** لكفى فكيف بها إذا تتألّف

و بحسب من لا يرتضيها صمته *** أدباً و لكن أين من هو منصف

صلّى الإله على النبيّ محمّد ***ماجدّد الدين الحنيف محنّف

حديث متعلّق بهما:

قال البيهقي في |كتاب| شعب الإيمان: أخبرنا أبوالحسين ابن بشران؛ أنبأنا أبوجعفر الرزّاز؛ حدّثنا يحيى بن جعفر؛ أنبأنا زيد بن الحباب؛ أنبأنا ياسين بن معاذ؛ حدّثنا عبداللَّه بن قريد:

عن طلق بن عليّ قال: سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم يقول: و لو أدركت والديّ أو أحدهما و أنا في صلاة العشاء- و قد قرأت فيها بفاتحة الكتاب- تنادي يا محمّد؟ لأجبتها لبّيك. قال البيهقي: ياسين بن معاذ ضعيف.

فائدة: قال الأزرقي في تاريخ مكّة: حدّثنا محمّد بن يحيى عن عبد العزيز بن عمران؛ عن هشام بن عاصم الأسلمي قال:

لمّا خرجت قريش إلى النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم في غزوة "أحد" فنزلوا ب"الأبواء" قالت هند ابنة عتبة لأبي سفيان بن حرب: 'لو بحثتم قبرآمنة أمّ محمّد فإنّه ب"الأبواء" فإن أسر أحدكم افتديتم به كلّ إنسان بإرب من آرابها!!' فذكر ذلك أبوسفيان لقريش فقالت قريش: لا تفتح علينا هذا الباب؟ إذاً تبحث بنو بكر موتانا!!

فائدة |ثانية|: من شعر عبداللَّه والد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم- أورده الصلاح الصفدي في تذكرته-:

لقد حكم السارون في كلّ بلدة *** بأنّ لنا فضلاً على سادة الأرض

و أنّ أبي ذو المجد والسؤدد الذي *** يشار به ما بين نشزٍ إلى خفض

و جدّ و آباء له أثّلوا العلى *** قديماً بطيب العرق والحسب المحض

فائدة |ثالثة|: قال الإمام موفّق الدين ابن قدامة الحنبلي في |كتاب| المقنع: و من قذف أمّ النبيّ صلى اللَّه عليه وسلم قتل؛ مسلماً كان أو كافراً.

قال المحمودي: هذا آخر رسالة مسالك الحنفاء تأليف جلال الدين عبدالرحمان بن أبي بكر ابن محمّد السيوطي المتوفّى سنة: "911" سقناها حرفيةً أخذاً من كتاب الحاوي للفتاوي: ج 2 ص 234 -202 طبعة دار الكتب العلمية ببيروت؛ و لم نتصرّف فيها بالزيادة والنقيصة؛ إلاّ في موارد نادرة زلّ فيها قدم المؤلّف أو طغى قلمه طغياناً فاحشاً فإنّا زدنا فيها على كلام المصنّف جملةً أو جملاً تضعيفاً لكلامه أو لكلام من رواه المؤلّف عنه؛ و وضعنا تلك الزيادة بين المعقوفين دلالةً على زيادتها كي لاينسبنا خصم عنيد؛ أو مخالف لدود إلى التدليس.

و نكرّر ثانياً و نقول صريحاً بأنّ ما وضع في هذه الرسالة بين المعقوفات؛ نادر منها من الطبعة البيروتيّة؛ و أكثرها منّا؛ زدناها إمّا للتوضيح و تجميل الكلام؛ أو لبيان تمريض الكلام و ضعفه؛ حيث لم يتهيّأ لنا الوقت الكافي لردّ مزالق المؤلّف تفصيلاً و لعلّ اللَّه تعالى أن يوفّقنا بعد ذلك بلطفه و كرمه.

و خلاصة مرامنا و هدفنا من ذكر رسالة مسالك الحنفاء هاهنا هو بيان أنّ والدي المصطفى صلى اللَّه عليهم أجمعين من أهل الكرامة والزلفى عند اللَّه تعالى كما برهن عليه السيوطي هاهنا؛ لا التصديق والإعتراف بصحّة جميع ماأورده السيوطي في رسالته مسالك الحنفاء هذه؛ و آخر دعوانا أن الحمد للَّه ربّ العالمين؛ و أنّ المجد والعظمة لمحمّد و آله؛ صلى اللَّه عليهم أجمعين.

(2) أقول: هذه هي المزلقة الثانية أوالعثرة المهلكة التي وقع فيها العاصمي اتّباعاً لمختلقات الحريزيّن و مفتريات الأمويّين؛ و غفلةً عن الرجوع إلى آثار الأئمّة المعصومين من أهل بيت النبيّ صلى اللَّه عليهم أجمعين.

أمّا المزلقة الأولى فقد انكشف جليّاً تيه العاصمي فيها ممّا نقلناه من رسالة مسالك الحنفاء- للسيوطي و تجلّى منها أنّ العاصمي و من على نزعته قد ضلّوا فيها ضلالاً بعيداً.

و أمّا المزلقة الثانية هذه؛ فنبيّن الآن ضلالة العاصمي و من على نزعته فيها؛ في مقامين:

المقام الأوّل في بيان فساد ما تخيّلوه حول عدم إسلام فاطمة بنت أسد والدة أميرالمؤمنين صلواة اللَّه عليهما.

والمقام الثاني في شرح بطلان ما زعموا أو افتروا من كفر أبي طالب رفع اللَّه في المقرّبين درجاته.

أمّا المقام الأوّل فلاحاجة إلى تطويل الكلام فيه بعد ما وافقنا جلّ المحقّقين المنصفين من حفّاظ آل أميّة؛ فمن أراد أن يعرف أنّ المنصفين من القوم معترفون بإسلامها و عظمة مقامها عنداللَّه و رسوله؛ فليقرأ ما رواه الحافظ الطبراني في ترجمة فاطمة بنت أسد في تراجم النساء من المعجم الكبير: ج 24 ص 351 و ما رواه أبونعيم الحافظ في الحديث الثاني و ما حوله من ترجمة أميرالمؤمنين عليه السلام من كتاب معرفة الصحابة: ج 1؛ ص 278 ط 1؛ و كذا ما رواه في ترجمة عاصم بن سليمان من حلية الأولياء: ج 3 ص 121

أو يراجع ما رواه الحاكم في أوّل ترجمة أميرالمؤمنين عليه السلام من كتاب فضائل الصحابة من المستدرك: ج 3 ص 108؛ و ما رواه ابن المغازلي في الحديث الثاني و الثالث من كتابه مناقب أميرالمؤمنين عليه السلام ص 8-7؛ و ما رواه ابن عساكر في الحديث العاشرمن ترجمة أميرالمؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 1؛ ص 21 و مارواه الخوارزمي في الحديث الأوّل من الفصل الثالث من كتابه مقتل الحسين عليه السلام: ج 1؛ ص 32 ط 1؛ و ما ذكره ابن الأثير في ترجمة فاطمة بنت أسد؛ رفع اللَّه مقامها من كتاب أسد الغابة: ج 5 ص 517 ط 1؛ و كذا ما نقله ابن حجر في ترجمتها صلواة اللَّه عليها من كتاب الإصابة: ج 8 ص 160؛ ط دارالكتب ببيروت؛ و ما ذكره الذهبي في ترجمة أميرالمؤمنين عليه السلام من تاريخ الإسلام: ج 3 ص 621؛ و ما ذكره غيرهم في غيرها ممّا لاحاجة إلى تطويل الكلام بذكرها.

و أمّا المقام الثاني- و هو بطلان ما هذوه حول كفر أبي طالب صلواة اللَّه عليه- فالدليل عليه أعمال أبي طالب و أقواله- المنقولة من طريق حفّاظ آل أميّة- و هما كاشفتان قطعيّتان عن عقيدة عاملها و قائلها عند كافّة العقلاء من بني آدم و غيرهم في جميع الأعصار والأقطار!!

أمّا أعمال أبي طالب الدالّة على إيمانه فكثيرة جدّاً فراجع تاريخ صدر الإسلام و ما بذله أبوطالب في نصرة النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم فإنّك لن تجد في تاريخ جميع الأنبياء من نصرهم بمثل ما نصر أبوطالب رفع اللَّه مقامه النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم؛ و أعماله هذه لا يمكن أن تحمل إلاّ على إيمانه الخالص الباعث على التفادي في سبيل اللَّه و رسوله؛ لا على العصبيّة القوميّة كما يزعمه حفّاظ آل أميّة.

كما لا يمكن حمل عمل يزيد بن معاوية في إباحته دماء أهل المدينة و أعراضهم و أموالهم- و هم بقيّة الهاجرين و أنصار رسول اللَّه و أولادهم و بناتهم- إلاّ على الإنتقام من المهاجرين والأنصار الملازم للكفر!!!

و كذا حمل يزيدهم و عبد الملك بن مروان؛ جيشهم إلى مكّة المكرّمة و تقريرهم نصب جيشهم المنجنيق على الكعبة المعظّمة كاشف قطعيّ عن كفر الفاعل والباعث والحامل!!!

و مثله لو أقدم أحد مباشرةً على تنجيس القرآن المقدّس أو ألقائه في القاذورات؛ أوأمر غيره بارتكاب هذا العمل الشنيع المخزي فإنّ حفّاظ الشريعة لا يشكّون في كفر عامله و آمره معاً؛ كلّ ذلك من أجل ملازمة هذه الأعمال للكفر إذا صدرت من عاملها أو آمرها عن عقل و اختيار.

و في هذالمجال أيضاً لانحتاج إلى تطويل الكلام؛ بعد مادوّن أكثر المؤرّخين والمحدّثين جلّ أعمال أبي طالب و محاماته لرسول اللَّه؛ صلى اللَّه عليه و آله و سلم؛ كما هو واضح لمن مارس سيرة رسول اللَّه صلواة اللَّه عليه و على آله أجمعين في بداية بعثته و قبيلها؛ فارجع إليها و تأمّل مفادات أبي طالب للنبيّ و قايسها مع مفادات بقيّة أنصار الأنبياء فإنّك لا تجدهما مستويان!!

فلنعطف الكلام إلى ذكر أقوال أبي طالب الدالّة على الإعتراف بوحدانية اللَّه تعالى و رسالة نبيّه محمّد صلى اللَّه عليه و آله و سلم فنقول:

و من أقوال أبي طالب الصريح في الإعتراف برسالة رسول اللَّه؛ الملازم للإعتراف بوحدانية اللَّه تعالى التي بدأ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم بها قبل كل شي ء؛ ما جاء في قصيدته البائيّة التي أنشدها في أمر الصحيفة التي كتبها كفّار قريش في قطيعة بني هاشم؛ و هو قوله عليه السلام:

ألا أبلغا عنّي على ذات بينها *** لؤيّاً و خصّا من لؤيّ بني كعب

ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً *** رسولاً كموسى خطّ في أوّل الكتب

وأنّ عليه في العباد محبّة ***و لا حيف فيمن خصّه اللَّه بالحبّ

والأبيات رواها عن أبي طالب صلواة اللَّه عليه جماعة من الحفّاظ؛ منهم ابن هشام في السيرة: ج 1؛ ص 373؛ و منهم السهيلي في كتاب الروض الأنف: ج 1؛ ص 220 و منهم البغدادي في خزانة الأدب: ج 1؛ ص 261 و منهم ابن كثير في تاريخه: البداية والنهاية: ج 3 ص 87؛ و ذكرها أيضاً جماعة آخرون؛ يجدهم الباحثون في الغدير: ج 7 ص 332 و ما حولها؛ كما يجدها الطالب أيضاً فيما أوردناه في حرف الباء من منية الطالب ص 102؛ ط 1.

و منها قوله عليه السلام في تحريض عليّ و جعفر عليهماالسلام على ملازمة النبيّ و نصرته والدفاع عنه-

و إليك نصّ الحديث برواية الحافظ ابن عساكر في ترجمة جعفر بن أبي طالب رفع اللَّه مقامهما على ما في مختصر تاريخ دمشق- لابن منظور-: ج 6 ص 66 ط دمشق؛ قال:

حدّث صلصال بن الدلهمس |المترجم في أسد الغابة: ج 3 ص 28 والإصابة: ج 3 ص 253| قال: كان أبي- يعني الدلهمس- لأبي طالب |بمنزلة| ولده؟ فكان الذي بينهما في الجاهلية عظيم؟ فكان أبي يبعثني إلى مكّة لأنصر النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم مع أبي طالب قبل إسلامي فكنت أقيم بمكّة الليالي عند أبي طالب لحراسة النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم من قومه؛ فإنّي يوم من الأيّام جالس بالقرب من منزل أبي طالب في الظهيرة و شدّة الحرّ؛ إذ خرج أبوطالب شبيهاً بالملهوف؛ فقال لي: يا أباالعصيفر هل رأيت هذين الغلامين فقد ارتبت بإبطائهما عليّ؟!! فقلت: ما حسست لهما خبراً منذ جلست؟ فقال: انهض بنا. فنهضت و إذاً جعفر بن أبي طالب يتلو أباطالب؟ قال: فاقتصصنا الأثرحتّى خرج بنا من أبيات مكّة؛ قال: ثمّ علونا جبلاً من جبالها فأشرفنا منه على أكمة دون ذلك التلّ؛ فرأيت النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم و عليّاً قائماً عن يمينه؟ و رأيتهما يركعان و يسجدان- قبل أن أعرف الركوع والسجود- ثم انتصبا قائمين؛ فقال أبوطالب لجعفر: أي بنيّ صِلْ جناح ابن عمّك. قال: فمضى جعفر مسرعاً حتّى وقف بجنب عليّ؛ فلمّا أحسّ به النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم أخّرهما و تقدّم؛ و أقمنا موضعنا حتّى انقضى ما كانوا فيه من صلاتهم؛ ثمّ التفت إلى النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم فرآنا بالموضع الذي كنّا فيه؟ فنهض و نهضنا معه مقبلين؛ فرأينا السرور يتردّد في وجه أبي طالب ثمّ انبعث يقول |المنسرح|-:

إنّ عليّاً و جعفراً ثقتي *** عند مهمّ الأمور والكُرَب؟

لا تخذلا و انصرا ابن عمّكما *** و ابن أمّي من بينهم و أبي

واللَّه لا أخذل النبيّ و لا ***يخذله من بنيّ ذو حسب

قال |صلصال|: فلمّا آمنت به و دخلت في الإسلام سألت النبيّ صلى اللَّه عليه و سلم عن تيك الصلاة؟ فقال: نعم يا صلصال هي أوّل جماعة كانت في الإسلام.

أقول: و للحديث مصادر أخر يجدها الطالب في حرف الباء من منية الطالب؛ ص 105؛ ط 1؛ و ذكره أيضاً أبوهلال العسكري في كتاب الأوائل.

و منها قوله عليه السلام خطاباً للنبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم:

أنت الأمين أمين اللَّه لاكذب *** والصادق القول لا لهو و لا لعب

أنت الرسول رسول اللَّه نعلمه ***عليك تنزل من ذي العزّة الكتب

هكذا رواه الحافظ السروي عن مؤلّف كتاب الشيصبان؛ عن أبي أيوب الأنصاري عن أبي طالب سلام اللَّه عليه؛ كما في قبيل عنوان: 'استظهار النبّي صلى اللَّه عليه و آله و سلم بأبي طالب' من مناقب آل أبي طالب: ج 1؛ ص 56 ط بيروت.

و منها قوله عليه السلام:

إذا قيل: من خير هذا الورى *** قبيلاً و أكرمهم أسرةً

أناف بعبد مناف أب *** و فضّله هاشم الغرّة

لقد حلّ مجد بني هاشم *** مكان التمائم والنشرة

و خير بني هاشم أحمد ***رسول الإله على فترة

رواه ابن أبي الحديد؛ في شرح المختار التاسع من باب الكتب من نهج البلاغة من شرحه: ج 14؛ ص 78 ط مصر؛ بتحقيق محمّد أبى الفضل إبراهيم؛ و في طبع الحديث ببيروت: ج 4 ص 340

و رواه أيضاً العلاّمة الأميني في الغدير: ج 7 ص 372 وص 400.

و منها قوله عليه السلام خطاباً للنبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم:

لا يمنعنّك من حقّ تقوم به *** أَيْدٌ تصول و لا سلقٌ بأصوات

فإنّ كفّك كفّي إن بليت بهم ***و دون نفسك نفسي في الملمّات

رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار المتقدم الذكر من نهج البلاغة: ج 14 ص 77 و في ط الحديث ببيروت: ج 4 ص 340.

و منها قوله عليه السلام المشهور:

لقد أكرم اللَّه النبيّ محمّداً *** فأكرم خلق اللَّه في الناس أحمد

و شقّ له من اسمه ليجلّه ***فذو العرش محمود و هذا محمّد

و هذا القول رواه جماعة من الحريزيّين عن أبي طالب عليه السلام و لكن بلسقاط الشطرين الأوّلين؛ كما ذكره أبوبكرالمروزي في عنوان: "فضائل نبيّنا محمّد صلى اللَّه عليه |و آله| و سلم من الجزء الأوّل من كتاب المسند من مسائل أحمد الورق 19 ب ورواه أيضاً ابن عديّ في ترجمة عليّ بن زيد بن جدعان من كتاب الكامل في الرجال: ج 5 ص 197؛ و رواه أيضاً أبونعيم الحافظ في بداية كتابه دلائل النبوّة؛ و رواه أيضاً الديار بكري في تاريخ الخميس: ج 1؛ ص 254.

و رواه الحافظ ابن عساكر بسندين في أوائل ترجمة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله و سلم من تاريخ دمشق: ج 1؛ ص 25 ط دمشق قال:

أخبرنا أبوالحسن عليّ بن أحمد بن منصور؛ وحدثنا |أيضاً| أبوالحسن عليّ بن المسلم الفقيه إملاءاً؛ قالا: أنبأنا أبوالحسن ابن أبي الحديد؛ أنبأنا جدّي أبوبكر؛ أخبرنا أبوالدحداح؛ أخبرنا عبد الوهّاب بن عبد الرحيم الأشجعي حدّثنا سفيان بن عيينة:

عن عليّ بن زيد بن جدعان؛ قال: قيل: تذاكروا |أحسن| ما قيل من الشعر؟ فقال رجل: ما سمعنا بيتاً أحسن من بيت أبي طالب:

و شقّ له من اسمه ليجلّه ***فذو العرش محمود و هذا محمّد

و أخبرنا أبومنصور محمود بن أحمد بن عبد المنعم؛ أخبرنا أبوعلي الحسن بن عمر بن يونس؛ أخبرنا أبوعمر القاسم بن جعفر الهاشمي حدّثنا أبوالعبّاس محمّد بن أحمد الأثرم؛ حدّثنا حميد بن الربيع الخزّاز؛ حدّثنا سفيان |بن عيينة| قال:

سمعت عليّ بن زيد بن جدعان يقول: تذاكروا أىّ بيت من الشعر أحسن؟ فقال رجل: ما سمعنا بيتاً أحسن من قول أبي طالب:

و شقّ له من اسمه ليجلّه ***فذو العرش محمود و هذا محمّد

و منها قوله عليه السلام خطاباً للنبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم:

أنت النبيّ محمّد قرم أغرّ مسوّد ***قرم أغرّ مسوّد قرم أغرّ مسوّد

و ساق الأبيات الميمونة إلى أن قال:

و لقد عهدتك صادقاً *** في القول لاتتزيّد

ما زلت تننطق بالصوا ***ب و أنت طفل أمرد

و رواها عنه عليه السلام ابن أبي الحديد؛ في شرح المختار التاسع من باب كتب نهج البلاغة من شرحه: ج 14 ص 77، و انظر مصادره في حرف الدال من منية الطالب ص 115؛ ط 1.

و منها قوله عليه السلام:

يا شاهد اللَّه عليّ فاشهد ***آمنت بالواحد ربّ أحمد

من ضلّ في الدين فإنّي مهتد

هكذا رواه جمال المفسّرين أبوالفتوح الرازي قدّس اللَّه نفسه في تفسير الآية: "57" من سورة القصص في تفسير روض الجنان: ج 8 ص 473 ط 4؛ و رواه أيضاً ابن أبي الحديد؛ في شرح المختار المتقدّم الذكر من نهج البلاغة: ج 14؛ ص 78؛ و في ط بيروت: ج 4 ص 120.

و منها قوله عليه السلام في تشجيع أخيه حمزة على الإستقامة على الدين:

فصبراً أبايعلى على دين أحمد *** و كن مظهراً للدين وفّقت صابراً

و حط من أتى بالدين من عند ربّه *** بصدق و عزم لا تكن حمز كافراً

فقد سرّني إذ قلت: إنّك مؤمن *** فكن لرسول اللَّه في اللَّه ناصراً

و باد قريشاً بالذي قد أتيته؟ ***جهاراً و قل ما كان أحمد ساحراً

رواه ابن أبي الحديد في شرح المختار المتقدم الذكر من نهج البلاغة: ج 14 ص76 ط مصر؛ و في ط الحديث ببيروت: ج 4 ص 121.

و منها قوله عليه السلام في مرض وفاته موصياً بنيه و أقاربه بالحياطة على النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم والمفادات له

أوصي بنصر نبيّ الخير مشهده *** عليّاً ابني و شيخ القوم عبّاسا

و حمزة الأسد الحامي حقيقته *** و جعفراً أن تذودا دونه الناسا

كونوا فدىً لكم نفسي و ما ملكت ***في نصر أحمد دون الناس أتراسا

هكذا رواه الشيخ أبوالفتوح الرازي رفع اللَّه مقامه في تفسير الآية: "57" من سورة القصص في تفسير روض الجنان: ج 8 ص 474 و في طبعة: ج 4 ص 212

و رواه أيضاً العلامة السروي في تفسير الآية: "40" من سورة الحجّ و هو قوله تعالى: 'و لينصرنّ اللَّه من ينصره' في كتابه متشابه القرآن؛ و رواه عنه العلاّمة الأميني قدّس اللَّه نفسه في كتابه القيّم: الغدير: ج 7 ص 340 ط 1.

و منها قوله عليه السلام- في تحريض النجاشي ملك الحبشة على نصرة النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم و من يأوي إليه من المسلمين-:

تعلّم مليك الحبش أنّ محمّداً *** نبيّ كموسى والمسيح بن مريم

أتى بالهدى مثل الذي أتيا به *** و كلّ بأمر اللَّه يهدي و يعصم

و إنّكم تتلونه في كتابكم *** بصدق حديث لا حديث المرجّم

فلا تجعلوا للَّه ندّاً و أسلموا *** فإنّ طريق الحقّ ليس بمظلم

|و إنّك ماتأتيك منّا عصابة ***بفضلك إلاّ ارجعوا بالتكرّم|

و ليلاحظ مصادر الحديث من كتاب منية الطالب؛ المطبوع في آخر ديوان أبي طالب ص 139.

و منها قوله عليه السلام في تشجيع النبيّ صلى اللَّه عليه و آله و سلم على المضيّ قدماً في تبليغ رسالته:

اذهب بنيّ فما عليك غضاضة *** اذهب و قرّ بذاك منك عيونا

واللَّه لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتّى أوسّد في التراب دفينا

و دعوتني و علمت أنّك ناصحي *** و لقد صدقت و كنت قبل أمينا

و ذكرت ديناً لامحالة إنّه ***من خير أديان البريّة دينا

و راجع مصادر الأبيات في المقطع الثانى من ديوان أبي طالب جمع أبي هفّان؛ أو حرف النون من منية الطالب ص 148.

هذا قليل من كثير من تصريجات أبي طالب رفع اللَّه مقامه في الإعتراف بوحدانية اللَّه تعالى والتصديق برسالة نبيّه محمّد صلى اللَّه عليه و آله و سلم و فيه الكفاية لمن كان له عقل و إنصاف. و من أراد المزيد فعليه بمراجعة المجلّد السابع من كتاب الغدير للعلاّمة الأميني قدّس اللَّه نفسه؛ من ص 410-330 ومن المجلّد الثامن ص 3 - 30 ط 1.