الفصل السادس والخمسون معاوية وعمرو بن العاص يقاتلان عليّاً (عليه السلام) ويعترفان أن الحَقّ مَعَه

(1) روى العلامة أبو جعفر الطبري رحمه الله قال(1): أخبرنا الشيخ أبو عبدالله أحمد بن محمد بن شهريار الخازن بمشهد مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في شوال سنة أثنى عشر وخمسمائة ، روى باسناده من طريق العامة عن عبدالله ابن الضحاك ، قال : حدثنا هشام بن محمد عن أبيه قال :

اجتمع الطِّرماح وهشام المرادي ومحمد بن عبدالله الحميري عند معاوية بن أبي سفيان ، فأخرج بُدرِة فوضعها بين يديه وقال : يا معشر شعراء العرب ، قولوُا قولكم في علي بن أبي طالب ولا تقولوا الا الحق ، وأنا نفيّ من صَخر بن حرب ان أعطيتُ هذه البدرة الا مَن قال الحَقّ في علي !

فقام الطّرماح وتكلّم في علي (عليه السلام) ووقع فيه ، فقال معاوية : اجلس فقد عرف الله نيَّتك وعرف مكانك ! ثم قام هشام المرادي فقال أيضاً ووقع فيه ، فقال معاوية : اجلس فقد عرف الله مكانكما !

فقال عمرو بن العاص لمحمد بن عبدالله الحميري وكان خاصّاً به : تكلّم ولا تَقُل الا الحَقّ ، ثم قال : يا معاوية ، قد آليَت أن لا تُعطي هذه البدرة الا لِمن قال الحَقّ في علي ؟

قال : نعم ، أنا نفيّ من صَخر بن حَربِ ان أعطيتها مِنهم الا من قال الحَقّ في علي!

فقام محمد بن عبدالله فتكلّم ثم قال :

بحَقّ محمَّد قولُوا بحَقّ*** فاِن الأفك من شيم اللئام

أَبَعْدَ محمّد بأبي وأمّي*** رَسُول الله ذي الشرف الهمام

ألَيسَ علي أفضل خلق رَبّي*** وَأشرف عند تحصيل الأنام

ولايته هي الأيمان حَقَّاً*** فذَرني من أباطيل الكلام

وطاعة ربّنا فيها وفيها *** شفاءٌ للقلوب من السقام

علي اِمامُنا بأبي وأمي*** أبو الحسن المطهّر من حَرام

اِمامُ هُدى أتاه الله عِلماً*** به عرف الحَلال من الحَرام

ولو أني قتَلتُ النفس حُبّاً*** له ما كان فيها من أثام

يحلّ النار قَوماً أبغَضوهُ*** واِن صَلوا وصاموا الفَ عام

ولا والله لا تزكو صَلاة *** بغير ولاية العدل الأمام

أمير المؤمنين بك اعتمادي*** وبالغُرّ الميامين اعتصامي

فهذا القول لي دينٌ وهذا*** الى لقياك يا رَبّ كلامي

بَرئتُ مِن الذي عادى عليّاً*** وحاربه من أولادِ الحرامِ

تناسَوا نَصْبهُ في يوم خُم*** من الباري ومن خيرالأنام

برغم الأنف مَن يَشنا كلامي*** عليٌّ فضله كالبحر طامي

وأبرأ من أناس أخّروُهُ*** وكان هو المقدّم بالمقام

عليٌّ هَزم الأبطال لمّا*** رَأوا في كفِّهِ ذات الحسام

على آل الرسول صَلاة ربي*** صلاة بالكمالِ وبالتمام

فقال معاوية : أنت أصدقهم قولا ، فخذ هذه البدرة(2).

القصيدة الجلجَليَّة لعمرو بن العاص

(2) ولعمرو بن العاص المتوفي سنة 43 من قصيدته المعروفة بالجلجلّية في مدح مولانا علي (عليه السلام) ويردّ فيها على معاوية ويكشف فيها مساويه وكفره :

معاوية الحال لا تجهل *** وعن سُبل الحَقّ لا تعدل

نسيتَ احتيالي في جُلّق *** على أهلها يوم لبس الحلي ؟

وقد أقبلَوا زمراً يهرعون *** مَهاليع كالبقر الجُفّلِ

وقولي لهم : ان فرض الصلاة *** بغير وجودكَ لم تُقبَلِ

فَولّوا ولم يَعبَأوا بالصَلاة *** ورمت النفار الى القَسطلِ

ولما عصيت أمام الهدى *** وفي جيشه كل مُستفحلِ

أبالبقر البُكم أهل الشام *** لأهل التقى والحجى أَبتلي ؟

فقلت : نعم ، قم فاني أرى *** قتال المفضَّل بالأفضَلِ

فبي حارَبُوا سيد الأوَصياء *** بقولي : دَمٌ طُلَّ من نَعثَلِ

وكدتُ لهُم ان أقاموا الرماح *** عليها المصاحف في القَسطَلِ

وعلّمتهم كشفَ سوءاتهم *** لِردّ الغَضَنفرة المُقبلِ

فقامَ البغاة على حيدر *** وكُفُّوا عن المشعل المُصطلي

نسيت محاورة الأشَعري *** ونحن على دومَةِ الجندلِ ؟

ألينُ فيطمع في جانبي *** وسَهمي قد خاض في المقتَلِ

خَلَعتُ الخلافة من حيدر *** كخلع النعال من الأرجُلِ

وألبَستُها فيك بعد الأياس *** كَلبسِ الخواتيم بالأنملِ

ورَقّيْتُكَ المنبر المشمَخر *** بلا حَدِّ سيف ولا منصلِ

ولو لم تكن أنتَ من أهلِهِ *** وربّ المقام ولم تكملِ

وسَيّرتُ جيش نفاق العراق *** كسير الجنوب مع الشمألِ

وسَيّرتُ ذكرك في الخافقين *** كسير الحمير مع المحمَلِ

وجَهلك بي يابن آكلة الـ *** كبود لأعظمُ ما أبتلي

فلولا مؤ ازرتي لم تُطع *** ولولا وجُودي لم تُقَبلِ

وَلَولايَ كُنتَ كمثل النساءِ *** تَعافُ الخروج من المَنُزلِ

نصَرناك من جهلنا يابن هند *** عَلى النبَأ الأعظم الأفضلِ

وحَيثُ رفعناك فوق الرؤوس *** نَزَلنا الى أسفل الأسفلِ

وكم قد سمعنا من المصطفى *** وصايا مُخصَّصة في علي ؟

وفي يوم (خُمٍّ) رَقى منبراً *** يُبَلّغ والركبُ لم يَرحَلِ

وفي كفِّه كفّه مُعلناً *** يُنادي بأمر العزيز العلي

ألَسْتُ بكم منكم في النفوس *** بأولى ؟ فقالوا : بلى فافعلِ

فأنحَلَهُ امرة المؤمنين *** من الله مُستخلف المنحلِ

وقال : فمن كنتُ مولى لهُ *** فهذا له اليوم نعم الوَلي

فوالِ مواليه يا ذا الجلا *** ل وعادِ معادي أخِ المُرسَلِ

ولا تَنقُضوا العَهدَ من عترتي *** فقاطعُهم بي لم يُوصَلِ

فبَخَبَخ شيخك لما رأى *** عرى عقد حيدر لم تُحللِ

فقال : وليكُم فَاحْفَظَوهُ *** فمدخلهُ فيكم مَدخلي

وانا وما كان من فعلنا *** لفَي النار في الدَرَكِ الأسفلِ

وَما دَمُ عُثمان مُنج لَنا *** من الله في الموقفِ المُخجلِ

وان عليّاً غداً خَصْمُنا *** ويَعتزّ باللهِ والمُرسَلِ

يُحاسبنا عن أمُور جَرَت *** ونَحنُ عن الحقِّ في مَعْزلِ

فما عُذرنا يوم كشف الغطا؟ *** لك الويل منه غداً ثم لي

الا يابن هند أبعتَ الجنان *** بعهد عهدت ولم توفِ لي

وأخَسَرْتَ أخراك كيما تنال *** يَسير الحطام من الأجزلِ

وأصبحت بالناس حتى استقَام *** لكَ المُلك من ملك محولِ

وكنُت كمُقتنص في الشراك *** تذود الظماء عن المنهلِ

كأنكَ أنسيت ليل الهرير *** بصفين مع هولها المهولِ

وقد بتَّ تَذرق ذرَق الحَمام *** حَذاراً من البطل المُقبلِ

وحين أزاح جيوش الضلا *** ل وافاك كالأسدِ المُبْسلِ

وقد ضاق منك عليك الخناق *** وصار بك الرحب كالفلفلِ

وقولك يا عمرو ابن المفَرُّ *** من الفارس القَسَورِ المسبلِ ؟

عسى حيلة منك عن ثنيه *** فاِن فؤادي في عسعلِ

وشاطرتني كلّما يَستقيم *** مِن الملك دهرك لم يكملِ

فقمت على عجلتي رافعاً *** واكشفُ عن سوأتي أذيلي

فستّر عن وجهه وأنثنى *** حَياءً وروعك لم يُعقلِ

وأنتَ لِخَوفِكَ من بأسهِ *** هناك ملأت من الأفكلِ

ولما ملكت حماة الأنام *** ونالت عصاك يد الأوّلِ

منَحتَ لغيَري وَزْنَ الجبال *** وَلم تُعطني زنة الخَردلِ

وانحلتَ مِصْراً لعبدالملك *** وأنتَ عن الغيّ لم تعدلِ

وأن كنت تطمَعُ فيها فقد *** تخلى القطا من يد الأجَدلِ

وان لم تسامح الى ردِّها *** فاِني لحوبكم مُصْطلي

بخيل جياد وشمِّ الأنوفِ *** وَبالمرهَفات وبالذبّلِ

واكشفَ عنك حجاب الغروُر *** وأيقظ نائمة الأثكلِ

فاِنكَ من اِمرة المؤمنين *** ودعوى الخلافة في معزلِ

ومالَكَ فيها ولا ذرّة *** ولا لجدودك في الأولِ

فاِن كان بينكما نسبةٌ *** فأين الحسام من المنجلِ ؟

وأين الحصا من نجوم السما ؟ ***واين معاوية من علي ؟

فاِن كنتَ فيها بلغت المنى *** ففي عنقي علق الجَلْجَلِ(3)

علي (عليه السلام) ومبارزته لعمرو بن العاص

(3) ذكر العلامة سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص في حديث صفين قال(4) : قال هشام بن محمد :

ولما كان اليوم الثامن عشر من أيّام صفين جمع معاوية أصحابه وقال : ما فينا الاِ مَنْ قَتَلَ ابن أبي طالب أباه أو أخاه أو ولده ، يا وليد قَتَلَ يوم بدر أباك ، ويا أبا الأعور قتَلَ عمك يوم أحد ، ويا طلحة الطلحات قتَلَ أخاك يوم الجمل ، وقتل أخي يوم بدر ، فأجتمعوا عليه لنُدرِك ثأرنا !

فضحك الوليد ابن عقبة وقال :

فقلت له أتلعب يابن هند *** كأنك بيننا رجلٌ غريبُ

أتَأمُرنا بحيّة بطن واد *** اذا نَهشَت فليسَ لها طبيبُ

فسَلْ عَمْروا وسَلْ عن خِصْيتَيهِ *** نجا ولقلبه منها وَجيبُ

كأن القوم لما عاينوهُ *** خلال النقع ليس لهم قلوبُ

وقد نادى معاوية بن حرب *** فَاسَمَعهُ ولكن ما يُجيبُ

ثم التفت الوليد على عمرو بن العاص وقال : ان لم تصدِّقوني والا فَسلوُا ، وأراد تبكيت عمرو !

وقال هشام بن محمد : ومعنى هذا الكلام ان عليّاً (عليه السلام) خرج يوماً من أيام صفين فرأى عمرو بن العاص في جانب العسكر ولم يعرفه فطعَنهُ فوقع فبدت عَورته فاستَقَبل عليّاً فأعْرضَ عنه ثم عرفه فقال : يابن النابغة أنت طليق دُبرك أيام عمرك ! وكان قد تكرّر منه هذا الفعل .

وروى السدّي عن أشياخه :

انّ عليّاً قال في هذا اليوم لكميل بن زياد : إبرز الى معاوية وقل له دعوناك الى الطاعة ولزوم الجماعة فأبيت ، وقد كثر القتل في هذه الأمة فابرز الي حتى يتخلص الناس مما هم فيه .

فقال معاوية لأصحابه ، ماذا ترون ؟

فقالوا : لا تفعل ، الاّ عمرو فأنه قال له : ابرز فقد أنَصَفَك وأنما هو بَشرٌ مثلك!

فقال له معاوية : ما هذه العداوة أتظنّ انني لو قُتلتُ أكنت تنال الخلافة ؟!

فقال له : دَعاك رجلٌ عظيم القدر كثير الشرَف فكنت في مبارزته في أحدى الحسنيين : ان قَتلتَهُ قتَلتَ سيّداً ، وأن قُتِلت جُزيت خيراً !!

فقال معاوية له : ان هذه لشديدةٌ علي !

فقال عمرو : فان كنت في شك من جهاده فتُب وراجع . ثم قصد علي (عليه السلام)التل الذي عليه معاوية ، فخاف معاوية وقال لبُسر بن أرطأة : أقسَمتُ عَليَك اِلا شغلته عنّي !! فبرز اليه فطَعَنَهُ علي (عليه السلام) فوقع الى الأرض فاستقبله بعورته !! فأعرض عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) .

فقال الأشتر النخعي :

في كل يوم رجلُ شيخ شاغرة *** وعورٌَة تحت العجاج ظاهرة !

أبرزَها طَعنة كَف واترة *** عَمْرو وبُسر رُمياً بالفاقرة !

ثم نادى علي (عليه السلام) : يا أهل الشام والله ما سمعنا بأمة آمَنَت بنبي ثم قاتَلَت أهل بيته غيركم .

قال هشام بن محمد : وقد ذكره صاحب بيت مال العلوم .

ولما عاد معاوية آخر النهار وجلس حوله أصحابه فنظر الى عمرو فضحك ، فقال له عمرو : ما أضحكك ؟

فقال (معاوية) ، ما قال الوليد عنك ، والعجب منك كيف حضَرَ ذهنك في ذاك الوقت فاستقبلت أبا تراب بعورتك ؟ !

فقال له عمرو : ان كانَ أضحكك شَأني فمِن شَأنِك فاضحك ! فوالله لو بَدا له من صفحتك ما بدا من صفحتي لأوجَعَ قذالك وأيتمَ عيالك وأبكا أطفالك ولكنك احترزت بهذه الرجال في أيديها السمر العوالي ، ولقد أشرتُ عليك اليوم بمبارزته فأحْوَلَّت عيناك وأربدِّ شدقاك وبَدا منك ما أكره أنا وغيري فلو سترت نفسك لكان أصلح لك !!

(4) روى العلامة أبو جعفر الطبري رحمه الله بحذف الأسناد قال :

أستأذَنَ عمرو بن العاص على معاوية بن أبي سفيان ، فلما دخل عليه استضحك معاوية ، فقال له عمرو : ما يُضحكك يا أمير المؤمنين أدام الله سرورك ؟

قال : ذكرتُ علي بن أبي طالب وقد غشيك بسيفه فأتقيته ووَلّيت !

فقال : أتشمت بي يا معاوية ، فأعجب من هذا يوم دعاك الى البراز فالتمع لونك وأطّت أضلاعك وأنتفخ سحرك ، والله لو بارزته لأوجع قذالك وأيتم عيالك وبزَّك سلطانك وأنشأ عمرو :

معاويّ لا تشمت بفارس بهمة *** لقى فارساً لا تعتليه الفوارسُ

معاويّ لو أَبصَرتَ في الحربِ مقبلا *** أبا حَسَن يهدي عليك الوساوسُ

لأيقَنتَ ان الموت حَقٌ وانه *** لنفسك ان لم تمعن الركض خالسُ

دعاك فصمّت دونه الأذن إذ دعا *** ونفسك قد ضاقت عليها الأبالسُ

أتشمت بي إذ نالني حدّ رمحِه *** وعضضني ناب من الحرب ناهسُ

وأيُّ أمْرىء لاقاه لم يَلقَ شلوهُ *** بمُعترك تسفي عليه الروامسُ

أبى الله الا انه ليثُ غابَة *** أبو أشبل تهدى اليه الفرايس

فاِن كُنت في شك فارهق عجاجة *** والا فتلك التُرَّهات البَسابس

فقال معاوية : مَهلا يا أبا عبدالله ولا كلُ هذا !

قال : أنت استدعيته(5).

(5) روى الحافظ أحمد بن حجر الهيثمي المكي في الصواعق المحرقة قال : وأخرج السلفي في الطبوريات عن عبدالله بن أحمد بن حنبل قال : سألت أبي عن علي ومعاوية !

فقال : أعلم ان عليّاً كان كثير الأعداء فَفتّشَ له أعداؤهُ شيئاً فلم يجدوه ، فجاؤا الى رجل قد حارَبهُ وقاتله فاطروه كيداً منهم له(6).

مروان بن الحكم يتعرض للحَسن (عليه السلام) وردّ الحسين (عليه السلام) عليه

(6) روى العلامة سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص عن هشام بن محمد الكلبي ، عن محمد بن اسحاق قال:

بعث مروان بن الحكم وكان والياً على المدينة رسُولاً الى الحسن (عليه السلام) فقال له : يقول لك مروان أبُوكَ الذي فَرَّقَ الجماعة وقتل أمير المؤمنين عثمان وأباد العباد والزّهاد ـ يعني الخوارج ـ وأنت تفخر بغيرك ، فاذا قيل لك من أبوك تقول خالي الفرس !

فجاء الرسول الى الحسَن (عليه السلام) فقال له : يا أبا محمد اني أتَيتكَ برسالة ممن يُخاف سَطوتَه ويُحذَر سَيفه ، فاِن كَرهتَ لم أبلّغك أيِّاها ووَقيتُك بنفسي .

فقال الحسن (عليه السلام) : لا بل تُؤدَّيها ونَستَعينُ عليه باللهِ ، فادّاها ، فقال له : تقول لمروان : اِن كُنتَ صادقاً فالله يَجزيكَ بصِدقكَ ، وان كُنت كاذباً فالله أشدُ نقمة . فخرَجَ الرسول من عنده فلقيه الحسين (عليه السلام) فقال : من أين أقبلت ؟ فقال : من عند أخيك الحسن ، فقال : وما كُنتَ تصَنع ؟ قال : أتَيتُ برسالة من عند مروان ، فقال : وماهي ؟ فأمتَنَع الرسول من أدائها ، فقال : لتُخبرني أو لأقتُلنّك !

فسمع الحسن (عليه السلام) فخرجَ وقال لأخيه : خَلِّ عن الرجل ، فقال : لا والله حتى أسمعها ، فأعادَها الرسول عليه .

فقال : قل له يقول لك الحسين بن علي بن فاطمة : يا ابن الزرقاء الداعية الى نفسها بسوق ذي المجاز صاحبة الراية بسوق عُكاظ ، ويا ابن طريد رسول الله ولعينه ، اعرف من أنت ومن أمّك ومن أبوك !

فجاء الرسول الى مروان ، فأعاد عليه ما قالا ، فقال له : ارجع الى الحسن وقل له : أشهَدُ انك ابن رسول الله ، وقل للحسين : أشهَدُ انك ابن علي بن أبي طالب ، فقال للرسول : قل له كلاهما لي ورغماً .

قال الأصمعي : أمّا قول الحسين يا ابن الداعية الى نفسها فذكر ابن اسحاق ان أم مروان اسمها أمية وكانت من البغايا في الجاهلية ، وكان لها راية مثل راية البيطار تُعرَف بها : وكانت تسمّى أم حبتل الزرقاء وكان مروان لا يُعرَف له أب وأنما نُسِبَ الى الحكم كما نُسِبَ عمرو الى العاص !

وأما قوله : ياابن طريد رسول الله يشير الى الحكم بن ابي العاص بن أمية ابن عبد شمس ، أسلم الحكم يوم الفتح وسكَن المدينة وكان ينقل أخبار رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى الكفار من الأعراب وغيرهم ويتجسس عليه .. الخ(7).

بين الحسن بن علي (عليه السلام) ومعاوية وعمرو بن العاص والوليد

(7) روى السبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص قال أهل السير :

ولما سَلّمَ الحسن الأمر الى معاوية أقام يتجهز الى المدينة ، فاجتمع الى معاوية رَهطٌ من شيعته منهم : عَمرو بن العاص ، والوليد بن عقبة وهو أخو عثمان لأمِّه ، وكان علي (عليه السلام) قد جَلَدَه في الخمر ، وعتبة وقالوا : نريد ان تُحضِر الحسَن على سبيل الزيارة لنُخجلهُ قبل مسيره الى المدينة ، فنهاهم معاوية وقال : انه اَلْسَن بني هاشم ، فاَلَحُّوا عليه ، فارسل الى الحسَن فاستزاره .

فلما حَضَر شرعوا فتناولوا عليّاً (عليه السلام) والحسَن ساكت ، فلما فرغوا حمد الحَسَن الله وأثنى عليه وصَلى على رسوله محمد (صلى الله عليه وآله) ، قال :

ان الذي أشرَتُم اليه قد صَلّى الى القبلتين ، وبايَعَ البيعتين ، وأنتم بالجميع مُشِركُون وبما أنَزَل الله على نبيِّه كافرون ، وانه حَرم على نفسه الشهوات وأمتَنَع من اللذات ، حتى أنَزَلَ الله فيه : (يا أيِّها الذين آمنوا لا تُحرموا طيّباتِ ما أحَل الله لكم).

وأنتَ يا معاوية ممن قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حقه : اللّهُم لا تُشِبعهُ ، أو لا أشبَعَ الله بطنك ، أخرجه مسلم عن ابن عباس .

وباتَ أمير المؤمنين يحرس رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المشركين وفداهُ بنفسه ليلة الهجرة حتى أنزل الله فيه : وَمِنَ الناسِ مَن يَشْري نَفْسَهُ ابتغاء مرضاتِ اللهِ ، ووَصَفَهُ بالأيمان فقال : (انما وليُّكم الله ُورسُولُهُ والذين آمنوا) والمراد به أمير المؤمنين (عليه السلام).

وقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أنتَ مني بمنزلة هارون من موسى ، وأنت أخي في الدنيا والآخرة .

وأنت يا معاوية : نظر النبي (صلى الله عليه وآله) اليكَ يوم الأحزاب فرأى أباك على جمل يُحرِّض الناس على قتاله ، وأخوك يقود الجَمل وأنتَ تَسوقهُ . فقال : لعن الله الراكبَ والقائدَ والسائقَ ، وما قابله أبوُك في مَوطن الا ولعنَهُ و كُنتَ معه ، وَلاّك عمر الشام فخنتهُ ، ثم ولاك عثمان فتَربَّصتَ عليه .

وأنتَ الذي كنت تنهى أباك عن الاسلام حتى قلت مخاطباً له :

يا صَخر لا تسلمن طوعاً فتفضحنا *** بعد الذي ببدر أصبَحُوا مزقاً

لا تركنن الى أمر تقلّدنا *** والراقصات بنعمان به الحرقا

وكنت يوم بدر وأحد والخندق والمشاهد كلّها تقاتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وقد علمت المسلمين الذي ولِدتَ عليه .

ثم التفت الى عمرو بن العاص وقال : أما أنت يا ابن النابغة ، فادّعاك خمسة من قريش غلَبَ عَلَيك اَلأَمَهُم وهو العاص ووُلِدتَ على فراش مُشرك ، وفيك نزل : اِن شانِئكَ هو الأبَتر ، وكنت عدوّ الله وعدوّ رسوله وعدوّ المسلمين ، وكُنتَ أضَرّ عليهم من كل مشرك ، وأنت القائل :

ولا أنثني عن بني هاشم *** بما استَطعتُ في الغيب والمحَضر

وعن عايب اللات لا أنَثْنَي *** ولولا رضا اللات لم تمطر !

وأما أنتَ يا وليد ، فلا ألوُمكَ على بُغض أمير المؤمنين ، فاِنه قتل أباكَ صبراً وجَلَدك في الخمر لَمّا صَليْتَ بالمسلمين الفجر سكراناً ، وقلت :ـ أزيدكم ؟ وفيك يقول الحطيئة :

شَهِدَ الحُطيئة حينَ يلقى ربّه *** ان الوليد أحقُّ بالعذرِ

نادى وقد تمّت صلاتهُمُ *** أأزيدكم سُكراً وما يدري !

ليَزيدهم أخرى ولو قبلوُا *** لأتت صلاتهم على العَشرِ

فأتوا أبا وهب ولو قبلوا *** لَقَرنتَ بين الشفع والوترِ

حَبسُوا عنانك اذ جَر يْت ولو *** تركوا عنانك لم تزل تجري

وسَمّاكَ الله في كتابه فاسقاً ، وسَمّى أمير المؤمنين مؤمناً في قوله : (أفَمن كان مُؤمناً كَمن كانَ فاسقاً لا يَستَوُونَ) ، وفيك يقول حَسَّان بن ثابت وفي أمير المؤمنين :

أنزل الله ذو الجلال علَينا *** في علي وفي الوليد قرانا

ليسَ مَن كان مؤمناً عمرك الله *** كمن كان فاسقاً خوّانا

سَوفَ يُدعى الوليد بعد قليل *** وعلي الى الجزاء عيانا

فعلي يُجزى هناك جناناً *** ووليدُ يُجزى هناك هوانا

وأما أنت يا عتبة فلا ألومك في أمير المؤمنين ، فانه قتل أباك يوم بدر واشتَركَ في دم عمك شيبة ، وهَلاّ أنكرت على مَن غلب على فراشك ووجَدتهُ نائماً مع عروسك ، حتى قال فيك نصر بن حجاج :

نُبِّئتُ عُتبَةَ هيَّأَتهُ عرسه *** لصداقة الهذلي من الحيان

اَلفاهُ معَها في الفراش فلم يكُن *** فحلا وأمسَكَ خشية النسوان

لا تعتبن يا عتب نفسك حبّها *** ان النساء حبايل الشيطان

ثم نفض الحسن (عليه السلام) ثوبه وقام فقال معاوية :

أمرتُكُم أمراً فلم تسمعُوا لَهُ *** وقلت لكم لا تَبعثن الى الحسن

فجاء وربُّ الراقصات عشية *** بركبانها يَهوينَ من سرة اليمن

أخاف عليكم منه طول لسانه *** وبُعد مَداه حين أجراره الوسن

فلَما أبيَتم كنتَ فيكم كبَعضكم *** وكان خطابي فيه غُبناً من الغبن

فَحسبكم ما قال مما عَلِمتم***وحَسبي بما القاهُ في القبر والكفن(8)

بيان : قال الأصمعي وهشام بن محمد الكلبي في كتابه المسمى بالمثالب :

وقد وقفت عليه معنى قول الحسن لمعاوية : قد علمت الفراش الذي ولدت عليه : ان معاوية كان يقال انه من أربَعة من قريش : عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي ، ومسافر بن أبي عمر ، وأبي سفيان ، والعباس بن عبدالمطلب ! وهؤلاء كانوا ندماء أبي سفيان ، وكان كلُّ منهم يُتّهم بهند ، فأما عمارة بن الوليد كان من أجمل رجالات قريش وهو الذي وَشى به عمرو بن العاص الى النجاشي فدعى الساحر فنَفَثَ في احليله فهامَ مع الوحوش ، وكانت امرأة النجاشي قد عشقته . وأما مسافر بن أبي عمرو فقال الكلبي : عامَّة الناس على ان معاوية منه ، لانه كان أشَدُّ الناس حُبّاً لهند ، فلما حملت هند بمعاوية خاف مسافر ان يظهر انه منه فهَربَ الى ملك الحيرة وهو هند ابن عمرو فأقام عنده . ثم ان أبا سفيان قدم الحيرة فلقيه مسافر وهو مريض من عشقه لهند وقد سقى بطنه ، فسأله عن أهل مكة فأخبره ، وقيل أن أبا سفيان تَزوّج هنداً بعد انفصال مسافر عن مكة ، فقال له أبو سفيان : أني تَزوجْتُ هنداً بعدك فازداد مرضه .. ثم مات من عشقه لهند .

وذكر هشام بن محمد الكلبي أيضاً في كتاب المثالب وقال : كانت هند من المغيلمات وكانت تَميلُ الى السودان من الرجال ، فكانت اذاولدَت ولداً أسود قتلته .

قال : وجرى بين يزيد بن معاوية وبين اسحاق بن طابه بن عبيد كلامٌ بين يَدي معاوية وهو خليفة ، فقال يزيد لإِسحاق : ان خيراً لك ان يدخل بنو حَرب كلهم الجنة ـ أشار يزيد الى ان أمّ اسحاق كانت تُتهم ببعض بني حرب ، فقال له اسحاق : ان خيراً لك ان يدخل بنو العباس كلّهم الجنة ، فلم يفهم يزيد قوله وفهم معاوية ، فلما قام اسحاق قال معاوية ليزيد : كيف تشاتم الرجال قبل ان تعلم ما يقال فيك ؟ قال : قَصَدتُ شين اسحاق وهو كذلك أيضاً قال : وكيف قال : أما علمت ان بعض قريش في الجاهلية يَزعمون أني للعباس ! فسقط في يدي يزيد .

قال الشعبي : وقد أشار رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى هند يوم فتح مكة بشيء من هذا ، فاِنها لما جاءَت تُبايعه وكان قد أهدَرَ دمها ، فقالت : على ما أبايعك ؟ فقال (صلى الله عليه وآله) : على أن لا تزنين ! فقالت هند : وهل تزني الحُرّة ؟ فعَرفها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنظر الى عمر فتبسّم !

وأمّا قول الحسن لعمرو بن العاص : وُلِدْتَ على فراش مشترك ، فذكر الكلبي أيضاً في المثالب قال : كانت النابغة أم عمرو بن العاص من البغَايا أصحاب الرايات بمكة ، فوقَعَ عليها العاص بن وائل في عدّة من قريش منهم أبو لهَب ، وأمية بن خلف ، وهشام بن المغيرة ، وأبو سفيان بن حرب في طهر واحد .

قال ابن الكلبي : وكان الزُناة الذين أشتهروا بمكة جماعة ، منهم هؤلآء المذكورين ، وأمية بن عبد شمس ، وعبدالرحمن بن الحكم بن أبي العاص أخو مروان بن الحكم ، وعتبة بن أبي سفيان أخو معاوية ، وعَقَبة بن أبي معيط ، فلما حملت النابغة بعمَرو تكلّموا فيه . فلما وضعته أختصَمَ فيه الخمسة الذين ذكرناهُم كلُّ واحد يزعم انه ولده ، والب عليه العاص بن وائل وأبو سفيان بن حرب ، كلُّ واحد يقول : والله انه مني ! فحكّما النابغة فاختارت العاص فقالت : هو منه ، فقيل لها : ما حَملَكِ على هذا ؟ وأبو سفيان أشرف من العاص ؟ فقالت : هو كما قلتم الا انه رجلٌ شحيح والعاص جَوادٌ يُنفِقُ على بناتي وأبو سفيان لا يُنفِق عَلَيهنَّ !

وأما قول الحسن للوليد بن عقبة : (وجَلَدَك علي في الخمر) فذكر أرباب السير قاطبة ان عثمان بن عفان ولّى الوليد بن عقبة الكوفة سنة ست وعشرين ، وكان الوليد مُدمناً على شُرب الخمر ، وكان يجلس على الشراب وعنده ندماؤه ومُغَنُّوه طول الليل الى الفجر ، فاذا أذنه المؤذن بصَلاة الفجر خرَجَ سكراناً فصَلى بهم ، فخرَجَ يوماً في غلالة لا يدري أين هو ، فتقدم الى المحراب فصَلّى بهم الفجر أربعاً وقال : أزيدكم ؟ فقال له عبدالله بن مسعود : مازلنا معك في زيادة منذ اليوم !

ولما سَجَدَ قال في سجوده : إشرب واسقني ! فناداه ابن غيلان الثقفي سقاك الله المُهل ومَن بعثك أميراً عليَنا !

ثم حَصَبَهُ وحصبه أهل المسجد ، فدخل القصر وهو يتَرنح فنام في سريره ، فهجم عليه جماعة منهم أبو جندب بن زهير الأسدي وابن عوف الأزدي وغيرهما وهو سكران لا يعي ، فايقظوه فلم ينتبه ، ثم قاء عليهم الخمر ، فنزعوا خاتمه من يده وخرَجُوا من فورهم الى المدينة فدَخَلوا على عثمان فشِهدوا على الوليد انه شرب الخمر ، فقال : وما يُدريكم انه شرب الخمر ؟ قالوا : شرب الخمر الذي كنا نشربه في الجاهلية !

فزبَرهما ونال منهما ، فخرَجا من عنده فدخَلا على علي (عليه السلام) وأخبَراه بالقصة فدخل على عثمان فقال : دفعت الشهود وأبطَلْتَ الحدود ؟ قال له : فما ترى ؟ فقال : تبعث الى الفاسق فتُحضُره فان قامت عليه البيِّنة حَددتَهُ . فأرسل الى الوليد فأحضَرهُ فشهدوا عليه ولم يكن له حجة ، فرمى عثمان السوط الى علي وقال له : حدّه ، فقال علي لولده الحسن : قم فحدّه فامتنع الحسن وقال : يتولى حارّها من تولى قارها ، والقرّ البرد ، ومعناه : يتولاه والي الأمر ـ فقال لعبدالله بن جعفر : قم فاجلده فامتنع ، فلما رآهم لا يفعلون توقياً لعثمان أخذ السوط ودنا من الوليد .. ثم جلده أربعين(9).

بين معاوية وابي اَمامة الباهلي

(8) روى العلامة الطريحي رحمه الله قال : روى انه دخل أبو أمامة الباهلي على معاوية فقَرّبَه وأدناه ثم دعا بالطعام . فجعَلَ أبو أمامة بيده ثم أوسع رأسه ولحيته طيباً بيده وأمر له ببدرة من دنانير فدفعها اليه ثم قال : يا أبا أمامة أبالله أنا خيرٌ أم علي بن أبي طالب؟

فقال أبو أمامة : نعم ولا كذب ، ولو بغير الله سألتني لصدقت ، علي والله خيرٌ منك وأكرم وأقدم اسلاماً وأقرب الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قرابة ، وأشدّ في المشركين نكاية ، وأعظم عند الأمة عَناءً ، أتدري من علي يا معاوية ؟

علي ابن عم رسول الله ، وزوج ابنته سيِّدة نساء العالمين ، وأبو الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنة ، وابن عم أخي حمزة سيِّد الشهداء ، وأخو جعفر ذي الجناحين ، فاين تقع أنت من هذا يا معاوية ؟!

أظَننتَ أني أختَرتُكَ على عليّ بألطافك واطعامك وعطائك ، فأَدخل اليك مؤمناً وأخرُج منك كافراً ، بِئس ما سَوّلت لك نفسك يا معاوية ، ثم نهض وخرج من عنده فأَتبعه بالمال فقال : لا والله لا أقبل منك ديناراً واحداً(10).

 

اَروى بنت الحارث وردّها لمعاوية وعمرو

(9) روى العلامة الطريحي (قدس سره) في منتخبه عن قتادة :

أن أروى بنت الحارث بن عبدالملك دخلت على معاوية بن أبي سفيان وقد قدم المدينة وهي عجوز كبيرة ، فلما رآها معاوية قال : مَرحباً بكِ يا خالة كيف كُنتِ بعدي ؟

قالت : كيف أنت ياابن أختي ، لقد كفَرتَ النِعمة وأسأت لابن عمّك الصحبة ، وتَسمَّيت بغير اسمك ، وأخذَتَ غير حقّك بلا بلاء كان منك ولا من آبائك في ديننا ، ولا سابقة كانت لكم ، بل كفرتم بما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) ، فانغس الله الخدود ، وأصغر منكم الخدود ورَدّ الحقّ الى أهله ، فكانت كلمتنا هي العليا ، ونبيّنا هو المنصور على من ناواه ، فوَثَبتَ قريش علينا من بعده حَسَداً لنا وبَغياً ، فكنا بحمدِ الله ونعمته أهل بيت فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون ، وكان سيّدنا فيكم بعد نبيّنا (صلى الله عليه وآله)بمنزلة هارون من موسى ، غايتنا الجنة وغايتكم النار !

فقال لها عمرو بن العاص : كفى أيتها العجوز الضالة واقصري من قولك مع ذهاب عقلك اذ لا تجوز شهادتك وحدك !

فقالت : وأنت ياابن الباغية تتكَلّم ؟! وأمُّك أشهرَ بغي بمكة وأقَلَّهُم أجرَةً ! وادّعاك خمسة من قريش فسألت أمُّك عن ذلك فقالت : كُلٌ اتاها ! فانظروا أشبَهَهُم بهِ فالحقُوه به ، فغلب شَبَه العاص بن وائل جزار قريش أَلأمَهُم مَكراً وأبَهتَهُم خبراً فألومك بغضا !

قال مروان بن الحكم : كفى أيِّتُها العجوز وأقصدي لما جئتِ له .

فقالت : وأنتَ ياابن الزرقاء تتكلّم ! والله وأنتَ ببشير مولى ابن كلدة أشبه منك بالحكم ابن العاص وقد رأيتُ الحكم سبط الشعر مديد القامة وما بينكما قرابة اِلا كقرابة الفرس الضامر من الأتان المقرف ، فاسأل عَما أخَبَرتكَ به أُمَّك فانها ستُخبرك بذلك !

ثم التفتت الى معاوية فقالت : والله ما جَرَّأ هُؤلاء غيرك ، وان أمّك القائلة في قتل حمزة :

نَحنُ جَزَيناكُم بيَومِ بَدر *** والحَربُ بعد الحَرب ذات السعر

الى آخر الأبيات ، فأجابتها ابنة عمي :

خزيت ببدر وغير بدر *** يا بنت وقاح عظيم الكفر

الى آخر الأبيات .

فالتفت معاوية الى مروان وعمرو وقال : والله ما جَرّأها عَلَي غيركما ولا أسمعني هذا الكلام غيركما ، ثم قال : يا خالة أقصدي ودعي أساطير النساء عنكِ .

قالت : تعطيني الفي دينار والفي دينار والفي دينار !

قال : ما تصنعين بألفي دينار ؟

قالت : أزوِّج فقراء بني الحارث بن عبدالمطلب .

قال : هي لكِ ، فما تصنعين بألفي دينار ؟

قالت : أستعين بها على شدّة الزمان وزيارة بيت الله الحرام .

قال : قد أمَرتُ بها لكِ ، قال : فما تصنعين بألفي دينار ؟

قالت : أشتري بها عيناً خرّارة في أرض خوّارة تكون لفقراء بني الحارث بن عبدالمطلب .

قال : هي لكِ يا خالة ، أما والله لو كان ابن عمّكِ علي ما أمر لكِ بها !

قالت : تذكُر عليّاً فَضّ الله فاك وأجهَدَ بلاك ، ثم علا نحيبها وبكاؤها وجَعلَت تقول :

الا يا عَين وَيحك فاسعدينا *** الا فابكي أمير المؤمنينا

رُزينا خيرَ مَن رَكبَ المطايا *** وجال بها ومن ركب السفينا

ومَن لبس النعال ومَن حَذاها *** ومَن قرأ المثاني والمُبينا

اذا استقبلت وجه أبي حسين *** رأيتَ البَدر راق الناظرينا

الا فابلغ معاوية بن حَرْب *** فلا قرّت عُيون الشامتينا

أفي الشهر الحرام فَجعَتمونا *** بخير الخلق طرّاً أجمعينا

مَضى بعد النبي فَدَته نفسي *** أبو حَسَن وخير الصالحينا

كأن الناس اذ فقَدوا عَليّاً *** نَعامٌ جال في بلد سنينا

فلا والله لا أنسى عَليّاً *** وحُسنَ صلاتهِ في الراكعينا

لقد علمت قريش حيث كانت *** بأنك خيرها حَسَبا ودينا

فلا يفَرح معاوية بن حرب *** فان بقية الخلفاء فينا

قال : فبكى معاوية ثم قال : ياخالة لقد كان كما قُلتِ وأفضَل(11).

علي (عليه السلام) يدعو معاوية الى البراز في صفين

(10) روى العلامة شيخ الأسلام الحمويني بأسانيده المذكورة الى حاكم الدين أبي عبدالله محمد بن أحمد النطنزي قال : ذكر أصحاب التواريخ انه كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يوم صفين انتَدبَ معه من ربيعة ما بين عشرة آلاف الى اثنى عشر الفاً وهو يقدمهم على البغلة الشهباء دُلدُل وحمل وحملوا معه حملَةَ رجُل واحد فلم يترك لأهل الشام صفّاً الا انتقضَ وانهزم ، فلما أتوا عليه أفضَوا الى قُبة معاوية ، وعلي (عليه السلام) يضرب ويقول :

أضِربُهُم ولا أرى معاوية *** الأَخزر العين العظيم الخاوية

يهوي به في النار أمٌّ هاوية

ثم نادى علي (عليه السلام) :

يا معاوية على ما يقتل الناس فيما بيني وبينك ؟ هَلُمَّ أحاكِمُك الى الله ، فأيّنا قتل صاحبه اشتفى منه !

فقال له عمرو بن العاص : أنصفَكَ !!

قال له معاوية : انك لتعلم انه لم يبارزه أحدٌ قط الا قَتَلهُ !

فقال له عمرو : ما يَجمُل لَكَ الا مبارزته .

قال شرقي بن قطامي : ان معاوية قال لعمرو بن العاص بعد انقضاء الحرب: هل غششتني؟

قال : لا .

قال : بلى يوم أشَرتَ علَيَّ بمبارزة علي وأنت تعلم ما هو(12)!

(11) روى العلامة الطريحي رحمه الله في المنتخب عن الشيخ الصدوق باسناده عن الهيثم بن عدي بن أرطأة :

قال معاوية لعمرو بن العاص : يا أباعبدالله أيُّنا أدهى ؟ فقال عمرو : أنا للبديهة وأنت للرويّة

فقال له معاوية : قد قضيتَ لي على نفسك فأنا أدهى منك للبديهة أيضاً ، فقال له عمرو : أين كان دهاؤك يوم رُفعِت المصاحف على الرماح ؟ فقال : بها غَلَبتني ، أفلا أسألك عن شيء تصدقني فيه ؟

فقال : والله ان الكذب لقبيح ! فسَل عَما بدالك فأني أصدقك .

فقال له : أغَشَشتني مُذ نصحتني ؟ قال : لا .

قال : بلى والله قد غششتني ، أما أني لا أقول في كل المواطن ولكن في مَوطِن واحد !

قال : وأيّ مَوطن هذا ؟

قال : يوم دَعاني علي بن أبي طالب للمبارزة الى الحرب فأستَشرتُكَ فقُلتُ لك ما ترى يا عَمرو ؟ فقُلتَ كَفوٌ كريمٌ ، فأشَرَتَ عَلي بمبارزته وأنتَ تعلَمُ من هو فعَلِمتُ انكَ غَشَشتني !

فقال عَمرو : يا معاوية دعَاك للمبارزة رجلٌ عظيم الشأن جليل القدر فكُنتَ من مبارزته على اِحدى الحسنين : أما ان تقَتُلهُ فتكون قد قَتَلتَ قاتل الفرسان وقاهر الشجعان وتزداد شرفاً الى شرفك في طول الزمان وتَخلوُ بمُلكك وتقهر عدوك ! وأما ان تعجل الى مُرافقة الشهداء في دار الجنان وحَسُنَ أُوْلئك رفيقاً !!

فقال معاوية : هذه الكلمة أشَرُّ من الأولى ، والله أني أعلَمُ أني لو قتلتُهُ دخَلتُ النار وان قَتَلَني دَخَلْتُ النار !

فقال له عمرو : يا معاوية اذا كنت تعلم هذا فما الذي حَملَك على قتاله ؟!

فقال : ويلَكَ ان المُلك عقيم ، ولَن يسمعها مني أحدٌ بعدك ، فلا تُخبر الناس بما سمعت مني(13).

روى انّ عمرو بن العاص قال لمعاوية بن أبي سفيان : يا معاوية ما أشد حُبّك للمال ، فقال : ولم لا أحبه وأنا أستعبد به مثلك وأبتاع به دينك ومروءتك(14)!

بين محمد بن ابي بكر ومعاوية

(12) روى الشيخ المفيد (قدس سره) في كتابه الاختصاص كتاب محمد بن أبي بكر الى معاوية(15):

من محمد بن أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ الى معاوية بن أبي سفيان ، سلامٌ على أهل طاعة الله ممن هوسلمٌ لأهل ولاية الله .

أما بعد ، فان الله بَجلاله وعظمته وسُلطانه وقدرته ، خَلَق خَلقَهُ بلا عَبَث منه ولا ضعف في قُوّته ولا من حاجة به اليهم ولكنّه خلَقَهم عَبيداً ، فجَعَلَ منهم غَويّاً ورشيداً ، وشقياً وسعيداً ، ثم اختارَ على علم فاصطفى وانتَخَبَ محمداً (صلى الله عليه وآله)فانتجَبَهُ واصطفاه برسالاته ، وأرسَلَهُ بَوحيه وائتَمَنهُ على أمره ، وبَعثَهُ رسُولا مُصدقاً ودَليلا ، فكان أوّل من أجابَ وأنابَ وصَدّق وآمَنَ وسَلّم أخوه وابن عمِّه علي بن أبي طالب صَدّقَه بالغيب المكتوم ، وآثره على كل حميم ، ووقاه كل هَول ، وواساه بنفسه في كل خوف ، حارب من حاربه وسالم من سالمه ، ولم يَزَل باذلا نفسه في ساعات الخَوف والجوع ، والجدّ والهزل ، حتى أظهر الله دعوته وأفلج حُجته .

وقد رَأيتُك أيُّها الغاوي تُساميه وأنتَ أنت ، وهو هو المبرز السابق في كل حين ، أوّل الناس أسلاماً وأصدق الناس نيّةً وأطيبُ الناس ذرِّية وخير الناس زوجة وأفضل الناس أخوة ، وابن عمِّه ووصَيِّه وصَفيِّه وأخوه الشاري لنفسه يوم مؤتة وعمُّه سيّد الشهداء يوم أحد ، وأبوه الذاب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعن حوزته .

وأنتَ اللعين بن اللعين ، لم تَزل أنتَ وأبوك تَبغيان على رسول الله (صلى الله عليه وآله)الغوائل ، وتَجهدان على إطفاء نوره ، وتجَمعان عليه الجُموع ، وتُؤلِّبان عليه القبائل ، وتبذلان فيه المال . هلك أبوك على ذلك ، وعلى ذلك خَلَفكَ ، والشاهد عليكَ بِفعلك مَن يأوي ويَلجَأ اليك من بقية الأحزاب و رؤوس النفاق وأهل الشقاق لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته والشاهد لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) بفضله المبين وسِبقهِ القديم ، وأنصاره الذين معه الذين ذكروا بفضلهم في القرآن ، أثنى الله عليهم من المهاجرين والأنصار ، فهُم معه كتائب وعصائب مِنْ حَولهِ يُجالدون بأسيافهم ويهرقون دماءَهُم دونه ، يرون الحَقّ في اتباعه والشقاء في خِلافِهِ ، فكيف يالك الوَيل تَعِدلُ نَفْسَك بعلي ؟ ! وعليٌّ أخو رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووَصيُّهُ وأبو ولده ، وأوّل الناس له إتّباعاً وآخِرهُم به عَهداً ، يُخبرهُ بِسرِّهِ ويُشركهُ في أمرّه ، وأنتَ عَدوُّهُ وابن عدوّه ، فَتَمتّع ما استَطَعْتَ بباطلك ، وليمددك ابن العاصي في غوايتك ، وكَأنَ أجَلَك قد انقضى ، وكيدُك قد وهى ، ثم تَستبين لمن تكون العاقبة العليا ، وأعلم أنك تكايد رَبَّك ، الذي قد أمِنت كيدَهُ في نَفسِك ، وأيَستَ من رَوْحِهِ ، وهو لك بالمرصاد ، وأنت منه في غرور ، وبالله ورسوله وأهل رسوله عنك الغنى ، والسلام على مَنِ اتبَعَ الهُدى .

وكتب محمد بن أبي بكر رضى الله عنه بهذا الشعر الى معاوية :

مَعاوي ما أمسى هوى يَستقيدني *** اليك ولا أخفي الذّي لا أعالِنِ

ولا أنا في الأخرى اذا ما شَهدتُها *** بنكس ولا هيَّابة في المَواطنِ

حَللت عقال الحرب جُبناً وانما *** يطيبُ المنايا خائنا وابن خائنِ

فحَسبُك من أحدى ثلاث رأيْتها *** بعينك أو تلك التي لم تعاين

ركُوبك بعد الأَمْن حرباً مشارفاً *** وقد دميت أظلافها والسناسن

وقدحك بالكفَّين توري ضريمة *** من الجهل أدّتها اليك الكهائن

ومَسحُك أقراب الشموس كأنها *** تَبُسُّ باحدى الداحيات الحواضن

تنازع أسباب المروءة أهلَها ***وفي الصَدرِ داءٌ من جَوى الغِلّ كامن

فَلما قرأ معاوية كتاب محمد كَتبَ اليه :

بسمِ الله الرحمن الرحيم

من معاوية بن أبي سفيان الى محمد بن أبي بَكر الزاري على أبيه !

أما بعد ، فقد بَلغَني كتابُك تذكُر فيه ماالله أهَّلَهُ من سُلطانه وقُدرَتهِ واصطفاهُ رسوله ، مع كلام ألَّفْتَهُ ووَضَعتهُ ، لِرأيك فيه تضعيف ، ولأبيك فيه تعنيف . وذَكَرتَ فضل علي بن أبي طالب وقديم سَوابِقهِ وقرابتِه لرسُول الله (صلى الله عليه وآله) ونُصَرته لهُ ومواساته أياهُ في كل خَوف وهَول ، فكان احتجاجُك عَلَيّ وعَيبُكَ لي بفَضِل غيرك لا بفَضلِك ! فاحِمد رَبّاً صَرَفَ ذلك الفضل عنك وجَعَلَه لغيرك !

فقد كُنّا وأبُوكَ مَعَنا في حَياةِ نبيِّنا محمد (صلى الله عليه وآله) نرى حَقّ ابن أبي طالب لازماً لنا ، وفَضلُهُ مُبرزاً عليَنا ، حَتى اختار الله لنبيِّهِ (صلى الله عليه وآله) ماعنده ، وأتَمَّ له وَعَده ، وأَفلَجَ له حُجّتَه ، ثم قَبَضَهُ الله اليه ، فكان أوّل مَن ابتَزهُ حَقّهُ أبوك وفاروقه ! وخالَفاهُ في أمرهِ ، على ذلك إتَّفَقا واتَّسَقا ، ثمّ إنهما دَعَواهُ ليُبايعهُما فأَبْطأِ عنهما وتَلَكَّأ عليهما ، فهَمّا بهِ الهمُوم ، وأرادا به العظيم ، ثم انه بايَعَ لهما وسَلَّم ، فلم يُشركاهُ في أمرهما ، ولم يُطِلعاهُ على سِرِّهما حتى قُبِضا على ذلك ، وانقضى أمرهما !

ثم قام ثالثهما من بعدهما عثمان بن عفان ، فاقتدَى بهَديهما وسارَ بسيرتهما ، فعَتَبهُ أنتَ وصاحِبُك حتى طمَعَ فيه الأقاصي من أهلِ المعاصي ، وبَطَنتُما لَهُ وأظهَرتُما له العَداوة ، حتى بَلَغْتُما فيه مُناكما ، فخُذ حذرك ياابن أبي بكر ! وقِسْ شِبرك بفترك !

فكيف توازي مَن يُوازن الجبال حلمهُ ! ولا تِعب مَنْ مَهَّدَ له أبُوكَ مِهاده !!

وطرَحَ لمُلكِهِ وساده !

فاِنْ يكُن ما نَحنُ فيه صَواباً فأبُوك فيه أوّل ! ونَحنُ فيه تَبَع !!

وانْ يكُن جَوراً فأبوكَ أوَّل من أسَّسَ بناه ، فبَهدَيهِ اقتدَينا ، وبفعَلِهِ أحْتَذينا !

ولَولا ما سَبَقنا اليه أبُوك ما خالفنا عَليّاً ولَسَلّمنا اليه ، ولكن عب أباك بما شِئت ، أو دَعْهُ والسَلامُ عَلى مَن أناب ورجع عن غوايته(16).

(13)عمرو بن العاص يفتري الأكاذيب على رسول الله(صلى الله عليه وآله)

روى ابان عن سليم قال:

بلغ أمير المؤمنين صلوات الله عليه، أن عمرو بن العاص خطب الناس بالشام، قال: بعثني رسول الله(صلى الله عليه وآله) على جيشه، فيه أبوبكر وعمر، فظننت انه انما بعثني لكرامتي عليه، فلما قدمت قلت: يا رسول الله أي الناس احب اليك؟ فقال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال أبوها!

ايها الناس، وهذا علي يطعن على ابي بكر وعمرو عثمان، وقد سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: ان الله ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه!

وقال في عثمان: ان الملائكة لتستحي من عثمان!

وقد سمعت علياً والافصّمتا ـ يعنى أذنيه ـ يروي على عهد عمر، ان نبي الله نظر الى ابي بكر وعمر مقبلين فقال: يا علي هذان سيّدا كهول أهل الجنة من الاولين والآخرين ما خلا النبيّين والمرسلين، ولا تحدّثهما بذلك فيَهلكا!

فقام علي(عليه السلام) فقال: العجب لطغاة اهل الشام حيث يقبلون قول عمرو ويصدّقونه، وقد بلغ من حديثه وكذبه وقلّة ورعه، ان يكذب على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقد لعنه سبعين لعنة، ولعن صاحبه الذي يدعو اليه في غير موطن، وذلك ان هجا رسول الله(صلى الله عليه وآله) بقصيدة سبعين بيتاً، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): اللهم اني لا اقول الشعر ولا احلّه، فالعنه انت وملائكتك، بكلّ بيت لعنة تترى على عقبهِ الى يوم القيامة.

ثم لما مات ابراهيم ابن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قام فقال ان محمداً صار ابتر لا عقب له، واني لأشنأ الناس له واقولهم فيه سوءاً، فانزل الله فيه: ان شانئك هو الابتر يعنى ابتر من الايمان، ومن كل خير.

ما لقيت من هذه الامة، من كذابها ومنافقها، لكاني بالقراء الضعفة المجتهدين، قد رووا حديثه وصدقوه فيه، واحتجوا علينا اهل البيت بكذبه، انا نقول: خير هذه الامة ابوبكر وعمر، ولو شئت لسميّت الثالث. والله ما أراد بقوله في عائشة وابيها الا رضا معاوية، ولقد استرضاه بسخط الله.

وأمّا حديثه الذي يزعم انه سمعه مني، فلا والذي فلق الحبّة وبر النسمة، ليعلم انه كذب علي يقيناً، وان الله لم يسمعه مني سراً ولا جهراً!

اللهم العن عمروا والعن معاوية. بصدّهما عن سبيلك، وكذبهما على كتابك واستخفا فهما بنبيّك، وكذبهما عليه وعليّ.

ثم دعا معاوية قرّاء أهل الشام وقضاتهم، فأعطاهم الاموال، وبثّهم في نواحي الشام ومدائنها، يروون الروايات الكاذبة، ويضعون لهم الاصول الباطلة، ويخبرونهم بأن علياً(عليه السلام) قتل عثمان ويَتَبَرّأ من أبي بكر وعمر، وان معاوية يطلب بدم عثمان، ومعه أبان بن عثمان وولد عثمان، حتى استمالوا أهل الشام واجتمعت كلمتهم.

ولم يزل معاوية على ذلك عشرين سنة، ذلك عمله في جميع أعماله، حتى قدم عليه طغاة الشام وأعوان الباطل، المنزلون له بالطعام والشراب، يعطيهم الاموال ويقطعهم القطائع حتى نشأ عليه الصغير، وهَرَم عليه الكبير، وهاجر عليه الاعرابي، وترك اهل الشام لعن الشيطان وقالوا: لعن علي وقاتل عثمان، فاستقرّ على ذلك جملة الامة، واتباع أئمة الضلالة، والدعاة الى النار، فحسبُنا الله ونعم الوكيل. ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ولكن الله يفعل ما يشاء(17).

(14)محاورة بين معاوية وابن عباس(18)

روى المفيد أعلا الله مقامه بسنده عن عبدالله بن مصعب، عن أبيه قال: حضر عبدالله بن عباس مجلس معاوية بن أبي سفيان، فأقبل عليه معاوية فقال: يا ابن عباس انكم تريدون ان تحرزوا الامامة كما اختصصتم بالنبوّة؟ والله لايجتمعان أبدا، ان حجتكم في الخلافة مشتبهة على الناس، انكم تقولون: نحن اهل بيت النبي فما بال خلافة النبوة في غيرنا؟ وهذه شبهة لانها تشبه الحق وبها مسحة من العدل، وليس الامر كما تظنّون! ان الخلافة تتقلّب في احياء قريش برضى العامّة وشورى الخاصّة، ولسنا نجد الناس يقولون: ليت بني هاشم ولّونا، وان ولّونا كان خيراً لنا في دنيانا وأخرانا، ولو كنتم زهدتم فيها امس كما تقولون ما قاتلتم عليها اليوم، ووالله لو ملكتموها يا بني هاشم لما كانت ريح عاد ولا صاعقة ثمود بأهلك للناس منكم!!

فقال ابن عباس رحمه الله:

أما قولك يا معاوية: انما نحتج بالنبّوة في استحقاق الخلافة، فهو والله كذلك، فان لم يستحقّ الخلافة بالنبّوة فبمَ يُستحقّ.

وأما قولك: ان الخلافة والنبوّة لايجتمعان لأحد، فاين قول الله عزوجل: أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما(19). فالكتاب هو النبّوة والحكمة هي السنّة، والملك هو الخلافة، فنحن آل ابراهيم، والحكم بذلك جار فينا الى يوم القيامة.

وأما دعواك على حجّتنا انها مشتبهة، فليس كذلك، وحجّتنا أضوء من الشمس، وأنور من القمر، كتاب الله معنا وسنّة نبيّه(صلى الله عليه وآله) فينا، وانك لتعلم ذلك، ولكن ثنى عطفك وصعّرك قتلنا اخاك وجدّك وخالك وعمّك، فلا تبك على أعظُم حائلة، وارواح في النار هالكة، ولا تغضبوا لدماء أراقها الشرك، وأحلّها الكفر، ووضعها الدين.

وأما ترك تقديم الناس لنا فيما خلا، وعدولهم عن الاجماع علينا، فما حُرِمُوا منا اعظم مما حُرِمنا منهم، وكل امر اذا حصل حاصله ثبت حقّة وزال باطله.

واما افتخارك بالملك الزائل الذي توصلت اليه بالمحال الباطل، فقد ملك فرعون من قبلك فاهلكه الله، وما تملكون يوما يا بني امية الا ونملك بعدكم يومين، ولا شهراً الا ملكنا شهرين، ولا حولاً الا ملكنا حولين.

واما قولك: انا لو ملكنا كان ملكنا أهلك للناس من رحى عاد وصاعقة ثمود، فقول الله يكذّبك في ذلك قال الله عزوجل: وما ارسلناك الا رحمة للعالمين(20) فنحن اهل بيته الادنون، ورحمة الله خلقه كرحمته بنبيّه خلقه ظاهر، والعذاب بتملّكك رقاب المسلمين ظاهر للعيان، وسيكون من بعدك تملّك ولدك وولد أبيك أهلك للخلق من الريح العقيم، ثم ينتقم الله بأوليائه ويكون العاقبة للمتقين(21).

(15)كتاب آخر لمعاوية في صفين(22)

قال سليم: كتب معاوية الى علي(عليه السلام) كتاباً في صفّين مع رجل من أهل السكاسك يقال له عبدالله بن عقبة: أما بعد، فانك لو علمت ان الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت وعلمناه نحن لم يجنّها بعضنا على بعض، وان كنا قد غلبنا على عقولنا، فقد بقي منها ما نرم به ما مضى ونصلح ما بقي، وقد كنت سألتك الشام، على ان لا تلزمني لك طاعة ولابيعة، فأبيت ذلك فأعطاني الله ما منعت، وانا أدعوك الى ما دعوتك اليه امس، فانك لا ترجو من البقاء الا ما أرجوه، ولاتخاف من الفناء الا ما اخاف، وقد والله رقَّت الاكباد وذهب الرجال، ونحن بنو عبدمناف، وليس لبعضنا على بعض فضل يستذلّ به عزيز، ولايسترق به ذليل والسلام.

قال سليم: فلما قرأ علي(عليه السلام) كتابه ضحك وقال: العجب من معاوية وخديعته لي، فدعا كاتبه عبيد الله بن ابي رافع فقال له اكتب:

أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه انك لو علمت ان الحرب تبلغ بنا وبك الى ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، وانا واياك يا معاوية على غاية منها لم نبلغها بعد، واما طلبك الشام فاني لم اعطك اليوم ما منعتك امس، واما استواؤنا في الخوف والرجاء، فانك لست بأمضى على الشك مني على اليقين، وليس أهل الشام احرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة.

وأما قولك: انا بنو عبدمناف ليس لبعضنا فضل على بعض، فكذلك نحن، ولكن ليس أميّة كهاشم، ولاحرب كعبد المطلب، ولا ابوسفيان كأبي طالب، ولا الطليق كالمهاجر، ولا المنافق كالمؤمن ولا المبطل كالمحق، في أيدينا فضل النبوّة التي ملكنا بها العرب، واستعبدنا بها العجم، والسلام.

فلما انتهى كتاب علي(عليه السلام) الى معاوية كتمه عن عمرو، ثم دعاه فأقرأه، فشمت به عمرو وقد كان نهاه، ولم يكن احد من قريش اشد تعظيما لعلي(عليه السلام) من عمرو بعد اليوم الذي صرعه عن دابته، فقال عمرو:

الا لله درّك يا ابن هند***ودرّ المرء ذي الحال المسود

اتطمع لا ابالك في عليّ***وقد قرع الحديد على الحديد

وترجو ان تخادعه بشك***وترجو ان يهابك في الوعيد

وقد كشف القناع وجر حرباً***يشيب لهولها رأس الوليد

يقول لها اذا رجعت اليه***وقابل بالطعان القوم عودي

فان وردت فأولها ورود***وان صدرت فليس بذي ورود

وما هي من أبي حسن بنكر***وماهي من مساتك بالبعيد

وقلت له مقالة مستكين***ضعيف القلب منقطع الوريد

طلبت الشام حسبك يا ابن هند***من السوءات والرأي الزهيد

ولو اعطاكها ما ازددت عزّاً***ومالك في استزادك من مزيد

فلم تكسر بهذا الرأي عوداً***سوى ما كان لابل دون عودِ

فقال معاوية: والله لقد علمت ما اردت بهذا.

قال عمرو: وما اردت به؟

قال: عيبك رأيي وخلافك علي واعظامك عليّاً لما فضحك يوم بارزته.

فضحك عمرو وقال: أما خلافك ومعصيتك فقد كانت، واما فضيحتي فلم يفتضح رجل بارز عليّاً، فان شئت ان تتلوها انت منه فافعل.

فسكت معاوية وفشا أمرهما في اهل الشام.

(16)معاوية يمدح عليّاً(عليه السلام)

روى الفقيه ابن المغازلي بسنده عن قيس قال: سأل رجل معاوية عن مسئلة فقال: سل عنها علي بن أبي طالب فانه أعلم.

قال له: يا أمير المؤمنين قولك فيها احبّ إليَّ من قول علي بن أبي طالب!

فقال: بئس ما قلت، ولؤم ما جئت به، لقد كرهت رجلاً كان رسول الله(صلى الله عليه وآله)يغرّه بالعلم غرّاً، ولقد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله): انت منّي بمنزلة هارون من موسى الا انّه لانبيّ بعدي. ولقد كان عمر بن الخطاب يسأله فيأخذ عنه، ولقد شهدت عمر اذا أشكل عليه شيء قال: ها هنا علي؟ قم، لا أقام الله رجليك، ومحا اسمه من

الديوان!!(23).

(17)معاوية وعماله يسبّون عليّاً(عليه السلام) على المنابر

قال العلامة المعتزلي ابن أبي الحديد في احوال معاوية: وقد طعن كثير من اصحابنا في دين معاوية، ولم يقتصروا على تفسيقه، وقالوا عنه انه كان ملْحداً لا يعتقد النبوّة، ونقلوا عنه في فلتات كلامه، وسقطات الفاظه ما يدل على ذلك.

وروى الزبير بن بكّار في الموفقيات.. وهو غير متهم على معاوية، ولامنسوب الى اعتقاد الشيعة، لما هو معلوم من حاله من مجانبة عليّ(عليه السلام)والانحراف عنه..: قال للطرّف بن المغيرة بن شعبة:

دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه، فيتحدّث معه، ثم ينصرف اليَّ فيذكر معاوية وعقله، ويعجب مما يرى منه، اذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتمّاً فانتظرته ساعة، ظننت انه لامر حدث فينا، فقلت: مالي أراك مغتمّاً منذ الليلة؟

فقال: يا بني جئت من عند اكفر الناس واخبثهم!

قلت: وما ذاك؟ قال: قلت له وقد خلوت به، انك قد بلغت سنايا أمير المؤمنين، فلو اظهرت عدلاً وبسطت خيراً، فانك قد كبرت، ولو نظرت الى اخوتك من بني هاشم فوصلت ارحامهم، فوالله ماعندهم اليوم شيء تخافه، وان ذلك ممّا يبقى لك ذكره وثوابه.

فقال: هيهات هيهات! أيّ ذكر ارجو بقاءه! ملك اخوتيم فعدل وفعل ما فعل، فما عدا ان هلك حتى هلك ذكره، الا ان يقول قائل: أبوبكر! ثم ملك اخو عديّ، فاجتهد وشمَّر عشر سنين، فما عدا ان هلك حتى هلك ذكره، الا ان يقول قائل: عمر! وان ابن ابي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات: أشهد ان محمدا رسول اللّه!؟ فأيّ عمل يبقى؟ وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك، لا والله إلا دفناً دفنا(24)!

(18)معاوية ينهى ابن عباس عن تأويل القرآن

روى أبان عن سليم: لما قدم معاوية حاجّاً في خلافته المدينة، بعدما قتل أمير المومنين صلوات الله عليه، مرّ بحلقة من قريش، فلمّا رأوه قاموا اليه، غير عبدالله بن العباس فقال له: يا ابن عباس، ما منعك من القيام كما قام أصحابك، الا لموجدة عليّ بقتالي اياكم يوم صفّين، يا ابن عبّاس ان ابن عمّي عثمان قتل مظلوماً! قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوماً، فسلّم الامر الى ولده وهذا ابنه!

قال: ان عمر قتله مشرك، قال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟ قال: قتله المسلمون.

قال: فذلك ادحض لِحُجَّتك واَحلّ لدمه، ان كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس الا بحقّ.

قال: فانا كتبنا في الآفاق، ننهى عن ذكر مناقب علي واهل بيته، فكُفَّ لسانك يا ابن عباس واربع على نفسك. قال: فتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال: لا، قال: فتنهانا عن تأويله؟ قال: نعم، قال: فنقرأه ولانسأل عما عنى الله به؟ قال: نعم! قال: فايّما اوجب علينا قراءته او العمل به؟!

قال: العمل به، قال: فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟ قال: سل عن ذلك من يتأوّله على غير ما تتأوّله انت وأهل بيتك!

قال: انماأنزل القرآن على اهل بيتي، فاسأل عنه آل أبي سفيان، وآل أبي معيط، واليهود والنصارى والمجوس؟!

قال: فقد عدلتني بهم!

قال: لعمري ما أعدلك بهم، الا اذا نهيت الأمّة ان يعبدوا الله بالقرآن، وبما فيه من أمر ونهي، أو حلال او حرام، او ناسخ او منسوخ، أو عامّ او خاصّ، أو محكم أو متشابه، وان لم تسأل الامة عن ذلك هلكوا واختلفوا وتاهوا.

قال معاوية: فاقرؤا القرآن، ولاترووا شيئاً مما انزل الله فيكم، وما قال رسول الله، وارووا ما سوى ذلك، قال ابن عبّاس: قال الله تعالى في القرآن: (يريدون ان يطفئوا نور الله بافواههم ويأبى الله الا ان يتم نوره ولو كره الكافرون)(25).

قال معاوية: يا ابن عباس، اكفني نفسك، وكف عنّي لسانك، وان كنت لابدّ فاعلاًفليكن سرّاً ولاتسمعه احداً علانية، ثم رجع الى منزله فبعث اليه بخمسين الف درهم. وفي رواية اخرى: مائة الف درهم(26).

(19)موت مروان بن الحكم

وأما مَروان بن الحكم لما مرض مرضه الذي مات فيه مرَّ على غسّال يغسل ثياباً بجانب نهر في دمشق فنظر اليه وهو يلوي ثوباً بيده ثم يضربه به في المسلة ، فقال مروان : لَيتني كنتُ غَسَّالا آكُل من كَسبِ يدي يوماً بيوم ولم أكن والياً على المسلمين ، قال : فبلغ كلامه الى أبي حازم الغسّال فقال : الحمدلله الذي جعل الملوك اذا حضرهم الموت يَتَمنَّونَ ما نَحنُ فيه من الغسل !

قال : فدَخَلوا عليه أخوانه يَعودُونه في مرَضِهِ فقالوا له : كيف تَجدُكَ يا أمير؟ قال : تجدوني كما قال الله تعالى : (ولقد جِئْتُمونا فُرادى كما خَلَقناكُم أوّل مرة وتركُتم ما خَوَّلناكم وراء ظهُوركم) ثم بكى ، فقيل له : وما يُبكيك يا أمير فقال : ما أبكي جَزَعاً على الدنيا ، ولكن عهد الينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال : يكون بُلغَة أحدكم من الدنيا كزاد راكب ، وا بُعدَ سفراه وا قِلة زاداه ، ثم أغمي عليه فمات لا رحمه الله .

(20)موت عمرو بن العاص

وأما عمرو بن العاص فانه لَما دنَت منه الوفاة وقد نظر الى خزائنه وصناديق ماله قال : مَن يَأخُذها بما فيها وليتني كنتُ أعيش أبداً ، فبكت أمرأته فقال لها : ان كُنتِ باكية فابكي على نفسِكِ ، ثم أغمي عليه فمات ، لا رحمه الله تعالى(27).

(21) أيضاً وفاة عمرو(28)

قال اليعقوبي(29): لما حضرت عمراً الوفاة قال لابنه: لودّ أبوك انه كان مات في غزاة ذات السلاسل، اني قد دخلت في امور لا ادري ما حجّتي عند الله فيها. ثم نظر الى ماله فرأى كثرته فقال: يا ليته كان بعراً، ياليتني متّ قبل هذا اليوم بثلاثين سنة، اصلحت لمعاوية دنياه وافسدت ديني، آثرت دنياي وتركت آخرتي، عمي علي رشدي حتى حضرني اجلي كأني بمعاوية قد حوى مالي وأساء فيكم خلافتي.

قال ابن عبر البر(30): دخل ابن عباس على عمرو بن العاص في مرضه فسلّم عليه وقال: كيف أصبحت يا ابا عبدالله؟ قال: اصبحت وقد اصلحت من دنياي قليلاً، وافسدت من ديني كثيراً، فلو كان الذي اصلحت هو الذي أفسدت والذي أفسدت هو الذي اصلحت لفزت، ولو كان ينفعني ان اطلب طلبت، ولو كان ينجيني ان اهرب هربت، فصرت كالمنخنق بين السماء والارض، لا أرقى بيدين ولا أهبط برجلين، فعِظني بعظة انتفع بها يابن أخي.

فقال له ابن عباس: هيهات يا ابا عبدالله، صار ابن أخيك أخاك، ولاتشاء ان تبكي الا بكيت، كيف يؤمن برحيل من هو مقيم؟

فقال عمرو: وعلى حينها حين ابن بضع وثمانين سنة تقنّطني من رحمة ربّي؟ اللّهم ان ابن عباس يقنّطني من رحمتك، فخذ مني حتى ترضى.

قال ابن عباس: هيهات يا ابا عبدالله اخذت جديداً وتعطي خلقاً.

فقال عمرو: مالي ولك يا بن عباس! ما أرسلت كلمة الا ارسلت نقيضها.

قال عبدالرحمن بن شماسة:

لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى فقال له ابنه عبدالله: لم تبكي أجزعاً من الموت؟ قال: لا والله ولكن لما بعده! فقال له: قد كنت على خير، فجعل يذكّره صحبة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وفتوحه الشام، فقال له عمرو: تركت أفضل من ذلك: شهادة ان لا اله الا الله! اني كنت على ثلاث اطباق ليس منها طبق الا عرفت نفسي فيه، كنت اول شيء كافراً فكنت اشد الناس على رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فلو متّ يومئذ وجبت لي النار. فلما بايعت رسول الله(صلى الله عليه وآله) كنت اشد الناس حياءً منه فما ملأت عيني من رسول الله(صلى الله عليه وآله) حياءً منه، فلو متّ يومئذ قال الناس: هنيئاً لعمرو أسلم وكان على خير ومات على خير أحواله فترجى له الجنّة.

ثم بليت بعد ذلك بالسلطان وأشياء فلا أدري أعليّ ام لي؟! فاذا متّ فلا تبكينَّ علي باكية، ولا يتبعني مادح ولانار، وشدّوا علي ازاري فاني مخاصم، وشنّوا علي التراب فان جنبي الأيمن ليس باحقّ بالتراب من جنبي الأيسر!.

(22)موت معاوية

روى العلامة الطريحي رحمه الله في منتخبه : ان معاوية بن أبي سفيان لَما مِرض مرض الموت رقى المنبر وخطب الناس ، وكانت آخر خطبة خَطَبها للناس في جامع بني أمية ، وانه قال :

أيُّها الناس اني من زرع قد استحصد واني وليتكم ولم يتولكم أحدٌ من بعدي الا مَن هو شَرٌّ مني كما كان من قبلي هو خيرٌ مني ، يالَيتني كنتُ رجُلا من قريش ولم أتَولّ من أمور الناس شيئاً . ثم قال : ما أغنى عني مالَيه هَلَكَ عني سُلطانيه ، فوالله لوَ علمت هكذا قصيراً ما فعلت .

ثم بكى وقال : وا بُعد سَفَراه ، وا قِلة زاداه ، ثم نزل عن المنبر ودخل داره وثقل حاله وازدادت علّته ، فعادوه أخوانه وجَلَسوا حوله ، وقالوا له : يا معاوية أوصِ الينا بما تريد .

فقال : يا أخواني ، أحذّركم مصرعي هذا فانه لا بُدّلكم منه ، ثم قال : أجلِسوني وسنِّدوني ، فأجلَسُوه وسنَّدوه ، فقال :

اِلهي أنا الذي أمرتني فقَصّرتُ ونَهَيتني فعصَيتُ ، ثم قال : الآن تذكرُ ربَّكَ يا معاوية بعد الهرم والانحطاط ، فلِم لا كان هذا وغصُن الشباب نَضِرٌ ريان .

فقيل له : يا معاوية كأنك تحب الحياة ، فقال : لا ولكن القدوم على الله شديد قال : ودخل عليه قومٌّ آخرون فقالوا له : كيف أصَبحْتَ يا معاوية ؟

فقال : أصَبحَتُ من الدنيا راحلا ، وللأخوان مُفارقاً ، ولسوءِ عَمَلي ملاقياً ، ثم انصرف الناس .

قالت زوجته : فسمِعتُهُ يقول عند موته : (تِلكَ الدارُ الأخِرَةُ نَجَعلُها لِلذينَ لا يُريدوُنَ عُلُوّاً في الأرضَ ولا فَساداً والعاقبة للمتقين) ثم سكت ، فجَعلتُ لا أسمع له كلاماً أبَداً ، فقلتُ لوصَيف كان عنده : أنظر أنائِمٌ هو أم يقظان ، فنظر اليه فَوجَدهُ قد مات لارحمه الله .

(23)حال معاوية في البرزخ

وروى الشيخ المفيد رحمه الله في الأختصاص في ـ حال معاوية في البرزخ ـ وباسناده عن بشير النبال ، عن أبي جعفر (الباقر)(عليه السلام) قال : كنتُ خلف أبي(عليه السلام) وهو على بغلته ، فنظرت فاذا رجل في عنقه سلسلة ورجل يتبعه فقال : يا علي بن الحسين إسقني ، فقال الرجل : لا تَسقِه لا سَقاهُ الله ، وكان معاوية لعنه الله(31).

روى أيضاً عن إدريس بن عبدالله قال : سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول :

بيَنا أنا وأبي متوجِّهين الى مكة وأبي قد تقدمني في موضع يقال له : ضجنان ، اذا جاء رجلٌ في عنقه سلسة يَجرُّها فأقبل عليَّ فقال : اسقني اسقني ، فصاح بي أبي : لا تَسقهِ لا سقاه الله ، قال : وفي طلبه رجلٌ يتبعه ، فجذب سلسلته جذبة طرحه بها في أسفل درك من النار .

وروى بالأسناد عن علي بن المغيرة ، قال :

نزل أبو جعفر (عليه السلام) بضجنان ، فقال ثلاث مرات : لا غفر الله لك ، فلما قال : قال أتدرون لمن قُلت ؟ أو قال له بعض أصحابنا ، فقال : مَرَّ بي معاوية بن أبي سفيان يجرّ سلسلته قد دلع لسانه يسألني ان أستغفر له ، ثم قال : انه واد من أودية جهنّم.

وروى بالأسناد أيضاً عن مالك بن عطية ، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال :

كنتُ أسيرُ مع أبي في طريق مكة ونحن على ناقتين ، فلما صرنا بوادي ضجنان خرج علينا رجلٌ في عنقه سلسلة يسحبها فقال : يا ابن رسول الله أسقني سَقاك الله ، فتبعه رجلٌ آخر فاجتذب السلسلة وقال : ياابن رسول الله لا تسقه لا سَقاه الله ، فالتفت اِلي أبي فقال : يا جعفر عرفت هذا ؟ هذا معاوية لعنه الله .

(24)معاوية الثاني يقرّ بالحق لعليّ(عليه السلام)(32)

ذكر المحدث الحافظ ابن حجر الهيثمي المكّي:

كانت ولاية يزيد سنة ستين ومات سنة اربع وستين، لكن عن ولد شاب صالح عهد اليه فاستمر مريضاً الى ان مات، ولم يخرج الى الناس ولا صلى بهم ولا ادخل نفسه في شيء من الامور وكانت مدّة خلافته أربعين يوماً، وقيل شهرين، وقيل ثلاثة اشهر.

ومات عن احدى وعشرين سنة، وقيل عشرين.

ومن صلاحه الظاهر انه لما ولي صعد المنبر فقال: ان هذه الخلافة حبل الله، وان جدّي معاوية نازع الامر اهله ومن هو احق به منه علي بن ابي طالب، وركب بكم ما تعلمون حتى اتته منيّته فصار في قبره رهيناً بذنوبه! ثم قلّد ابي الامر وكان غير اهل له، ونازع ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) فقصف عمره وانبتر عقبه، وصار في قبره رهيناً بذنوبه!

ثم بكى وقال: ان من اعظم الامور علينا علمنا بسوء مصرعه وبئس منقلبه، وقد قتل عترة رسول الله(صلى الله عليه وآله) واباح الخمر وخرّب الكعبة!

ولم اذق حلاوة الخلافة فلا اتقلد مرارتها فشأنكم أمركم!

والله لئن كانت الدنيا خيراً فقد نلنا منها حظاً، ولئن كانت شراً فكفى ذريّة ابي سفيان ما اصابوا منها!

ثم تغيّب في منزله حتى مات بعد أربعين يوماً وقد انصف من ابيه وعرف الامر لأهله.

وفي رواية المؤرخ اليعقوبي(33) ذكر الخطبة هكذا: أمّا بعد حمد الله والثناء عليه، أيها الناس فانا بُلينا بكم وبليتم بنا فما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا، الا وان جدّي معاوية ابن ابي سفيان نازع الامر من كان اولى به منه في القرابة برسول الله، واحقّ في الاسلام، سابق المسلمين، اَول المؤمنين، وابن عمّ رسول رب العالمين، وابا بقية خاتم المرسلين، فركب منكم ما تعلمون، وركبتم منه مالاتنكرون، حتى اتته منيته وصار رهنا بعمله، ثم قلد ابي وكان غير خليق للخير، فركب هواه، واستحسن خطأه، وعظم رجاؤه، فأخلفه الامل، وقصر عنه الاجل، فقلَّت منعته، وانقطعت مدَّته، وصار في حفرته رهناً بذنبه واسيراً بجرمه. (الخ الخطبةالتي مرت).

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بشارة المصطفى : ص10 ـ 11 ح2 .

(2) و رواه شيخ الأسلام الحمويني في فرائد السمطين (ج1 ص374 ح305 ط بيروت) . وذكر الحديث كما مر والشعر الى قوله : فهذا القول لي دين وهذاالى لقياك يا رب كلامي . ورواه المجلسي في البحار في سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) : (ج8 ص580 ط 1) . ورواه العلامة الأميني في الغدير (ج2 ص177 ط 3) .

(3) رواه الأسحاقي في لطايف أخبار الدول (ص41) . وشرح نهج البلاغة : (ج2 ص522) . والشيخ محمد الأزهري في شرح مغني اللبيب (ج1 ص43) . وفهرست المكتبة الخديوية بمصر (ج4 ص314 المطبوع 1307هـ) . ورواه ابن شهر آشوب مختصراً في المناقب (ج3 ص186) . ورواه الاميني في الغدير : ج2 ص114 ـ 117 .

(4) تذكرة الخواص : ص89 ـ 91 .

(5) بشارة المصطفى : ص270 .

(6) الصواعق المحرقة : ص127 ط مكتبة القاهرة .

(7) تذكرة الخواص : ص207 .

(8) تذكرة الخواص : ص200 .

(9) ورواه الأستاذ توفيق أبو علم في أهل البيت (ص343 ط السعادة بمصر) بتفصيل أكثر وفيه لعن أبا سفيان على لسان النبي (صلى الله عليه وآله) ، ونذكره اتماماً للفائدة :

قال الحسن (عليه السلام) في مخاطبته لمعاوية : وأنت يا معاوية دعا عليك رسول الله (صلى الله عليه وآله) لَما أراد ان يكتب كتاباً الى بني خزيمة فبعث اليك فنَهَمَك الى يوم القيامة فقال : اللهم لا تُشِبعهُ . وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعثَ أكابر أصحابه الى بني قريظة فنزلوا من حصنهم فهُزموا ، فبعث علياً بالراية فاستْنَزَلهُم على حُكم الله وحكم رسوله ، وفعل في خيبر مثلها ، وأنتم أيّها الرهط نَشَدتكم الله الا تعلمون ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لَعَن اَبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردّها :

أوّلها : يوم لقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) خارجاً من مكة الى الطائف يدَعوا ثقيفاً الى الدين فوقع به وسَبِّه وسَفّهَهُ وشَتَمَه وكذبه وتَوعّده وهم ان يبطِشَ به .

والثانية : يوم العِير اذ عَرَضَ لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي جائية من الشام فطردَها أبو سفيان وساحل بها ولم يَظفر المسلمون بها ، ولَعنَهُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودَعا عليه فكانت وَقعة بدر لأجَلها .

والثالثة : يوم أحد حيث وقف تحت الجبل ورسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وهو ينادي : أعلُ هُبَل ! مراراً ، فلَعنهُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشر مرات ولعنه المسلمون .

والرابعة : يوم جاء الأحزاب وغطفان واليهود فلَعَنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وابتهل .

والخامسة : يوم الحديبية ، يوم جاء أبو سفيان في قريش ، فصَدوَّا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن المسجد الحرام (والهَدْي مَعكوفاً ان يبلُغَ محله) ولعَنَ القادة والأتباع ، فقيل له : يارسول الله انما يُرجى الأسلام لأحد منهم ؟ فقال : لا تَصيبُ اللعنة أحداً من الأتباع يسلم ، وانما للقادة فلا يُفلح منهم أحداً .

والسادسة : يوم الجمل الأحمر .

والسابعة : يوم وَقفوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في العقبَة ليَستنفروا ناقَتَهُ ، وكانوا أثنى عشر رجلا منهم أبو سفيان . هذا لك يا معاوية .. الحديث .

(10) المنتخب الطريحي : ص81 .

(11) منتخب الطريحي : 78 ـ 79 .

(12) فرائد السمطين : ج1 ص376 ح306 .

(13) المنتخب الطريحي : ص210 ، 211 .

(14) المنتخب الطريحى : ص252 .

(15) اختصاص المفيد : ص124 ـ 126 ط قم الزهراء .

(16) روى الكتاب دون الأشعار والجواب أيضاً المؤرخ نصر بن مزاحم في كتاب صفين (ص63) . ورواه العلامة المعتزلي ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج1 ص283 ط مصر وص350 ط بيروت) . ورواه العلامة الطبرسي في الاحتجاج ونقله عنه المجلسي في البحار (ج8 ص654 ط كمباني) .

(17) كتاب سليم بن قيس: ص158 / 159.

(18) أمالي المفيد: 3/14 ـ 17.

(19) النساء: 54.

(20) الانبياء: 107.

(21) اورده المجلسي في البحار: ج44 ص 117 ـ 118; أمالي المفيد 3/14 ـ 17.

(22) كتاب سليم بن قيس: 201.

(23) مناقب ابن المغازلي: ح52، ص34 ـ أخرجه العلامة عبدالله الواسطي الشافعي في كتابه المناقب نقلاً عن مناقب المغازلي، وهكذا أخرجه الحمويني في فرائد السمطين على ما في احقاق الحق: 5/194، وأخرجه المحب الطبري في ذخائر العقبى (79) والرياض النضرة 2/ 195 نقلا عن مناقب الامام ابن حنبل.

(24) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 5/129.

(25) التوبة: 32.

(26) كتاب سليم بن قيس الكوفي: 187 ـ 188.

(27) المنتخب الطريحي : ص252 ،253 .

(28) الغدير، ج2: 175 ـ 176.

(29) تاريخ اليعقوبي ج2، ص198.

(30) الاستيعاب، ج2: ص436.

(31) الاختصاص : ص275 ـ 276 ط قم الزهراء .

(32) الصواعق المحرقة: 224.

(33) تاريخ اليعقوبي ط. دار صادر ج1 ص254.