الفصل الثامن والسبعون بعد المئة «يا رسول الله أيّما أحبُّ اليك أنا أم فاطمة»

(1) «حديث أبي هريرة»

روى الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر في «مجمع الزوائد»(1) قال : وعن أبي هريرة قال قال علي : يا رسول الله أيّما أحَبُّ اليك أنا أم فاطمة ؟

قال : فاطمة أحَبُّ منك وأنتَ اعزّ علي منها(2).

(2) «حديث علي (عليه السلام)»

ـ روى الحافظ النسائي في «الخصائص»(3) قال : باسناده عن أبي نجيح عن أبيه ، عن رجل قال : سمعت عليّاً رضي الله عنه يقول في حديث : فقلت : يا رسول الله اَنا اَحبُّ اليك ام هي ؟ قال : هي اَحبُّ اِلي منك وانت اعزّ عليّ منها(4).

(3) روى الخطيب الخوارزمي في «مقتل الحسين»(5) باسناده عن اَبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال علي بن ابي طالب (عليه السلام) : يا رسول الله أيّما اَحبّ اليك أنا أم فاطمة ؟

قال: قال: فاطمة أحبّ الي منك ، واَنت اَعز علي منها ، وكأني بك واَنت على حوضي تذود عنه الناس ، واِن عليه الاباريق مثل عدد نجوم السماء ، واِني واَنت والحسَن والحسين وفاطمة وعقيلا وجعفراً في الجنة، اِخواناً على سُرُر متقابلين لا ينظر احدُهم في قفا صاحبه(6) .

(4) روى الحافظ نور الدين الهيثمي في «مجمع الزوائد»(7) قال : وعن ابن عباس قال :

دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على علي وفاطمة وهما يضحكان ، فلما رأيا النبي(صلى الله عليه وآله) سكتا ، فقال لهما النبي (صلى الله عليه وآله) : مالكما كُنتما تضحكان فلما رأيتماني سَكتُّما ؟

فبادرت فاطمة فقالت : بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ، قال هذا : اَنا اَحبُّ الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) منكِ ، فقلت : بل اَنا اَحبُّ الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) منك .

فتبسّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال : يا بنيّة لكِ رقّة الولد وعلي اَعزّ عَلَيّ منكِ . رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح(8).

(5) روى العلامة أبو جعفر الطبري رحمه الله باسناده قال : حَدّثنا علي بن موسى الرضا (عليه السلام) ، قال : حدّثني ابي عن أبيه عن جدِّه عن ابيه علي بن الحسين عن أبيه علي (عليه السلام) قال :

قالت فاطمة (عليها السلام) يوماً لي : اَنا اَحبُّ الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) منكم ، فقلت : لا بل اَنا اَحبّ ، فقال الحسن : لا بل اَنا ، وقال الحسين : لا بل اَنا اَحبّكُم الى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ودخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال : يا بنيّة فيم اَنتُم ؟

فأخبرناه ، فأخَذَ فاطمة فاحتَضَنها وقَبّلَ فاها وضمّ عليّاً وقَبّلَ بين عينيه ، أجلس الحَسن على فخذه الايمن والحسين على فخذه الايسَر وقبّلهما وقال : انتم اَولى بي في الدنيا والآخرة ، والى الله من والاكم ، وعادى من عادكم ، انتم مني وأنا منكم ، والذي نفسي بيده لا يتولاكم عبدٌ في الدنيا الا كان الله عزّوجلّ وليّه في الدنيا والآخرة(9) .

(6) روى الحافظ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في «كفاية الطالب»(10) بسنده سفيان بن عيينة عن ابن ابي نجيح ، عن أبيه قال : حدّثني من سمع عليّاً (عليه السلام)يقول :

اردُت اَن اخطب الى رسول الله ابنته ، فقلت : والله ما عندي شيء ، ثم ذكرت وصلته فخطبتها اليه ، فقال : عندك شيء ؟ فقلت : لا ، فقال : اَين درعك الحطمية التي أعطيتكها يوم بدر ؟ قال : قلت : هي عندي فزوجّني عليها ، وقال : لا تحدّثن شيئاً حتى آتيكما ، قال : فجاء النبي (صلى الله عليه وآله) ونحن نيام ، فقال : مكانكما ، فقَعَد بيْننا فدَعا بماء فرَشّهُ علينا .

قال : فقلت : يا رسول الله انا اَحب اليك أم هي ؟

قال : هي اَحَبُّ اِلي منكَ واَنت أعَزّ علي منها(11) .

(7) وروى الحافظ الكنجي عن أبن أبي نجيح(12) : عن أبيه عن رجل قال :

سمعت عليّاً (عليه السلام) على المنبر بالكوفة يقول : خطَبتُ الى رسول الله فاطمة فزَوجني ، فقلت : يا رسول الله أنا اَحبُّ اليك أم هي ؟ قال : هي اَحَبُّ اِلي منك ، واَنتَ اَعَز عَلَي منها .

وقال الحافظ الكنجي :

رأيت اختلافاً للعلماء والادباء في معنى قوله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) : «اَنت اَعزّ عَلَي منها وفاطمة اَحَبُّ الي منك» على وجَه الفضل وعلوُّ المنزلة ، فقال بعضهم : اراد فضيلة علي (عليه السلام) عنده على فاطمة (عليه السلام) وعكس البعض .

ورأيت كلام المحققين ممن له عناية بألفاظ العرب ومعرفة العربية واللغة ، ان النبي (صلى الله عليه وآله) بَدأ بذكر فاطمة (عليها السلام) فقال : هي اَحَبّ الي منك ليُرضيها بذلك ، كما يفعل العقلاء وأصحاب الرأي اذا كان معهم شهوة أو طرفة بدأوا بالصغار والاطفال فأعطوَهم منها لقلة صبرهم وضعفهم لتطيب قلوبهم ويفرحُوا بذلك ، ثم يعودون على الاكابر الاكثر والافضل ، وانما قدم النبي (صلى الله عليه وآله) ذكر فاطمة (عليها السلام)وأثبت محَبّتها لأنها امرأة ضعيفة الصبر قليلة الجلد ، فبَدأ بمسّرتها وطيب قلبها ، واثبت لعلي بن ابي طالب (عليه السلام) بعدها ما هو أفضل واَجَلّ مما نحلها به ، وهو قوله لعلي(عليه السلام) : اَنت اَعزّ علي منها ، كأنه يريد اني أحبّ فاطمة ومحبّتي لك أغلب من محبتي لها .

ويشهد لهذا القول نصّ القرآن ولغة العرب ، قال الله جل وعلا : (وعزّني في الخطاب)(13) اي غلبني واستظَهَر علي بحجته وان الحق لي .

ومن هذا قال النبي (صلى الله عليه وآله) : «انكم لتَختصمون الي» ولعلّ بعضكم يكون الحق بحجته من بعض فمن قضيت له من حقِّ اخيه بشيء لا يستحقه فانما اقطع له قطعة من النار(14).

وتقول العرب : (من عزيز) أي من غلب سلب ، ومعنى الحديث غلبة حب النبي (صلى الله عليه وآله) يزيد على حبِّه لفاطمة ، وكأنّه أشدُّ وجداً بعلي بن ابي طالب من فاطمة سيّدة نساء العالمين .

(8) روى العلامة المؤرخ الطبري في تاريخه(15) قال :

ولما انتهى الى عائشة قتل علي ـ رضي الله عنه ـ قالت :

فألقت عصاه واستَقرّت به النوى *** كما قَرّ عَيْنا بالاياب المسافر

قالت : فمن قتله؟

فقيل : رجلٌ من مراد ، فقالت:

فاِن يكُ نائياً فقَد نَعاهُ *** غُلامٌ ليسَ في فيه التراب

فقالت زينب ابنة ابي سلمة : اَلعلي تقولين هذا ؟ !

فقالت : اِنّي اَنسى فاذا نَسيتُ فذِكِّروني !! وكان الذي ذهب بنعيه سفيان بن عبد شمس بن أبي وقاص الزهري .

ومعنى البيت : كما اَن المسافر اذا جاء من السَفر اَلقى عصاه واستَقّر في مكانه وبيته ، وقرّت أعين الابناء والاصَدقاء بايابه ومجيئه ، كذلك قَرّت عيني من قتل علي ، فلما وصل اليها قتل علي سَألت : من قاتله ؟ قيل : رجلٌ مُرادي قالت : وان كان قاتل علي نائياً وبعيداً اِلا ان من أخبرني بقتله غلام ليس في فيه التراب لأنه من بني أمية .

 

ـ وقال العلامة ابن ابي الحديد المعتزلي في «شرح النهج»(16) :

ماتت فاطمة (عليها السلام) فجَاءَت نساء رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلّهن الى بني هاشم في العزاء الا عائشة فاِنها لَم تَأتِ واَظهَرَت مَرَضاً ! ونُقِل الى علي (عليه السلام) كلامٌ يدُلُّ على السرور ! فعَجباً لعائشة (رض) وما قالت !

ـ وقال العلامة الخوئي رحمه الله في «شرح النهج»(17) عن مسروق قال :

دخَلتُ على عائشة وعندها غلامٌ أسود يقال له عبد الرحمن ، قالت : أتدَري لِمَ سَمَّيتُهُ عبد الرحمن ؟ قلت : لا ، قالت : حُبّاً منّي لعبد الرحمن ابن ملجم(18) !

 

الفصل التاسع والسبعون بعد المئة «كلامٌ الصادق (عليه السلام) في وصف المحبة لأهل البيت (عليهم السلام)»

روى الشيخ الثقة أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني رحمه الله ـ من أعلام القرن الرابع ـ قال :

دخل عليه رجل ، فقال (عليه السلام) : ممن الرجل ؟ فقال : من مُحبيكم ومواليكم .

فقال له جعفر (عليه السلام) : لا يحبّ الله عبد حتى يتولاه ، ولا يتولاه حتى يوجب له الجنة ، ثم قال له : من أي مُحبيّنا انت ؟

فسكت الرجل ، فقال له سدير : وكَم مُحبّوكم يا ابن رسول الله ؟

فقال : على ثلاث طبقات ، طبقة أحَبّونا في العلانية ولم يُحبّونا في السِرّ ، وطبقة يُحبّونا في السرّ ولم يُحبّونا في العلانية ، وطبقة يُحبّونا في السرّ والعلانية ، هم النَمط الاعلى ، وشربوا من العذب الفرات وعلموا بأوائل الكتاب وفصَل الخطاب وسبب الاسباب ، فهُم النمط الاعلى ; الفقر والفاقة وأنواع البلاءَ أسرَع اليهم من ركض الخيل ; مَسّتُهم البأساء والضرّاء وزُلزلوُا وفُتِنوا ; فمن بين مجروح ومذبوح متفرَّقين في كلّ بلاد قاصية ، بهم يشفي الله السقيم ويغني العديم ، وبهم تنصَرون وبهم تمطرون وبهم ترزَقُون ، وهُم الأقَلُّون عدداً ، الاعظَمُون عند الله قدراً .

والطبقة الثانية النَمط الاسفل ، اَحَبّونا في العلانية وساروا بسيرة الملوك ، فألسنتهم معنا وسيوفهم علينا !

والطبقة الثالثة النَمط الاوسَط أحَبّونا في السِرّ ولم يُحبُّونا في العلانية ، ولعمري لئن كانوا أحَبّونا في السرِّ دون العلانية فهم الصَوّامون بالنهار القّوامون باللّيل ، ترى اثر الرهبانيّة في وجوههم ، أهل سلم وانقياد .

قال الرجل : فاَنا من مُحبيكم في السرِّ والعلانية .

قال جعفر : اِن لمحبّينا في السرِّ والعلانية علامات يُعرَفُون بها .

قال الرجل : وما تلك العلامات ؟

قال (عليه السلام) : تلك خلال اَوّلُها أَنهم عرفوا التوحيد حَقّ معرفته ، وأحكَموا علم توحيده ، والايمان بعد ذلك بما هو وما صفته ، ثم علموا حدود الايمان وحقائقه وشروطه وتأويله .

قال سدير : يا ابن رسول الله ما سمعتك نصف الايمان بهذه الصفة ؟

قال : نعم يا سدير ، ليس السائل أن يسأل عن الايمان ما هو حتى يعلم الايمان بمن .

قال سدير : يا ابن رسول الله ان رأيت اَن تفسّر ما قلت .

قال الصادق (عليه السلام) : مَن زعم اَنه يعرف الله بتوهم القلوب فهو مشرك ، ومَن زعم انه يعرف الله بالاسم دون المعنى فقد أقرَّ بالطعن ، لان الاسم محدث ، ومَن زعم انه يعبد الاسم والمعنى فقد جعل مع الله شريكاً ; ومَن زعم انه يعبد المعنى بالصفة لا بالادراك فقد أحال على غايب ، ومَن زعم انه يَعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد لان الصفة غير الموصوف .

ومَن زعم اَنّه يضيف الموصوف الى الصفة فقد صغر بالكبير وما قدروا الله حق قدره .

قيل له : فكيف سبيل التوحيد ؟

قال (عليه السلام) : باب البحث ممكن وطلب المخرج موجود ، اِن معرفة على الشاهد قبل صفته ومعرفة صفة الغائب قبل عينه .

قيل : وكيف نعرف عين الشاهد قبل صفته ؟

قال (عليه السلام) : تعرفه وتعلم علمه وتعرف نفسك به ولا تعرف نفسك بنفسك من نفسك ، وتعلم اَن ما فيه له وبه كما قالوا ليوسف : (اِنّك لأَنْتَ يُوسف قال اَنا يُوسُفُ وهذا أخي) فعرفوه به ولم يعرفوه بغيره ولا أثبتوه من أنفسهم بتوهم القلوب ، اَما ترى الله يقول : (ما كان لكم ان تُنبتوا شجرَها) يقول : ليس لكم اَن تنصبوا اِماماً من قبل أنفسكم تسمُّونه محقاً بهوى أنفسكم وارادتكم .

ثم قال الصادق (عليه السلام) : ثلاثة : (لا يُكلّمهم الله ولا يَنظر اليهم يوم القيامة ولا يزَكّيهم ولهم عَذابٌ اَليم) : مَن اَنبت شجرة لم ينبته الله يعني مَن نَصَبَ اماماً لم يَنصُبه الله ، أو جحَدَ من نَصبَهُ الله ، ومَن زعم ان لهذين سَهماً في الاسلام ، وقد قال الله : (ورَبُّكَ يَخلُق ما يَشاء ويَختارُ ما كانَ لهم الخِيَرةَ) .

 

 

الفصل الثمانون بعد المئة «علي (عليه السلام) يغتسل بماء الكوثر وخادمه جبرئيل»

(1) روى الفقيه ابن شاذان القمّي قدس سرّه بأسانيده المفصّلة عن طريق العامة ، وبسنده عن عمرو بن دينار ، عن طاووس ، عن ابن عباس قال :

صَلّى بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاة العَصر ثم قام على قدميه فقال : مَن يُحبّني ويحبّ أهل بيتي فليتبعَني ، فاتّبعناه بأجمعنا حَقُّ اَتى منزل فاطمة (عليها السلام) ، فقرع الباب قرعاً خفيفاً ، فخرَجَ اليه علي بن ابي طالب (عليه السلام) وعليه شملة ويده ملطّخة بالطين ، فقال له : يا اَبا الحسن حدّث الناس بما رأيت أمس .

فقال علي (عليه السلام) : نعم فداك أبي وامّي يا رسول الله ، بينَما اَنا في وقت صلاة الظهر أردت الطهور فلم يكن عندي الماء ، فوَجّهت وَلَدَيّ الحسن والحسين في طلب الماء ، فأبطيا علي ، فاذا أنا بهاتف يهتف : يا أبا الحَسن أقبل على يَمينك ، فالتَفَتُّ فاذا أنا بقدس من ذهب معلّق فيه ماء اشدّ بياضاً من الثلج واَحلى من العسل ، فوجدَتُ فيه رائحة الورد فتَوضأتُ منه وشربت جرعات ، ثم قطرت على رأسي قطرة فوجَدتُ بردها على فؤادي .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : هل تدري من أين ذلك القدس ؟

قال : الله تعالى ورسوله أعلم .

قال : القدس من أقداس الجنة ، والماء من تحت شَجَرة طوبى ـ أو قال : من نهر الكوثر ـ واما القطرة فمن تحت العرش . ثم ضَمّهُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى صدره وقبّلَ ما بين عينيه ، ثم قال : حبيبي مَن كان خادمُهُ بالامَس جبرئيل (عليه السلام) فمحَلُّهُ وقدَرُهُ عند الله أعظم(19) .

(2) روى العلامة البحراني قدّس سرّه في «تفسير البرهان» قال : روى محمد بن العبّاس باسناده عن حمران بن أعين ، عن ابي عبدالله (عليه السلام) قال :

ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) صَلّى الغَداة ثم التفَتَ الى علي فقال : ما هذا النور الذي أراهُ قد غشاك ؟ قال : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، أصابتني جَنابة في هذه الليلة فأخذتُ بطن الوادي فلم أصيب الماء ، فلما وَلّيتُ ناداني مناد : يا أمير المؤمنين ، فالتفتُّ فاذا خلفي ابريق مملُوَّ من ماء وطست من ذهب مملوَّ من ماء فاغتسلتُ .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يا علي ، اَما المنادي فجبرئيل والماء من نهر يقال له الكوثر ، عليه اثنتا عشرة ألف شجَرة لها ثلاثة وستّون غصناً ، فاذا أراد أهل الجنة الطرَب هَبّت ريحٌ فما من شجَرة ولا غصن الا وهو اَحلى صَوتاً من الآخر ، ولولا ان الله تبارك وتعالى كتَبَ على أهل الجنة ان لا يَموتوا لماتوا فَرَحاً من شدّة حَلاوة تلك الاصوات ، وهذا النهر في جنة عدن ، وهو لي ولك وفاطمة والحسن والحسين وليسَ لأحَد فيه شيء(20) .

(3) روى الفقيه عماد الدين أبو جَعفر محمد بن علي الطوسي المعروف بابن حمزة من أعلام القرن السادس في كتابه «الثاقب في المناقب»(21) باسناده عن عاصم بن شريك ، عن أبي البختري ، عن أبي عبدالله الصادق ، عن آبائه (عليهم السلام) قال :

أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) منزل عائشة ، فنادى : اِئتينا بشَيء من ماء نتَوضأ به ، فلم يُجيبهُ اَحد ، ونادى ثلاثاً فلم يُجيبهُ اَحدٌ ، فوَلى عن الباب يريد منزل الموفقة السعيدة الحوراء الانسية فاطمة (عليها السلام) ، فاِذا هو بهاتف يهتف ويقول : يا اَبا الحسن دونك الماء فتوضأ به ، فاذا هو بابريق من ذهب مملوء ماء عن يمينه ، فتوَضأ ثم عاد الابريق الى مكانه .

فلما نظر اليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : يا عَلي ما هذا الماء الذي أراه يقَطرُ كأنهُ الجمان ؟

قال : بأبي أنت وأمي ، أتَيتُ منزل عائشة فدعَوتُ فضّة تَأتينا بماء للوضوء ثلاثاً فلم يُجيبني أحد ، فوثبت فاذا أنا بهاتف يهتف وهو يقول : يا علي دونك الماء ، فالتَفَتُّ فاِذا انا بابريق من ذهَب مملوء ماء .

فقال : يا علي تدري من الهاتف ، ومن أين الابريق ؟

فقلت : الله ورسوله أعلم .

فقال (صلى الله عليه وآله) : أما الهاتف فحبيبي جبرئيل (عليه السلام) ، وأمّا الابريق فمن الجنة ، وأما الماء فثلثٌ من المشرق ، وثلثٌ من المغرب ، وثلثٌ من الجنة .

فهبط جبرئيل (عليه السلام) فقال : يا رسول الله ، اللهُ يُقرئك السلام ويقول لك : اقرأ عليّاً السلام مني وقل اِن فضّة كانت حائضاً .

فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : منه السلام واليه السلام واليه يردّ السلام واليه يعود طيب الكلام .

ثم التفت الى علي (عليه السلام) فقال : حبَيبي علي ، هذا جبرئيل اَتانا من عند ربّ العالمين ، وهو يقرئك السلام ويقول : اِن فضّة كانت حائضاً .

فقال علي (عليه السلام) : اللّهُم بارك لنا في فضّتنا(22) .

(4) روى السيّد الرضي قدّس سرّه في كتاب «المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة» قال : أخبرنا ابو الحسن أحمد بن المظفر بن أحمد العطار الشافعي باسناده من طريق العامة عن الاعمش ، عن أبي سفيان ، عن أنس بن مالك قال(23) :

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لابي بكر وعمر : امضيا الى علي حتى يُحَدثكما ما كان في ليلته وانا على اثركما ، قال انَس : فمضيا فاستأذنا على علي (عليه السلام) فخرج الينا وقال : اَحَدَثَ شيء ؟ ! قلنا : لا بل قال لنا رسول الله اِمضيا الى علي يحدّثكما ما كان منه في ليلته ، وجاء النبي (صلى الله عليه وآله) فقال : يا علي حدِّثهما ما كان منك في ليلتك .

فقال : اِني لاستحيي يا رسول الله .

فقال : حدِّثهما فاِن الله لا يستحيي من الحقّ .

فقال علي (عليه السلام) : ان البارحة اَردتُ الماء للطهارة واَصبحَتُ وخفتُ ان تفوتني الصلاة فَوجهتُ الحسن في طريق والحسين في أخرى ، فاَبطيا عَلي، فأحزَنني ذلك فبينَما أنا كذلك فاذا السقف قد انشقّ ونزل منه سَطلٌ مغطىّ بمنديل ، فلما صار في الارض نحَيّتُ المنديل فاذا فيه ماء فتَطهّرتُ للصلوة واغتسَلتُ بباقيه وصَلّيتُ ثم ارتفع السطل والمنديل والتأم السقف .

فقال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) ولهما : وأما السطل فمن الجنة والماء فمن نهر الكوثر والمنديل فمن استبرق الجنّة ، مَن مثلك يا علي وجبرئيل يخدمك؟(24) .

(5) روى المحدث الجليل الشيخ محمد مهدي الحائري رحمه الله قال(25) :

أعطيت في الفَضل مَالم يُعطه اَحدٌ *** كذا روى خَلَفٌ منا عن السلف

كالجام والسطل والمنديل يحمله *** جبريل ما أحدٌ فيه بمختلف

يقول الآخر:

علي شكى فوت الصلاة فجاءَه *** وضوءٌ كما قيل معلم

امام الذي حمال ماء طهوره *** هو الروح جبريل الامين الى الرسلِ

هو الآية الكبرى هو الحجة التي *** بها احتجّ باريها على الخلق بالظِلِّ

ـ روى ابن شهر آشوب في «مناقب آل اَبي طالب»(26) عن عبدالله بن عباس وحميد الطويل عن أنَس قالا :

صلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما ركع أبطَأ في ركوعه حتى ظَنَنّا اَنه نزل عليه وحيٌ ، فلما سلّم واستند الى المحراب نادى ، اين علي بن ابي طالب ؟ وكان في آخر الصَف يصلي ، فأتاه فقال : يا علي لحقت بالجماعة ، فقال : يا نبي الله عجل بلال الاقامة فنادَيتُ الحسن بوضوء فلم أر أحَدّاً ، فاِذا أنا بهاتف يَهتف ، يا أبا الحسن أقبل عن يمينك ، فالتفَت فاذا انا بقدس من ذهب مغطى بمنديل اخضر معلّقاً ، فرأيت ماءً اَشدُّ بياضاً من الثلج وأحلى من العسل وألين من الزبد وأطيب ريحاً من المسك فتَوضأتُ وشربت وقطرت على رأسي قطرة وجَدَتُ بردها على فؤادي ومَسَحتُ وجهي بالمنديل بعد ما كان الماء يصبّ على يدي وما أرى شخصاً ، ثم جئت يا نبي الله ولحقت الجماعة .

فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : القدس من أقداس الجنة ، والماء من الكوثر ، والقطرة من تحت العرش ، والمنديل من الوسيلة ، والذي جاء به جبرئيل ، والذي ناولَكَ المنديل ميكائيل ، وما زال جبرئيل واضعاً يده على ركبتي يقول :

يا محمد قف قليلا حتى يجيء علي فيدرك معك الجماعة .

خطيب منيح :

ومَن وافاه جبريل بماء *** من الفردوس فعل المكرمينا

وصبّ عليه اسرافيل منه *** وكان به من المتطهّرينا

الناشي :

والسطل والمنديل حين اَتى به *** جبريل حسَبُك خدمة الاملاك

ابن حماد :

ايّها الناصب جهلا *** اَنت عن رشدك غفل

من اليه جاء جبر *** يل بمنديل وسطل

عميت عيناك قل لي *** اَعلى قلبك قفل

غيره :

فكم له من آية معجزة *** لا يستطيع مُبطِل ابطالها

من قدس يهبط أو نجم هوى *** أو دعوة قاربها أو نالها

كالطاير المحنوذ أو من قدرة *** قد فيض الله له أشكالها

كالمسخ والثعبان أو كالنار في *** الاحزاب يوماً صالها وجالها

ـ روى هذه المنقبة العلامة البياضي في «الصراط المستقيم»(27) واستشهد بقول العوني :

هل يستوي المؤمن والمشرك والمعــ*** ـصوم عن معصية ومَن عصَا

هل يستوي مَن كسّر الاصنام *** والساجد للاصنام كلاَّ لا سوى

هل يستوي الفاضل والمفضول ام *** هل يستوي شمس النهار والدجى

(6) روى صدر الائمة أخطب خوارزم في «المناقب» باسناده عن أنس بن مالك قال(28):

صَلى بنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) صَلاة العصر وأبطأ في ركوعه حتى ظَنَنّا انه سَها وغفل ، ثم رفع رأسه فقال : سمع الله لمن حمده ، ثم اَوجَزَ في صلاته وسلم ، ثم أقبل علينا بوجهه كأنه القمر ليلة البدر في وسط النجوم ، ثم جثا على ركبتيه وبَسَطَ قامته حتى تلألأ المسجد بنور وجهه ، ثم رمى بطرفه الى الصف الأول يتفقد أصحابه رجلا رجلا ، ثم رمى بطرفه الى الصف الثاني ، ثم رمى بطرفه الى الصفّ الثالث يتفقّدهم رجلا رجلا ، ثم كثرت الصفوف على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ثم قال : ما لي لا ارى ابن عمي علي بن ابي طالب ؟ فأجابه علي من آخر الصفوف وهو يقول : لبيّك لبيّك يا رسول الله ، فنادى النبي (صلى الله عليه وآله) بأعلى صوته : ادن مني يا علي ، فما زال علي يتخَطى رقاب المهاجرين والانصار حتى دَنا المرتضى من المصطفى ، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) : يا علي ما الذي خَلَّفك عن الصفّ الاول ؟

قال : شككتُ اني على غير طُهر ، فأتيتُ منزل فاطمة (عليها السلام) فنادَيت : يا حَسن يا حسين يا فضة ، فلَم يُجبني احد ، فاذا بهاتف يهتفُ بي من وَرائي وهو ينادي : يا أبا الحسن يابن عم النبي اِلتَفتْ ، فاَلتَفتُّ فاذا أنا بسَطل من ذهب وفيه ماء وعليه منديل ، فأخذَتُ المنديل ووَضعتُهُ على منكبي الايمن ، وأومأت الى الماء فاذا الماء يفيض على كفي فتطهّرت وأسَبغتُ الطهر ، ولقد وجدتُه في لين الزبد وطعم الشهد ورائحة المسك ، ثم التفت ولا أدري من وضع السطل والمنديل ولا أدري من أخذه .

فتَبسّمَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وجهه وضَمّهُ الى صدره وقَبّلَ ما بين عينيه ثم قال : يا أبا الحسن اَلا أبشرك ؟ ان السَطل من الجنة ، والماء والمنديل من الفردوس الاعلى ، والذي هَيأكَ للصلاة جبرئيل ، والذي مندَلَك ميكائيل ، والذي نفس محمد بيده ما زال اسرافيل قابضاً على منكبي بيده حتى لحقت معي الصلاة وأدركت ثواب ذلك ، افيلومني الناس على حُبِّك ؟ والله تعالى وملائكته يحبُّونك من فوق السماء(29).

 

الفصل الحادى والثمانون بعد المئة «حَمّلَ الله عزّوجلّ رسوله (صلى الله عليه وآله) ذنوب شيعة علي (عليه السلام) ثم»«غفرها له»

(1) روى العلامة الكراجكي رحمه الله قال(30) : روى اَنه سئل ابو الحسن الثالث(عليه السلام) عن قول الله عزّوجلّ : (ليغفر لَكَ الله ما تقدم من ذنبك وما تَأخّر) .

فقال (عليه السلام) : واَيّ ذنب كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) متقدِّماً أو مُتأخّراً ؟ وانما حمّله الله ذنوب شيعة علي (عليه السلام) ممن مضى وبقي ثم غَفَرها له(31) .

(2) روى ابن بابويه رحمه الله باسناده عن عبد الجبار بن كثير التميمي اليماني قال : سمعت محمد بن حرب الهلالي أمير المدينة يقول : سألت جعفر بن محمّد(عليه السلام) فقلت له : يابن رسول الله في نفسي مسألة أريد أن أسئَلَك عنها ، فقال : ان شئت أَخبرتك بمسئلتك وان شئت فاسئل ، قال : قلت له : يابن رسول الله وبأي شيء تعرف ما في نفسي قبل سؤالي ؟ قال : بالتوسّم والتفّرس ، أما سمعت قول الله عزّوجلّ : (ان في ذلك لآيات للمتوسّمين) ، وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : اتقوا فراسة المؤمن فانه ينَظُر بنور الله عزّوجلّ .. وذكر الحديث الى أن قال :

وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) : يا علي ان الله تبارك وتعالى حَمّلني ذنوب شيعتك ثم غَفَرها لي وذلك قوله عزّوجلّ : (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)(32).

(3) وروى علي بن ابراهيم رحمه الله باسناده عن عمر بن يزيد بياع السابري ، قال : قلت لابي عبدالله (عليه السلام) : قول الله في كتابه : (ليغفر لَكَ الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)قال : ما كان له ذنب ولا هَمّ ، ولكن الله حَمّلَهُ ذنوب شيعته ثم غفرها له(33).

(4) روى ابن بابويه باسناده عن محمد بن سعيد المرزوي قال : قلت لرجل اَذَنَب محمد (صلى الله عليه وآله) قطّ ؟ قال : لا ، قلت : قوله عزّوجلّ : (ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر) فما معناه ؟ قال : اِن الله سبحانه حمّل محمّداً ذنوب شيعة علي (عليه السلام) ثم غَفَر له ما تقدّم منه وما تأخر(34) .

(5) قال شرف الدين النجفي ويويّده ما روي مرفوعاً عن ابي الحسن الثالث (عليه السلام)انه سئل عن قول الله عزّوجلّ : (ليغفر لك ما تقدّم مِن ذنبك وما تأخّر) فقال (عليه السلام) : وأي ذنب كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) متقدِّما أو متأخِّراً ؟ وأنما حَمّلَهُ الله ذنوب شيعة علي (عليه السلام)من مضى منهم ومن بقي منهم ثم غفرَها له(35) .

(6) الطبرسي : روى المفضل بن عمر ، عن الصادق (عليه السلام) قال : سأله رجل عن هذه الآية ، فقال : والله ما كان له ذنب ، ولكن الله سبحانه ضَمنَ له أن يغفر ذنوب شيعة علي (عليه السلام) ما تقدّم من ذنبهم وما تأخّر(36) .

ـ مجمع البيان : قال العلامة الطبرسي رحمه الله(37) :

ولاصحابنا فيه وجهان من التأويل : أحدهما أن المراد ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنب أمتك ، وما تأخّر بشفاعتك ، وأراد بذكر التقدّم والتأخر ما تقدّم زمانه وما تأخر ، كما يقول القائل لغيره صفحت عن السالف والآنف من ذنوبك وحسنت اضافة ذنوب أمته اليه للاتصال والسبب بينه وبين أمّته ، ويؤيد هذا الجواب ما رواه المفضّل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) قال : سأله رجل عن هذه الآية فقال : والله ما كان له ذنبٌ ولكن الله سبحانه ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة علي (عليه السلام) ما تقدمّ من ذنبهم وما تأخر .

وروى عمر بن يزيد قال : قلت لابي عبدالله (عليه السلام) عن قوله الله سبحانه : (ليغفر لك ما تقدّم مِن ذنبك وما تأخّر) قال : ماكان له ذنبٌ ولا هَمٌّ بذنب ولكن الله حَمّلَهُ ذنوب شيعته ثم غفرها له .

(7) قال الحافظ رجب البرسي رحمه الله(38) : ثم ان الله سبحانه بَشّر رسوله بأنه قد رحم أمّته ، وغفر ذنوبهم ، واكمل دينهم ، وأتّم نعمته عليه ونصره ، وجعل هذه المقامات والكرامات والعطيّات كلّها لعلي (عليه السلام) ، ونزل ذلك في آية واحدة من كتابه سبحانه وتعالى على رسوله وعلى أمته ، فقال : (اِنا فَتَحنا لَكَ فَتحاً مُبيناً) والفتح كان على يد علي (عليه السلام) ، ثم قال : (ليغفر لك الله ما تقدّم مِن ذنبك وما تأخّر) قال ابن عباس : اِن الله حمّل رسوله ذنوب مَن أحَبّ عليّاً من الأوّلين والآخرين اكراماً لعلي فيحملها عنهم اكراماً لهم ، فغفرها الله اكراماً لمحمد (صلى الله عليه وآله) ، ثم قال : (ويُتم نعمته عليك) يعني بعلي ، واليه الاشارة والبشارة بقوله : (اليوم اكملت لكم دينكم وأتمَمتُ عليكم نعمتي) ثم قال : (ويَنصُرَكَ الله نَصّراً عَزيزاً) وكان النصر في سائر المواطن بأسد الله الغالب وسيفه الضارب ، ويهديك صراطاً مستقيماً فهذا علي به الفتح ، وعلى يده النَصر ، وبحبِّهِ الغفران والآمال ، فكمال الدين وتمام النعمة على المؤمن وبه الهداية وهو الغاية والنهاية .

يا مَن به نَصَر الاله نبيِّه *** والفتح كان بعضده وبعضبهِ

وكمال دين محمد بولايه *** وتمام نعمته عليك بحُبِّهِ

وذنوب شيعته غداً مغفورة *** يرضى الاله لانهم من حزبهِ

(8) وأضاف الحافظ البرسي رحمه الله(39):

ومن ذلك قوله خطاباً لسيد المرسلين : (ليغفر لك الله ما تقدّم مِن ذنبك وما تأخّر) وقوله : (ويطهّركم تطهيراً) ، فالذي له ذنبٌ من أين له طهارة ؟ ! والممدوح في الطهارة بالصدر من أين له ذنب ؟ .

أما قوله : (يطهّركم تطهيراً) فحَقّ ، لانهم خُلِقُوا من نور الجلال ، واختصُّوا بالعصمة والكمال ، فالمعصوم الكامل من أين له ذنب ؟

أما مثل هذا في الدعوات ، فمنه قول زين العابدين (عليه السلام) وهو سيّد من عبَدَ ، وابن سيّد مَن عبَدَ من الاوّلين والآخرين في دعائه : «ربّي ظلَمتُ وعَصيتُ وتوانيتُ» فاذا كان ظَلُوماً جهولا كيف يكون سيّداً معصوماً ؟ وهو سيّد معصوم فكيف يكون ظلوماً جهولا ؟ !

أقول : معنى قوله (عليه السلام) انه يقول : ربي ان شيعتنا خُلِقُوا من فاضل طينتنا ، وعُجِنوا بولايتنا ، رضونا أئمةً، ورضينا بهم شيعة ، يصيبهم مُصابنا ، وتنكبهم أوصابنا ويحزنهم حزننا ، ونحن أيضاً نتألم لتألّمهم ، ونطلع على أحوالهم ، فهم معنا لا يفارقونا ، لان مرجع العبد الى سيّده ومعوّله على مولاه ، فهُم يهجُرون مَن عادانا ، ويجهرون بمَدح مَن والانا .

وصدق ما دللت عليه ما أورده السيّد ابن طاووس رحمه الله في كتاب «مهج الدعوات» حكاية عن خليفة الله قائم آل محمد وخاتمهم ماهذا معناه ، قال : ولقد سمعته سَحَراً بسرِّ من رأى يدعو فيقول من خلف الحائط :

«اَلْلّهُمّ اَحْي شيعتنا في دولتنا ، وأبقِهم في ملكنا ومملكتنا ، وان كان شيعتهم منهم واليهم وعنايتهم مصروفة اليهم» . فكأنه (عليه السلام) قال : اَللّهُم اِن شيعتنا منا ومضافين الينا ، واَنْهم قد أساؤا وقصّروا وأخطأوا في العمل ، وأنا حُبّاً لهم حبّاً منهم ، قد تقبّلنا عنهم ذنوبهم ، وتحمّلنا خطاياهم ، لان معوّلهم علينا ورجوعهم الينا ، فصرنا لا ختصاصهم بنا واتّكالهم علينا كأنا نحن أصحاب الذنوب ، اِذ العبد مضافٌ الى سيّده ، ومعوّل المماليك على مَواليهم ، وملاذ شيعتنا الينا ومعولهم علينا ، اللّهم فاغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتكالا على حبّنا ، وطمعاً في ولايتنا ، وتعويلا على شفاعتنا ، ولا تفضحهم بالسيّئات عند أعدائنا ، ووَلّنا أمرهم في الاخرة ما ولّيتنا أمرهم في الدنيا ، وان اَحبطت السيّئات أعمالهم فتضل موازينهم بولايتنا ، وارفع درجاتهم بمحبّتنا ، وهذا خيره كثير للمؤمن الموقن المصدّق بأسرارهم .

العقل نورٌ وانت معناه *** والكون سرٌّ واَنت مَبداهُ

والخلق في جمعهم اذا جمعوا*** الكلّ عَبدٌ وانت موَلاهُ

أنتَ الولي الذي مناقبه *** ما لِعُلاها في الخلق أشباهُ

يا آية الله في العباد ويا *** سِرَّ الذي لا اله الا هو

كفاكَ فخراً وعزّة وعُلا *** ان الورى في عُلاك قد تاهوا

فقال قومٌ بأنّه بَشَر *** وقال قومٌ بأنه الله

يا صاحب الحشر والحساب ومن *** مَولاه حكم أمر العباد وَلاّهُ

يا قاسم النار والجنان غداً *** أنت ملاذ الراجي وملجاهُ

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ج9 ص202 ط مكتبة القدسي في القاهرة .

(2) الشيخ عبد الرحمن الصفوري في «نزهة المجالس» (ج2 ص222 ط القاهرة) . والحافظ أحمد بن حجر الهيثمي في «الصواعق المحرقة» (ص189 ط عبد اللطيف بمصر) . والمولى المتقي الهندي في «منتخب كنز العمال» (المطبوع بهامش المسند ج5 ص97 ط الميمنية بمصر) . والمناوي في «كنوز الحقايق» (ص103 ط بولاق) . والعلامة ابن حمزة الحسيني في «البيان والتعريف» (ج2 ص118 ط حلب) . والحافظ البدخشي في «مفتاح النجا» (ص29) . والقندوزي في «ينابيع المودّة» (ص180 ط اسلامبول) . والمحدث الشيخ حسن العدوي الحمزاوي في «مشارق الانوار» (ص109 ط مصر) . والشيخ محمد الصبان في «اسعاف الراغبين» (المطبوع بهامش نور الابصار ص181) . والشيخ يوسف النبهاني البيروتي في «الشرف المؤبد» (ص53 ط مصر) . وانظر : اُسد الغابة : ج5 ص522 . وذخائر العقبى : ص29 . مناقب آل ابي طالب : ج3 ص331 .

(3) الخصائص : ص37 ط التقدم بمصر .

(4) ورواه العلامة الزمخشري في «الفائق» (ج1 ص269 ط القاهرة) . والعلامة ابن الاثير الجزري في «اُسد الغابة» (ج5 ص522 ط مصر) . وسبط ابن الجوزي في «التذكرة» (ص314 ط الغري) والحافظ الكنجي الشافعي في «كفاية الطالب» (ص173 ط الغري) . ومحب الدين الطبري في «ذخائر العقبى» (ص27 ط مكتبة القدسي بمصر) . والعلامة الحمويني في «فرائد السمطين» . والعلامة ابن كثير الدمشقي في «البداية والنهاية» (ج7 ص341 ط حيدر آباد) . والشعراني في «كشف الغمة» (ج2 ص75 ط مصر) . وحسام الدين الهندي في «منتخب كنز العمال» (المطبوع بهامش المسند ج5) . والعلامة القرشي في «جامع العلوم) . المحدّث السيد جمال الدين عطاء الله الهروي في «روضة الاحَباب» (ص665) . والقندوزي في «ينابيع المودة» (ص196 ط اسلامبول) . ورواه ابن حجر في «الصواعق المحرقة» (ص121 ح2 ط2) قال : أخرجه الترمذي والشيخان عن عائشة (رض) .

(5) مقتل الحسين : ص68 ط الغري .

(6) ورواه العلامة الامرتسري في «أرجح المطالب» (ص73 ط لاهور) .

(7) مجمع الزوائد : ج9 ص202 ط مكتبة القدسي في القاهرة .

(8) ورواه المولى علي المتقي الهندي في «منتخب كنز العمال» (المطبوع بهامش المسند ج5 ص35 ط الميمنية بمصر ) . والمناوي في «كنوز الحقائق» (ص201 ط بولاق مصر) رواه من طريق الطبراني .

(9) بشارة المصطفى : ص205 .

(10) كفاية الطالب : ب83 ص308 ـ 309 .

(11) وأخرجه الامام النسائي في خصائص علي (عليه السلام) بسندنا اليه (ص125) .

(12) كفاية الطالب : ص309 .

(13) ص : 23 .

(14) في صحيح مسلم : 3 : 7م 13 ولفظه هكذا : انكم تختصمون الي ، ولعل بعضكم ان يكون الحن بحجته من بعض ، فاقضي له على نحو مما أسمع منه ، فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فانما اقطع له به قطعة من النار .

(15) ج5 ص150 تحقيق محمد أبي الفضل ابراهيم . رواه عنه الرحماني الهمداني في كتابة الامام علي هامش 252 ـ 250 .

(16) شرح النهج : ج9 ص198 .

(17) شرح النهج لحبيب الله الخوئي : ج9 ص281 ط طهران .

(18) ورواه أيضاً في تلخيص الشافي : ج4 ص158 .

(19) مائة منقبة لابن شاذان : المنقبة 42 ص73 .

(20) تفسير البرهان : ج4 ص513 ح7 .

(21) الثاقب في المناقب : ص280 ـ 281 ح243 / 12 ط أنصاريان قم .

(22) وأمالي الصدوق : 187 . ومائة منقبة لابن شاذان : المقبة 42 ص99 . معَالم الزلفى : ص411 . مدينة المعاجز : ص96 ح246 .

(23) البرهان : ج4 ص514 ص8 .

(24) ورواه ابن حمزة في «الثاقب في المناقب» (ص272 ح236 / 5 ط قم) . والفقيه ابن المغازلي الشافعي في «المناقب» (ص94 ـ 95 ح139) بعين ما تقدم . وأخرجه العلامة القندوزي في «ينابيع المودة» (ص142) . والعلامة الكشفي في «المناقب المرتضوية» (ص183) . والخطيب الخوارزمي في «المناقب» (ص216 ، 241) . والحافظ الكنجي في «كفاية الطالب» (ب72 ص290) وقال : هذا حديث حسن عال وغالب رواته الفقهاء والثقاة . ورواه ابن سويد التكريتي في «الاشراف على مناقب الاشراف» في ترجمة علي (عليه السلام) . وكذلك روي في : الطرائف : ص85 / 120م . مصباح الانوار : ص165 ح35 . غاية المرام : ص637 . معالم الزلفى : ص410 ح91 .

(25) شجرة طوبى : 403 ـ 404 .

(26) مناقب آل ابي طالب : ج2 ص243 .

(27) الصراط المستقيم : ج1 ص227 ، 228 .

(28) المناقب : ص216 ط نجف .

(29) الطرائف : ص86 ح120 . البحار : ج39 ص116 ـ 117 .

(30) كنز الفوائد : 34 .

(31) رواه عنه في البحار : ج24 ص273 ح57 .

(32) البرهان : ج4 ص195 ح5 .

(33) البرهان : ج4 ص195 ح6 .

(34) المصدر السابق : ج4 ص195 ح7 .

(35) المصدر السابق : ج4 ص195 ح8 .

(36) البرهان : ج4 ص195 ح9 .

(37) مجمع البيان : ج9 ص110 تفسير سورة الفتح .

(38) مشارق أنوار اليقين : ص126 .

(39) مشارق أنوار اليقين : ص199 .