مربيه محمد (ص)

قال أمير المؤمنين[1] (ع) في الخطبة القاصعة:-

{ وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله ، بالقرابة القريبة ، والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره ، وانا وليد يضمني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسني جسده ، ويشمني عرفه ، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل . ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن إن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره . ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل أثر أمه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما ، ويأمرني بالاقتداء به}.

و يقول ابن أبي الحديد[2] بعد ذكره لهذه الخطبة:-

[ذكر ما كان من صلة على برسول الله في صغره والقرابة القريبة بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله دون غيره من الأعمام ، كونه رباه في حجره ، ثم حامى عنه ونصره عند اظهار الدعوة دون غيره من بني هاشم ، ثم ما كان بينهما من المصاهرة التي أفضت إلى النسل الأطهر دون غيره من الأصهار].

و يقول أيضا:-[ كان على يرافق النبي دائما ولا يفارقه ابدا حتى أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان إذا خرج إلى الصحراء أو الجبل اخذ عليا معه] [3]

و قال النقيب يحيى بن زيد نقيب البصرة فيما حكاه تلميذه ابن أبي الحديد في شرح النهج:

 [ وإذا كان القرين مقتديا بالقرين فما ظنك بالتربية والتنقيف الدهر الطويل فوجب أن تكون أخلاق علي كاخلاق محمد (ص) مربيه لولا أن الله اختص محمدا برسالته فامتاز رسول الله (ص) بذلك عن سواه وبقي ما عدا الرسالة على أمر الاتحاد وإلى هذا المعنى أشار ص بقوله أخصمك بالنبوة فلا نبوة بعدي وتخصم الناس بسبع وقال له أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي فأبان نفسه منه بالنبوة وأثبت له ما عداها من جميع الفضائل مشتركا بينهما] انتهى.

و جاء في المناقب للخوارزمي:- [عن محمد بن إسحاق قال : وكان مما أنعم الله به على علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان في حجر رسول الله صلى الله عليه قبل الاسلام][4].

أول المؤمنين إيمانا

أورد الطبري في ذخائر العقبى[5] العديد من الروايات التي يثبت بها سبق أمير المؤمنين صلوات الله عليه الى الأيمان نورد بعضا منهأ

 [ عن عمر رضي الله عنه قال كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة إذ ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم منكب على من أبى طالب فقال:

{ يا علي أنت أول المؤمنين إيمانا وأنت أول المسلمين إسلاما وأنت منى بمنزلة هارون من موسى}[6].

وعن أبي ذر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي:{ أنت أول من آمن بي وصدق }

وعن معاذة العدوية قالت سمعت عليا على المنبر يقول

{ انا الصديق الأكبر آمنت قبل ان يؤمن أبو بكر وأسلمت قبل ان يسلم أبو بكر} .[7]

وقد وردت أحاديث- والكلام لا يزال للطبري- في أن أبا بكر رضي الله عنه أول من أسلم وهي محمولة على أنه أول من أظهر إسلامه وعلي أول من بدر إلى الإسلام ، وقد استوفينا الكلام في هذا الفصل في كتابنا الرياض النضرة في فضائل العشرة.

 وعن علي عليه السلام قال : عبدت الله  قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة خمس سنين . أخرجه أبو عمر .[8]

وعنه عليه السلام قال:{ صليت قبل أن يصلى الناس سبع سنين . وفى رواية : أسلمت قبل أن يسلم الناس بسبع سنين }. أخرجهما أحمد

 وعنه انه كان يقول:{ أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر ولقد صليت قبل الناس بسبع سنين }. أخرجه الخلعي .

وعن حبه العرني قال رأيت عليا على المنبر يقول:

{اللهم لا أعرف لك عبدا من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيك لقد صليت قبل أن يصلى الناس} .

وعن سلمان أنه قال أول هذه الأمة ورودا على نبيها الحوض أولها إسلاما علي بن أبي طالب .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : على أول من أسلم بعد خديجة .

و عن ابن عباس قال : السباق ثلاثة سبق يوشع بن نون إلى موسى وصاحب يس إلى عيسى وعلي إلى النبي (ص) .[9]

و عن ابن عباس أنه قال : لعلى أربع خصال ليست لاحد غيره وذكر منها انه أول عربي وأعجمي صلى مع النبي (ص).

عن زيد بن أرقم قال : كان أول من أسلم علي بن أبي طالب .

وعن أنس رضي الله عنه قال :

استنبأ النبي (ص) يوم الاثنين وصلى على يوم الثلاثاء [10].

وعن الحكم بن عيينة قال : خديجة أول من صدق وعلى أول من صلى إلى القبلة .

وعن رافع قال صلى النبي (ص)يوم الاثنين وصلت خديجة آخر يوم الاثنين وصلى على يوم الثلاثاء من الغد قبل أن يصلى مع رسول الله (ص)أحد .

 وعن عفيف الكندي قال :

كنت تاجرا فقدمت الحج فأتيت العباس بن عبد المطلب لابتاع منه بعض التجارة وكان امرأ تاجرا قال فوالله إني عنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه فنظر إلى السماء فلما رآها قام يصلى ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء فقامت خلفه فصلت ثم خرج غلام قد راهق فقام معه يصلى قال فقلت للعباس يا عباس من هذا قال هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي قال فقلت من هذه المرأة قال هذه امرأته خديجة بنت خويلد قال فقلت من هذا الفتى قال هذا ابن عمه علي بن أبي طالب قال قلت ما الذي يصنع قال يصلى وهو يزعم أنه نبي ولم يتبعه أحد على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى وهو يزعم أنه ستفتح له كنوز كسرى وقيصر  .أخرجه أحمد .] انتهى

و روى الطبري في تاريخه عن عبد الله بن عبد الله  قال:

 سمعت عليا عليه السلام ، يقول انا عبد الله ، وأخو رسوله ، وانا الصديق الأكبر ، لا يقولها بعدي الا كاذب مفتر ، صليت قبل الناس بسبع سنين [11] .

و جاء في المناقب للخوارزمي :-

عن بعض أهل الكوفة في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أيام صفين :

أنت الإمام الذي نرجوا بطاعته يوم النشور من الرحمن غفرانا

أوضحت من ديننا ما كان مشتبها  جزاك ربك عنا فيه إحسانا

نفسي الفداء لخير الناس كلهم      بعد النبي علي الخير مولانا

أخي النبي ومولى المؤمنين معا  وأول الناس تصديقا  وإيمانا[12]

و ذكر الزرقاني في شرح المواهب[13]من قصيدة لكعب بن زهير ، يمدح بها أمير المؤمنين عليه السلام :

إن عليا لميمون نقيبته       بالصالحات من الأفعال مشهور

صهر النبي وخير الناس كلهم  فكل من رامه بالفخر مفخور

صلى الصلاة مع الأمي أولهم قبل العباد ورب الناس مكفور

و جاء في الاستيعاب[14] : أن الفضل بن عباس بن عتبة قال:

ما كنــت أحسب أن الامر منصرف     عن هاشم ثم منها عن أبي حسن

أليس أول من صلى لقبلتهم                   وأعلم الناس بالقرآن والسنن

وآخر الناس عهدا بالنبي ومن        جبريل عون له في الغسل والكفن

من فيه ما فيهم لا يمترون به        وليس في القوم ما فيه من الحسن

و قال ابن الأثير[15] في جامع الأصول:

 قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري :( لا أعلم خلافا بين أصحاب التواريخ أن علي بن أبي طالب أولهم اسلاما ، وإنما اختلفوا في بلوغه وهل كان لما أسلم بالغا أو صبيا) .

 وقال ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب أن النبي (ص) قال لفاطمة الزهراء (ع):{ زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة ، وانه لأول أصحابي اسلاما ، وأكثرهم علما ، وأعظمهم حلما }

وأخرج الترمذي عن ابن عباس قال : أول من صلى علي (ع) [16].

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  شرح النهج - ابن أبي الحديد ج 13 - ص 197

    شرح محمد عبده ج 2 ص 182 الخطبة القاصعة

[2]  شرح النهج - ابن أبي الحديد ج 13 - ص 198 - 202

    يقول محسن الأمين في الأعيان ج 1 - ص 335:-

و ربيت في حجر النبي محمد  فطوبى لمن من أحمد ضمه حجر

وغذاك بالعلم الإلاهي ناشئا      فلا علم الا منك قد خاطه خبر

بآدابه أدبت طفلا ويافعا          وأكسبنك الأخلاق أخلاقه الغر

[3]  شرح ابن أبي الحديد ج 13 ص 208

[4]  المناقب للموفق الخوارزمي ص 51 عن تفسير الثعلبي المخطوط 210 وأسد الغابة 4 / 17

[5]  ذخائر العقبى-احمد بن عبد الله الطبري ص58-60 ط القاهرة

[6]  أخرجه الديلمي ( 5 / 315 )وفي حديث أبي سعيد :{ يا علي لك سبع خصال لا يحاجك فيهن أحد يوم القيامة  أنت أول المؤمنين إيمانا بالله ، وأوفاهم بعهد الله وأقومهم بأمر الله     وأرقهم بالرعية وأقسمهم بالسوية وأعلمهم بالقضية وأعظمهم يوم القيامة مزية}

    رواه الديلمي ( 5 / 320 ) وأبو نعيم في " حلية الأولياء " ( 1 / 66 )

[7]  ذكر ابن عبد البر في الإستيعاب ج 3 ص 10 أن محمد بن كعب القرظي سئل عن أول من أسلم علي أو أبو بكر رضي الله عنهما قال" سبحان الله علي أولهما إسلاما وإنما شبه على الناس لأن عليا أخفى إسلامه من أبى طالب وأسلم أبو بكر فأظهر إسلامه" ثم أظاف ابن عبد البر و لا شك أن عليا عندنا أولهما إسلاما. وجاء في صحيحة محمد بن سعد بن أبي وقاص التي أخرجها الطبري في تاريخه ج 2 ص 215 بإسناد صحيح رجاله ثقات قال محمد ابن سعد بن أبي وقاص  قلت لأبي : أكان أبو بكر أولكم إسلاما ؟ ! فقال ( لا ، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين).

[8]  أخرج مثله ابن حجر في تهذيب التهذيب 7 / 336

[9]  المعجم الكبير : 11 / 77 / 11152 ، الصواعق المحرقة : 125 ، البداية والنهاية : 1 / 231

[10]  أخرجه الترمذي أيضا في جامعه 2 ص 214 و الحاكم في المستدرك 3 ص 112 و ابن عبد البر في الاستيعاب 3 ص 32  و ابن الأثير في جامع الأصول كما في تلخيصه تيسير الوصول 3 ص 271 و الحموي في فرايد السمطين الباب ال‍ 47

[11]  تاريخ الطبري 2 : 310 ط المعارف

[12]  المناقب للخوارزمي ص60

[13]  شرح المواهب للزرقاني  1 ص 242

[14]  الاستيعاب ( المطبوع بهامش الإصابة ) 3 :36  و حلية الأولياء 1 ص 84 ، تاريخ ابن عساكر 7 ص 35 ، المحاسن والمساوي 1 ص 32 .

    و ذكر الخوارزمي في المناقب الرواية ص112 عن أبي أيوب :

    ان النبي صلى الله عليه وآله مرض مرضة فأتته فاطمة تعوده فلما رأت ما برسول الله صلى الله عليه وآله من الجهد والضعف استعبرت فبكت حتى سالت الدموع على خديها ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله :

   { يا فاطمة ان لكرامة الله عز وجل إياك زوجك من أقدمهم سلما  وأكثرهم علما  وأعظمهم حلما  ان الله تعالى اطلع اطلاعة إلى أهل الأرض فاختارني منهم فبعثني نبيا " مرسلا " ثم اطلع اطلاعة فاختار منهم بعلك فأوحى إلي أن أزوجه إياك واتخذه وصيا }

    و جاء الحديث بطوله في مناقب ابن المغازلي / 101 - الفصول المهمة / 277 ونظيره في ذخائر العقبى / 136 عن علي بن الهلالي عن أبيه وأورده الحافظ الكنجي في البيان الباب التاسع عن أبي سعيد الخدري .

[15]  ابن الأثير في جامع الأصول في الركن الثالث في الخواتم في أول الباب الثالث منه ، في ذكر الطبقة الأولى.

[16]  أخرجه الترمذي  ( 4 / 332 ) و ابن سعد ( 3 / 21 ) وأحمد ( 4 / 368 ، 371 ) والحاكم ( 3 / 136 ) وابن الأثير في " أسد الغابة " ( 3 / 29 ) وقال ابن شهاب وعبد الله بن محمد بن عقيل وقتادة و ابن إسحاق: أول من أسلم من الرجال علي واتفقوا على أن خديجة أول من آمن بالله ورسوله وصدقه فيما جاء به ثم علي كرم الله وجهه بعدها.