في معجزة شق القمر
والكلام في ذلك من خلال بدايات تمهيدية، ثم في مبحثين:
المبحث الأول: من هم النفاة ؟ وما الذي قالوه ؟
المبحث الثاني: مع المثبتين وفيه أربعة محاور:
الأول: ما هي أدلّة الإثبات عند المفسّرين ؟
الثاني: ما هي أدلّة الإثبات عند المحدّثين ؟
الثالث: ما هي أدلّة الإثبات عند المتكلّمين ؟
الرابع: ما هي أدلّة الإثبات عند المؤرّخين ؟
خاتمة: ماذا عن هذه المعجزة في العلم الحديث ؟
والآن إلى بدايات تمهيديّة بين يدي الباب:
الأُولى ـ خير ما نفتتح به الباب، آي من الذكر الحكيم في الكتاب المجيد . قال الله تعالى: (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْ الأجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) (1) .
لقد تقدّم الحديث في الباب الأول عن المعجزة بما أحسب فيه الكفاية في حدود ما أنعم الله تعالى به علينا من بيان ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) (2) وانّي أعترف بقصوري عن بلوغ أقصى المنى، وقد قال تعالى: ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً ) (3) وقال سبحانه وتعالى: ( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) (4) .
والآن لنقرأ شيئاً عن معجزة شق القمر، وهي مسألة يجب أن تبحث بعناية بالغة، تعتمد حجج الإثبات عن طريق الكتاب والسنة، كما يلزم أن نلمّ بما عند النفاة من حجة، ولا مانع من الاستئناس بما في العلم الحديث مما يوضّح لنا المزيد من المعلومات التي تؤيد ما قاله المثبتون، فإنّ كثيراً من الناس أصبحوا ينساقون مع إعلام وكالات الفضاء ويؤمنون بما تقوله وكالة ناسا الأمريكية، أو فيما ينشره مرصد فلوريدا، أو غيرهما من سائر المراصد والوكالات الفضائية العالمية.
ولسنا ممّن يحاول تقليل أهمية ما تنشره تلك الوكالات، ولكن مهما بلغوا في التقدّم العلمي، وأُتيح لهم النفوذ في أقطار السماوات بسلطان، فلا يزالون في مرحلة النظريات، والنظرية ربما تتبدّل عند اكتشاف المجهول فعلاً المعلوم غداً .
والطريقة التي ينبغي أن نعتمدها نحن كمسلمين في الاستدلال على صحة وقوع معجزة شق القمر، هي الإعتماد على القرآن المجيد والسنّة النبوية، وما صح من أخبار لا تصادم ما ورد فيهما، وبهذه الطريقة السليمة نصل بطبيعة الحال إلى نتيجة مقنعة، يقرّها العقل، إذ تفرضها الحجة بالحكمة الحسنة لمن يفقهها.
والله سبحانه وتعالى لم يتعبّد الإنسان بالإيمان إلّا عن طريق العقل، مضافاً إلى تنويره الفكر بصحيح النقل عن طريق الوحي، فيدرك المرء بالبرهان مبلغاً من المعرفة يستنير به في الكشف عن سنن الوجود وعجائب الكون .
وهذه هي السبيل الأمثل التي دعا إليها نبينا (صلى الله عليه وآله)، وسار عليها مبلّغاً دعوته عن طريق قرآنه الخالد الذي هو معجزة عقلية قاهرة باهرة، قبل أن يكون معجزة قولية في نُظمه وأحكامه .
وقد اعترف بفضله من آمن به ومن لم يؤمن به، بل وحتى تجاوز في إعجازه أن بهر الملحد فضلاً عن الموحّد، وإليك نموذجاً مما قاله بعضهم من ملحد وموحّد .
الثانية ـ النبي الكريم وقرآنه المجيد بين ملحد وموحّد:
لم أجد أبدع مما قاله الدكتور شبلي شميّل وهو عالم طبيعي مشهور بالإلحاد، وقد مرّ ذكره في الباب الأول، وهو مع ما كان عليه من عدم الإيمان برسالة النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) إلّا أنّه كان معجباً به وبالقرآن، مبهوراً بإعجازه، فقال:
|
دع من محمد في صدى قرآنـــه |
ما قد نحاه للحمــة الغايـات |
|
|
إنّي وإن أك قـد كـفـرت بـديـنــه |
هل أكفرنَّ بمحكـم الآيــات |
|
|
ومواعظ لو أنّهــم عمـلـوا بـهــا |
مـا قيدّوا العُمران للعــادات |
|
|
من دونه الأبطال في كل الورى |
من حاضر أو غائب أو آت(5) |
فالرجل على كفره لم يجد أمامه غير الاعتراف بأنّ العقل البشري لا يغني وحده إلّا ما كانت الآيات المحكمات تعضده، وهي من رسالة محمد (صلى الله عليه وآله) التي دعا الناس إليها، ولو أنّهم عملوا بها ما قيّدوا العمران للعادات، لذلك فهو مفضَّل على كل الأبطال في الورى سواء من كان حاضراً أو غائباً قد مرّ في التاريخ، أو آت من بعد، فكلهم دون محمد النبي الأمي(صلى الله عليه وآله) .
هذا ما قاله الملحد في النبي (صلى الله عليه وآله) وفي قرآنه، والآن إلى مؤمن موّحد وما قاله في النبي(صلى الله عليه وآله) وقرآنه:
ولم أجد موحّداً قال قولاً خيراً مما قاله البوصيري في قصيدته البردة، فأورد منه في المقام عدّة أبيات تبرّكاً بذكره وتيمّناً باسمه (صلى الله عليه وآله):
|
مـحمد سيــد الـكونين والثقلين |
والفريقين من عُرب ومن عجم |
|
|
نبيّنا الآمر الناهي فلا أحد |
أبرَّ في القول لا منه ولا نعم |
|
|
هو الحبيب الذي ترجى شفاعته |
لكل هولٍ من الأهوال مقتحم |
|
|
دعا إلى الله فالمستمسكون به |
مستمسكون بحبل غير منفصم |
|
|
فاق النبيين في خَلقٍ وفي خُلُقٍ |
ولم يدانوه في علم ولا كرَم |
|
|
وكلهم من رسول الله ملتمس |
غَرَفاً من البحر أو رشفاً من الدِيم |
|
|
وواقفون لديه عند حدّهم |
من نقطة العلم أو من شَكلُة الحِكم |
|
|
فهو الذي تمَ معناه وصورته |
ثم اصطفاه حبيباً بارئُ النسَم |
|
|
منزّه عن شريك في محاسنه |
فجوهرُ الحسنِ فيه غيرُ منقسم |
|
|
دعْ ما ادعته النصارى في نبيهم |
واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم |
|
|
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف |
وانسب إلى قدره ما شئت من عِظم |
|
|
فإنّ فضل رسول الله ليس له |
حدّ فيعربَ عنه ناطق بفمِ |
|
|
لو ناسبتْ قدرَه آياته عِظماً |
أحيى اسمُهُ حين يُدعى دارسَ الرمم |
|
|
لم يمتحنا بما تعيا العقول به |
حرصاً علينا فلم نرتب ولم نِهم |
|
|
أعيى الورى فهمُ معناه فليس يُرى |
للقُرب والبعد منه غير منفحم |
|
|
كالشمس تظهر للعينين من بُعُدٍ |
صغيرةً وتكلّ الطرفَ من أمَم |
|
|
وكيف يُدرِك في الدنيا حقيقته |
قومٌ نيامٌ تسلّوا عنه بالحُلم |
* * *
|
أقسمت بالقمر المنشقّ إنّ له |
من قلبه نسبة(6) مبرورة القسَم |
|
|
آياتُ حق من الرحمن مَحدَثة |
قديمة صفة الموصوف بالقَدم |
|
|
لم تقترن بزمان وهي تخبرنا |
عن المعاد وعن عاد وعن إرم |
|
|
دامت لدينا ففاقت كل معجزة |
من النبيين إذ جاءت ولم تدم |
|
|
محكمات فما تبقين من شُبهٍ |
لذي شقاق وما تبغين من حكم |
|
|
ما حوربت قطّ إلا عادَ من حَربٍ |
أعدى الأعادي إليها ملقي السَلم |
|
|
ردّت بلاغتها دعوى معارِضِها |
ردّ الغَيورِ يدَ الجافي عن الحَرَم |
|
|
لها معان كموج البحر في مددٍ |
وفوق جوهره في الحسن والقيم |
|
|
فما تعدّ ولا تحصى عجائبها |
ولا تسامُ على الإكثار بالسأم |
|
|
قرّت بها عين قاريها فقلتُ ل |
لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم |
|
|
إن تتلها خيفة من حرّ نار لظى |
أطفأتَ نار لظى من وردها الشَبَم(7) |
|
|
كأنّها الحوض تبيّض الوجوه به |
من العصاة وقد جاؤوه كالحُمم |
|
|
وكالصراط وكالميزان معدلة |
فالقسط من غيرها في الناس لم يَقُم |
|
|
لا تعجبنَ لحسودٍ راح ينكرها |
تجاهلاً وهو عين الحاذق الفهم |
|
|
قد تنكر العين ضوء الشمس من رَمَدٍ |
ويُنكِر الفم طعمَ الماء منْ سَقَم(8) |
هذان انطباعان متفقان هدياً، من شخصين مختلفين عقيدة وسلوكاً، من ملحد وموّحد، اتفقا على أنّ القرآن فيه من الآيات البيّنات ما فيه هدى للعالمين، ونقول فيه أيضاَ كم من أسرار تكتنف جوهر ذات الإنسان وهو لا يعلمها، ممّا هو خارج نطاق المحسوس لديه وما هو مشاهدٌ للعيان عنده، فتلك الروح التي بها قوامه فهو في دوامة السؤال عنها، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً )(9).
فإنّ حقيقة الروح لا يزال أمرها مجهولاً لدَى الإنسان، وإنّما هي من الأسرار الخفيّة التي يستحيل رؤيتها تحت المجهر، أو معرفة حقيقتها حين دخولها عالم الجسد، أو مفارقتها له عند النوم أو الموت، فضلاً عن تمايزها لدى الأفراد، ثم هل هي النفس أو أنّها هي غيرها، ولكل من النفس ومن الروح نحو ارتباط بالجسد، ويبقى الإنسان هو ذلك المجهول في أكثر من ناحية (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)(10) .
وتبقى اللا أدرية طاغية على العلم بحلّ ذلك الطلسم، الذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، ويبقى القرآن هو المعجزة الخالدة وفيه تبيان كل شيء كما قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(11) .
ويبقى هو يفضل سائر معجزاته، بل وحتى سائر معاجز الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ، لأنّ تلك المعجزات كانت حسيّة، فهي محدودة بحدود الزمان والمكان الذي ظهرت فيه، فانقضت بانقضاء زمان حدوثها، فلم يشاهدها إلّا من حضرها، ولولا القرآن الذي أخبرنا عنها لضاع ذكرها أيضاً .
بينما القرآن فاق بنواحي إعجازه بقاؤه وحْياً وحَياً من الحياة وغضّاً طريّاً كما انزل يوم أنزلت آياته من لدن حكيم خبير، ولا يبعد شاهداً في المقام ما رواه الشيخان ـ البخاري ومسلم ـ عنه (صلى الله عليه وآله) قال: (ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تبعاً يوم القيامة)(12).
وقد نقل عن الإمام الشافعي أنّه قال: ما أعطى الله نبيّاً شيئا إلّا وأُعطي محمداً (صلى الله عليه وآله) ما هو أكثر منه، فقيل له: أُعطي عيسى بن مريم إحياء الموتى، فقال الشافعي: حنين الجذع أبلغ، لأنّ حياة الخشبة أبلغ من إحياء الميت، ولو قيل: كان موسى فلق البحر عارضنا بفلق القمر، وذلك أعجب لأنًه آية سماوية .
وإن سئلنا عن انفجار الماء من الحجر عارضناه بانفجار الماء من بين أصابعه(صلى الله عليه وآله)، لأنّ خروج الماء من الحجر معتاد، أما خروجه من اللحم والدم فأعجب، ولو سئلنا عن تسخير الرياح لسليمان عارضناه بالمعراج(13) .
ولا شك أنّ معجزات النبي(صلى الله عليه وآله) فاقت معجزات سائر النبيين كمْاً وكيفاً ونعتاً ووصفاً (14)، واعتنى الأعلام بجمعها، فعقد لها البخاري باباً كبيراً في صحيحه بعنوان دلائل النبوة، وذكر النووي في مقدمة شرح مسلم أنّ معجزات النبي تزيد على ألف ومائتين، وألّف البيهقي وأبو نعيم كتابيهما باسم (دلائل النبوة) والحاكم في الإكليل، والقاضي عياض في الشفا وغيرهم خصّوها بالتأليف.
وقال الزمخشري في الكشاف: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) أعطاه الله آيات كثيرة وصلت إلى ألف آية أو أكثر ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلاً منيفاً على سائر ما أوتي الأنبياء، لأنّه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات (15).
وقال الحافظ ابن حجر: وأما ما عدا القرآن من نبع الماء بين أصابعه، وتكثير الطعام، وانشقاق القمر، ونُطق الجماد، فمنه ما وقع التحدّي به، ومنه ما وقع دالاً على صدقه من غير سبق تحدٍ، ومجموع ذلك يفيد القطع بأنّه ظهر على يده(صلى الله عليه وآله)من خوارق العادات شيء كثير (16).
الثالثة ـ المعجزة الخالدة هي الحجة الشاهدة:
لا شك عند جميع المسلمين أنّ القرآن المجيد هو المعجزة الخالدة، ولـمّا كانت سورة القمر فيه هي إحدى كرائم سوره ـ وكلها كرائم ـ وقد ذكرنا افتتاح الباب ببعض آياتها من أولها، وتلكم الآيات الكريمة ـ كسائر آيات القرآن الكريم ـ أنزلت بلسان عربي مبين، فلابدّ لنا من التدبّر في قوله تعالى في أول السورة: (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) .
قال الشيخ الطوسي في التبيان: هذا إخبارٌ من الله تعالى بدّنو الساعة وقرب أوانها، فقوله: (اقْتَرَبَتْ) أي دنت وقربت، وفي (اقْتَرَبَتْ) مبالغة، كما أنّ في(اقتدر) مبالغة على القدرة، لأنّ أصل (افتعل) طلب إعداد المعنى بالمبالغة نحو (اشتوى) إذا اتخذ شوى في المبالغة في اتخاذه، وكذلك (اتخذ) من (أخذ) والساعة القيامة .
وقال الطبري: تقديره اقتربت الساعة التي تكون فيها القيامة، وجعل الله تعالى من علامات دنوّها انشقاق القمر المذكور معها، وفي الآية تقديم وتأخير، وتقديره انشقّ القمر واقتربت الساعة، ومن أنكر انشقاق القمر وأنّه كان، وحمل الآية على كونه فيما بعد ـ كالحسن البصري وغيره واختاره البلخي ـ فقد ترك ظاهر القرآن، لأنّ قوله: (انْشَقَّ) يفيد الماضي، وحمله على الاستقبال مجاز .
وقد روى انشقاق القمر عبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك، وابن عمر، وحذيفة، وابن عباس، وجبير بن مطعم، ومجاهد، وإبراهيم، وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعتدّ بخلاف من خالف فيه لشذوذه، لأنّ القول به أشهر بين الصحابة فلم ينكره أحد، فدلّ على صحّته، وأنّهم أجمعوا عليه، فخلاف من خالف فيما بعدُ لا يلتفت إليه، ومن طعن في انشقاق القمر بأنّه لو كان لم يخف على أهل الأقطار فقد أبعد .
لأنّه يجوز أن يحجبه الله عنهم بغيم، ولأنّه كان ليلاً فيجوز أن يكون الناس كانوا نياماً فلم يعلموا به، لأنّه لم يستمر لزمان طويل، بل رجع فالتأم في الحال، فالمعجزة تمّت بذلك(17).
فالإنذار بقرب الساعة أولاً: لا يستلزم انشقاق القمر بعدها أو عند قيامها، ثانياً: بزعم أن العطف بالواو، يقتضي الترتيب أو التشريك بمعنى إذا جاءت الساعة سينشق القمر ـ كما هو المنقول عن الحسن البصري وعطاء والبلخي ـ وهذا من سخف الرأي، ومرذول القول . لأنّ الفعل الماضي دالّ على وقوع في زمان مضى وانقضى، وحمله على الإستقبال مجاز، يفتقر إلى قرينة تنقله عن حقيقته، ودليل يسنده، وليس ذلك موجوداً في (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) .
والعطف على (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ) لا يقتضي الترتيب ولا التشريك زماناً أو مكاناً، وكم من آية في القرآن الكريم معطوفة بالواو من غير ترتيب الثاني على الأول، بل على العكس.
وأوضح مثال وأقرب منال لدى كل مسلم هو ما يتلوه في كل يوم عشر مرات في فرائض صلاته على أقلّ تقدير، وهو قوله تعالى: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) في سورة الفاتحة، ومن الواضح أنّ طلب الاستعانة على العبادة يكون قبلها، وكم من نظير، وخذ إليك أظهر الشواهد، ويعرفه كل راكع وساجد، وذلك قوله تعالى: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) (18) ومن نافلة القول بيان أنّ الركوع قبل السجود، مع أنّ الآية الكريمة ورد فيها خلاف ذلك .
وأيضاً في ذلك قوله تعالى لعيسى بن مريم: ( إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ ) (19) والرفع قبل التوفّي، ورحم الله ابن عباس حبر الأمة قيل له: تزعم أنّ العمرة قبل الحج، وقد قال الله (عز وجل):(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) (20) قال ابن عباس: فكيف تقرأ: ( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)(21) أفبالدَين تبدأ ؟ أم بالوصية وقد بدأ بالوصية (22) .
ومالنا نذهب بعيداً عن نفس السورة التي افتتحنا بها الباب ـ وهي سورة القمر ـ فقد وردت فيها ست آيات مختومة بقوله تعالى: ( عَذَابِي وَنُذُرِ ) أربع منها على نسق واحد، وذلك قوله تعالى: ( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) (23) واثنتان منها بلفظ واحد، وهو قوله تعالى: ( فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ)(24).
ومن المعلوم أنّ النذُرُ إنّما هم قبل العذاب، لأنّه تعالى قال في محكم كتابه: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (25) وقال: ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) (26) .
فتبيّن أنّ العطف بالواو لا يقتضي الترتيب أبداً ولا التشريك، نعم ربمّا قيل لتقديم المقدّم حظاً وفضلاً على المؤخّر، كما نقل عن ابن جنّي متسائلاً بقوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ ) (27) فقدّم المؤخّر في موضع تعداد النعم فكان أولى (28) .
فلنا أن نقول أيضاً: ما دام تقديم المؤخّر في موضع تعداد النعم كان أولى، فكذلك في موضع التخويف بالنقم أيضاً فهو أولى، فإنّ التهديد باقتراب الساعة التي كان المشركون يكذّبون بها كما قال تعالى: ( بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ) (29) وكانوا يسألون النبي(صلى الله عليه وآله) عنها مستهزئين، فقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا) (30) وقال تعالى: ( يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ) (31) .
فقد خوفهم تعالى بقوله: ( اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) وهددّهم لما طلبوا من النبي (صلى الله عليه وآله) متحدّين له ومعاجزين أن يشق لهم القمر، فدعا ربّه وانشق القمر حتى رأوه فلقتين والنبي (صلى الله عليه وآله) يقول إشهدوا إشهدوا، كما سيأتي بيان ذلك موثقاً، فازدادوا عتوّاً كما حكى الله تعالى حالهم: ( وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) (32) فزاد تعالى في تخويفهم بقوله في أواخر السورة: ( بَلْ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ) (33) .
فمعجزة شق القمر قد دلّ عليها القرآن المجيد، ومن أظهر دلائل حدوثها قوله تعالى حكاية عن مشركي قريش الذين هم طلبوا أن يريهم النبي (صلى الله عليه وآله) تلك المعجزة الظاهرة والآية الباهرة، فلما أراهم ذلك وقال إشهدوا إشهدوا أعرضوا وقالوا: سَحَركم محمد، فقال تعالى: ( وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ).
ولو تخلّينا عن عقولنا وقلنا بما قاله الحسن وعطاء والبلخي، وأنّ انشقاق القمر سيحدث عند قيام الساعة، فكيف لنا بالجواب عن معنى قوله تعالى: ( وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)؟ وهل بعد قيام الساعة من تكليف ودعوة إلى الإيمان والإتيان بآية حتى يؤمنوا فلم يؤمنوا ( وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) ؟ والله سبحانه وتعالى قال في كتابه: ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ) (34).
(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الاَّخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ)(35) .
الرابعة ـ وما أوتيتم من العلم إلّا قليلا:
|
فـإنّ فضل رسول الله ليس له |
حَدٌّ فيعربُ عنه ناطقٌ بفم |
|
|
لو ناسبت قدرَه آياتهِ عِظماً |
أحيى اسمه حين يُدعى دارس الرمم |
|
|
لم يمتحنا بما تعيى العقول به |
حرصاً علينا فلم نرتب ولم نهم |
|
|
أعيى الورى فهمُ معناه فليس يُرى |
للقُرب والبُعد منه غيرُ منقحم |
|
|
كالشمس تظهرُ للعينين من بُعُدٍ |
صغيرةً وتكلّ الطرفَ من أَمَم |
|
|
وكيف يُدرِك في الدنيا حقيقته |
قوم نيامٌ تسلوا عنه بالحُلم |
رحم الله البوصيري حين أشار إلى القوم الذين لم يدركوا الحقيقة المحمدية بأبعادها وأمجادها، فشبهّهم بقوم نيام تسلّوا عنه بأضغاث الأحلام .
إنّ مسألة انشقاق القمر وردّ الشمس كسائر المسائل التي يجب أن تُبحث بعناية تامة، تعتمد حجج الإثبات عن طريق الكتاب والسنة، وإذا ما وجدنا في وسائل العلم الحديث ما يزيدنا إيضاحاً نستطيع آنئذٍ أن نقنع المنكرين أو المشككين بالطريقة العلمية، وعندها نصل بطبيعة الحال إلى نتيجة مقنعة يقرها العقل وتفرضها الحجة.
فمثلاً إذا أمعنّا النظر في علم تشريح الأفلاك وعلم تشريح الإنسان، لوجدنا الثاني أقرب إلينا معرفة لأنّا نعيشه إحساساً، بخلاف الأول إذ نعتمد فيه على الحدس غالباً، ومهما تقدّم العلم عبر وسائله المتطوّرة فإنّما يتجلّى لنا انّا لم نبلغ من العلم إلّا قليلاً.
فدقائق الوجود وعجائب الكون وأسرار الخليقة، ما زالت طلاسم فوق طاقة العقل في إدراكه، وكم مرة مررنا بالآية الكريمة ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الأَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (36).
فمثلاً أسرار الكهرباء، وتحطيم الذرة، وما نشأ عنهما من المخترعات قرّبت إلى العقل فهم إمكان تحوّل المادة إلى طاقة وقوّة، ثم تحوّل القوّة والطاقة إلى مادة، وما زلنا بعد في بدايات الطريق، فأنّى لنا بلوغ ذروة العلم ومنتهاه لنعرف الحقيقة وكنهها، وكل ما أدركته العقول هو الآثار لتلك الحقيقة المجهولة سراً، المعلومة قدراً .
وقس على ذلك علم استحضار الأرواح مثلاً الذي شاع وذاع، فقد فسّر للناس كثيراً ممّا كانوا يجهلونه، وشيئاً كثيراً مما كانوا يختلفون فيه، وأعان على فهم تجرّد الروح، وإمكان انفصالها، وفهم ما تستطيعه من السرعة في طيّ الأبعاد، وهذا ممّا أعان على تقريب معجزة الإسراء والمعراج وكرامة طيّ الأرض، ونحوها ممّا صدر لنبيّنا (صلى الله عليه وآله) .
ولو أنّا تجرّدنا عن رواسب موروثة، وخداع دعايات مسمومة مبثوثة، لعرفنا أنّا نملك أمثل الوسائل لتمحيص السيرة ممّا علق بها من روايات مكذوبة، من أُناس دخيلين على الإسلام، أمثال كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وأبي الجلد وأضرابهم، ممّن دسّوا أنفسهم بين المسلمين، وبثّوا سمومهم في أخبار إسرائيلية طفحت بها كتب السيرة والتاريخ والتفسير.
وزاد المستشرقون المبشّرون في الطين بلّة، وفي النفس الضعيفة علّة، فكثر الدسّ وكثر الشك واستجاب أصحاب الإيمان المستودع لدعاة التشكيك وزادوا بالإنكار، ولو أنّهم كانوا ممّن محّص الله قلوبهم بالإيمان تمحيصاً يؤمنون معه بجلال عظمة الخالق، لآمنوا بما أفاضه تعالى على نبيّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) من رفيع المقام، منذ أن اختاره وانتخبه فابتعثه، هادياً وولياً ومرشداً، وداعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة .
وتوالى بعدهم ذكر أنماط في الأسقاط، فمنهم من صدّق بانشقاق القمر، لكنه أنكر معجزة ردّ الشمس، كابن تيمية وله أشباه وأشياع، ومنهم من أنكرهما معاً إذ لم يستمرؤا طعم الإيمان على حقيقته، فضاقت نفوسهم أن يؤمنوا بما لم يروا، وحملهم التعصّب والعناد حتى على إنكار ما رووا، وزادهم النصب تعقيداً، وهم يتلون الكتاب ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)(37) .
الخامسة ـ العلم يدعو إلى الإيمان:
هذا العنوان اسم كتاب صدر في مصر أيام الغزو الإلحادي الذي هبّت رياحه على المسلمين، فتهاوى الهشيم ممّن على أرض الإسلام مقيم، وليس عليَّ من مؤاخذة لو أخذته من ذلك الكتاب وأنا أعترف له بالسبق .
إنّ التقدم العلمي في وسائل الاكتشافات الحديثة، يساعد كثيراً على فهم أسرار في الإعجاز القرآني العلمي، وقد أشار إلى جملة منها الكاتب الإسلامي عبد الرزاق نوفل في كتابه (القرآن والعلم الحديث) وقد صدر في الطبعة الأُولى سنة 1378 هجـ ـ 1959م فقد جاء فيه b ومن يعارض في أنّ القرآن كتاب علم فليتدبر آياته ليرى أنّ ألفاظ العلم قد تكرّرت في القرآن أكثر من 160 مرة، وأنّه قد حوى 6236 آية منها حوالي 750 آية كونيّة وعلميّة، والباقي آيات للتشريع والمعاملة والعبادات والعقائد والتكاليف والتوحيد والتأمل وقصص الأنبياء السابقين ... .
ومن يقول إنّ الآية الشريفة: ( يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ) (38) آية معاملة أو تشريع أو تأمل أو توحيد ؟ … أو ليست هذه الآية قد ضمّت أُصول علم الأجنة الذي يقرّر أنّ الجنين بعد نموّه يكون محاطاً بثلاثة أغشية صماء لا ينفذ منها الماء ولا الضوء ولا الحرارة تعرف باسم المنبارية، والأمبونية، والخربونية … أولا يسمّى مثل هذا الغشاء الأصم في اللغة العربية ظلمة ؟
ومن يقول أنّ الآية الشريفة: ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ) (39) ليست آية علميّة، قد قرّرت حقيقة لم تعرف إلّا في السنين الأخيرة، وعندما اكتشفت نظرية (لابلاس) في خلق السماوات والأرض اعتبر ذلك نصراً للعلم، في حين أنّ القرآن يقرّرها من عشرات المئات من السنين …
والآيات المشابهة مئات، حيث علوم الطبيعة والفلك والجيولوجيا والنبات والحيوان والزراعة والوراثة وعلم النفس والطب الاجتماعي والصحة والتاريخ والجغرافيا والميتافيزيقا وما لا سبيل إلى حصره .
وإذا أوضحنا للعالم غير العربي أنّ القرآن معجزة علميّة قد حوى أُصول العلم الحديث، وسبق إلى كل مستحدث من العلوم، ألا يكون هذا الوجه من إعجاز القرآن كافياً لإقناع رجال الـغـرب بمعـجـزة الـقرآن .. لاسيما أنّ حـديث العلم هو القول الفصل الذي لا يستطيع أي مكابر أن يجادل معه أو يشك فيه.
أولا يكون إعجاز القرآن العلمي بذلك .. هو السبيل إلى تبليغ الدعوة الإسلامية لغير العرب ؟
إنّ اليوم الذي ننشر على العالم بلغاته المختلفة ما قد سبق القرآن إلى القول به، وأثبته التقدّم العلمي في مختلف العلوم، لهو اليوم الذي يكون فيه قد أدّينا الرسالة، وأبلغنا الدعوة... وأظهرنا معجزة القرآن لغير العرب)(40).
وقد ذكر في كتاب نوفل شواهد في جملة من فروع العلم ورد في القرآن الكريم سبقه إليها قبل اكتشاف العلم الحديث لها . إلى أن قال في ص97 من علم الديناميكا: (لم يعرف العلم شيئاً عن علم الديناميكا، أو ما يسمى بعلم الحركة إلّا بعد عام 1664 حينما لاحظ العالم نيوتن سقوط تفاحة بجواره على الأرض ولم يدهشه أنّها تسقط وإنّما فكّر في السبب الذي يجعل التفاحة تسقط من أعلى الشجرة ومن فوق رأس برج أو من على قمة جبل شاهق.
وتساءل إلى أيّ مدى يمتد جذب الأرض للجسم ... وهل تجذب الأرض القمر كذلك .. وهل لذلك كله حساب دقيق، وعكف على هذه الدراسات إلى أن وصل إلى قوانين أساسية في علم الحركة خاصّة بحركة كل الأجسام والثقل ورد الفعل .
وفي أوائل القرن الحالي ـ القرن العشرين ـ ظهر العالم أينشتين الذي أدخل بعض التعديلات على نظريات نيوتن، وخلص منها بنظريته النسبية التي يقول عنها العلماء أنّها تعتبر بحق فاتحة عصر جديد في تطور العلوم الرياضية والطبيعية والفلكية، بل في تطور التفكير الفلسفي نفسه.
وهذه النظريّة معقّدة إلى درجة كبيرة تحوي نظريات ومعادلات رياضيّة لإثباتها، ومن نتائج هذه النظريّة أنّ الحوادث التي تحدث في مكان واحد يسهل على من يقيم في هذا المكان أن يرتبها ترتيباً زمنياً من الماضي إلى الحاضر إلى المستقبل، ولكن إذا كانت الحوادث واقعة في أماكن متباعدة فكيف نحكم على تعاقبها الزمني ؟
إذا شاهد العالم خسوف القمر في الساعة الحادية عشرة، فمعنى هذا أنّ القمر لم يخسف في هذه الساعة، وإنّما خسف قبل المدّة التي قضاها الضوء في الوصول من القمر إلى الأرض ... ولو حدث أن كان عالم يرصد الخسوف من كوكب آخر، فإنّه يراه في لحظة تختلف عن اللحظات التي يشاهدها الباحث الأرضي بقدر اختلاف البُعد بين الكوكب الآخر والقمر وبُعد الأرض عن القمر، إذاً فلا يوجد زمان مطلق، وكذلك البُعد بين نقطتين على سطح الأرض، قد يكون حقيقة مطلقة يسهل على أهل الأرض الإتفاق عليها.
ولكن ما معنى البُعد بين نجمين يبعد كل منهما عنّا ملايين الملايين من الأميال .. هل نفترض أن سكان الأرض وسكان كوكب آخر سيتفقان على مقدار البُعد ؟
إذاً فالزمن والكُتلة والمسافة كلها أشياء نسبية ـ وأقرب توضيح لذلك قول القائل إنّه مسافر من القاهرة إلى الإسكندرية بالقطار السريع، فيصل إليها في ساعتين ـ فقد يندهش شخص تعوّد السفر بالدابة، إذ يقطع هذه المسافة في أيام وليال ويقول: ما أسرع هذا القطار! وقد يندهش آخر تعوّد السفر بالطائرة، فهو يقطع المسافة في دقائق ويقول: ما أبطأ القطار... فالذي يعتبره الإنسان سريعاً قد يراه غيره بطيئاً، وما ذلك إلّا لأنّ كلاً منهما قد نسبه إلى سرعة معيّنة اعتادها، بل نحن في أغلب الأحيان نحسّ بثقل الوقت وبطء مروره، وفي أحيان أخرى نحسّ بسرعته وخفّة جريانه، وما ذلك إلّا تبعاً لحالة معيّنة نعانيها.
والقرآن الكريم قطعاً أول كتاب علمي أو ديني قد جاء بأساس النسبية، فقرر أنّ هناك يوماً طويلاً يبلغ ألف سنة مما نعدّ .. وهناك يوم يبلغ خمسين ألف سنة، وذلك في الآية الخامسة من سورة السجدة التي نصّها: ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ).
والرابعة من سورة المعارج التي نصّها: ( تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) .
أما طول اليوم الذي تقول عنه الآية 17من سورة المزمّل ( فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ) فقد ذكرته الآية 47 من سورة الحج ( وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) (41) .
السادسة ـ خظرفة القمر من دون اختلال في الفلك:
قبل الشروع في بيان ذلك علينا أن نبصّر القارئ بمعنى (الخظرفة) فنقول: قال الجوهري في الصحاح: خظرف البعير في سيره، لغة في خَذَرَفَ إذا أسرع ووسّع الخطو، بالظاء المعجمة(42) .
أقول: لكن ورد في بقية المعاجم بالطاء المهملة ، قال صاحب القاموس: خطرف أسرع في مشيته أو جعل خطوتين خطوة في وساعته... والخطريف كقنديل السريع، وكعصفور السريع العَنَقَ..، وفي نهاية ابن الأثير: خطرف في حديث موسى والخضر(عليهما السلام).
وإنّ الاندلاث والتخطرف من الانقحام والتكلّف، تخطرف الشيء إذا جاوزه وتعداه.
وفي لسان العرب نحو ما تقدّم، وحكى عن ابن بري يقال: خظرف في مشيته بالظاء والطاء أيضاً .
وفي تاج العروس: خطرف هكذا هو في سائر النُسخ بالسواد، وليس هو في الصحاح، وكذا قال الصاغاني في التكملة، أهمله الجوهري، والموجود في نُسخ الصحاح هو خظرف بالظاء المعجمة، وقد اشتبه على المصنف ذلك أو هو من النسّاخ، ورأيت شيخنا (رحمه الله) قد نبّه على ذلك وعلّله بقوله: لأنّه لو كان بالمعجمة لأخره عن خطف .
قال ابن دريد : خطرف الرجل أسرع في مشيته وخطر ، أو خطرف البعير جعل خطوتين خطوة في وساعته كتخطرف فيها أي في الإسراع وجعل الخطوتين خطوة .
والآن إلى خظرفة القمر وخطرفته، فقد ذكر ابن الأجدابي المتوفى حوالي سنة650 هجـ في كتابه الأزمنة والأنواء (43) قال:
وربما خطرف القمر فنزل بالتي تليها، وربما قصّر عنها فنزل دونها، وربما عدل عن المنزلة فنزل بغيرها ممّا يتصل بها، فمن ذلك الهنعة، ربما عدل عنها فنزل بالتحايي (44)، ومن الناس من يعد التحايي من الهنعة، وربما عدل عن الذراع فنزل بالذراع الأُخرى (45)، وربما عدل عن السماك فنزل بعرش السماك، ورّبما قصّر عن الشولة فنزل بالفقار(46) فيما بين القلب والشولة، وربما عدل عن البلدة فنزل بالقلادة(47)، وربمّا قصّر عن الفَرغ(48) الثاني فنزل بالكَرَبَ(49)،وهو وسط الفرَغيَن (50)، وربما نزل ببلدة الثعلب بين (51) الدلو والسمكة .
أقول: بعد هذا العرض اللغوي لمعنى كلمة (خطرف) والعرض الفلكي لمعنى خطرفة القمر، تبيّن لنا أنّ للقمر في سيره حالات مختلفة، فقد يسرع فيطوي ما بين المنزلتين بسير منزلة، وهذا ما فصّلّه ابن الأجدابي بقوله ربّما ربّما، ولم يذكر أنّ الفلك اختلّ في سيره مرة، بل ولا كان ذلك محسوساً لجميع الناس، بل لم يعرفه إلّا ذوو الإختصاص من الفلكيين، وربما باستعانة المراصد.
فإذن مسألة انشقاق القمر لا يلزم التصديق بها إلى معرفة جميع الناس، بل يكفي معرفة أُولئك الذين طلبوا الآية من النبي(صلى الله عليه وآله)، وأُولئك السُفار الذين أحسّوا به للتوسع في ذلك .
فنقول: لقد رآه من كان بالهند كما في حديث رتن الهندي، وهو المعمّر المترجم في الإصابة ومعدود في الصحابة، ولا عبرة بتشكيك الذهبي بوجوده مع النقض عليه والإبرام، وحسبنا في المقام نقل ما عند ابن حجر من كلام .
قال الشيخ البهائي العاملي (رحمه الله):
تذنيب: القمر إذا أسرع في سيره فقد يتخطّى منزلاً في الوسط، وإن أبطأ فقد يبقى ليلتين في منزل، أول الليلتين في أوله، وآخرهما في آخره، وقد يُرى في بعض الليالي بين منزلين (52).
فما وقع في الكشاف وتفسير القاضي عند قوله تعالى: ( وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ) (53) من أنّه ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطّاه، ولا يتقاصر عنه (54) ليس كذلك فاعرفه .
السابعة ـ رؤية رتن لانشقاق القمر في الهند:
قال في الإصابة (55): رتن بن عبد الله الهندي... شيخ خفي خبره بزعمه دهراً طويلاً إلى أن ظهر على رأس القرن السادس، فادّعى الصحبة فروى عنه ولداه محمود وعبد الله وموسى بن مجلي... ثم عدّ أسماء تسعة غيرهم ممّن روى عنه الحديث، ثم ذكر كلام الذهبي في تجريده وميزانه في تكذيبه، وإنّه ألّف في أمره جزءاً، وقد ظفر به ابن حجر ونقل عنه، فكان بعض ما فيه جملة أحاديث، منها:
قال (صلى الله عليه وآله): من مات على بغض آل محمد مات كافراً... .
وقال: ما من عبد يبكي يوم أصيب ولدي الحسين إلا كان يوم القيامة مع أولي العزم .
واستمر ابن حجر يستعرض بقية ما في النسخة، ثم ذكر ما عند الذهبي من كلام في شأن تلك المرويات، والتشكيك بوجود رتن، وذكر غلاة الصوفية، واستبعاده وجود رتن، واستمر ابن حجر يحكي أقوال الذهبي إلى قوله:
ولعمري ما يصدّق بصحبة رتن إلّا من يؤمن بوجود محمد بن الحسن في السرداب، ثم بخروجه إلى الدنيا فيملأ الأرض عَدلاً، أو يؤمن برجعة علي، وهؤلاء لا يؤثر فيهم علاج .
وختم بقوله: انتهى ما ذكره الذهبي في خبر كسروثن رتن ملخصاً .
ثم قال: وقد وقفت على الجزء الذي أشار إليه، وفيه أكثر من ثلثمائة حديث كما قال، ثم وقفت على طريق أخرى إليه فأنبأنا غير واحد عن المحدث المكثر الرحال جمال الدين الاقشهري نزيل المدينة المنوّرة، عن علي بن عمران الصنعاني، عن رفيع الدين عمر بن محمد بن أبي بكر السمرقندي أنّه حدّثه من لفظه بالمسجد الجامع بصنعاء سنة أربع وثمانين، عن أبي الفتح موسى بن مجلّي، فذكر النسخة بطولها .
وفي نسخة الإربلي المذكور قال رتن: كنت في زفاف فاطمة أنا وأكثر الصحابة ... إلى أن قال في ص530: وقرأت بخط المؤرخ شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزري في تاريخه قال: سمعت النجيب عبد الوهاب بن إسماعيل الفارسي الصوفي بمصر سنة اثني عشرة وسبعمائة يقول: قدم علينا بشيراز سنة خمس وسبعين وستمائة الشيخ المعمر محمود ولد بابا رتن فأخبرنا أن أباه أدرك ليلة شق القمر وكان ذلك سبب هجرته... .
ثم قال ابن حجر : وقرأت قصّته من وجه آخر مطوّلة بخط الأديب الفاضل صلاح الدين الصفدي في تذكرته، وأنبأني عنه غير واحد شفاهاً إنّه قرأ في تذكرة الأديب الفاضل علاء الدين الوداعي، ثم ساق ما أنبأه به علي بن محمد بن أبي المجد شفاهاً عن الوداعي، فذكر الحديث بطوله فجاء فيه من قول رتن:
فلمّا تطاولت المدّة على ذلك كنّا جلوساً في فناء ضيعتنا هذه في ليلة مقمرة ليلة البدر، والبدر في كبد السماء إذ نظرنا إليه وقد انشق نصفين، فغرب نصف في المشرق، ونصف في المغرب ساعة زمانية، وأظلم الليل، ثم طلع النصف الأول من المشرق والنصف الثاني من المغرب إلى أن التقيا في وسط السماء كأن أول مرة، فتعجبنا من ذلك غاية العجب، ولم نعرف لذلك سبباً.
فسألنا الركبان عن خبر ذلك وسببه، فأخبرونا أنّ رجلاً هاشمياً ظهر بمكة، وادعى انّه رسول الله إلى كافة العالم، وأنّ أهل مكة سألوه معجزة كمعجزات سائر الأنبياء، وأنهم اقترحوا عليه أن يأمر القمر أن ينشق في السماء ويغرب نصفه في المشرق ونصفه في المغرب، ثم يعود إلى ما كان عليه، ففعل لهم ذلك بقدرة الله تعالى .
فلمّا سمعت ذلك من السُفار اشتقت إلى أن أرى المذكور، فتجهّزت في تجارة وسافرت إلى أن دخلت مكة، فسألت عن الرجل الموصوف فدلّوني على موضعه، فأتيت إلى منزله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت عليه فوجدته جالساً في وسط المنزل والأنوار تتلألأ في وجهه، وقد استنارت محاسنه، وتغيّرت صفاته التي كنت أعهدها في السفرة الأُولى فلم أعرفه.
فلمّا سلّمت عليه نظر إليَّ وتبسّم وعرفني وقال: وعليك السلام، أدن منّي،وكان بين يديه طبق فيه رطب، وحوله جماعة من أصحابه يعظّمونه ويبجّلونه، فتوقّفت لهيبته، فقال: يا أبانا أدن منّي وكل، الموافقة من المروءة، والمنافقة من الزندقة.
فتقدّمت وجلست وأكلت معهم من الرطب، وصار يناولني الرطب بيده المباركة إلى أن ناولني ستّ رطبات سوى ما أكلت بيدي، ثم نظر إليَّ وتبسم، وقال: ألم تعرفني ؟ قلت: كأني غير أني ما أتحقق . فقال: ألم تحملني في عام كذا، وجاوزت بي السيل حين حال السيل بيني وبين ابلي، فعرفته بالعلامة، وقلت له: بلى، يا صبيح الوجه، فقال لي: أمدد يدك، فمددت يدي اليمنى إليه فصافحني بيده اليمنى وقال: قل أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمداً رسول الله، فقلت ذلك كما عَلّمني، فسُرّ بذلك، وقال لي عند خروجي من عنده: بارك الله في عمرك، بارك الله في عمرك، بارك الله في عمرك.
فودّعته وأنا مستبشر بلقائه وبالإسلام، فاستجاب الله دعاء نبيّه، وبارك في عمري بكل دعوة مائة سنة وها عمري اليوم ستمائة سنة، وزيادة وجميع مَن في هذه الضيعة العظيمة أولادي وأولاد أولادي، فتح الله عليَّ وعليهم بكل خير وبكل نعمة ببركة رسول الله (صلى الله عليه وآله) .
ثم قال ابن حجر: وقد وقعت لي روايات أخرى غير ما ذكره الذهبي إلى رتن، منها ما قرأت في كتاب الوحيد في سلوك أهل طريق التوحيد للشيخ عبد الغفار بن نوح الفوصي، وقد لقيت حفيده الشيخ عبد الغفار بن أحمد بن عبد الغفار ... وساق الحديث عنه ثم عن البهاء الجَنَدي في تاريخ اليمن وعن غيره ممّا يؤكد وجود رتن والحديث عنه، وقد أطال في ذلك إلى أن قال:
وقد تكلّم الصلاح الصفدي في تذكرته في تقوية وجود رتن، وأنكر على مَن ينكر وجوده، وعوّل في ذلك على مجرّد التجويز العقلي .. وليس النزاع فيه، إنّما النزاع في تجويز ذلك من قبل الشرع بعد ثبوت حديث المائة في الصحيحين، والاستبعاد الذي عوّل عليه الذهبي ... .
ثم قال ابن حجر: ولما اجتمعت بشيخنا مجد الدين الشيرازي شيخ اللغة بزَبَيد من اليمن ـ وهو إذ ذاك قاضي القضاة ببلاد اليمن ـ رأيته ينكر على الذهبي إنكار وجود رتن، وذكر لي انّه دخل ضيعته لما دخل بلاد الهند، ووجد فيها من لا يحصى كثرة ينقلون عن آبائهم وأسلافهم عن قصة رتن، ويثبتون وجوده، فقلت: هو لم يجزم بعدم وجوده، بل تردّد، وهو معذور إلى آخر ما في جعبة ابن حجر من حجر .
وأنا لا أروم إثبات أو نفي وجود رتن الهندي، فمهما يكن من أمره، ولكنّي أقول لا يوجد دخان من دون نار، ولا دار من دون ديّار، فإذا كان الرجل كاذباً فلماذا ترجمه ابن حجر في الإصابة؟ فذلك هتك للصحابة، كضم الحجر إلى الجوهر، والعبد إلى القمر الأزهر، إذاً ليس هو خرافة بعد كل ما رواه عنه الذهبي وغيره من أحاديث ليس فيها من نكارة، سوى استبعاد صحبته وروايته عن النبي(صلى الله عليه وآله)، فليكن من قبيل أهل البدع، لنا روايته وعليه بدعته، خصوصاً بعد أن لم نجد بعض مرويّاته فيها ما يناقض الدين، بل ولا مثل ما عند الآخرين من مرويات الكذابين، وأخشى أن تكون دوافع بعض ما تقدّم من حديثه في ذكر أهل البيت الطاهرين(عليهم السلام) هو سبب الطامة التي لحقته حتى عدّ في الكذابين.
شاهد تصديق لما رواه رتن:
وفي إحدى المخطوطات الهندية القديمة، والمحفوظة في مكتبة المركز الهندي بمدينة لندن تحت رقم2807 / 152 – 173، ذكر المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ الدكتور محمد حميد الله في كتابه المعنون محمد رسول الله أنّ أحد ملوك ماليبار - وهي إحدى مقاطعات جنوب غربي الهند - وكان اسمه شاكرواتي فارماس Chakarawati Farmas) ( شاهد انشقاق القمر على عهد رسول الله )صلّى الله عليه وسلم) وأخذ يحدّث الناس بذلك.
وحدث أن مرّ عدد من التجار المسلمين بولاية ماليبار، وهم في طريقهم إلى الصين، وسمعوا حديث الملك شاكرواتي فارماس عن انشقاق القمر، فأخبروه أنّهم أيضاً قد رأوا ذلك، وأفهموه أنّ انشقاق القمر معجزة أجراها ربّنا (تبارك وتعالى) تأييداً لخاتم أنبيائه ورسله (صلّى الله عليه وسلم) في مواجهة تكذيب مشركي قريش لنبوته ولرسالته .
فأمر الملك بتنصيب ابنه وولي عهده قائماً بأعمال مملكة ماليبار، وتوجّه إلى الجزيرة العربية لمقابلة المصطفى (صلّى الله عليه وسلم) .
وبالفعل وصل الملك الماليباري إلى مكة المكرمة وأعلن إسلامه أمام رسول الله (صلّى الله عليه وسلم)، وتعلّم ركائز الدين الأساسية، وأفل راجعاً، ولكن إرادة الله (تعالى) أن ينتهي أجله قبل مغادرته أرض الجزيرة العربية، فمات ودفن في أرض ظفار، وحين وصل الخبر إلى ماليبار كان ذلك حافزاً لدخول أهلها الإسلام زرافات ووحداناً (56).
والآن وبعد هذه البدايات التمهيدية، فلنقرأ بإمعان لنتابع ماذا عن انشقاق القمر في التراث الإسلامي، وذلك من خلال مبحثين: الأول فيمن أنكر حدوث معجزة شق القمر وما هي حجته؟ والمبحث الثاني فيمن أثبت ذلك بوسائل الإثبات التي عنده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - القمر: 1 – 8 .
2 - القمر: 17 .
3 - الإسراء: 85 .
4 - يوسف: 76 .
5 - محمد الغزالي، نظرات في القرآن : 154 نقلاً عن إعجاز القرآن للسيد هبة الدين الشهرستاني (رحمه الله) .
6 - والنسبة المناسبة وهي الشق فيهما.
7 - الورد:الماء المورود، والشبم:البارد .
8 - المجموعة النبهانية 4 : 9 – 10 .
9 - الإسراء : 85 .
10 - الشمس : 7 – 8 .
11 - النحل: 98 .
12 - صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن باب كيف نزل الوحي وصحيح مسلم كتاب الإيمان باب وجوب الإيمان.
13 - انظر مناقب الشافعي: 38 .
14 - النعت أخص من الوصف، فتقول: زيد عاقل وحليم، وعمرو جاهل وسفيه، فوصفت زيداً بالعقل والحلم، وليس كل عاقل بحليم ولا كل جاهل بسفيه .
15 - الكشاف في تفسير قوله تعالى: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) الآية في سورة البقرة: 253 .
16 - فتح الباري 6 : 452 ط البهية .
17 - التبيان 9: 442 – 443 ط النعمان النجف الأشرف بتحقيق القصير .
18 - آل عمران : 43 .
19 - آل عمران : 55 .
20 - البقرة : 196 .
21 - النساء : 11 .
22 - التمهيد لابن عبد البر 7 : 215 ط دار الكتب العلمية بيروت .
23 - الآيات : 16 – 18 – 21 – 30 .
24 - الآيتان: 37 – 39 .
25 - الإسراء : 15 .
26 - النساء : 165 .
27 - الفتح : 24 .
28 - معاني القرآن للزجاج 1 : 154 تحقيق إبراهيم الأبياري ط تراثنا بمصر سنة 1963 .
29 - الفرقان : 11 .
30 - النازعات : 42 .
31 - الأحزاب : 63 .
32 - القمر : 2 .
33 - القمر : 46 .
34 - الروم: 12 .
35 - الروم: 14 – 16 .
36 - فصلت : 53 .
37 - محمد : 24 .
38 - الزمر: 6 .
39 - الأنبياء : 30 .
40 - القرآن والعلم الحديث: 24 - 25 ط دار المعارف بمصر سنة 1378 هجـ .
41 - القرآن والعلم الحديث: 97 – 99 .
42 - الصحاح: 1353 (خظرف) .
43 - الأزمنة والأنواء:87-88 تحقيق الدكتور عزة حسن ط وزارة الثقافة والإرشاد القومي دمشق سنة1964م منازل القمر .
44 - التحايي: ثلاثة كواكب حذاء الهنعة، واحدها تحياة، وهي بين المجرّة وبين توابع العيّوق. وكان أبو زياد الكلابي يقول: التحايي هي الهقعة، انظر الأنواء: 42– 86، والأزمنة 1: 189، والآثار الباقية:342- 351 واللسان، (حيا).
45 - القمر ينزل بالذراع المقبوضة، وإذا عدل عنها نزل بالذراع المبسوطة وهما ذراعا الأسد . انظر الأنواء: 48– 49، والمعجم الفلكي: 38 كما في المصدر .
46 - الفقار: ستة كواكب، كل كوكب منها فقرة، وهي في ذنب العقرب . انظر الأنواء: 86، والأزمنة1: 191.
47 - القلادة: ستة كواكب مستديرة صغار خفيّة، تشبه بالقوس، ويسميها قوم القوس، وتسمى الأدحي . انظر الأنواء: 75، والأزمنة 1 : 94 .
48 - في الأصل المخطوط: القرع، وهو تصحيف .
49 - انظرالأنواء: 86، والأزمنة 1: 196، والكرب من الدلو: ما شد به الحبل من العراقي وهو وسطها .
50 - في الأصل المخطوط: القرعين، وهو تصحيف .
51 - في الأصل المخطوط: من، وهو تصحيف، والتصويب من الأنواء: 76، والأزمنة 1 : 196 .
52 - الحديقة الهلالية : 85 ط مؤسسة آل البيت(عليهم السلام).
53 - يس : 39 .
54 - الكشاف 4: 16، وأنوار التنزيل 4: 188 .
55 - الإصابة 2: 523 .
56 - مقتبس من مواقع الانترنيت .