المبحث الأول: ومن هم النفاة؟ وما الذي قالوه؟
لقد مرّ بنا في آخر الباب الأول ماذا قال العلم الحديث في المقام ؟ وذكرت ما يقّرب إلى ذهن القارئ الذي ينتظر كلمة العلم الحديث، إمكانية خرق القوانين الطبيعية في الآيات الكونية، من دون تعرّض الكون للفساد، والآن أود التنبيه على أنّ الذين قالوا بالاستحالة إنّما هم ممّن فاتهم الإذعان بقدرة الله تعالى أولاً، ولم يكن لديهم إثارة من علم الفلك ثانياً .
وإذا كان فيهم مَن لديه حرف منه فهو على هيئة بطليموس، ونظريته التي ثبت بطلانها بعد تقدّم العلم الحديث، وأصحاب تلك النظرية تصوّروا السماوات السبع والأرضين السبع مثل بصلة، تعلو قشورها بعضاً فوق بعض، ويحيطها جميعاً فلك الأفلاك، وهي عندهم سبعة أفلاك، يتصل بعضها بالآخر اتصالاً وثيقاً غير قابل للإنفكاك، مع وجود فواصل متفاوتة بين كواكبها، وكل منها مستقر في فلكه، غير أنّه مرتبط مع غيره، فإذا حدث في واحد ما يغيّره جرى ذلك إلى البقية، وسرى إليها الإختلال وتأثر الجميع بذلك الإنحلال، لأنّ العالم كله بأفلاكه وأملاكه محدود في فضاء متناه .
هكذا رأي الهيئة القديمة التي نسبت إلى بطليموس، وتابعه عليها من تابعه ممن قال باستحالة الآيات الكونية، ومنها انشقاق القمر وأعطف عليه ردّ الشمس، بناءً على هذه المقالة الفاسدة .
أما اليوم والعلم الحديث بلغ مبلغاً في الكشف العلمي بقوة غزا الكواكب بها حتى نفذ إلى أقطار السماوات بسلطانه، فأدرك بعض أسرار الإعجاز القرآني في آياته البيّنات نحو قوله تعالى: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ) (1) .
وأدركوا أنّ الفضاء لا نهاية له وهو في اتساع، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: ( وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) (2).
وقد توصّل العلماء إلى أنّ المجموعة الشمسيّة التي كوكب الأرض وكوكب القمر من توابعها ولها توابع نحوهما، إنّما هي إحدى مجموعات كثيرة وكبيرة من شموس أُخرى، وكوكب القمر في مجموعتنا الشمسية هو أقرب كواكبها الأخرى إلى الأرض، وتلك كواكب على غرار كوكبنا الأرضي في تابعيته للشمس، وإن اختلف شكلاً وحجماً وحركةً وقرباً وبعداً من الشمس.
كما توصّل العلماء عن طريق الأجهزة المتطوّرة أنّ بعض الكواكب سبق لها في الماضي السحيق أن حدث فيه انفجارات لا تزال أجزاء ما تناثر منه تسبح في الفضاء اللامتناهي نتيجة ذلك الإنشطار، وربما بعضها اتخذ مداراً حول شمسنا بفعل الجاذبية منها، وهذا كله لم يؤثّر على سير بقية أفلاك المجموعة الشمسية: (وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (3) .
فنقول للمنكرين الذين أعجزهم الجهل وعدم الإيمان بحدوث انشقاق القمر: ما بالكم تنكرون آية دلّ القرآن الكريم عليها، كما مرّ في المعجزة الخالدة هي الحجة الشاهدة، بحجة أنّ الإنشقاق فيه خرق وثم التئام، وهذا حدث عظيم ينبغي أن يراه العالم، وأن يكتبه المؤرّخون من سائر الأمم وأن .. وأن …
نقول لهم: أيّها النفاة اتحدّوا وأعدّوا، وأنّى لكم وأنتم بين مشرّق ومغرّب، على اختلاف الزمان والمكان، وعلينا أن نجمع شتاتكم ونعرّف فئاتكم كما نعرض فُتاتكم .
من هم النفاة ؟
يمكننا أن نجعلهم فريقين يتجاذبان الإنكار، ولكن كل فريق يحطب بحبله، ويخطب بعقله .
فالفريق الأول: ويمثّله الحسن البصري، وعطاء المكي، ومقاتل بن سليمان البلخي، فهؤلاء أوائل الذين أساؤوا فهم لغة القرآن، ولم يستضيئوا بنور العلم من معدنه، فقالوا في تفسير الآية الكريمة: (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) إنّ الإنشقاق سيحصل عند قيام الساعة، وهو من أشراطها، وأنّ الآية الكريمة وإن جاءت بلفظ الماضي، لكنها أرادت المستقبل.
ومعنى (انشقّ) سينشق، فالآية غير دالّة على تحقيق الوقوع، وهذا ما حكاه عنهم غير واحد من المفسّرين، وقد ردّوه عليهم ردّاً بليغاً، سيأتي ذلك إن شاء الله تعالى .
وقد وجدت لهم تبعاً في زلل هذا القول هو الحليمي، وقد حكاه عنه الرازي في كتابه (نهاية القولِ) وستأتي مقالته عند التعريف به .
والفريق الثاني: قد تجاوز الحدّ حتى في العدّ، فكان منه جماعة من شيوخ المعتزلة، كهشام بن عمرو الفوطي، والنظّام، والجاحظ، وأبو الحسينK وكان منهم من الأشاعرة أبو إسحاق، والحليمي الآنف الذكر أيضاً فهؤلاء أنكروا جملة من المعجزات، وكان انشقاق القمر واحداً منها، بحجة منع حدوث الخوارق سواء كانت معجزة أو كرامة .
وفي العصر الحاضر وجدنا من لا يؤمن بهذا الحديث ـ معجزة شق القمر ـ أسفا، وله فيما كتب من تفسير هَدَفا، وقد ضلّ وأضلّ به كثيراً ممّن اتخذه كهفاً وكنفاً، ربما أتينا على ذكره في آخر المبحث ولو بنحو الإشارة .
ونعود إلى النفاة فنعرّفهم للقراّء حسب ما يقتضي المقام .
فأوّلهم الحسن البصري (ت / 110 هجـ ) ذكره مترجموه في التابعين، ووصموه بالتدليس حتى قال عنه ابن العجمي في التبيين لأسماء المدلّسين: من المشهورين بالتدليس، وقد قال ابن سيرين: لا تأخذوا بمراسيل الحسن، فإنّه لا يبالي عمّن أخذ حديثه(4) .
وقد استقصى حافظ ثناء الله الزاهدي ـ في كتابه تحقيق الغاية بترتيب الرواة المترجم لهم في نصب الراية في ترجمة الحسن البصري ـ كلمات الأعلام في مرويات الحسن عن الصحابة وتفنيد سماعه منهم، وهو مفيد في إثبات تدليسه، فراجع(5).
ولـمّا كانت معجزة انشقاق القمر مذكورة في القرآن، وإنّما يصحّ لأمثاله الكلام فيها عن علم تعلّمه مما رواه غيره في تفسيره، ولما لم يذكر أحداً لنرى صحة روايته، فهو إذاً لم يكن ما قاله عن رواية، وإنّما كان ذلك رأياً منه، فحينئذٍ لا عبرة برأيه ما دام فسّر القرآن برأيه، وكيف نقبل قوله وقد ورد التغليظ في ذلك حتى ورد مرفوعاً: b من فسرَّ القرآن برأيه فأصاب تكتب ـ كتبت ـ عليه خطيئةv وفي لفظ b فليتبوأ مقعده من النار v (6) .
وثانيهم عطاء هو ابن رباح المكي (ت / 135 هجـ ) وهذا كسابقه في عدم الأخذ بمرسلاته حتى قال أحمد بن حنبل: وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن وعطاء، فإنّهما كانا يأخذان عن كل أحد (7)، وفوق هذا فقد ذكره أبو القاسم الكعبي أنّه كان من المرجئة (8)، وذكر ابن حجر انّه قرأ بخط الذهبي قول ابن المديني: كان ابن جريج وقيس بن سعد تركا عطاء بآخره …
فهو إذن في سماعه إشكال، وفي رأيه مثل ذلك خصوصاً في الإرجاء الدال على فساد معتقده.
وثالثهم مقاتل بن سليمان البلخي (ت / 150 هجـ ) وقد مرّ بعض تعريفه، ويكفي في ذلك قول ابن أبي حاتم فيه صاحب التفسير والمناكير: فهو ساقط لمناكيره، فلا نطيل الوقوف عنده لالتماس معاذيره، أنّى ذلك وهو من المجسّمة كما جاء في (المواقف) حيث قال: والمجسّمة قالوا هو جسم حقيقة فقيل مركّب من لحم ودم كمقاتل بن سليمان (9) .
وفي ميزان الإعتدال في ترجمته من التصريح بأضاليله حتى نقل عن أبي حنيفة قوله: أفرط جهم في نفي التشبيه، حتى قال أنّه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل - يعني في الإثبات - حتى جعله مثل خلقه، وقال ابن حبّان: كان يأخذ عن اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان يشبّه الربّ بالمخلوق، وكان يكذب في الحديث .
وفي تاريخ بغداد: قال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: أخرجت خراسان ثلاثــة لم يكن لهم في الدنيــــا نظير ـ في البدعة والكذب ـ جهم بن صفوان، وعمر بن صبيح، ومقاتل بن سليمان، وروى أبو يوسف أنّه قال: بخراسان صنفان ما على الأرض أبغض إليَّ منهما: المقاتلية والجهمية (10) .
ورابعهم: هو إبراهيم بن سيّار النظّام (ت / 231 هجـ ) من شيوخ المعتزلة، وهو صاحب القول بالطفرة حتى أضحت مثلاً فيقال لمالا يعقل ويتم بدون مقدّمات كطفرة النظام، بمعنى بلوغ المرحلة الثالثة من دون المرور بالثانية، وله مقالات شاذة أُخرى، والذي يعنينا من إنكاره معجزة شق القمر، وقد حكى ذلك عنه القاضي عبد الجبار في كتابه (11)، وردّ عليه وعلى غيره، وسنقرأ ذلك في: ماذا عند المتكلّمين .
وخامسهم عمرو بن بحر الجاحظ (ت / 255 هجـ) من شيوخ المعتزلة البصريين، وهو في شهرته من خلال كتبه غني عن التعريف، ففي مقدّمات المطبوع منها كالبيان والتبيين، وكتاب الحيوان، ورسائله جمع السندوبي، وكذا الدراسات الخاصة به سوى المقالات الكثيرة، راجع بشأنها معجم المؤلّفين لكحالة (12) ففي جميع ذلك ما يغنينا في ذكره، ولا يعنينا في أمره سوى التنبيه على إنكاره معجزة شق القمر.
فقد ذكر ذلك عنه المرزوقي في كتابه فقال: وأما انشقاق القمر فإنّ الجاحظ كان ينفيه، ويقول: لم يتواتر الخبر به، ويقول أيضاً: لو انشق حتى صار بعضه في جبل أبي قبيس لوجب أن يختلف التقويمات، لأنّه قد عُلم سيره في كل يوم وليلة، فلو انشق القمر لكان وقت انشقاقه لا يسير(13).
فأما قوله تعالى:(اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) فإنّما معناه سينشق، ونحن نثبته ونقول يكون كذلك، دليلاً خُصَ به عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه)، وإنّ سائر الناس لم يروه، لأنّ الله حال بينهم وبين رؤيته بغمامة أو غيرها، ويجوز أن يكون غير عبد الله رآه، فاقتصر في نقله على رواية عبد الله، وعلى ما نطق به القرآن من ذكره .
وسادسهم هشام بن عمرو الفوطي، من المعتزلة وله مقالات شاذة، كما له أتباع يسمون بالهشامية، وهم يقولون بجواز الإمامة، بمعنى عقدها في أيام الإتفاق والسلامة، أما في أيام الفتنة فلا ـ وهذا كذلك هو مذهب المحكّمة الأُولى من الخوارج، فإنّهم أجازوا ألا يكون في العالم إمام أصلاً ـ .
ومن مقالات الفوطي السيئة في القرآن عدم إعجازه وقال: إنّ القرآن لم يجعل عِلَماً للنبي وهو عرض من الأعراض، والأعراض لا يدلّ شيء منها على الله ولا على نبوة النبي، وفي كتب المقالات والفِرَق يجد الباحث أقوالاً شاذة أخرى، ومنها إنكاره معجزة شق القمر، كما أنّ في ترجمته في كتب التراجم نقولاً عنه شتى في ذلك .
فالذهبي ذكره في سير أعلام النبلاء وقال: أبو محمد الفوطي المعتزلي الكوفي ... صاحب ذكاء وجدال، وبدعة ووبال... (14) .
ونهى عن قول (حسبنا الله ونعم الوكيل) وقال: لا يعذّب الله كافراً بالنار، ولا يحيي أرضاً بمطر، ولا يهدي ولا يضلّ …، وحكى عن المبرّد حكاية رجل مع هشام، وقد سأله عن عمره وتقعّره في الجواب، ثم قال الذهبي: هذا غاية ما عند هؤلاء المتقعّرين من العلم، عبارات وشقاشق لا يعبأ الله بها، يحرفون بها الكلم عن مواضعه قديماً وحديثاً، فنعوذ بالله من الكلام وأهله، ونحوه .
وفي تاريخ الإسلام (15)، وذكره في ذيل ترجمة داود الجواربي في ميزان الإعتدال، وعدّ جماعة هو منهم فقال: هذا الضرب لا أعلم له رواية... فلكونهم لم يرووا الحديث لم احتفل بذكرهم ولا استوعبتهم، فأراح الله منهم .
وقد ذكره ابن النديم في الفهرست (16) وذكر من مقالاته: إنّ الشيطان لا يدخل في الإنسان، وإنّما يوسوس له من خارج والله ـ جل عن ذلك ـ يوصل وسوسته إلى قلب ابن آدم ليبتليه .
وقال ابن الأثير في اللباب في تهذيب الأنساب (17): وأما الهشامية الثالثة فهم أصحاب هشام ابن عمرو الفوطي، وفضائحه كثيرة، منها انّه حرّم على الناس أن يقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وقد نطق القرآن بذلك، وظن أنّ الوكيل يقتضي موكلاً، ولم يعلم أنّ الوكيل بمعنى الحفيظ، كقوله تعالى: ( لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (18) أي بحفيظ .
وأخيراً نكتفي بما قاله القاضي عياض عنه وعن معمر الصيمري في الشفاء (19):… وكذلك من أنكر القرآن أو حرفاً منه … أو زعم أنّه ليس بحجة للنبي(صلى الله عليه وآله) أو ليس فيه حجة ولا معجزة، كقول هشام الفوطي، ومعمر الصيمري، إنّه لا يدلّ على الله ولا حجة فيها لرسوله، ولا يدلّ على ثواب أو عقاب ولا حكم، ولا محالة في كفرهما بذلك القول، وكذلك نكفرهما بإنكارهما أن يكون في سائر معجزات النبي(صلى الله عليه وآله) حجة له ... .
ويمكن إلحاق جماعة آخرين بمن تقدّم ذكرهم من النفاة، حيث وردت أسماؤهم في بعض المصادر فمنهم الحليمي كما ذكره الرازي في كتابه (نهاية العقول) فقال: أما الإنشقاق فقد منع الحليمي وقوعه، بحمل انشقاق القمر على أنّه سينشق، وإن سلّمنا وقوعه فلعلّ المشاهدين ما كانوا في حد التواتر، لأنّه آية ليلية، وأكثر الناس تحت السقوف فلذلك لم ينتشر.
ولا غرابة بعد أن عرفنا الحليمي من خلال ذكر الشريف الجرجاني له ولآخرين ممن منعوا صدور الكرامات للأولياء مطلقاً، فقد قال في شرح المواقف: المقصد التاسع: في كرامات الأولياء وأنّها جائزة عندنا، خلافاً لمن منع جواز الخوارق واقعة، خلافاً للأستاذ أبي إسحاق والحليمي منّا، وغير أبي الحسين من المعتزلة .. (20) .
إنّما الغرابة كل الغرابة أن يفاجأ القارئ بأنّ الحليمي هذا حكي عنه انشقاق القمر في عصره(!) فإلى رواية ذلك .
رواية الإمام الحليمي في رؤيته شق القمر في زمانه:
ذكر الشمس الصالحي الشامي في كتابه (سبيل الهدى والرشاد) (21) بعد كلام له حول معجزة شق القمر فقال: وذكر الإمام الحليمي أنّ القمر انشق في عصره، وأنّه شاهد الهلال في الليلة الثالثة منشقَّا نصفين، عرض كل واحد كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، ثم اتصل فصار في شكل أترجة إلى أن غاب .
ونحن ازاء هذه الرواية نحتاج إلى الوقوف على معرفة هذا الراوي الموصوف بالإمامة، فمن هو ؟ وما مدى صدقه ؟ حتى يمكن لنا تصديقه .
ولا شك أنّ خير سبيل إلى معرفته، قراءة ترجمته بأقلام غير أهل مذهبه ونحلته، وحسبنا ما قاله الحافظ الذهبي في تذكرته، فهو الناقد الخبير في الرجال، وأكتفي به في هذا المجال في الحال .
قال في تذكرة الحفاظ (22): الحليمي العلّامة البارع رئيس أهل الحديث بما وراء النهر، أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الشافعي، صاحب وجوه حسان في المذهب، وكان من أذكياء زمانه ومن فرسان النظر، له يد طولى في العلم والأدب، أخذ عن الأستاذ أبي بكر القفّال و… .
له تصانيف مفيدة، حدّث عنه أبو عبد الله الحاكم مع تقدمه ونبله و… وهو من فرسان هذا الشأن مع أنّ له فيه عملاً جيداً، يقع لي حديثه عالياً، توفي في ربيع الأول سنة ثلاث وأربع مائة… .
أقول: ثم ساق عنه حديثاً بإسناده إليه عالياً، فقال:
أخبرنا المسند الجليل شرف الدين أبو الفضل أحمد بن هبة الله بن تاج الأمناء سنة خمس وتسعين وست مائة بقراءة أبي الحجاج الحافظ عن عبد المعز ـ بن ـ محمد قال: أنا أبو القاسم المستملي، أنا أبو سعد أحمد بن عبد الرحمن النيسابوري، أنا الإمام أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي، أنا بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي، نا أحمد بن الحسين، نا مقاتل بن إبراهيم، نا نوح بن أبي مريم، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): لصاحب القرآن دعوة مستجابة عند ختمه.
ثم عقّب الذهبي بقوله: نوح الجامع مع جلالته في العلم ترك حديثه، وكذلك شيخه مع عبادته، فكم من إمام في فن مقصر عن غيره، كسيبويه مثلاً إمام في النحو ولا يدري ما الحديث، ووكيع إمام في الحديث ولا يعرف العربية، وكأبي نواس رأس في الشعر عَريّ من غيره، وعبد الرحمن بن مهدي إمام في الحديث لا يدري ما الطب قط، وكمحمد بن الحسن رأس في الفقه ولا يدري ما القراءات، وكحفص إمام في القراءة تالف في الحديث. وللحروب رجال يعرفون بها.
وفي الجملة: وما اؤتوا من العلم إلا قليلا، وأما اليوم فما بقي من العلوم القليلة إلا القليل في أناس قليل، ما أقلّ من يعمل منهم بذلك القليل، فحسبنا الله ونعم الوكيل .
أقول: لو نشر الذهبي اليوم قبل يوم النشور، فماذا كان يقول بعدما مرّ في السطور من نفثة الصدور، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون .
|
نعيبُ زماننا والعيبُ فينا |
ولو نطق الزمان إذاً هجانا |
ونعود إلى الإمام الحليمي في روايته ورؤيته فنقول: لقد ذكر له الأسنوي في طبقات الشافعية ترجمة، حكى فيها عن إمام الحرمين قوله في النهاية عن الحليمي: كان الحليمي عظيم القدر، لا يحيط بكنه علمه إلّا غوّاص ... .
وقال الأسنوي: ومن مصنّفاته (شعب الإيمان) كتاب جليل جمع أحكاماً كثيرةً، ومعاني غريبة، لم أظفر بكثير منها في غيره (23)، وترجمه ابن السبكي في طبقات الشافعية ترجمة مطوّلة، أورد فيها غرائب وعجائب من فتاوى الإمام الحليمي !؟ (24) فراجع .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - الرحمن: 33 .
2 - الذاريات : 47 .
3 - يس : 40 .
4 - التبيين لأسماء المدلّسين:7 ط حلب سنة 1350 هجـ .
5 - تحقيق الغاية بترتيب الرواة المترجم لهم في نصب الراية: 128 - 132 .
6 - راجع موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8 : 418 – 419 .
7 - تهذيب التهذيب 7 : 202 .
8 - قبول الأخبار ومعرفة الرجال 1: 258 – 259 ط دار الكتب العلمية بيروت .
9 - شرح المواقف في علم الكلام 3: 38 .
10 - تاريخ بغداد 13: 164 .
11 - تثبيت دلائل النبوة .
12 - معجم المؤلّفين 8: 7 – 9 ط الترقي بدمشق سنة 1378 هجـ .
13 - الأزمنة والأمكنة 1 :115 ط حيدر آباد سنة 1332 هجـ .
14 - سير أعلام النبلاء 10: 547 ط مؤسسة الرسالة سنة 1413هجـ بيروت .
15 - تاريخ الإسلام 16: 441 ط دار الكتاب العربي سنة 1407 هجـ .
16 - الفهرست: 214 ط رضا تجدد .
17 - اللباب في تهذيب الأنساب 3: 389 ط دار صادر .
18 - الأنعام: 66 .
19 - الشفاء 2: 289 ط دار الفكر بيروت سنة 1409 هجـ .
20 - شرح المواقف 8: 288 .
21 - سبيل الهدى والرشاد 9: 431 ط دار الكتب العلمية بيروت سنة 1414 هـ .
22 - تذكرة الحفاظ 3: 1030 ط الهند حيدر آباد .
23 - طبقات الشافعية 1: 404 تحقيق عبدالله الجبوري ط أوقاف بغداد .
24 - طبقات الشافعية 4: 333 – 343 تحقيق الحلو والطناجي، ط عيسى البابي الحلبي بمصر .