المحور الثالث : ماذا عند المتكلّمين ؟

لا أطيل التطواف مع مقالاتهم ولكل وجهة هو مولّيها، ولكني أكتفي بذكر نماذج من المعتزلة، وآخرين من الأشاعرة، ثم من الإمامية الاثني عشرية .

فمن المعتزلة نقرأ ما كتبه القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه تثبيت دلائل النبوة(1) قال: باب آخر: وهو ما كان بمكة من انشقاق القمر فإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) مرّ بمكة في ليلة قمراء ومعه نفر من أصحابه، فاجتاز بنفر من المشركين، فقالوا له: يا محمد إن كنت رسول الله كما تزعم فاسأل ربّك أن يشق هذا القمر، فسأل الله ذلك فشقـّه، فقال المشركون: ساحروا بصاحبكم من شئتم فقد سرى سحره من الأرض إلى السماء، فنزلت القصة في ذلك، وهذا من الآيات العظام والبراهين الكرام على صدقه ونبوته(صلى الله عليه وآله).

فإن قيل: ومن أين لكم أنّ القمر قد انشقّ له كما ادّعيتم ؟ أتعلمون ذلك ضرورة أم بدلالة ؟ أوليس النظّام (2) قد شك في هذا وقال: لو كان قد انشقّ لعلم بذلك أهل الغرب والشرق لمشاهدتهم له ؟ وهذا شيء سيكون عند قيام الساعة ومن أشراط القيامة، فبأيّ شيء تردّون قوله وتبيّنون غلطه إن كان قد غلط ؟

قيل له: ما نعلم ذلك ضرورة ولكن نعلمه بدلالة، فمن استدلّ عرف، ومن لم يستدلّ لم يعرف، ومن قصر عن الاستدلال والنظر غلط كما غلط إبراهيم النظّام .

فوجه الدلالة على ذلك أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد احتج بذلك على المسلمين والمشركين، وتلا هذا القول عليهم من سورة القمر: (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ) ولم يكن ليقدم ويحتج على العدو والوليّ بما لا حاجة فيه، ويشير إلى أمر ظاهر يُشار إليه ويشاهده الناس، فلو أراد أن يكذّب ويردّ قوله ما زاد على هذا، وهذا لا يقع من عاقل ولا يختاره محصّل كائناً مَن كان، فكيف يقع ممّن يدّعي النبوة والصدق، وهو أشد حرصاً بالناس كلهم على تصديقه واتباعه؟ فلو أراد أن يكذبوه ويردوا قوله ما زاد على هذا، وهذا لا يذهب على متأمّل .

فإن قيل: فما تنكرون على من قال: إنّه(صلى الله عليه وآله) ما احتج بهذا على نبوّته ؟ قيل له: لا فرق (بين) من ادّعى ذلك أو ادّعى في جميع ما أتى به من القرآن وغيره أنه ما احتج بشيء من ذلك على صدقه ونبوته .

وممّا يزيدك علماً بذلك، ويبيّن لك غلط النظّام وجهل كل من ذبّ عن ذلك قوله تبارك وتعالى: (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) فانظر كيف قال: اقتربت الساعة، وأخبر عن أمر قد كان ومضى، ثم قال على نسق الكلام: (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) فجاء بأمر قد كان وانقضى فنسق على الماضي بالماضي، ولو كان على ما ظنّ النظّام لقال: اقتربت الساعة وانشقاق القمر، أو كان يقول: وسينشقّ القمر، فلما لم يقل ذلك وقال: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، علمت أنّه أخبر عن شيئين واقعين قد وقعا وكانا وحصلا.

ثم قال على نسق الكلام: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) فأخبر أنّها آية مرئية وحجة ثابتة، ثم قال على نسق الكلام: (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ الأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) وهذا لا يقال فيما لم يقع ولم يكن، فتأمل هذا التقريع والتعنيف لتعلم أنّه أمر قد كان، ولا يسوغ أن يقال في أمر لم يكن ولم يقع هذا القول .

وأيضاً فإنّ ما يقع في القيامة وعند قيام الساعة لا يكون حجة على المكلّفين، ولا يعنّفون في ترك النظر والتأمّل له، فإنّ التكليف حينئذٍ زائل مرتفع.

فأما قول النظّام: فلِمَ لا يشاهد هذه الآية كل الناس، فليس هذا بلازم، لأنّ الناس لم يكونوا من هذا على ميعاد، وإنّما هو شيء حدث ليلاً وما كان عندهم خبر بأنّه سيحدث وسيكون في وقت كذا فينظرونه، وإذا كان كذلك فقد بطل ما قد ظنّه، يزيدك بياناً أنّ القمر قد ينكسف كله، فلا يرى ذلك من الناس إلّا الواحد بعد الواحد النفر اليسير لنومهم، فكيف بانشقاق القمر الّذي انشقّ ثم التأم من ساعته بعد أن رآه أولئك القوم الذين طلبوه.

وأيضاً فقد يجوز أن يحجبه الله (عز وجل) لمصالح العباد إلّا عن أولئك القوم، لأنّه قد يجوز أنّ في بعض البلاد من المكذّبين والمحتالين في تلك الساعة من لو رأى ذلك لقال: إنّما انشق شهادة لي على صدقي، ولا يكون ما ذكره النظّام قد جاء في ذلك من هذا الوجه أيضاً وبطل ما توهّمه .

ومدار الأمر أن يكون هذا أمراً قد كان، وقد ذكرنا الدلالة على كونه فلا عذر لمن شك فيه، ومن الدلالة أيضاً أنّ ذلك قد كان، انّ الصحابة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) قد تذاكروه، فما فيهم من شك ولا ارتاب ولا توقـّف، بل وقع إجماع منهم على كونه ووقوعه، فلا معتبر بمن جاء بعدهم ممّن خالفهم .

وقد ذكر انشقاق القمر علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وخطب الناس مدينة (3) بن مالك بالمدائن وذكر فيه انشقاق القمر، وكانوا يقولون: خمس قد مضين: الروم والقمر والدخان والبطشة واللزام (4) يتذاكرون هذا بينهم رحمة الله عليهم.

وقد ذكرنا ما في العقل من الحجة في ذلك، وهي تلزم كل عاقل بلغته الدعوة، سواء كان من المسلمين أو من غيرهم، وفي ذلك أتمّ كفاية، ثم ذكرنا تذاكر الصحابة بذلك وهي دلالة أُخرى إذ لا يجوز أن يقول عاقل بحضرة جماعة، وقد أقبل على من يحدّثه قد كنّا في وقت كذا حتى حدث كذا وكذا ـ وهو يستشهد بالذي حدث بحضرتهم ويدعي عليهم وما عندهم علم ـ فيمسكون عن تكذيبه والردّ عليه، ثم ذكرنا الإجماع السابق من الصحابة ليتأكد ذلك على كل من كان من أهل الصلاة (5) .

وقال أيضاً القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه تنزيه القرآن عن المطاعن (6):

مسألة: وربما قيل كيف يصح قوله: (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) ولو كان انشق القمر على الحقيقة لنقل ذلك نقلاً ظاهراً ... .

لكن الصحيح ما قاله مشايخنا من أنّه في أيام رسول الله (رضي الله عنه) انشق القمر وهو ظاهر القرآن، فإذا كان قد انشق بالمدينة أو بمكة وفي سائر الأماكن غيوم تحجب عن رؤية ذلك، وكان أهل ذلك البلد في غفلة عنه إلا طبقة مخصوصة، فليس من الواجب نقل ذلك بالتواتر، بل يجوز أن ينقله الآحاد، وقد نقل ابن مسعود وغيره هذا .

كما نقل ردّ الشمس في أيام الرسول (صلى الله عليه وآله) فلم يجب في نقله الظهور، لأنّ ذلك ظهر آخر النهار لقوم مخصوصين ... .

ومن الأشاعرة: أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي المتوفى سنة 429، قال في كتابه أُصول الدين(7): إنّ معجزات نبينا(صلى الله عليه وآله) في الأعداد كثيرة الأمداد... ومنها انشقاق القمر بدعوته، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ( اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ )، ولو لم يقع ذلك لقال له أعداؤه متى كان هذا ؟، وهذه معجزة سماوية، وكانت معجزات من قبله أرضية ... .

ومن الأشاعرة أيضاً العضد الآيجي المتوفى سنة 756 هـ قال في المواقف كما في شرحها للسيد الشريف الجرجاني المتوفى سنة 816(8) قال:

الكلام في سائر المعجزات أي ما سوى القرآن وهي أنواع: الأول: انشقاق القمر على ما دلّ عليه قوله تعالى: (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) . وهذا متواتر قد رواه جمع كثير من الصحابة كابن مسعود وغيره، قالوا: قد انشق القمر شقين متباعدين بحيث كان الجبل بينهما، وكان ذلك في مقام التحدّي فيكون معجزة .

وقال السيالكوتي في حاشيته على ذلك قوله: (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) روي أنّ الكفار سألوا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) آية فانشق القمر، وقيل معناه ينشق يوم القيامة، فعبّر عن المستقبل بالماضي لتحقّق وقوعه، ويؤيّد الأول أنّه قرئ: وقد انشق القمر، أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها انشقاق القمر .

وأيضاً منهم السيد الشريف الجرجاني المتوفى سنة 816 في كتابه شرح المواقف للقاضي العضد الآيجي ت 756 (9) قال: الكلام في سائر المعجزات أي سوى القرآن وهي أنواع: الأول: انشقاق القمر على ما دلّ عليه قوله تعالى: (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) وهذا متواتر قد رواه جمع كثير من الصحابة كابن مسعود وغيره قالوا: قد انشق القمر شقين متباعدين بحيث كان الجبل بينهما، وكان ذلك في مقام التحدي فيكون معجزة .

ومن الإمامية الاثني عشرية: العلّامة الحلي المتوفى سنة 762 هـ قال في كتابه كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد للمحقق الخواجة نصير الدين الطوسي (10) قال:

المسألة الرابعة: في الطريق إلى معرفة صدق النبي(صلى الله عليه وآله) (قال) المحقق: (وطريق معرفة صدقه ظهور المعجزة على يده، وهو ثبوت ما ليس بمعتاد أو نفي ما هو معتاد، مع خرق العادة ومطابقة الدعوى .

أقول: لما ذكر صفات النبي(صلى الله عليه وآله) وجب عليه ذكر بيان معرفته، وهو شيء واحد هو ظهور المعجزة على يده، ونعني بالمعجزة ثبوت ما ليس بمعتاد، أو نفي ما هو معتاد مع خرق العادة ومطابقة الدعوى، لأنّ الثبوت والنفي سواء في الإعجاز، فإنّه لا فرق بين قلب العصا حية، وبين منع القادر عن رفع أضعف الأشياء، وشرطنا خرق العادة، لأنّ فعل المعتاد أو نفيه لا يدلّ على الصدق.

وقلنا مع مطابقة الدعوى، لأنّ من يدّعي النبوة ويسند معجزته إلى ابراء الأعمى، فيحصل له الصمم مع عدم برء الأعمى لا يكون صادقاً ـ ثم ذكر شروط المعجزة وقد سبق منّا ذكرها نقلاً عنه في جواب (المسألة الأُولى) من الفصل الأول فراجع ـ إلى أن قال في شرح قول المحقق الطوسي: (وظهوره معجزة القرآن وغيره مع اقتران دعوة نبينا محمد(صلى الله عليه وآله) يدلّ على نبوته، والتحدّي مع الاقتناع وتوفـّر الدواعي يدلّ على الإعجاز، والمنقول معناه متواتر من المعجزات يعضده .

أقول: لما فرغ من البحث في النبوة مطلقاً، شرع في إثبات نبوة نبينا محمد عليه وآله الصلاة والسلام، والدليل عليه أنّه ظهرت المعجزة على يده وادّعى النبوة فيكون صادقاً، إما ظهور المعجزة على يده فلوجهين الأول: أنّ القرآن معجزة ... . الثاني: أنّه نقل عنه معجزات كثيرة كنبوع الماء من بين أصابعه(صلى الله عليه وآله) حتى اكتفى الخلق الكثير من الماء القليل بعد رجوعه من غزوة تبوك... وانشق له القمر... .

وقال السيد عميد الدين الحسيني العبيدلي ت 754 في اشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت (11): (وقد يستدلّ بغير ذلك) ـ أي بغير القرآن ـ (على نبوته (صلى الله عليه وآله) من ظهور الآيات كانشقاق القمر، ونبوع الماء من بين أصابعه، وتسبيح الحصى في كفـّه، وحنين الجذع، وغير ذلك من المعجزات المشهورة، فإنّها وإن كانت منقولة بالآحاد) إلّا أنّها لـمّا اشتركت في معنى واحد، وهو الإعجاز وخرق العادة صار المعنى المشترك متواترا ً.

إفحام الخصوم:

قال ابن التلمساني في شرح الشفا: ذكر بعضهم انّ الإمام العالم الأعرف أبا بكر بن الطيب، لما وجّهه صاحب الدولة سفيراً إلى ملك الروم ليظهر به رفعة الإسلام وبغض النصرانية، وجرت في تلك الوجهة القسطنطينية بينه وبين ملكها مع بطارقته ونبلاء ملته مناظرات ومحاورات . منها: أنّ الملك قال له: هذا الّذي تدّعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر كيف هو عندكم .

قال: هو صحيح عندنا انشق القمر على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتى رآه الناس، وإنّمـا رآه مـن الحضور من اتفق نظره إليه في تلك الحال .

فقال الملك: كيف لم يره جميع الناس ؟

قال: الناس لم يكونوا على أهبة ووعد لحضوره .

قال: وهذا القمر بينكم وبينه قرابة، لأي شيء لم يعرفه الروم وغيرهم من سائر الناس، وإنمّا رأيتموه أنتم خاصة ؟

قال: فهذه المائدة بينكم وبينها نسب، وأنتم رأيتموها دون اليهود والمجوس والبراهمة وأهل الإلحاد، واليونان جيرانكم، فإنّهم كلهم منكرون لهذا الشأن ؟

فتحيّر الملك وقال في كلامه سبحان الله، وأمر بإحضار فلان القسّيس ليكلّمني وقال: نحن لا نطيقه فلم أشعر إذ جاؤوا بالرجل كالدبّ أشقر الشعر فقعد، وحُكيت له المسألة، فقال: الّذي قال المسلم لازم، لا أعرف له جواباً إلّا ما ذكره .

فقلت له: إنّ الكسوف إذا كان، يراه جميع أهل الأرض؟ أم يراه أهل الأقليم الّذي في محاذاته؟

فقال: لا يراه إلّا من كان في محاذاته .

قلت: فما أنكرت من انشقاق القمر كذلك إذا كان في ناحية لا يراه إلّا أهل تلك الناحية ومن تأهّب للنظر، وأما من أعرض أو كان في الأمكنة التي لا يُرى القمر فيها فلا يراه .

فقال: هو كما قلت، لا يدفعك عنه دافع، وإنّما الكلام في الرواة الذين نقلوا.

قلت: فأما الطعن في هذا فليس بصحيح .

فقال الملك: وكيف يطعن في النقلة ؟

فقال النصراني: شبه هذا من الآيات إذا صحّ وجب أن ينقله الجمّ الغفير حتى يتصل بنا العلم به، ولو كان كذلك لوقع لنا العلم الضروري به، فلما لم يقع دلّ على أنّه أكبر مفتعل باطل.

فالتفت الملك إليَّ وقال: الجواب ؟

فقلت: يلزمه في نزول الملائكة بالمائدة ما لزمني في انشقاق القمر، ويقال له: لو كان نزول المائدة صحيحاً لوجب أن ينقله العدد الكثير، فلا يبقى يهودي ولا نصراني إلا ويعلم هذا بالضرورة، ولما لم يعلموا ذلك بالضرورة دلّ أنّ الخبر كذب .

فبهت النصراني والملك ومن ضمّه المجلس، وانفصل الوطن على هذا (12) .

المحور الرابع: مع المؤرّخين:

إنّ البحث عمّا عند المؤرّخين لابدّ أن يكون عند الذين كتبوا في السيرة النبوية صلى الله تعالى وسلم على صاحبها وآله آلاف التحية، ولما كانت معجزاته كثيرة ولا يمكن حصرها كما قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات(13) .

b وأما المعجزات غيره ـ يعني القرآن ـ فلا يمكن حصرها أبداً، لأنّها كثيرة جداً ومتجددة متزايدة، ولكن أذكر منها أمثلة كانشقاق القمر... v .

ولما كان كلامنا في خصوص انشقاق القمر، فنذكر بعض ما قيل في ذلك عند المؤرّخين، ولما كان منهم من كان مجمع عدة عناوين فهو مؤرخ سيرة، وهو مفسّر، وهو محدّث كابن كثير مثلاً، فقد ذكر انشقاق القمر في جملة من كتبه، ففي تفسيره سورة القمر، وقد أطال الكلام واختصره في سيرته كما يلي، ونحن عنه أيضاً باختصار نكتفي به:

1- ذكر ابن كثير في سيرته (14)وعقد فصلاً قال فيه: فصل في انشقاق القمر في زمان النبي(صلى الله عليه وآله)، وجعل الله له آية على صدق رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيما جاء به من الهدى ودين الحق، حيث كان ذلك وقت اشارته الكريمة، قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ).

وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه عليه الصلاة والسلام، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعدّدة تفيد القطع عند من أحاط بها ونظر فيها، ونحن نذكر من ذلك ما تيسّر إن شاء وبه الثقة وعليه التكلان، وقد تقصّينا ذلك في كتابنا التفسير، فذكرنا الطرق والألفاظ محرّرة، ونحن نشير هاهنا إلى أطراف من طرقها، ونعزوها إلى الكتب المشهورة بحول الله وقوته، وذلك مروي عن أنس بن مالك، وجبير بن مطعم، وحذيفة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود (رضي الله عنهم أجمعين).

ثم ذكر أحاديث الصحابة ومخرّجها إلى أن قال في ص121: والقمر حين انشق لم يزايل السماء، غير أنّه حين أشار إليه النبي (صلى الله عليه وآله) انشق عن اشارته فصار فرقتين، فسارت واحدة حتى صارت من وراء حراء، ونظروا إلى الجبل بين هذه وهذه، كما أخبر بذلك ابن مسعود أنّه شاهد ذلك .

وقال في تحفة الطالب(15): اما انشقاقه من حيث الجملة فمعلوم بالتواتر، قال الله سبحانه وتعالى(16):( اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) وأما اختصاصه بزمان رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فقد جاء فيه أحاديث متعددة في الصحيحين من حديث ابن مسعود وابن عباس... .

2- وقال القاضي عياض في الشفا بعد ما ذكر أنّ كثيراً من الآيات المأثورة عنه (صلى الله عليه وآله) معلومة بالقطع ما نصه: أما انشقاق القمر فالقرآن نصّ بوقوعه وأخبر بوجوده، ولا يعدل عن ظاهر إلا بدليل، وجاء برفع احتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة، فلا يوهن عزمنا خلاف أخرق منحل عرى الدين، ولا يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك في قلوب الضعفاء المؤمنين، بل نرغم بهذا أنفه، وننبذ بالعراء سخفه .

3- ومنهم ـ مجمع العناوين ـ ابن الجوزي فقد قال في زاد المسير في تفسير السورة: وهي مكية بإجماعهم ... قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: إن كنت صادقاً فشقّ لنا القمر فرقتين، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن فعلت تؤمنون؟ قالوا: نعم، فسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ربّه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين ورسول الله (صلى الله عليه وآله) ينادي (يا فلان يا فلان اشهدوا) وذلك بمكة قبل الهجرة.

وقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) شقين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (اشهدوا).

وقد روى حديث الإنشقاق جماعة، منهم عبد الله بن عمر، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعلى هذا جميع المفسّرين، إلّا أن قوماً شذّوا فقالوا: سينشق يوم القيامة، وقد روى عثمان بن عطاء عن أبيه نحو ذلك . وهذا القول الشاذ لا يقاوم الإجماع، ولأنّ قوله (انشق) لفظ ماض، وحمل لفظ الماضي على المستقبل يفتقر إلى قرينة تنقله ودليل، وليس ذلك موجوداً، وفي قوله: ( وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ) دليل على أنّه قد كان ذلك ... .

وقال ابن زيد: لما انشق القمر كان يرى نصفه على قيقعان، والنصف الآخر على أبي قبيس، قال ابن مسعود: لما انشقّ القمر قالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة فاسألوا السُفـّار، فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله (عز وجل): (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) قوله تعالى: ( وَإِنْ يَرَوْا آيَةً ) أيّ آية تدلّهم على صدق الرسول، والمراد بها هاهنا: انشقاق القمر، ويعرضوا عن التصديق ( وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ )... .

4- وقال ابن عبد البر: روى حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجمّ الغفير إلى أن انتهى إلينا، وتأيد بالآية الكريمة .

وقال المناوي في شرحه لألفية السير للعراقي: تواترت بانشقاق القمر الأحاديث الحسان، كما حققه التاج السبكي وغيره، وفي نظم السيرة لأبي الفضل العراقي بانشقاق القمر الأحاديث الحسان، كما حققه التاج السبكي وغيره .

5- وقال برهان الدين الحلبي(17): وممّا سألوه (صلى الله عليه وآله) من الآيات غير المعيّنات على ما رواه الشيخان، أو معيّنة كما في رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وسيأتي ما يُعلم منه أنّهم سألوه(صلى الله عليه وآله) أو لا آية غير معيّنة ثم عيّنوها فلا مخالفة، ثم ساق رواية ابن عباس التي ذكر فيها أسماء الذين طلبوا الآية، ودعاء الرسول (صلى الله عليه وآله) ربّه انشقاق القمر، فاستجاب له ربّه فانشق القمر فرقتين نصفاً على أبي قيس ونصفاً على قيقعان... .

وقال في ص306 فجاء السُفار وقد قدموا من كل وجه فأخبروهم أنّهم رأوه منشقاً، فعند ذلك قالوا هذا سحر مستمر، أي مطرّد ... فأنزل الله تعالى: (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)... وهذا الكلام كما لا يخفى يدلّ على أنّه لم يختصّ برؤية القمر منشقاً أهل مكة، بل جميع أهل الآفاق، وبه يردّ قول بعض الملاحدة: لو وقع انشقاق القمر لاشترك أهل الأرض كلهم في معرفته ولم يختص بها أهل مكة .

ولا يحسن الجواب عنه بأنّه طلبه جماعة خاصة فاختصت رؤيته بمن اقترح وقوعه، ولا بأنّه قد يكون القمر حينئذٍ في بعض المنازل التي تظهر لبعض الآفاق دون بعض، ولا يقول بعضهم أنّ انشقاق القمر آية ليلية جرى مع طائفة في جنح ليلة ومعظم الناس ينام، وفي فتح الباري: حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلاً مستفيضاً يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث، ثم ذكر في ص307 خبر رتن الهندي نقلاً عن الإصابة، ثم عقب عليه بتكذيب السيوطي له .

وقال البرهان الحلبي أيضاً : وفي السنة التاسعة من النبوة كان انشقاق القمر له(صلى الله عليه وآله)(18).

وأخيراً نختم الكلام عمّا ذكره بعض المؤرخين بما قاله الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي المتوفى سنة 942 في كتابه سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد(19).

في سؤال قريش ـ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ أن يُريَهُم آيةٌ فأراهم آية انشقاق القمر:

قال الله ـ عز وجل ـ: ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ )(20) أي وقَع انشقاقـُه ويؤيّده قول الله ـ عز وجل ـ بعد ذلك بآية: ( يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ )(21)؛ فإنّ ذلك ظاهر في أنّ المراد وقوعُ انشقاقه ؛ لأَنَّ الكفّار لا يقـُولون ذلك يَوْم القيامة، وإذا تبيَّن أَنَّ قـَوْلـَهُم ذلك إنَّما هو في الدُّنيا يتبيَّن وقوع الإنشقاق، وأنّه المراد بالآية التي زعموا أنَّها سِحْرٌ .

وفي صحيح البَخاريِّ عَنْ عَبْد الله بن مَسْعُود، وكان يقول: خمْسٌ قد مضين: الروم، واللزوم، والبطشة، والدُّخَان، والقـَمر، وقد وَرَدتْ قِصَّةُ انشقاق القمر من حديث ابن مسعود، رواه الإمام أحمد، والشيخان، والبيهقي، وأبو نُعيم من طرق عن ابن عُمَر، ورواه الشيخان والبيهقي عن جُبَيْر بن مُطـْعم، ورواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والحاكم والبيهقي عن حذيفة بن اليمان، ورواه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم ببعض هذه القصة عن ابن عباس، ورواه الإمام أحمد والشيخان وابن جرير وأبو نعيم من طرق عن أنس بن مالك، ورواه الإمام أحمد والشيخان وأبو نعيم من طرق متقاربة المعنى أدخلت بعضها في بعض عن أهل مكة.

قال ابن عباس ـ كما عنـْد أبي نُعيم ـ : اجتمع المشركون على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله) منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاصي ابن وائل والأسْود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب والنضر بن الحرث ونظراؤهم، فسألوا رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن يُرِيَهُمْ آيَةٌ، وقَالـُوا: إنْ كُنْت صَادِقاً فـَشَقَّ لـَنَا القـَمر فرْقـَتـَين نِصْفاً على أبي قـُبَيْس ونصْفاً على قعيقعان وفي لفظ: حتى رَاوَحوا من بينهما قـَدْرَ ما بين العَصْر إلى اللَّيْل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (اشْهَدُوا)، فنظر الكُفـَّار ثم مالوا بأبْصارهم فمسحوها ثم أعَادوا النـَّظر فنظروا ثم مَسَحوا أعْيُنهم ثم نَظـَروا فقالوا: سَحَر محمدٌ أعيننا، فقال بعضُهم لبَعْضِ: لـَئن كان سَحَرَنا فإنّه لا يستطيع أَنْ يَسْحَرَ النـَّاس كُلـَّهم، فانظروا إلى السُّفـَّار، فإنْ أخبروكم أَنـَّهم رأَوْا مثـْل ما رأيتم فقد صَدَق، فكانوا يَلـْتَقـُون الرَّكْب فيخبرونهم أَنَّهم رَأَوْا مثـْل ما رأَوْا فيكذبونـَهم، فَأَنـْزَلَ الله(عز وجل): ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ).

تنبيهات:

الأول: لم ينشقَّ القمر لأَحَدٍ غير نبيَّنا (صلى الله عليه وآله).

الثاني: وقع في بعض الروايات عن أنس: فأراهم انشقاق القمر بمكة مَرَّتـَيْن رواه الإمام أحمد ومسلم .

قال الحافظ ابن كثير: في ذلك نـَظـَرٌ، والظَّاهِرُ أَنَّه أراد فرقتين، وتكلّم ابن القيم على هذه الرُّوَاية فقال: المرات يراد بها الأفعال تارةٌ والأَعيان أُخْرى، والأَوَّل أَكْثر ومن الثـَّاني (انـْشَقَّ القـَمَرُ مَرَّتـَيْن) أي شقـَّتين وفِرْقـَتـَيْن، وقد خَفِيَ على بعْض النَّاس فادَّعَى أَنَّ انشِقاق القمر وقع مَرَّتـَيْن، وهذا مما يَعْلـَمُ أهْلُ الحديث والسَّير أنّه غَلـَطٌ، لأَنّه لم يقعْ إلاَّ مَرَّةً واحدةً.

وقال البيهقي: قدْ حفظ ثلاثة مِنْ أصْحاب قتادة : وهم سعيد بن أبي عَرُوبَة، ومعمر بـن راشد، وشعبـة، لكـن اختـلـف عن كُلَّ مِنْهُم في هذه اللـَّفـْظَةِ، ولم يختلف على شعبة وهو أحفظهم، ولم يقعْ في شيء منْ طُرُق حديث ابن مسعود بلفظ مرتين، إنَّما فيه (فِرْقتين أو فـَلـْقـَتـَيْن) بالراء أو اللام، وكذا في حديث ابن عمر )فـَلـْقـَتـَيْن) وفي حديث جُبَيْر بن مُطـْعم )فِرْقـَتـَيْن) وفي لفظ عَنْهُ (فانشقَّ باثـْنـَتـَيْن) وفي رواية عن ابن عبَّاس عند أبي نُعَيْم في الدَّلاَئل (فـَصَارَ قـَمَرَيْن) وفي لفظ: (شَقـَّتـَيْن) وعنْد الطبراني من حديثه (حتـَّى رَأَوْا شَقـَّيْن) قال: ووقع في النـَّظْم لشيخنا الحافظ أبي الفضل: وانْشَقَّ مرَّتـَيْن بالإِجْمَاع.

ولا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الإنشقاق في زمنه (صلى الله عليه وآله)، ولم يتعرّض لذلك أحد من شُرّاح الصحيحين، ثم ذكر كلام ابن القيم وابن كثير قال: وهذا لا يتجه غيره جمعاً بين الروايات، قال: ثم راجعت نظم شيخنا فوجدته يحتمل التأويل المذكور ولفظه:

فـَصَارَ فرقتين فرقة علت

 

وفرقة للطود منـهُ نـزلـت

وذاك مرّتـيـن بـالإجمــاع

 

والنص والتواتر السَّمــاع

فجمع بين قوله: (فرقتين) وبين قوله: (مرتين) فيمكن أن يتعلّق قوله بالإجماع باصل الإنشقاق لا بالتعدّد، ووقع في بعض الروايات عن ابن مسعود: (وانشَقَّ القـَمَر ونحن مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنى جزأين) وهذا لا يعارض قول أنس أنَّه كان بمكة، لأنَّه لم يصرّح بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان ليلته بمكة، وعلى تقدير تصريحه فمنى من جملة مكة فلا تعارض، وقد وقع عند الطبراني من طريق زر بن حبيش عن ابن مسعود قال: (فرأيته فرقتين) .

قال الحافظ: وإنّما قال انشق القمر بمكة يعني أنّ الإنشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، وقول ابن مسعود):انشق القمر نصفاً على جبل أبي قبيس ونصفاً على قعيقعان) .

قال الحافظ: وهو محمول على ما ذكرت، وكذا ما وقع في غير هذه الرُّواية، ومثله روايته عن عبد الله بن مسعود، وقد وقع عنْد ابن مردويه بَيَان المراد، فأخرجَ من وجه آخر عن ابن مسعود وقال: (انشقَّ القمر على عَهْد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ونحن بمكة قبل أن نصير إلى المدينة) فوضح أنَّ مُرَاده بذكر مكة الإشارة إلى أنّ ذلك وقع قبل الهجرة، وتحرّر أنّ ذلك وقع وهم ليلتئذٍ بمنى .

وقال في موضع آخر في الكلام على الجمع بين روايتي ابن مسعود والجمع بين قول ابن مسعود تارة بمنى وتارة بمكة إمَّا باعتبار التعدد إن ثبت، وإمّا بالحمل على أنّه كان بمنى، ومن قال كان بمكة لا ينافيه لأنّ من كان بمنى كان بمكة من غير عكس، ويؤيّده أنّ الرواية التي فيها بمنى قال فيها: (ونحن بمنى)، والرواية التي فيها (مكة) لم يقل فيها ونحن وإنّما قال: (انشق بمكة( يعني أنّ الإنشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة.

وقول ابن مسعود (رض) : انشق القمر نصفين نصف على أبي قبيس ونصف على قعيقعان وأنّ لفظ (السويداء) قال الحافظ: كان ليلتئذٍ بمكة، وعلى تقدير تصريحه فمنى من جملة مكة فلا تعارض.

وقد وقع عند الطبراني من طريق زرّ بن حبيش عن ابن مسعود قال: (انشق القمر بمكة فرأيته فرقتين)، وفي لفظ (السويداء) قال الحافظ: يحتمل أن يكون رآه كذلك وهو بمنى كأن يكون على جبل مرتفع بحيث رأى طرف جبل أبي قبيس، قال: ويحتمل أن يكون القمر استمر منشقاً حتى رجع ابن مسعود من منى إلى مكة فرآه كذلك وفيه بُعْد، والذي يقتضيه غالب الروايات أنَّ الإنشقاق كان قرب غروبه، يؤيّد ذلك إسنادهم الرواية إلى جهة الجبل.

ثم قال الحافظ: ويحتمل أن يكون الإنشقاق وقع أول طلوعه، فإنّ في بعض الروايات أنَّ ذلك كان ليلة البدر، أو التعبير بأبي قبيس من تعبير الرواة ؛ لأنّ الفرض ثبوت رؤيته منشقاً إحدى الشقتين على جبل والأخرى على جبل آخر، ولا يغير ذلك قول الراوي الآخر: (رأيْتُ الجبل بينهما ) أي بين الفرقتين؛ لأنّه إذا ذهبت فرقة عن يمين الجبل وفرقة عن يساره مثلاً صدق أنّ بينهما أي جبل آخر كان من جهة يمينه أو يساره صدق أنّها عليه أيضاً .

قال: وقد أنكر جمهور الفلاسفة انشقاق القمر متمسّكين أنّ الآيات العلوية لا يتهيأ فيها الإنخراق والإلتئام، وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء، إلى غير ذلك من إنكارهم ما يكون يوم القيامة من تكوير الشمس وغير ذلك.

وجواب هؤلاء: إنْ كانوا كفّاراً أن يناظروا أولاً على ثبوت دين الإسلام، ثم يشركوا مع غيرهم ممّن أنكر ذلك من المسلمين، ومتى سلم المسلم بعض ذلك دون بعض ألزم التناقض، ولا سبيل إلى انكار ما ثبت في القرآن من الإنخراق والإلتئام في القيامة، فسيتلزم جواز وقوع ذلك معجزة للنبي(صلى الله عليه وآله).

فقد أجاب القدماء عن ذلك، فقال أبو اسحاق الزجاج في المعاني: انكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر ولا إنكار للعقل فيه؛ لأنّ القمر مخلوق لله يفعل فيه ما يشاء كما يكوّره يوم البعث ويفنيه، وأما قول بعضهم: لو وقع لجاء متواتراً، واشترك أهل الأرض في معرفته، ولما اختص بها أهل مكة فصوابه أنّ ذلك وقع ليلاً وأكثر الناس نيام وقل من يرصد السماء إلّا النادر، وقد يقع بالمشاهدة في العادة أي ينكشف القمر وتبدو الكواكب العظام وغير ذلك في الليل ولا يشاهدها إلّا الآحاد، فكذلك الإنشقاق كان آية وقعت في الليل لقوم سألوا واقترحوا فلم يتأهب غيرهم لها .

قال:ذهب بعض أهل العلم من القدماء إلى أنَّ المراد بقوله تعالى: (وَانشَقَّ الْقَمَرُ) أي سينشق.

كما قال تعالى: ( أَتَى أَمْرُ اللهِ) (22) أي سيأتي، والنكتة في ذلك إرادة المبالغة في تحقق وقوع ذلك فنزل منزلة الواقع والـّذي ذهب إليه الجمهور أصح، كما جزم به ابن مسعود وحذيفة وغيرهما، ويؤيّده قوله تعالى بعد ذلك: ( وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ )(23) كما تقدّم تقريره في أول الباب .

وذكر الإمام الحليمي أنَّ القمر انـْشَقَّ في عَصْرِه، وأَنـَّه شاهد الهلال في الليلة الثالثة منشقاً نصفين، عرض كل واحد كعرض القمر ليلة أربع أو خمس، ثم اتـَّصَل فصار في شكل أُترجة إلى أن غاب .

أقول: وبعد جميع ما مرّ من كلام علماء المسلمين من مفسّرين ومحدّثين، ومتكلّمين ومؤرّخين، هل يبقى شك في صحة ما رووا ورأوا من وقوع آية انشقاق القمر ؟ ثم انّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يقرأ بسورة القمر في الجمع والأعياد في المجامع العامة، فيسمعها المؤمن والمنافق ومن في قلبه مرض، ولو لم يكن تحقـّق وقوع ذلك الإنشقاق لما كان يقرأ السورة، وهو (صلى الله عليه وآله) إنّما جاء برسالته لحرصه على هداية الناس في تصديقهم له، فلا يعقل أن يقرأ لهم ما يعلمون كذبه فيه، فينفـّرهم عنه، ثم انّ المؤمنين برسالته كانوا يسألونه عن أدنى شبهة، وفي القرآن المجيد وردت الآيات في مثل ذلك كثيرة تحكي طبيعة ما كان يسألونه عنه، فقد وردت ( يَسْأَلُونَكَ ) في خمسة عشر موضعاً .

فكيف يقرأ عليهم دائماً ما فيه الخبر بانشقاق القمر، ولا يسأله عن ذلك مؤمن ولا كافر ولا منافق، وقد ندّد القرآن بهم حين استنكروا ما جاء في القرآن عن عيسى بن مريم(صلى الله عليه وآله)فقال تعالى: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)(24).

فلو لم يكن انشقاق القمر معلوماً ومعروفاً عندهم لعظم في إنكاره القيل والقال، وكثر الإعتراض السؤال، وصار في ذلك من المراء والجدال، ما لا يخفى على أدنى الرجال، ولم يذكر في ذلك شيء، بل كان السامعون يسمعون ولا ينكرون، فعُلِم أنّ انشقاق القمر كان معلوماً عند الناس عامة، فلم ينكروا وقوعه على نحو تصديقهم لما ورد في باقي آيات السورة من حكاية آيات النبوة للأنبياء السابقين وتكذيب أممهم فقال تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ).

ثم أخبر تعالى أنّه أبقى السفن آية على قدرة الرب، وعلى ما جرى لنوح مع قومه ثم قال: ( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ) لمن كذّب، وكذلك ذكر قصة عاد وثمود ولوط وغيرهم، وهو تعالى يقول عقب كل قصة: ( فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ).

وهو تهديد وتوعيد لكل من كذّب الرسل، فتبيّن بذلك صدق ما أخبر به الرسل من الإنذار، وذكر قصة آل فرعون في السورة من الآية 41 حتى الآية 45 وما جرى لهم وحلّ بهم، فهل يعقل مع ذلك البيان الوافي الشافي عن حال الأنبياء السابقين في آياتهم مع أممهم، أن تكون آية انشقاق القمر غير حادثة، ثم يقرأها رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أمته في الجمعة والأعياد، وهم لا يعترضون ولا يسألون عنها ؟ إنّه كلامٌ هراء والتصديق به غباء .

في تقنيات العلم الحديث نفع وضرر، فالحذر الحذر من أوزار الضرر:

إنّ التقنيات الحديثة في موضوع الشبكات الفضائية والانترنيت ووسائل الاتصال، والأقمار الصناعية، هي على ما فيها من معلومات قيّمة علمية، فكرية وحضارية، فهي أيضاً لا تخلو أحياناً من أضرار تودّي بعقيدة الساذج إلى البلبلة والضياع، وقد تبلغ به الحال إلى مرحلة الشك، وشبكات الانترنيت وغيرها سلاح ذو حدّين، بوسع الإنسان أن يستعمله في الأغراض المحلّلة فينتفع به، وإن هو أساء استعماله فيما يأثم به فعليه وزره وساء عملاً .

ولما كانت معجزة انشقاق القمر التي عقدنا لها الباب وذكرنا ما أحسب فيه الكفاية لمن ألقى السمع وهو شهيد، فقد آمن بها المؤمنون منذ يوم حدوثها وحتى اليوم الحاضر، غير أنّ أصحاب الإيمان المستودع الذين يميلون مع كل ريح، وينعقون مع كل ناعق، استغواهم ما نشر على صفحة الانترنيت بعنوان (دراسة عقلانية موضوعية لخرافة انشقاق القمر) كما ستأتي الصورة بحذافيرها لغرض الردّ عليها في تذييل الخاتمة، أما الآن فإلى الخاتمة لنقرأ فيها ماذا عن تلك المعجزة في العلم الحديث ؟

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 - تثبيت دلائل النبوة: 55 تحـ الدكتور عبد الكريم عثمان ط دار العربية بيروت سنة 1386 هـ .

2 - هو إبراهيم بن سيّار النظّام أحد شيوخ المعتزلة المشهورين، انفرد بآراء خاصة وله أتباع عرفوا بالفرقة النظامية توفي سنة 232 .

3 - هكذا المطبوع في المصدر، ولم ينبه المحقق على الوهم في ذلك والصواب هو حذيفة بن اليمان وهو الّذي كان يقرأ في المدائن (اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ) .

4 - يقصد بالروم غلبة الفرس على الروم، وما تنبأ به القرآن من غلبة الروم بعد ذلك في سورة الروم، وبالقمر حادثة انشقاق القمر الّذي ورد في القرآن في سورة القمر .

وبالدخان فما ورد حوله في سورة الدخان .

وبالبطشة فيقصد بها وقعة بدر لقوله تعالى: ( يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى ) .

وباللزام: فقد قيل أن المقصود بها وقعة بدر أيضاً كما ذكر ذلك ابن الأثير في النهاية 4: 56 .

5 - تثبيت دلائل النبوة: 55 – 59 .

6 - تنزيه القرآن عن المطاعن: 336 ط الجمالية بمصر سنة 1329 هـ .

7 - أُصول الدين: 182 ط استانبول سنة 1346 هـ .

8 - شرح المواقف 8: 280 – 281 ط افست دار الكتب العلمية بيروت.

9 - شرح المواقف 8: 280 ط دار الكتب العلمية بيروت.

10 - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: 221 – 222 مط الحكمة بقم.

11 - اشراق اللاهوت في نقد شرح الياقوت: 439 ط ايران.

12 - التراتيب الإدارية للكتاني 1: 188 – 190 ط افست دار احياء التراث العربي بيروت .

13 - تهذيب الأسماء واللغات 1: 58.

14 - السيرة النبوية 2: 112 ط القاهرة سنة 1384 هـ .

15 - تحفة الطالب 1: 178 ط مكة المكرمة سنة 1406 تحـ الكبيسي.

16 - زاد المسير 7: 290.

17 - السيرة الحلبية 1:305 ط البهية بمصر سنة 1320 هـ .

18 - السيرة الحلبية 3: 367.

19 - سبل الهدى والرشاد 9: 430 – 433 ط 1 دار الكتب العلمية بيروت.

20 - القمر: 1.

21 - القمر:2.

22 - النحل: 1.

23 - القمر: 2.

24 - الزخرف: 57 - 58.