بيان الخلل في قصة يا سارية الجبل:

لقد مرّت بنا صور لروايات القصة، وهي صور متهاوية سنداً، ومتنافية دلالة ومع ذلك قال عنها ابن كثير: فهذه طرق يشدّ بعضها بعضاً، فلا مناص لنا من بيان ما قلناه من تهاوي إسنادها، وتنافي متونها لنثبت للقارئ أنّ الهوى هو مصدر التعريف والتنكير عند ابن كثير، والآن نستعرض الصور كما رواها ابن كثير من ناحيتين:

الأُولى من ناحية السند فنقول: ذكر ابن كثير في البداية ثلاثة أخبار على النحو التالي:

الخبر الأول (ذكر سيف عن مشايخه)؟ فمن هم أولئك المشايخ الذين هم في بطون الأرحام، فلم يفصح بأسمائهم لنتعرّف أخبارهم في تراجم الأعلام .

الخبر الثاني: (ذكر سيف في رواية أخرى عن شيوخه)؟ وهذا كسابقه في جهالة الشيوخ .

الخبر الثالث: (ثم رواه سيف عن مجالد عن الشعبي بنحو هذا) فهذا الخبر سمى سيف شيخه مجالد، وهو عن الشعبي، فلنقرأ بعض ما قيل عنهم ممّا يكفي في تعريفهم، ومن ثمّ نتبيّن كيف استحوذ الهوى المردي على ابن كثير فروى عنهم:

1- فمن هو سيف ؟ هو سيف بن عمر، وما أدراكم من هو ذلك السيف الكهام الّذي شهره ابن كثير في المقام، قال عنه ابن حجر(1): وضّاع ليس بشيء، عامة حديثه منكر، اتهم بالزندقة .

وقال ابن عدي(2) بعد أن ذكر عنه بعض الأحاديث المنكرة: ولسيف بن عمر أحاديث غير ما ذكرت، وبعض أحاديثه مشهورة، وعامتها منكرة لم يتابع عليها، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق .

وفي رأي ابن حبان متروك بالاتفاق ومتهم بالزندقة، وسئل يحيى بن معين عنه فقال: فليس خيراً منه، يعني لا يأتي خيراً منه، فلا خير فيه، وذكره العقيلي في كتابه الضعفاء الكبير(3).

2- مجالد، قال ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب: ابن سعيد بن عمير بن بسطام... الهمداني روى عن الشعبي... قال البخاري كان يحيى بن سعيد يضعّفه، وكان ابن مهدي لا يروي عنه، وكان أحمد لا يراه شيئاً، وقال عمرو بن علي: سمعت يحيى بن سعيد يقول لبعض أصحابه: أين تذهب؟ قال: إلى وهب بن جرير أكتب السيرة عن أبيه عن مجالد، قال: تكتب كذباً كثيراً، لو شئت أن يجعلها إلى مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فعل... وعن ابن معين: لا يحتج بحديثه... وقال ابن حبّان: لا يجوز الإحتجاج به .

3- الشعبي، وما أدراكم من هو الشعبي ؟ هو عامر بن شراحيل... .

أما عن ما هويته فهو مؤدّب ولد عبد الملك بن مروان، وهو قاضيه في الكوفة أيام الحجاج ومن بعده، وكان جائراً في قضائه، وقد ذكرت له قضايا مجون تكفي في سقوطه، ذكره وكيع(4) وذكر مجيء الأحنف إليه فقال له: فاقض بينهما بما أراك الله، قال: لست برأي ربي أقضي، إنّما أقضي برأيي، كما ذكر الشعر الّذي شاع وذاع في الأصقاع حتى بلغ عبد الملك، وذلك في خصومة بين زوجين فتخاوصت له الزوجة ففتن بها وقضى لها، فقال الزوج عدّة أبيات أولها:

فتن الشعبي لمّا

 

رفع الطرف إليها

ومن مجونه حضر وليمة فرأى أهلها سكوتاً، فقال: مالي أراكم كأنّكم في جنازة؟ أين الغناء؟ وأين الدفّ؟(5) وفوق ذلك كان ناصبياً معلناً بنصبه، حتى كان يحلف بالله: لقد دخل علي حفرته وما حفظ القرآن .

قال الصاحبي في فقه اللغة: وهذا كلام شنيع جداً فيمن يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني فما من آية إلاّ أعلم بليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل .

وكان كذّاباً لا يستحي من كذبه مضافاً إلى نُصبه حين قال: (لم يشهد الجمل من الصحابة إلا أربعة، فإن جاؤوا بخامس فأنا كذّاب، علي وعمار وطلحة والزبير) راجع بشأن هذا ما كتبته في كتابي علي إمام البررة(6) ستجد أنّ الذين شهدوا الحرب مع الإمام(صلى الله عليه وآله) من المهاجرين والأنصار أربعمائة صحابياً منهم سبعون بدريّاً، وأما من كان مع طلحة والزبير سوى عائشة فقد قتل 14 رجلاً معدودين من الصحابة، فعلى هذا ثبت أنّ الشعبي من الكذّابين، فلا يجوز الأخذ بأخباره فضلاً عن أحاديثه.

لكن أتباع الأمويين من الشاميين اللاحقين كالسابقين رفعوا بضبعه، وأشادوا بذكره، مع أنّهم ذكروا فيه ما تقدّم وغيره، حتى حكوا عن إبراهيم النخعي قوله فيه: ذاك الكذّاب لم يسمع من مسروق شيئاً... .

فهذه هويّة الثلاثة الذين وردت أسماؤهم في رواية قصة سارية الجبل، فذكرها ابن كثير ولم يعقّب عليهم بشيء، ولنطوي صفحة هؤلاء الكذابين، وهم سلسلة الكذب الذين افتتح بهم ابن كثير حديثه عن (فتح فساو دارأبجرد وقصة سارية بن زنيم) .

وسنأتي في الناحية الثانية على ما في أخبارهم من تناقض عجيب وغريب، ولننظر الآن بقية الرجال الذين رووا قصة (يا سارية الجبل) وهم مجموعة ليسوا بدون من تقدّم في سوق الإعتبار، فلنقرأ عنهم ما قال أئمة الجرح والتعديل، ونذكرهم حسب ذكرهم في الأسانيد وهي أربعة:

السند الأول: (وقال عبد الله بن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر...).

قال ابن كثير: وهذا إسناد جيّد حسن(؟!) إنّها مكابرة وقحة (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ)(7).

هلمّوا معي نقرأ ما قاله في أولئك الرجال من لا يتهم عليهم، لنتبيّن كذب ابن كثير في تمشية حال السند .

فأولهم: عبد الله بن وهب، وهذا هو الفسوي، قال ابن حبان: دجّال يضع الحديث... وكـأنّه اجتمع مع الجويباري واتفقا على وضع الحديث، فقلّ حديث رأيته للجويباري إلا رأيته لعبد الله هذا(8) .

وثانيهم: يحيى بن أيوب، وهذا هو الغافقي، قال ابن سعد: منكر الحديث، وقال الإسماعيلي: لا يحتج به... .

وقال أحمد: يخطئ خطأً كثيراً...، وذكره العقيلي في الضعفاء الكبير(9).

وثالثهم: ابن عجلان، وهذا هو محمد بن عجلان المدني القرشي، وقد أطال ابن حجر ترجمته في تهذيبه(10) بنقل أقوال الموثّقين له ومع ذلك فقد قال: إنّما أخرج له مسلم في المتابعات ولم يحتج به... وحكى عن الواقدي انّه سمع عبد الله بن محمد بن عجلان يقول: حُمِلَ بأبي أكثر من ثلاث سنين ( ؟ ) وهذا من باب المزايدات السخيفة، وقد ذكر ابن قتيبة في كتابه المعارف(11) جماعة ممّن حُمل به أكثر من وقت الحمل، فذكر منهم الضحاك ابن مزاحم، وشعبة بن الحجاج، ومحمد بن عجلان، ولما ولد كانت قد نبتت أسنانه، ومالك بن أنس، وهرم بن حيان(12).

وقد ذكر ابن حجر في ترجمته أنّ لمحمد بن عجلان تصرّف سوقي مع امرأة تزوجها بالأسكندرية، فكان يأتيها في دبرها فشكته إلى أهلها، فشاع ذلك فصاحوا به فخرج منها وتوفي بالمدينة سنة 48، وختم ترجمته بقول العقيلي عنه: يضطرب في حديث نافع.

أقول: وما نحن فيه هو من حديث نافع، فتطويل البحث فيه غير نافع .

فتبيّن حال هؤلاء الثلاثة فهم بين دجّال يضع الحديث، وبين منكر الحديث لا يحتج به مسلم مع أنّه ساقط خلقياً في معاشرته الزوجية، ولا تنفعه كرامة بقائه حملاً أكثر من ثلاث حتى نبتت أسنانه.

فكيف يقول ابن كثير: (وهذا إسناد جيّد حسن) فأين هي الجودة فيهم ؟ وأين هو الحسن (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْـدَ اللَّهِ حَـقٌّ فـَلا تـَغـُرَّنـَّكُمْ الـْحَيَاةُ الدُّنـْيَا وَلا يَغـُرَّنـَّكُمْ بِاللَّهِ الـْغَرُورُ)(13).

هذا حال السند الأول، فماذا عن السند الثاني: قال: وقال الواقدي، هو محمد بن عمر قاضي بغداد متهم قاله الساجي، وقال البخاري: الواقدي مدني سكن بغداد متروك الحديث، تركه أحمد وابن المبارك وابن نمير وإسماعيل بن زكريا... قال الشافعي: كتب الواقدي كلّها كذب(‍‍‍‍‍!)(14) قال الواقدي حدّثني:

نافع بن أبي نعيم: هو نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ المدني... وقد ينسب إلى جده... قال أحمد: كان يؤخذ عنه القرآن، وليس في الحديث بشيء... وقال: منكر الحديث(15).

ونافع هذا روى عن نافع مولى ابن عمر أنّ عمر قال:... وهذا ممّا ينطبق عليه قول أحمد بن حنبل: نافع عن عمر منقطع (كما في ترجمته في تهذيب التهذيب) ووجهه واضح، لأنّه كان مولى لابن عمر أصابه في بعض مغازيه، ولم يخرج إليها إلا بعد أبيه.

السند الثالث: قال ابن كثير: وقد رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي عن مالك عن نافع عن ابن عمر... قال: وفي صحته من حديث مالك نظر، أقول: ولم يكشف عن وجه ذلك النظر، وأظنه ستراً على اللالكائي فهو: هبة الله بن الحسن... الّذي قال فيه الذهبي في تذكرة الحفّاظ(16) الإمام أبو القاسم... الحافظ الفقيه الشافعي محدّث بغداد... وصنّف كتاباً في السنة... .

قال الخطيب: حدّثني علي بن الحسين بن جد العكبري قال: رأيت هبة الله الطبري في المنام فقلت: ما فعل الله بك ؟ فقال: غفر لي، قلت: بماذا؟ قال ـ كلمة خفيّة ـ: بالسنـّة.

أقول: هذا هو اللالكائي الّذي غفر الله بالسنة إن صدقت الإحلام، وهو مؤلف كتاب السنـّة، ولا تسل كيف روى ذلك عن مالك وهو قد مات سنة 418 ومالك مات سنة 194 وبين الوفاتين قرابة قرنين من الزمان ولعل الرواية أيضاً في المنام، ما دامت رؤى الأحلام ترفع وتنصب الأعلام، وان أهدروا كرامة الإسلام .

السند الرابع: وقال الواقدي: حدّثني أسامة بن زيد عن أبيه، وأبو سليمان عن يعقوب بن زيد قال: خرج عمر... أما الواقدي فقد تقدّم تعريفه، وأما أسامة بن زيد فقد قال يحيى بن معين: أسامة وعبد الله وعبد الرحمن هؤلاء أخوة كلهم ليس حديثهم بشيء(17) وما دام أسامة حديثه ليس بشيء، فلا حاجة إلى معرفة أبيه زيد، فهو ابن اسلم مولى عبد الله بن عمر، ومولى القوم منهم .

وأما أبو سليمان فهو زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي قدم المدينة بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) بأيام، قال فيه أبو يوسف يعقوب الفسوي(18)... حديث زيد به خلل كثير، ولم يقرّه الذهبي في التذكرة(19) فقال: ولا عبرة بكلام الفسوي فيه فإنّه قد احتج به أرباب الصحاح .

أقول: وهذا منه دفع بالصدر، ومهما يكن فيكفي في أول السند أسامة بن زيد وليس حديثه بشيء، وهذا من حديثه .

ونعـود إلى ابـن كثـير الّذي ساق قـصة ساريـة ـ كـما سمّاهـا ـ بـتلك الأسانيد المعلولة، وكـل رجالها من المجروحين، ومع ذلك كابر كاذباً فقال: عن بعضها إسناده جيد حسن، وكشفنا حال رجاله وتبيّن كذبه، ومع هذا يقول بغير حياء: فهذه طرق يشدّ بعضها بعضاً . وليتني أعطيت صبراً فأغضيت عنه، أنـّى وقد مرّ بنا قوله معقّباً على حديث ردّ الشمس الّذي أورده نقلاً عن الحسكاني وعن غيره بأسانيد عديدة فقال: قلت: هذا الحديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه، فلا تخلو واحدة منها عن شيعي ومجهول الحال وشيعي ومتروك... إلى آخر ما قال.

فلماذا لم تشد جميع تلك الطرق بعضها بعضاً ليقبلها ابن كثير؟ إنّها لحسيكة الشنآن التي في صدرك، وليس ذلك منك بجديد، فقد جاهرت بنصبك من دون حياء، وكشفت عن باطن خبيئتك وسوء طويتك في أحاديث فضائل الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، ففي حديث الطائر المشوي الّذي قلت أنت فيه: (وقد جمع الناس في هذا الحديث مصنفات مفردة، منهم أبو بكر ابن مردويه، والحافظ الطبري المفسر صاحب التاريخ... وبالجملة ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر وإن كثرت طرقه)(20).

لماذا من صحته في قلبك منه نظر أيّها الشامي، لأنّك لم تستمرئ حب علي(صلى الله عليه وآله) الّذي حبّه إيمان وبغضه نفاق(21) .

وندعو القارئ إلى أن يعيد قراءة ما ساقه ابن كثير في قصة سارية الجبل ليرى بنفسه الخلل، ففي أول أخباره عن سيف: إنّ عمر رأى فيما يرى النائم معركة المسلمين، وعددهم في وقت من النهار وأنّهم في صحراء، وهناك جبل إن اسندوا إليه لم يؤتوا... فنادى من الغد الصلاة جامعة حتى إذا كانت الساعة التي رأى أنّهم اجتمعوا فيها، خرج إلى الناس وصعد المنبر فخطب وأخبرهم بصفة ما رأى ثم قال: يا سارية الجبل الجبل، ثم أقبل عليهم وقال: إن لله جنوداً ولعل بعضها أن يبلـّغهم... .

وفي ثاني أخبار سيف انقلبت تلك الرؤيا بقدرة قادر إلى حال اليقظة، وأنّ عمر بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ قال:

يا سارية بن زنيم الجبل الجبل، فلجأ المسلمون إلى جبل هناك... وغنموا شيئاً كثيراً، فكان من جملة ذلك سفط من جوهر فاستوهبه سارية من المسلمين لعمر، فلما وصل إليه... فوجد الرسول عمر قائماً في يده عصا وهو يطعم المسلمين سماطهم، فلما رآه عمر قال له اجلس ـ ولم يعرفه ـ فجلس الرجل فأكل مع الناس.

فلما فرغوا انطلق عمر إلى منزله واتبعه الرجل، فاستأذن فأذن له، وإذا هو قد وضع له خبز وزيت وملح فقال: ادن فكل، قال: فجلست، فجعل يقول لامرأته، ألا تخرجين يا هذه فتأكلين ؟ فقالت: إنّي أسمع حسّ رجل عندك، فقال: أجل، فقالت: لو أردتَ أن أبرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة، فقال: أو ما ترضين أن يقال أم كلثوم بنت علي وامرأة عمر، فقالت: ما أقل غناء ذلك عنّي.

ثم قال للرجل: ادن فكل فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى، فأكلا، فلما فرغا، قال: أنا رسول سارية ابن زنيم يا أمير المؤمنين، فقال: مرحباً وأهلاً، ثم أدناه حتى مسّت ركبتـُه ركبتـَه... إلى آخر القصة المشكوكة غير المحبوكة، حيث سلبت عمر غيرَته العائلية، فصار يستدعي زوجته أن تخرج فتأكل معه بحضور رجل أجنبي، فتمتنع لأنّها لا ترضى بكسوتها وتطلب غيرها أحسن منها.

وما أدري كيف رضي ابن كثير أن يذكرها على ما فيها من فجوات أخرى، مع روايته في تفسيره في سبب نزول آية الحجاب، وانّ عمر هو الّذي قال للنبي(صلى الله عليه وآله) في سترهنّ فنزلت الآية موافقة له، ثم لماذا قبل أن يذكر هذه الرواية المهلهلة بهذه الصورة المفصلة التي جعلت البيت خلواً من باقي زوجاته وأولاده وبناته، مع أنّ له أمتان له منهما أولاد وبعضهم كان معه، ثم ما بال ذلك الرسول يأكل مرّة ثانية مع عمر مع أنّه سبق أن أكل مع المسلمين وشبع، فهل كان ممّن له سبعة أمعاء أو في بطنه معاوية؟

ثم أين هذا كله ممّا ذكره من رواية الواقدي عن نافع... أنّ عمر قال على المنبر يا سارية بن زنيم الجبل، فلم يدر الناس ما يقول حتى قدم سارية بن زنيم المدينة على عمر فقال: كنّا محاصري العدو... فسمعت صائحاً ينادي بكذا وكذا يا سارية بن زنيم الجبل فعلوت بأصحابي الجبل... .

فأين صار الرسول ؟ وأين ضاع سفط الجوهر الّذي أرسله سارية ؟

وما بال ابن كثير يذكر كل هذا ويغفل عما بين رواياته من تنافي، ويزيد أيضاً ما رواه أخيراً، وفيه:

فجاء كتاب سارية إلى عمر: إنّ الله قد فتح علينا يوم الجمعة ساعة كذا وكذا... لتلك الساعة التي خرج فيها عمر فتكلّم على المنبر، قال سارية: فسمعت صوتاً يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل... فهذه الروايات التي يضرب بعضها بعضاً ومع ذلك يقول فيها ابن كثير (فهذه طرق يشدّ بعضها بعضاً) أما حديث ردّ الشمس مع اعترافه بكثرة طرقه وتصحيح كثير من الأعلام له كما سيأتي يقول فيه: هذا حديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه... إنّما أعماه الهوى عن طريق الحق وقول الحق.

(أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)(22) .

هكذا هو ابن كثير تلميذ ابن تيمية ذو القلب الزائغ عن الحق، فلم يذعن بصحة حديث ردّ الشمس، بل قال فيه ما تقدّم نافياً، لكنه في خبر يا سارية الجبل الّذي ساقه بأسانيد كلها مطعون في رجالها بلسان قومه قال: (فهذه طرق يشد بعضها بعضاً) .

فماذا يرجوه القارئ المنصف ممّن (كانت له خصوصية بابن تيمية ومناضلته عنه، واتباع له في كثير من آرائه... وامتحن بسبب ذلك وأوذي وتوفي في شعبان ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه ابن تيمية)(23) حشره الله مع إمامه وحشرنا مع إمامنا يوم يدعى كل إناس بإمامهم.

والآن إلى معرفة مَن صحّح الحديث من علمائهم ممّن يعترفون له بإمامته في الفقه كأحمد بن صالح المصري الّذي هو من شيوخ البخاري .

وكأبي جعفر الطحاوي الّذي قال عنه ابن كثير نفسه: وهو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الـجهـابـذة، وكـالقاضي عياض الّذي هـو إمـام وقـتـه في الـحديث وعـلومه، والنـحو واللغـة وكـلام العرب... وآخرين غيرهم من أمثالهم فإلى معرفتهم.

المسألة الخامسة: في تصحيح الحديث لدى المحدّثين:

لقد ذكر الحديث جماعة جزموا بصحته وهم من جهابذة المحدّثين فمنهم مَن صحّحه بنفسه، ومنهم من حكى ذلك عن غيره فأخبت خاشعاً طائعاً لصحته.

الأول: الحافظ أبو جعفر أحمد بن صالح المصري المتوفى سنة 248 هـ ، وهذا من شيوخ البخاري، وروى عنه في صحيحه في غير موضع، منها في أول التوحيد، وهو صاحب الكلمة القيّمة الذهبية وهي قوله: (لا ينبغي لمن كان سبيله العلم أن يتخلّف عن حفظ حديث أسماء الّذي رُوي لنا عنه صلّى الله عليه وسلـّم، لأنّه من أجلّ علامات النبوّة).

الثاني: الحافظ أبو جعفر الطحاوي المتوفى سنة 321، وهذا هو ابن اخت المزني صاحب الشافعي، قال فيه الذهبي: كان ثقة ديّناً عالماً عاقلاً، وأثنى عليه كثيراً، كما أثنى عليه ابن كثير في ترجمته فقال: وهو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة ـ فهذا العالم العاقل الديّن الثقة ـ كما وصفه الذهبي ـ والحافظ الجهبذ الثبت الثقة ـ كما وصفه ابن كثير ـ صحّح الحديث بما لا مزيد عليه، وإلى القارئ عين ما قاله في كتابه مشكل الآثار(24).

ولا يفوتني تنبيه القارئ إلى أمر ذي بال، وهو أنّ كتاب مشكل الآثار قد اختصره الحافظ القاضي أبو الوليد الباجي المالكي المتوفى سنة 474. وسماه بالمختصر، ثم أتى القاضي أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي المتوفى سنة 803 فاعتصر المختصر في كتابه (المعتصر من المختصر من مشكل الآثار) فهذين العالمَين العلَمين ذكرا ما ذكره الطحاوي، وأقرّاه على ما فيه، فلم أر حاجة إلى ذكر ما فيهما، ومن أراد المزيد فليرجع إلى المعتصر(25)، والآن إلى قراءة فاحصة فيما كتبه الطحاوي الحنفي حيث قال:

(بيان مشكل ما روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) في مسئلة الله(عز وجل) ردّ الشمس عليه بعد غيبوبتها، وردّ الله(عز وجل) إياها عليه وما روي عنه ممّا توهم مضادّ ذلك) .

حدّثنا أبو أمية، حدّثنا عبيد الله بن موسى العبسي، حدّثنا الفضيل بن مرزوق، عن إبراهيم ابن الحسن، عن فاطمة ابنة الحسين، عن أسماء ابنة عميس قالت: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوحى إليه ورأسه في حجر علي، فلم يصلّ العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): صلّيت يا علي؟ قال: لا، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) (اللهم إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس)، قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت .

حدّثنا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة، حدّثنا أحمد بن صالح، حدّثنا ابن أبي فديك، حدّثني محمد بن موسى، عن عون بن محمد، عن أمه أم جعفر، عن أسماء ابنة عميس أن النبي(صلى الله عليه وآله) صلّى الظهر بالصهباء، ثم أرسل عليّاً(صلى الله عليه وآله) في حاجة فرجع وقد صلّى النبي(صلى الله عليه وآله) العصر فوضع النبي(صلى الله عليه وآله) رأسه في حجر علي فلم يحرّكه حتى غابت الشمس، فقال النبي(صلى الله عليه وآله): (اللّهمّ انّ عبدك عليّاً احتبس بنفسه على نبيّك فردّ عليه شرقها) قالت أسماء: فطلعت الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض، ثم قام علي فتوضّأ وصلّى العصر ثم غابت، وذلك في الصهباء .

قال أبو جعفر: فاحتجنا أن نعلم مَن محمد بن موسى المذكور في إسنـاد هذا الحديث؟ فـإذا هو محمد بن موسى المدني المعروف بالفطري(26) وهو محمود في روايته، واحتجنا أن نعلم مَن عون بن محمد المذكور فيه؟ فإذا هو عون بن محمد بن علي بن أبي طالب، واحتجنا أن نعلم مَن اُمّه التي روى عنها في هذا الحديث؟ فإذا هي أُم جعفر(27) ابنة محمد بن جعفر بن أبي طالب(28).

فقال قائل: كيف تقبلون هذا وأنتم تروون عن أبي هريرة عن النبي(صلى الله عليه وآله) ما يدفعه فذكر (ما حدّثنا به) علي بن الحسين أبو عبيد، حدّثنا فضل بن سهل الأعرج، حدّثنا شاذان الأسود بن عامر، حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): لم تحتبس الشمس على أحد إلا ليوشع.

وما حدّثنا يحيى بن زكريا بن يحيى النيسابوري أبو زكريا، حدّثنا فضل بن سهل الأعرج، حدّثنا شاذان الأسود بن عامر، حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): لم ترد الشمس منذ ردّت على يوشع بن نون ليالي سار إلى بيت المقدس.

فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله تعالى وعونه: إنّ هذا الحديث قد اختلف علينا راوياه لنا فيه على ما قد ذكرنا من كل واحد منهما مما قد رواه، فأما ما رواه لنا علي بن الحسين فهو أنّ الشمس لم تحتبس على أحد إلّا على يوشع، فإن كان حقيقة الحديث كذلك فليس فيه خلاف لما في الحديثين الأولين، لأنّ الّذي فيه هو حبس الشمس عن الغيبوبة، والّذي في الحديثين الأولين هو ردّها بعد الغيبوبة.

وأما ما رواه لنا يحيى بن زكريا فهو على أنّها لم تردّ منذ ردّت على يوشع بن نون إلى الوقت الّذي قال لهم فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) هذا القول، فذلك غير دافع أن يكون لم تردّ إلى يومئذٍ ثم ردّت بعد، هذا غير مستنكر من أفعال الله(عز وجل)، وقد روي في حبسها عن الغروب لمعنى احتاج إليه بعض أنبياء الله(عز وجل) أن يبقى عليه من أجله .

كما حدّثنا محمد بن اسمعيل بن سالم الصائغ، حدّثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة يعني القواريري، حدّثنا معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال: أن نبيّاً من الأنبياء غزا بأصحابه فقال لهم: لا يتبعني رجل بنى داراً لم يسكنها، أو تزوّج امرأة لم يدخل بها، أو له حاجة في الرجوع، فلقي العدوّ عند غيبوبة الشمس، فقال لهم إنّها مأمورة وإنّي مأمور حتى يقضي بيني وبينهم.

قال: فحبسها الله تعالى عليه ففتح عليه فغنموا الغنائم فلم يأكلها النار، وكانوا إذا غنموا الغنيمة بعث الله تعالى عليها النار فأكلتها، فقال لهم نبيهم: إنّكم قد غللتم فليأتيني من كل قبيلة رجل فليبايعني، فأتوه فبايعوه فالزقت يد رجل منهم بيده، فقال له: إنّ أصحابك قد غلـّوا فليأتوني فليبايعوني، فأتوه فبايعوه فألزقت يد رجلين منهم بيده فقال لهما: إنّكما قد غللتما قالا: أجل غللنا صورة وجه بقرة من ذهب، فأتيا بها فألقياها في الغنايم، فبعث الله تعالى عليها النار، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) عند ذلك: (إنّ الله أطعمنا الغنائم رحمة رحمنا بها وتخفيفاً لما علم من ضعفنا).

قال أبو جعفر: وكل هذه الأحاديث من علامات النبوة، وقد حكى علي بن عبد الرحمن بن المغيرة، عن أحمد بن صالح أنّه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلّف عن حفظ حديث أسماء الّذي روى لنا عنه، لأنّه من أجلّ علامات النبوة .

قال أبو جعفر: وهذا كما قال: وفيه لمن كان دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله) الله (عز وجل) له بما دعا به له، حتى يكون ذلك المقدار الجليل والرتبة الرفيعة، لأنّ ذلك كان من رسول الله(صلى الله عليه وآله) ليصلّي صلاته تلك التي احتبس نفسه على رسول الله(صلى الله عليه وآله) حتى غربت الشمس في وقتها على غير فوت منها إياه(29)، وفي ذلك ما قد دلّ على التغليظ في فوات العصر، ومن ذلك ما قد روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله).

حدّثنا عبد الغني بن أبي عقيل، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: قال رسول الله:(صلى الله عليه وآله) من فاتته صلاة العصر فكأنّما وتر أهله وماله.

قال أبو جعفر: فوقى الله(عز وجل) عليّاً ذلك لطاعته لرسول الله(صلى الله عليه وآله)، وفي هذا الحديث ممّا يجب أن يوقف عليه، وهو إباحة النوم بعد العصر إذا كان بعض الناس ذلك عنده مكروهاً.

الثالث: الحافظ المحدّث أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد القرشي الكنجي الشافعي المتوفى سنة 658 هـ، ذكر الحديث في كتابه كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب(صلى الله عليه وآله)، وأطال في إثباته، وإلى القارئ ما قال فإنّه نافع جامع، قال:

فصل: في الحديث المروي في ردّ الشمس بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله) حتى صلّى علي بن أبي طالب(صلى الله عليه وآله) العصر.

نعتضد بالله ونقول: منكر ذلك إما أن ينكره من حيث الإمكان، أو من حيث صحة النقل من عدالة الرواة.

أما القسم الأول: فإنّ المتكلّم فيه أحد رجلين، إما من يثبت الشرائع أو ينفيها، أما نفاتها كالدهرية والفلاسفة والمنجّمين فلا كلام معهم، وأما مثبتوها فلا يتمكّنون من ذلك، للحديث الّذي خرّجه مسلم في صحيحه في حبس الشمس، كما أخبرنا الإمام الحافظ عثمان، والحافظ محمد بن محمود ـ عرف بابن النجار ـ ببغداد، قالا: أخبرنا أبو الحسن المؤيد بن محمد الطوسي، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل، أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر، أخبرنا أبو أحمد محمد بن عيسى، أخبرنا أبو اسحاق إبراهيم بن محمد، أخبرنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج، قال: وحدّثنا أبو كريب محمد بن العلا، حدّثنا ابن المبارك عن معمر، وحدّثنا محمد بن رافع واللفظ له، قال: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه.

قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن، ولا آخر قد بنى بنياناً ولما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات وهو منتظر ولادها، قال: فغزا فأدنّا للقرية حين صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها عليّ شيئاً، فحُبست عليه حتى فتح الله عليه.

قال: فجمعوا ما غنموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تطعمه، فقال: فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه، فلصقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك فبايعته، فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة فقال: أنتم أغللتم، قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب، قال: فوضعوه في المال وهو بالصعيد، فأقبلت النار فأكلته، فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا، ذلك بأنّ الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا.

قلت: هذا حديث متفق على صحّته، رواه البخاري في الغلول، وأخرجه مسلم في الجهاد(30) كما سقناه .

ورواه أحمد بن حنبل في مسنده، وقال: إنّ الشمس حبست ليوشع ابن نون(صلى الله عليه وآله).

ورواه الطبراني في معجمه كذلك، ولا يخلو إما أن يكون ذلك معجزة لموسى(صلى الله عليه وآله) أو ليوشع(صلى الله عليه وآله)، فإن كان لموسى(صلى الله عليه وآله) فنبينا (صلى الله عليه وآله) أفضل، وعلي(صلى الله عليه وآله) أقرب إليه من يوشع إلى موسى، وإن كان معجزة ليوشع(صلى الله عليه وآله) فإن كان نبياً فعلي(صلى الله عليه وآله) مثله، وإن لم يكن نبياً فعلي(صلى الله عليه وآله) أفضل منه إذ قال النبي(صلى الله عليه وآله): (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)، وفي لفظ آخر: (أنبياء بني إسرائيل)، وحذف الكاف لقوة المشابهة .

والمعنى أنّ أنبياء بني إسرائيل دعاة إلى الله سبحانه بالوعظ والزجر والتحذير والترغيب والترهيب، وعلماء أمته(صلى الله عليه وآله) قائمون في هذا المقام، منخرطون في سلك هذا النظام، وعلي(صلى الله عليه وآله) أولى الناس بهذا النص، لقوله(صلى الله عليه وآله): (أقضاكم علي)(31).

وأما القسم الثاني: وهو الإنكار من حيث العدالة من نقل ذلك وذكره في كتابه فقد عدّه جماعة من العلماء في معجزاته(صلى الله عليه وآله).

ومنهم ابن سبع ذكره في شفاء الصدور وحكم بصحته، ومنهم القاضي عياض ذكره في الشفا بتعريف حقوق المصطفى، وحكى فيه عن الطحاوي أنّه ذكر ذلك في شرح مشكل الحديث، قال: روي من طريقين صحيحين .

وقال ابن خزيمة: كان أحمد بن صالح يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حديث أسماء بنت عميس في ردّ الشمس، لأنّه من علامات نبوّة نبينا(صلى الله عليه وآله) .

وقد شفى الصدور الإمام الحافظ أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي في جمع طرقه في كتاب مفرد، ورواه الحافظ أبو عبد الله الحاكم في تاريخه في ترجمة عبد الله بن حامد بن محمد بن ماهان الفقيه الواعظ المحدّث وخرّجه عنه .

كما أخبرنا بقية السلف محمد بن سعيد بن الموفق بن علي بن جعفر النيسابوري ببغداد، عن أبي زرعة طاهر بن الحافظ أبي الفضل بن محمد بن طاهر المقدسي، عن أحمد بن علي بن عبد الله بن خلف الشيرازي، عن الإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن نعيم بن الحكم النيسابوري، قال: حدّثني عبد الله بن حامد بن ماهان، حدّثنا أبو بكر محمد بن جعفر، حدّثنا محمد بن عبيد الكندي، حدّثنا عبد الرحمان بن شريك، قال: حدّثني أبي، عن عروة، عن عبد الله قال: دخلت على فاطمة بنت علي(صلى الله عليه وآله) فرأيت في عنقها خرزة، ورأيت في يدها مسكتين غليظتين، وهي عجوز كبيرة فقلت لها: ما هذا ؟ قالت: إنه يكره للمرأة أن تتشبّه بالرجال .

ثم حدّثتني عن أسماء بنت عميس حديثها أنّ علياً(صلى الله عليه وآله) دفع إلى النبي(صلى الله عليه وآله) وقد أوحي إليه يجلله، بثوبه فلم يزل كذلك حتى أدبرت الشمس ـ يقول: غابت أو كادت تغيب ـ ثم إنّ نبي الله سرّي عنه، فقال: أصلّيت يا علي؟ قال: لا، فقال النبي(صلى الله عليه وآله): (اللّهمّ ردّ الشمس على عليّ)، فرجعت الشمس حتى بلغت نصف المسجد(32) .

قال: أبي وحدّثني به موسى الجهني عن فاطمة بنت علي(صلى الله عليه وآله) مثله .

قلت: هكذا ذكره الحاكم في تاريخ نيسابور في هذه الترجمة، وقد أملاه أبو منصور أحمد بن شعيب بن صالح البخاري ببغداد في جامع المنصور في ملأ من أهل الحديث .

أخبرنا عبد الله بن عمر الليثي، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي، أخبرنا أبو عيسى سعيد بن أبي أحمد المعلم في سنة ثلاث وستين وأربعمائة، قال: أخبرنا الأمير أبو أحمد خلف بن أحمد بن محمد بن الليث بن خلف بن فرقد العرني مولى أمير المؤمنين ـ قدم علينا بهراة سنة 343 ـ قال: أخبرنا الإمام أبو منصور البخاري، قال: حدّثنا حامد بن سهل، قال: حدّثنا يحيى بن سليمان بن نضلة، قال: حدّثني إبراهيم بن محمد، عن عبد الله بن الحسن، عن فاطمة بنت علي، عن أم حسن بنت علي، عن أسماء بنت عميس قالت:

أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً يوم خيبر أن يقسّم الغنائم على الناس، فشغل عن الصلاة حتى كادت الشمس تغرب، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) لعليّ: صلّيت العصر ؟ قال: لا يا رسول الله شغلني ما أمرتني، فدعا رسول الله(صلى الله عليه وآله) أن تردّ عليه الشمس حتى يصلّي علي(صلى الله عليه وآله)، فأقبلت الشمس ولها حفيف كحفيف المنشار إذا وقع في الخشب حتى توسّطت مسجد خيبر، فقام علي(صلى الله عليه وآله) فصلّى، فلمّا فرغ علي(صلى الله عليه وآله) من صلاته غربت الشمس(33) .

قلت: هكذا رواه أبو الوقت في الجزء الأول من أحاديث الأمير أبي أحمد، وضعّفه بعض المتأخّرين، وذكره فيما جمعه من الموضوعات، واحتج على ضعفه بحجة داحضة، وقال: فيه اضطراب واختلاف في الروايات وقال: لا يجوز رواية مثل هذا النص لأنّ فيه خرقاً للعادة، والعجب ممّن يذكر مثل هذا في مصنفاته ولا يعلم أنّه مردود عليه .

أما قوله: فيه اضطراب واختلاف، قلنا: حديث الشفاعة، وحديث المعراج متفق على صحتهما، وهما كذلك .

وأما قوله: فيه خرق للعادة فدليل على عدم معرفته ما قدمناه من حديث ردّ الشمس ليوشع من المتفق عليه أيضاً .

وقال الحافظ أبو نعيم في كتاب تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة: فان احتج بأنّ عليّاً(صلى الله عليه وآله) ردّت عليه الشمس بعد أن غابت حتى صلاها لوقتها، قيل: لو كان ذلك لعلي كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أولى وأحرى، فقد فاتته يوم الخندق الظهر والعصر ولم ترد عليه الشمس .

قلت: ولم يطعن فيه من جهة النقل، قلنا: الرسول(صلى الله عليه وآله) مشرّع فلو لم تفته صلاة لاختلّ على الأمة أمر القضاء، فتفويته للصلاة تشريع في حق الأمة، ولا كذلك علي(صلى الله عليه وآله) فافترقا.

وروي عن عامر بن واثلة أبي الطفيل قال: كنت يوم الشورى على الباب، وعليّ يناشد عثمان وطلحة والزبير وسعيداً وعبد الرحمان، يعدّ من فضائله منها ردّ الشمس.

كما أخبرنا أبو بكر بن الخازن، أخبرنا أبو زرعة، أخبرنا أبو بكر بن خلف، أخبرنا الحاكم، أخبرنا أبو بكر بن أبي دارم الحافظ بالكوفة من أصل كتابه، حدّثنا منذر بن محمد بن منذر، حدّثنا أبي، حدّثني عمّي، حدّثنا أبي عن أبان بن تغلب، عن عامر بن واثلة قال: كنت على الباب يوم الشورى وعليّ في البيت فسمعته يقول: إستخلف أبو بكر وأنا في نفسي أحق بها منه فسمعت وأطعت، واستخلف عمر وأنا في نفسي أحق بها منه، فسمعت وأطعت، وأنتم تريدون أن تستخلفوا عثمان إذاً لا أسمع ولا أطيع، جعل عمر في خمسة أنا سادسهم لا يعرف لهم فضل، أما والله لأحاجنّهم بخصال لا يستطيع عربيّهم ولا عجميّهم، المعاهد منهم والمشرك، أن ينكر منها خصلة، أنشدكم بالله أيّها الخمسة أمنكم أخو رسول الله غيري ؟ قالوا: لا .

قال: أمنكم أحد له عم مثل عمي حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله غيري ؟ قالوا: لا.

قال: أمنكم أحد له أخ مثل أخي المزين بالجناحين يطير مع الملائكة في الجنة؟ قالوا: لا.

قال: أمنكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة سيدة نساء الأمة غيري ؟ قالوا: لا .

قال: أمنكم أحد له سبطان مثل الحسن والحسين سبطي هذه الأمة ابني رسول الله(صلى الله عليه وآله) غيري؟ قالوا: لا .

قال: أمنكم أحد قتل مشركي قريش قبلي؟ قالوا:لا .

قال: أمنكم أحد ردّت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلّى العصر غيري؟ قالوا: لا .

قال: أمنكم أحد قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله) حين قرب إليه الطير فأعجبه: (اللّهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير) فجئت وأنا لا أعلم ما كان من قول النبي(صلى الله عليه وآله) فدخلت، قال: وإليّ يا رب وإليّ يا رب، غيري ؟ قالوا: لا .

هكـذا رواه الحاكـم في كتـابه بجميـع طرقـه حديث الطير وناهيـك بـه راويـاً(34)، قلت: ولهذا الحديث حكاية عجيبة حكاها جماعة من أهل التواريخ .

أخبرنا الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار، اخبرنا أبو محمد عبد العزيز بن الأخضر، قال: سمعت القاضي محمد بن عمر بن يوسف الأرموي يقول: جلس أبو منصور المظفر بن اردشير القباوي العبادي / صح الواعظ بمدرسة التاجية بباب ابرز ببغداد بعد صلاة العصر، وذكر حديث ردّ الشمس وشرع في فضائل أهل البيت، فنشأت سحابة غطت الشمس حتى ظن الناس أنّها قد غابت، فقام أبو منصور على المنبر قائماً وأومى إلى الشمس وارتجل:

لا تغربي يا شمس حتى ينتهـي

مـدحي لآل المصطفى ولنجلـه

واثنى عنانك إن أردت ثـنـاهــم

أنسيت إذ كان الوقوف لأجلــه

أنسيت إذ كان الوقوف لأجلــه

هذا الوقوف لخيلــه ولــرجلــه

قال: فطلعت الشمس فلا يدرى ما رمي عليه من الأموال في ذلك اليوم (35)، وفي ردّ الشمس يقول الصاحب بن عباد:

مـَــن كـمـولاي عـلـــــي

والوغى(36) تحمي لظاها

مَن يصيد الصيـد فــيهــا

بـالظبـى حين انتـضاهــا

مـَـن لـــه فـي كــل يــوم

وقـــعــات لا تــضاهــى

كــم وكم حرب ضروس

سدّ بـالمرهـــف فــــاهــا

اذكــروا أفــعـــال بـــدر

لست أبغي مــا سواهــــا

اذكــــروا غــزوة أُحــــد

إنـّـه شمس ضـحــاهـــــا

اذكــروا حـــرب حــنين

إنــّــه بــــدر دجــــاهــــا

اذكــروا الأحــزاب قدماً

انّـه لـــيــث شـــراهـــــا

اذكـروا مـهجــة عــمرو

كيف أفـنـــاها تجـــاهـــا

اذكـــــروا أمــر بـــــراة

واصدقوني مـن تــلاهــا

حـــــالــه حـالــة هــارو

ن لـمـوسى فـافـهـمـاهــا

أعــــلــى حـــبّ عــلــي

لامـنـي الـقـوم سفــاهــــا

أول الــنــاس صـــــــلاة

جـعـل الــتـقـوى حـلاهـا

ردّت الشــمــس عــليـــه

بعـد ما غاب سناهـــا(37)

الرابع: القاضي عياض بن موسى اليحصبي المتوفى سنة 544 هـ ، ترجمه ابن خلكان في وفيات الأعيان فقال: كان إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم، وصنّف التصانيف المفيدة .

فهذا الإمام ذكر الحديث في كتابه(38) من حديث أسماء بنت عميس، نقلاً عن الطحاوي في تصحيحه وتوثيق رواته، وذكر قول أحمد بن صالح المتقدّم ذكره أولاً، وقد عدّه من علامات النبوة مثل انشقاق القمر .

قال الشهاب الخفاجي في نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عيّاض(39): وهذا الحديث صحّحه المصنّف رحمه الله تعالى، وأشار إلى أنّ تعدّد طرقه شاهد صدق على صحته، وقد صحّحه قبله كثير من الأئمّة كالطحاوي، وأخرجه ابن شاهين، وابن مندة، وابن مردويه، والطبراني في معجمه وقال: إنّه حسن، وحكاه العراقي في التقريب.

وحكى الملا علي القاري في شرحه على الشفا(40) تصحيح القاضي عياض للحديث، وللقاري أيضاً كلام حول الحديث قاله في كتابه مرقاة المفاتيح(41) وإلى القارئ نصّه:

صلاة العصر أو قريباً من ذلك، فقال للشمسِ: إِنّكِ مأمورةٌ وأنا مأمورٌ، اللهُمّ احْبِسها علينا، فحُبستْ حتى فتحَ اللهُ عليه، (فجمع) الغنائم، فجاءَتْ ـ يعني النار ـ لتأكُلها، فلم تطعمْها، فقال: إنّ فيكم غُلولاً، فلـْيُبايِعني منْ كلِّ قبيلةٍ رجلٌ، فلَزقتْ يدُ رجلٍ بيدِه، فقال: فيكُم الغـُلولُ، فجاؤوا برأسٍ مثلِ رأسِ بقرةٍ منَ الذَّهبِ، فوضعَها، فجاءَتِ النـَّارُ فأكلتـُها، فلم تحلّ الغنائِمُ لأحدٍ قبلَنا، ثمّ أحلَّ اللهُ لنا الغنائمَ، رأى ضَعفنا وعجْزَنا فأحلّها لنا. متفق عليه .

بمعنى حان أي حان فتحها من قولهم: أنت الناقة إذا حان وقت نتاجها، ولم يقل في غير الناقة، في النهاية فأدنى بالقرية، هكذا جاء في مسلم وهو افتعل من الدنو، وأصله أدتني فأدغم التاء في الدال ا هـ، فيكون من قبيل قوله ادّان من الدين، وحاصله أنّه قرب من القرية . (صلاة العصر) أي وقتها، والمراد آخر أجزائه لقوله: (أو قريباً من ذلك) أي من آخر العصر، فأو للترديد احتياطاً ويمكن أن يكون الشك من الراوي.

(فقال) أي ذلك النبي، (للشمس: إنّك مأمورة ) أي بالسير (وأنا مأمور) أي بفتح القرية في النهار، وذلك أنّه قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم، ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فيه، فدعا الله (وقال: اللهم احبسها علينا فحبست) أي الشمس (حتى فتح الله عليه) .

قال القاضي عياض: اختلفوا في حبس الشمس . فقيل: ردت على أدراجها، وقيل: وقفت بلا ردّ، وقيل: بطؤ تحركها، قلت: أوسطها لأنّه الظاهر في معنى الحبس، وكل ذلك من معجزات النبوة، قال: وقد روي أنّ نبينا(صلى الله عليه وآله) حبست له الشمس مرّتين: إحداهما يوم الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فردّها الله عليه حتى صلّى العصر قاله الطحاوي، وقال رواته ثقات .

والثانية صبيحة الإسراء حين انتظر العير التي أخبر بوصولها مع شروق الشمس .

وفي المواهب، وأما ردّ الشمس لحكمه(صلى الله عليه وآله)، فروي عن أسماء بنت عميس أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان يوحى إليه ورأسه في حجر عليt ، فلم يصلّ العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): أصلّيت يا عليّ قال: لا. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (اللهم إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس) قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت، ووقعت على الجبال والأرض وذلك بالصهباء في خيبر .

ورواه الطحاوي في مشكل الحديث كما حكاه القاضي في الشفاء، وقال شيخنا يعني العسقلاني: قال أحمد: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزي فأورده في الموضوعات، ولكن قد صحّحه الطحاوي والقاضي عياض، وأخرجه ابن منده، وابن شاهين وغيرهم . وروى يونس بن بكير في زيادة المغازي، عن ابن اسحاق مما ذكره القاضي عياض في الشفاء لما أسري بالنبي(صلى الله عليه وآله)، وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير قالوا: متى تجئ قال: يوم الأربعاء . فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولي النهار ولم تجيء، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس .

وروى الطبراني أيضاً في معجمه الأوسط بسند حسن عن جابرt أن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أمر الشمس فتأخّرت ساعة من النهار ا هـ . وبهذا يعلم أنّ ردّ الشمس بمعنى تأخيرها، والمعنى (أنّها) كادت أن تغرب فحبسها، فيندفع بذلك ما قال بعضهم . ومن تغفل واضعه أنّه نظر إلى صورة فضيلة ولم يلمح إلى عدم الفائدة فيها، فإنّ صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء ورجوع الشمس لا يعيدها أداء ا هـ، مع أنّه يمكن حمله على الخصوصيات، وهو أبلغ في باب المعجزات والله أعلم بتحقيق الحالات.

قيل: يعارضه قوله في الحديث الصحيح: (لم تحبس الشمس على أحد إلا ليوشع بن نون)(42) ويجاب بأنّ المعنى لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري إلا ليوشع، والله أعلم . (فجمع الغنائم فجاءت يعني النار) تفسير من بعض الرواة (لتأكلها) متعلق بجمع (فلم تطعمها) أي لم تأكلها، ففيه تفنن في العبارة، والمعنى فلم تحرقها ولم تعدمها . قال النووي: وكانت عادة الأنبياء(عليهم السلام) أن يجمعوا الغنائم فتجيء نار من السماء فتأكلها علامة لقبولها وعدم الغلول فيها (فقال): أي ذلك النبي(صلى الله عليه وآله) لقومه (انّ فيكم) أي فيما بينكم إجمالاً (غُلولاً) بالضم، ويحتمل الفتح بمعنى غال (فليبايعني) بسكون اللام ويسكن(43) (من كل قبيلة رجل فلزقت) بكسر الزاي أي ففعلوا فلصقت (يد رجل بيده فقال: فيكم) أي على الخصوص (الغلول فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة) بجر مثل على الوصف، وفي نسخة بالنصب على أنّه حال أي مماثلاً لرأس بقرة.

وقوله: (من الذهب) بيان لرأس الأول فتأمل (لموضعها) أي النبي الرأس، وأنّث لأنّ المراد به الغنيمة (فجاءت النار فأكلتها زاد) أي أبو هريرة (في رواية) أي لهما أو لأحدهما أو لغيرهما (فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم أحلّ الله لنا الغنائم) أي ستراً علينا وتوسعة للدنيا، وهو تصريح بما علم ضمنا (رأى ضعفنا وعجزنا) استئناف بيان (فأحلها لنا) إعاده لترتب الحكم، والأوّل لمجرد الأخبار. (متفق عليه).

الخامس: الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 قال في فتح الباري(44): وروى الطحاوي والطبراني في الكبير والحاكم والبيهقي في الدلائل عن أسماء بنت عميس أنّه(صلى الله عليه وآله) دعا لما نام على ركبة علي ففاتته صلاة العصر، فردّت الشمس حتى صلّى عليّ ثم غربت، وهذا أبلغ في المعجزة، وقد أخطأ ابن الجوزي بايراده له في الموضوعات، وهكذا ابن تيمية في كتاب الرد على الروافض في زعم وضعه .

السادس: الحافظ شمس الدين السخاوي الحنفي المتوفى سنة/ 902، قال في المقاصد الحسنة(45) حديث: ردّ الشمس على عليّ، قال أحمد: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزي، فأورده في الموضوعات، ولكن قد صحّحه الطحاوي، وصاحب الشفاء، وأخرجه ابن منده، وابن شاهين من حديث أسماء ابنة عميس، وابن مردويه من حديث أبي هريرة، وكذا ردّت للنبي(صلى الله عليه وآله) حين أخبر قومه بالرفقة التي رآها في ليلة الإسراء، وأنّها تجيء في يوم كذا، فأشرفت قريش ينظرون، وقد ولّى النهار ولم تجئ، فدعا النبي(صلى الله عليه وآله) فزيد له في النهار ساعة، وحبست عليه الشمس، قال راويها فلم تحبس على أحد إلا على النبي(صلى الله عليه وآله) يومئذٍ، وعلى يوشع بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحلّ له قتالهم فيه، فدعا الله فردّ عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم .

السابع: الإمام العالم الفقيه المحدّث شهاب الدين أحمد بن حجر الهيتمي نزيل مكة المكرمة ت 899، ذكر الحديث في كتابه (الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة) (46) فقال: ومن كراماته الباهرة أنّ الشمس ردّت عليه لما كان رأس النبي (صلى الله عليه وآله) في حجره، والوحي ينزل عليه وعلي لم يصلّ العصر، فما سرى عنه(صلى الله عليه وآله) إلا وقد غربت الشمس، فقال النبي(صلى الله عليه وآله): (اللهم انّه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس) فطلعت بعد ما غربت.

وحديث ردّها صحّحه الطحاوي والقاضي في الشفاء، وحسّنه شيخ الإسلام أبو زرعة وتبعه غيره، وردّوا على جمع قالوا انّه موضوع، وزعم فوات الوقت بغروبها فلا فائدة لردها في محل المنع، بل نقول كما أنّ ردّها خصوصية كذلك إدراك العصر الآن أداء خصوصية وكرامة، على أنّ في ذلك أعني أنّ الشمس إذا غربت ثم عادت هل يعود الوقت بعودها تردداً حكيته مع بيان المتجه منه في شرح العباب في أوائل كتاب الصلاة .

قال سبط ابن الجوزي: وفي الباب حكاية عجيبة حدّثني بها جماعة من مشايخنا بالعراق، أنّهم شاهدوا أبا منصور المظفر بن أردشير القباوي (كذا والصواب العبادي) الواعظ ذكر بعد العصر هذا الحديث، ونمقه بألفاظه وذكر فضائل أهل البيت، فغطّت سحابة الشمس حتى ظنّ الناس أنّها قد غابت، فقام على المنبر وأوما إلى الشمس وأنشدها:

لا تغربي يا شمس حتى ينتـهي

 

مدحي لآل المصطفى ولنجلــه

واثني عنانك إن أردت ثــناءهم

 

أنسيتِ إذ كان الوقوف لأجلــه

إن كان للمولى وقوفـك فـليكــن

 

هذا الوقوف لخيلـه ولــرجـلــه

قالوا: فانجاب السحاب عن الشمس وطلعت .

الثامن: الحافظ السيوطي المتوفى سنة 911 ذكر الحديث في كتابه الخصائص الكبرى(47) وفي كتابه الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة(48) وقال: أخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس، وابن مردويه من حديث أبي هريرة، فإسنادهما حسن، وممّن صحّحه الطحاوي والقاضي عيّاض، وقد ادعى ابن الجوزي أنّه موضوع فأخطأ كما بيّنته في مختصر الموضوعات وفي التعقيبات.

وقال في مقدمة رسالته كشف اللبس عن حديث ردّ الشمس: صحّحه الإمام أبو جعفر الطحاوي وغيره، وأفرط الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي فأورده في كتاب الموضوعات، وهذا جزء في تتبع طرقه وبيان حاله .

وقال في آخر الرسالة: وممّا يشهد لصحّة ذلك قول الإمام الشافعي وغيره: ما أوتي نبيّ معجزة إلا أوتي نبينا نظيرها، أو أبلغ منها، وقد صحّ أن الشمس حُبست على يوشع ليالي قاتل الجبّارين، فلابد أن يكون لنبيّنا(صلى الله عليه وآله) نظير ذلك، فكانت هذه القصة نظير ذلك، والله أعلم بالصواب.

التاسع: الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي المتوفى سنة 942 في كتابه سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد(49).

الباب الرابع حبس الشمس له ـ (صلى الله عليه وآله) ـ : روى الطبراني وحسنه الحافظ أبو الحسن الهيثمي في مجمع الزوائد، وأبو الفضل بن حجر في فـَتـْح البَارِي، وأبو زُرْعة العراقي في شرح تقريب والده عن جابر بن عبد الله أنَّ النبي(صلى الله عليه وآله) أمر الشمس أن تتأخّر ساعة في النهار فتأخّرت ساعة من النهار .

روى البيهقي من طريق يونس بن بكير، عن أسباط بن نصر، عن اسماعيل بن عبد الرحمن القرشي قال: لما أسري برسول الله(صلى الله عليه وآله) وأخبر قومه بالرفقة والعلامة في العير، قالوا: فمتى يجيء قال: يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ولّى النهار ولم يجئ، فدعا النبي(صلى الله عليه وآله) فزيد له في النهار ساعة، وحبست عليه الشمس فلم تُرَدّ الشمس على أحد إلا على رسول الله(صلى الله عليه وآله) يومئذٍ، وعلى يوشع بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس فخاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فيه، فدعا الله فردّ عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم. وقد قال الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس في قـَصيدة من كتابه بشرى اللبيب بذكرى الحبيب:

وقـفت لـه شمس الـنهـار كــرامـةً

 

كـما وقـفت شمس النـَّهار ليوشعا

وردَّت عليه الشمس بعد غـروبهـا

 

وهـذا من الايقان أعظـم مَـوقـعــا

والعلّامة بهاء الدين بن السبكي رحمهما الله تعالى في قصيدته المسماة بهدية المسافر إلى النور السافر فقال شعراً:

وشمس الضحى طاعتك وقت مغيبها

 

فما غربت بل وافقتك بوقـفــةٍ

وردّت عـليـك الـشمس بعد مغـيبـهــا

 

كما أنَّها قــدمـاً لـيـوشـع رُدتِ

الباب الخامس في ردّ الشمس بعد غروبها ببركة دعائه ـ (صلى الله عليه وآله) ـ: قـال الحافـظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير: حدّثنا جعفر بن أحمد بن سنان الواسطي، حدّثنا أبو العباس أحمد بن يحيى الجرادي بالموصل، حدّثنا علي بن المنذر، حدّثنا محمد بن فضيل، حدّثنا الفضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين بن علي، عن أسماء بنت عميس قالت: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذا نزل الوحي يكاد يغشى عليه، فأنزل عليه يوماً ورأسه في حجر علي، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله): صلّيت العصر يا عليّ؟ قال: لا يا رسول الله فدَعا الله(عز وجل) فردّ عليه الشمس حتى صلّى العصر قالت: فـَرَأَيْتُ الشمس طلعت بعدما غابت حين رُدّت حتى صلَّى العصر .

قال الحافظ أبو الحسن الهَيْثـَمي: ورِجَالـَه رِجال الصحيح غير إبراهيم بن الحسن وهو ثقة وثـَّقـَهُ ابن حِبَّان .

قلت: وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحاً، وأورده الذهبي في المغنى في الضعفاء، وقال الحافظ ابن حجر في (تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة) ولم يذكر لذكره فيه مستنداً، قلت: إنـَّما ذكره لأجل الحديث، ولـَمْ ينفرد به إبراهيم بَلْ تابعه عليه عروة بن عبد الله بن قشير عن فاطمة بنت علي كما سيأتي .

وقال الهيثمي: وفاطمة بنت علي بن أبي طالب لا أعرفها، قلت: فاطمة هذه روى لها النسائي وابن ماجة في التفسير، ووثـّقها الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب) وتابعها أبو جعفر محمد بن جعفر بن أبي طالب .

وقال الطبراني: حدّثنا الحسين بن اسحاق التستري، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة (ح) وحدّثنا عبيد بن سنام، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدّثنا عبيد الله بن أبي موسى، عن فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن، عن فاطمة بنت الحسين، عن أسماء بنت عميس فذكر نحوه .

الحسين بن إسحاق قال الذهبي في تاريخ الإسلام: محدثٌ ثقة، وعبيد بن غنام وهو ابن حفص بن غياث وثـَّقه مسلم بن قاسم، وأبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة مِنْ رجال الصحيحين، وعبيد الله بن موسى من رجال الصحيحين وثقوه، وفضيل بن مرزوق روى له مسلم والأربعة .

قال الحافظ ابن حجر في تقريبه صدوقٌ يهم، وإبراهيم بن الحسن ثقةٌ وأنَّ ابن حِبّان وثـَّقه، وفاطمة بنت الحسين روى لها أبو داود في المراسيل وثقها الحافظ في التقريب .

تنبيه: قال في الرواية السابقة عن إبراهيم بن الحسن، عن فاطمة بنت علي، عن أسماء، وفي هذه عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها، وقد جمع كل مِنْ فاطمة بنت علي وفاطمة بنت الحسين عن أسماء، وفاطمة بنت الحسين هي أم إبراهيم بن الحسن بن الراوي عنهما، فكأنّه سمعه من أُمّه وعمته فاطمة بنت عليّ، فرواه مرّة عن أُمّه ومرّة عن عمتها، وقد عدّ ذاك ابن الجوزي وغيره اضطراباً وليس كذلك .

وقال الطبراني: حدّثنا اسماعيل بن الحسن الخفاف، حدّثنا شاذان بن الفضل، حدّثنا أبو الفضل محمد بن عبيد الله القصار بمصر، حدّثنا يحيى بن أيوب العلاف، قال: حدّثنا أحمد بن صالح، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني محمد بن محمد بن موسى الفطري، عن عون بن محمد، عن أمه أم جعفر، عن أسماء بنت عميس فذكر نحوه .

وقال شاذان: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن عمير، حدّثنا أحمد بن الوليد بن برد الأنطاكي، حدّثنا محمد بن اسماعيل بن أبي فديك به عن اسماعيل بن الحسن بن الخفاف وثـَّقـَهُ ابن يونس، ويحيى بن أيوب من رجال النسائي قال الحافظ في (التقريب): صدوق وأحمد بن صالح من رجال البخاري وأبو داود، وقال في التقريب: ثقة حافظ، تكلّم فيه النسائي بلا حجة، وأبو الحسن أحمد بن عمير بن جوصاء وثقـّه الطبراني، وقال أبو علي الحافظ: كان ركناً من أركان الحديث، وإماماً من أئمة المسلمين قد جاز القنطرة، وقال الحافظ في الكشاف: صدوق، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، قال الذهبي في (تاريخ الإسلام): هو ثقة ليست له غرائب فما للضعف عليه من علّة .

أحمد بن الوليد بن برد وثـَّقـَهُ ابن حِبّان وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جُرْحا وقال كتب عن أبي محمد بن اسماعيل بن أبي فديك نعم القاص روى عنه الأئمة والأربعة وذكره البخاري في التاريخ ولم يجرحه، وقال الحافظ في التقريب: صدوقاً رمي بالتشيع .

وعون بن محمد بن علي بن أبي طالب وثّقه ابن حِبَّان، وذكره البخاري في (التاريخ) ولم يضعّفه، وأم جعفر ويقال لها أم عون بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب من رجال ابن ماجة في (التقريب) مقبولة، ولهذا أورد الذهبي هذا الطريق في مختصر الموضوعات، وابن الجوزي قال: غريب عجيب تفرّد به ابن أبي فـُديك وهو صدوق، شيخه الفطري صدوق واعترض على هذا فذكر حديث (لم تحبس الشمس لأحد إلا ليوشع بن نون) وسيأتي الجواب عنه، ولم يذكر علّة غير ذلك .

وقال شاذان الفضلي: حدّثنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن إسماعيل بن كعب الدقاق بالموصل، ثنا علي بن جابر الأودي، حدّثنا عبد الرحمن بن شريك، حدّثنا أُبيّ، حدّثنا عروة بن قشير: دخلت على فاطمة بنت علي الأكبر فقالت: حدّثتني أسماء بنت عميس، فذكره .

علي بن إبراهيم وثـَّقه الأزدي نقله الخطيب في التاريخ، وعلي بن جابر الأودي ـ بفتح الألف وسكون الواو ودال مهملة ـ وثـَّقه ابن حِبَّان، وعبد الرحمن بن شريك روى له البخاري في الأدب المفرد، قال الحافظ في التقريب: صدوق وأبوه من رِجَالِ مسلم والأربعة، وروى له البخاري تعليقاً، قال في (التقريب): صدوق يخطئ كثيراً، وعروة بن قـُشَير ـ بضم القاف وفتح الشين المعجمة ـ من رجال أبي داود والترمذي في الشمائل، ووثقـَّه الحافظ في التقريب، وفاطمة بنت علي تقدّمت .

ولهذا الحديث طرق أخرى عن أسماء أوردت بعضها في كتابي (مزيل اللبس عن حديث رَّدَّ الشمس)(50)، وورد من حديث علي ورواه شاذان، ومن حديث ابنه الحسين بن علي رواه الدولابي في (الذرية الطاهرة)، والخطيب في (تلخيص المتشابه) ومن حديث أبي سعيد رواه الحافظ أبو القاسم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد بن حسكان ـ بمهملتين وفتح أوله ـ الفقيه الحنفي القاضي النيسابوري فيما أملاه من طرق هذا الحديث، نقله الذهبي في موضوعات ابن الجوزي من حديث أبي هريرة، وابن مردويه وابن شاهين وابن منده، وحسّنه شيخنا في (الدرر المنتشرة في الأحاديث المشتهرة) وقد سبقت أحاديثهم، وتكلّمت على رجالها في كتابي (مزيل اللبس من حديث ردّ الشمس) وحديثاً مما رواه الطحاوي من طريقين في كتابه (مشكل الآثار) وقال: هذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات، ونقله عن القاضي عياض في الشفاء، والحافظ ابن سيد الناس في كتابه (بشرى اللبيب) .

وقال في قصيدة ذكرها في شعره:

وردّت عليه الشمس بعد غروبها

 

وهذا من الإيقان أعظم مَوْقِعَا

والحافظ علاء الدين بن مغلطاي في كتابه (الزهر الباسم)، واللاذُري في (توثيقه عرى الإيمان) والنووي في (شرح مسلم) في باب حل الغنائم لهذه الأمة، ونقله عنه الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي في باب الآذان، كما في النسخ المعتمدة، وأقرّه وصحّحه الحافظ أبو الفتح الأزدي، ونقله ابن العديم في تواريخ حلب، وحسّنه الحافظ أبو زرعة ابن الحافظ أبي الفضل العراقي في تكملته لشرح تقريب والده .

وقال الإمام أحمد - وناهيك - ولا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حديث أسماء، لأنّه من أجل علامات النبوة رواه الطحاوي، فقد أنكر الحفّاظ على ابن الجوزي إيراده لهذا الحديث في الموضوعات، فقال الحافظ ابن حجر: في باب قول النبي(صلى الله عليه وآله): (أحلت لكم الغنائم) من فتح الباري بعد أن أورد الحديث: أخطأ ابن الجوزي بإيراده له في الموضوعات، انتهى . ومن خَطّه نقلت، وقال الحافظ مغلطاي في الزهر الباسم بعد أن أورد الحديث من عند جماعة لا يلتفت إليهم لما أعل به ابن الجوزي من حيث أنـَّه لم يقع له الإسْنـَاد الّذي وقع لهؤلاء، وقال شيخنا في مختصر الموضوعات أفرط بايراده له هنا .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــ

1 - تهذيب التهذيب 4: 294.

2 - الكامل 3: 436 ط دار الفكر بيروت.

3 - الضعفاء الكبير2: 175 ط دار الكتب العلمية بيروت.

4 - أخبار القضاة 2: 422 – 427.

5 - لطائف المعارف للثعالبي: 29 ط مصر .

6 - علي إمام البررة 2: 323 – 328.

7 - سبأ: 20.

8 - لسان الميزان 3: 375 ط حيدر آباد .

9 - راجع تهذيب التهذيب 11: 187.

10 - التهذيب 9: 341 – 342.

11 - المعارف: 594 – 595.

12 - من المزايدات السخيفة موضوع مَن حُمل به أكثر من وقت الحمل، وقد بحث هذا الموضوع في كتب التفسير وكتب الحديث وحتى كتب الأحكام، وتفاوتت فيه كلمات الأعلام، فاقرأوا بعض ما قاله المفسرون من العامة في تفسير قوله تعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ) الرعد: 8 .

وإلى القارئ ما قاله القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن) 9: 287 – 288 ط دار إحياء التراث العربي بيروت قال:

الخامسة: واختلف العلماء في أكثر الحمل ؛ فروى ابن جُرَيج عن جَميلة بنت سعد عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحوّل ظِل المِغزَل ؛ ذكره الدَّار قُطْني . وقالت جَميلة بنت سعد ـ أخت عبيد ابن سعد، وعن الليث بن سعد -: إنّ أكثره ثلاث سنين . وعن الشافعي أربع سنين ؛ وروى عن مالك في إحدى روايتيه، والمشهور عنه خمس سنين ؛ وروى عنه لا حدّ له، ولو زاد على العشرة الأعوام ؛ وهي الرواية الثالثة عنه . وعن الزّهري ست وسبع . قال أبو عمر: ومن الصحابة من يجعله إلى سبع ؛ والشافعي: مُدَّةٌ الغاية منها أربع سنين . والكوفيون يقولون: سنتان لا غير . ومحمد بن عبد الحكم يقول: سنة لا أكثر . وداود يقول: تسعة أشهر، لا يكون عنده حمل أكثر منها . قال أبو عمر: وهذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد، والردّ إلى ما عُرف من أمر النّساء وبالله التوفيق.

رَوى الدَّارقـُطْنيّ عن الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس: إنّي حدّثت عن عائشة أنّها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قـَدْر ظِلّ المِغـْزَل، فقال: سبحان الله! مَن يقول هذا؟ ! هذه جارتنا أمرأة محمد بن عَجْلان، تحمل وتضع في أربع سنين، امرأة صدق، وزوجها رجل صدق؛ حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل كل بطن أربع سنين. وذكره عن(*) المبارك ابنُ مجاهد قال: مشهور عندنا كانت امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في أربع سنين، وكانت تسمى حاملة الفيل . وروى أيضاً قال: بينما مالك بن دينار يوماً جالس إذ جاءه رجل فقال: يا أبا يحيى! أدع لامرأة حبلى منذ أربع سنين قد أصبحت في كرب شديد؛ فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال: ما يرى هؤلاء القوم إلا أَنـَّا أنبياء ! ثم قرأ، ثم دعا، ثم قال: اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه عنها الساعة، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها (بها) غلاماً، فإنّك تـَمْحو ما تشاء وتُثـْبِت، وعندك أمّ الكتاب، ورفع مالك يده . ورفع الناس أيديهم، وجاء الرسول إلى الرجل فقال: أدرك امرأتك، فذهب الرجل ؛ فما حطّ مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جَعْد قـَطـَط (**)، ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه، ما قـُطِعت سراره(***) ؛ ورُوي أيضاً أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين ! إنّي غبت عن امرأتي سنتين فجئت وهي حبلى ؛ فشاور عمر الناس في رجمها، فقال معاذ بن جبل:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) من أ . وفى و: ابن المبارك .

(**) جعد قطط شديد الجعودة، وجَعدَ الشعر ضد السَبط، يكون بعضه فوق بعض .

(***) سُرار الصبي ـ بالضم ـ: ما تقطعه القابلة من سرّة الصبي . يا أمير المؤمنين ‍! إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل ؛ فاتركها حتى تضع، فتركها، فوضعت غلاماً قد خرجت ثنيتاه ؛ فعرف الرجل الشبه فقال: ابني وربّ الكعبة‍! ؛ فقال عمر: عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ ؛ لولا معاذ لهلك عمر. وقال الضحّاك: وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت سنّي . ويذكر عن مالك أنّه حمل به في بطن أُمه سنتين، وقيل: ثلاث سنين، ويقال: إنّ محمد بن عجلان مكث في بطن أمه ثلاث سنين، فماتت به وهو يضطرب اضطراباً شديداً، فشُقّ بطنها وأخرج وقد نبتت أسنانه . وقال حمّاد ابن سلمة: إنّما سمى هِرم بن حيان هَرِماً لأنّه بقى في بطن أُمه أربع سنين . وذكر الغـَزْنـَوي أنّ الضحّاك وُلد لسنتين، وقد طلعت سِنـّه فسُمّي ضحّاكاً . عبّاد بن العوّام: ولدت جارة لنا لأربع سنين غلاماً شعره إلى منكبيه، فمرّ به طير فقال: كش .

وهذا الّذي ذكره القرطبي تجده بصور متفاوتة في البسط والإجمال في كتب التفسير فراجع: تفسير الرازي 19: 15، وتفسير البغوي 3: 8، وتفسير الكشاف للزمخشري 2: 351، وغيرها في تفسير الآية المذكورة، أما كتب الأحكام فقد تعرّضت بعضها لذلك في باب الرضاع وأقلّ الحمل وأكثره، فراجع حاشية رد المحتار 2: 554 مثلاً .

أما كتب التراجم فقد ذكرت ذلك في ترجمة مالك إمام المالكيه راجع وفيات الأعيان لابن خلكان في ترجمته، وأكثرت ذكره كتب المالكية كتنوير الحوالك للسيوطي 1: 4، وعدّوه من مناقب مالك. فياللسخف الّذي يغلب عقول الناس، فيهرفون بما لا يعرفون، كيف يصدّقون بذلك والحال لو زاد الحمل على تسعة أشهر لقتل أمه، وهذا ما ذهب إليه الإمامية تبعاً لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) في ذلك(*) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) راجع الوسائل باب أقل الحمل وأكثره .

 

13 - لقمان: 33.

14 - تهذيب التهذيب 9: 363 – 368.

15 - تهذيب التهذيب في ترجمته.

16 - تذكرة الحفّاظ: 1083 – 1084.

17 - الضعفاء الكبير للعقيلي 1: 22.

18 - المعرفة والتاريخ 2: 769 تحـ الدكتور أكرم ضياء العمري، ط أوقاف بغداد.

19 - التذكرة 1: 67 ط حيدر آباد.

20 - البداية والنهاية 7: 353.

21 - أنظر مصادر الحديث النبوي الشريف «لا يحبك إلّا مؤمن، ولا يبغضك إلّا منافق، من أحبّك فقد أحبّني، ومن أبغضك فقد أبغضني، وحبيبي حبيب الله، وبغيضي بغيض الله، ويل لمن أبغضك بعدي» في كتاب علي إمام البررة 1: 93- 101.

22 - الجاثية: 23.

23 - طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة بواسطة شذرات الذهب 6: 232.

24 - مشكل الآثار 2: 8 – 12 طبع حيدر آباد.

25 - المعتصر: 9 ط/2 حيدر آباد.

26 - الفطري بكسر الفاء وسكون الطاء المدني صدوق من السابعة 12 تقريب .

27 - في كنى التقريب أم عون بنت محمد بن جعفر بن أبي طالب، ويقال لها أم جعفر مقبولة من الثالثة رحمة الله عليها ـ الحسن النعماني .

28 - حكى القاضي عياض في الشفاء عن الطحاوي قوله: هذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات، وما حكاه القاضي ذكره غيره عنه، راجع شرح الشفا للقاضي، ونسيم الرياض للخفاجي وغيرهما .

29 - واختصر صاحب المعتصر هذه العبارة أحسن اختصار لله دره، فقال: وفيه لعلي المقدار الجليل والرتبة الرفيعة، وفيه ما يدلّ على التغليظ في فوت العصر، فوقى الله علياً ذلك بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله) لطاعته وكرامته لديه، الحسن النعماني .

30 - صحيح البخاري 2: 119 صحيح مسلم 2: 49 مسند أحمد بن حنبل 2: 318 .

31 - راجع كتابي علي إمام البررة 1: 234 – 241 .

32 - قصص الأنبياء : 340 ، مشكل الآثار 2 : 8 ، الرياض النضرة 2 : 180 البداية والنهاية 6 : 80 ، لسان الميزان 5: 76 .

33 - كنز العمال 6: 277، الرياض النضرة 2: 179 .

34 - قال الحاكم: أما حديث الطير فله طرق كثيرة جداً قد أفردتها بمصنف ومجموعها وهو يوجب أن يكون الحديث له أصل، مستدرك الصحيحين 3: 130 ليس في هذه الصفحة حديث رد الشمس بل حديث الطير وأحاديث أخرى، تاريخ بغداد 5: 473، طبقات الشافعية 3: 64 .

35 - سيأتي تحقيق حول هذا الخبر فانتظر .

36 - في نسخة، في الوغى .

كم وكم حرب عقام

قد بالصمصام فاها

37 - القصيدة 78 بيت ديوان الصاحب: 114 – 119 .

38 - الشفا بتعريف حقوق المصطفى 1: 240.

39 - نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عيّاض 3 : 11.

40 - شرح الشفا 3: 13 بهامش نسيم الرياض.

41 - مرقاة المفاتيح 7: 544 ط دار الكتب العلمية.

42 - أحمد في المسند 2: 325 .

43 - في المخطوطة (ويكسر) .

44 - فتح الباري 6: 221.

45 - المقاصد الحسنة: 226، بتحقيق عبدالله بن محمد الصدّيق وتقديم عبدالوهاب عبداللطيف برقم 519.

46 - الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة: 76 – 77، ط الميمنية بمصر سنة 1312 هـ .

47 - الخصائص الكبرى2: 82.

48 - الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة 266: 488.

49 - سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 9: 434 – 439 ط 1 بدار الكتب العلمية بيروت.

50 - طبعه المرحوم العلامة الشيخ محمد باقر المحمودي في كتابه كشف اللبس عن حديث ردّ الشمس من ص109 إلى ص164 ط مؤسسة المعارف الإسلامية بقم سنة 1419 .