كتاب الإمام علي سيرة والتاريخ ص 1 ـ 19
 

●●●●  فهرس الكتاب

 

الإمام علي(ع)
سيرةٌ وتاريخٌ

 


المقدمة

إنه قد لا يخفى على قارئ ما يعانيه كاتب وهو يحاول الاقتراب من مقامٍ عليٍّ ، كَمَقام عليّ.. ذلك المقام الذي طالما أدهش العقول ، وأذهل البصائر ، وحيّر الألباب.. فليس لأحد بعد النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من مقام يشبه مقام رجل اقترنت حياته كلها بحياة ذلك النبي العظيم ، منذ ولادته وعلى امتداد أيام نشأته ، ومنذ فجر الإسلام ومبعث النبي وعلى امتداد ايام دعوته وفصول جهاده وحتى لحظاته الأخيرة بل حتى توديع جثمانه الطاهر ، بل بعد ذلك إلى يوم الدين إذ به قد امتد نسل النبي من ابنته الوحيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ، بل حتى في يوم الدين وبعده في مقام الخلود تقترن الشخصيتان في أعظم مقام عند الله تعالى ، فلواء الحمد لخاتم النبيين محمد ، وحامله علي ، وحوض الكوثر تحفة الله لنبيه محمد ، والساقي عليه عليّ ، والمقام المحمود في الجنان لسيد الخلق محمد ، وصاحبه فيه عليّ.. فمهما أفاض القلم بالمداد ، ومهما أبدع الكاتب وأجاد ، فإن الذي بينه وبين حقيقة مقام علي مسافات شاسعة ودنيا واسعة.. ويبقى جهد المقل في صفحات معدودات أن يستعيد العناوين الرئيسية التي تستوعبها الكتابات التقليدية عن رجل له هذا المقام الكبير.
وغاية هذا الكتاب هي الوقوف عند مثل هذه العناوين ، إسهاماً في تأكيد الحق العلوي الذي لا يحجب اشراقه كل ما وضعه جبابرة التاريخ من حُجب ، ولا يعلو عليه كل ما راكموه من باطل...


( 8 )


تناولنا ذلك معتمدين التركيز والاختصار ، مع التوثيق المناسب.
وقد جاء هذا الكتاب في ثلاثة أبواب :
تناول الباب الأول : حياة علي عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فصلين
الفصل الأول : علي عليه السلام مع الرسول قبل البعثة.
الفصل الثاني علي عليه السلام مع الرسول بعد البعثة والذي يقسم إلى مبحثين :
المبحث الأول : في مكة.
المبحث الثاني : في المدينة.
وتناول الباب الثاني : علي عليه السلام قبل تولي الخلافة ، على النحو الاتي :
مدخل في خصائصه والادلة على امامته.
الفصل الأول : قصة السقيفة.
الفصل الثاني : مع أبي بكر وعمر وعثمان.
والباب الثالث : خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وهو في فصلين :
الأول : تولي الخلافة وسياسته عليه السلام في الإصلاح
الثاني : علي عليه السلام في العراق.
راجين أن نكون قد وفينا بهذا الجهد المتواضع بعض الحق الذي في أعناقنا لهذا الامام الكبير ، آملين الفوز بشفاعته.. والله من وراء القصد.



( 9 )


الباب الأول
عليٌّ عليه السلام مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)


الفصل الأول : علي عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة


وهو فصل تمهيدي نتناول فيه شخصية أمير المؤمنين عليه السلام من حيث نسبه وصفته وأسمائه وألقابه ومولده ونشأته في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

نسبه :
هو سيِّد العرب ، يعسوب المؤمنين ، مولى الموحّدين ، أسد الله الغالب عليُّ بن أبي طالب بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن نضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (1)
القرشي ، الهاشمي ، المكِّي ، المدني.
قيل : « هو أول هاشمي ولد من أبوين قرشيين هاشميين » (2) وفي عبارة الكليني : « وهو أول هاشمي ولده هاشم مرَّتين » (3) .
ولا يصحُّ ذلك ، لأنَّ اُمَّه ولدت قبله طالباً وعقيلاً وجعفراً من أبوين هاشميين!!
____________
1) أسد الغابة | ابن الأثير 4 : 100 ، البداية والنهاية | ابن كثير 7 : 223.
2) أسد الغابة 4 : 100 ، إعلام الورى | الطبرسي 1 : 306 ، تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ط1 | 1417هـ ، الإرشاد| الشيخ المفيد 1 : 6 ، تحقيق مؤسسة آل البيت لإحياء التراث ـ قم.
3) الكافي | الكليني 1 : 452 باب : مولد أمير المؤمنين صلوات الله عليه.


( 10 )


والصحيح أن يقال : « وأمُّه أول هاشمية ولدت هاشمياً » (1) ..
وهو والد ابنين هاشميين ، لأبوين وجدَّين كلِّهم من بني هاشم.
كنيته : أبو الحسن.
ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخوه ، آخاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرَّتين؛ فإنَّ رسول الله آخى بين المهاجرين ، ثُم آخى بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة ، وقال لعليٍّ في كلِّ واحدة منها : « أنت أخي في الدنيا والآخرة » (2) .
وهو وزير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيُّه وخليفته في أُمَّته ، وجامع فضائله وشمائله ، ووارث علمه وحكمه ، وختنه على ابنته فاطمة الزهراء عليها السلام.
وأول خليفة من بني هاشم ، هاجر الهجرتين ، ماشياً حافياً ، وشهد بدراً وأُحداً والخندق وبيعة الرضوان والمشاهد كلَّها ، الا معركة تبوك ، فقد خلَّفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة ، كان ذلك أحد مواضع قوله له : « أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي » (3) وأبلى في جميع المعارك بلاءً عظيماً ، وكان اللواء في أكثر المواضع بيده.
جدُّه وأبوه :
جدّه عبدالمطَّلب ، الملقَّب بشيبة الحمد؛ لشيبة كانت في رأسه (4) ، وقيل : « اسمه شيبة » (5) ، وكنيته : أبو البطحاء ، لأنَّهم استسقوا به سقياً فكنَّوه
____________
1) البداية والنهاية 7 : 223.
2) أسد الغابة 4 : 91 ، تهذيب الكمال في أسماء الرجال 13 : 103.
3) مسند أحمد بن حنبل 5 : 64.
4) تذكرة الخواص : 14.
5) البداية والنهاية 7 : 223.


( 11 )


به (1) .. وقد بلغ من الشرف في قومه ما لم يبلغه أحد من قبل.
وكان عبدالمطَّلب جدُّ رسول الله يكفله ، وعبدالمطَّلب يومئذٍ سيِّد قريش غير مدافَع ، قد أعطاه الله من الشرف ما لم يعطِ أحداً ، وسقاه زمزم وذا الهُدُم ، وحكَّمته قريش في أموالها ، وأطعم في الُمحل حتى أطعم الطير والوحوش في الجبال.
قال أبو طالب :

ونُطعمُ حتى تأكُلَ الطيرُ فضلَنا * إذا جَعَلَتْ أيدي المُفيضينَ تَرْعَدُ


وكان على ملَّة إبراهيم الخليل؛ فرفض عبادة الأصنام ووحَّد الله عزَّوجلَّ ، وسنَّ سنناً نزل القرآن بأكثرها ، وجاءت السُنَّة من رسول الله بها وهي : الوفاء بالنذور ، ومائة من الإبل في الديّة ، والا تنكح ذات محرم ، ولاتؤتى البيوت من ظهورها ، وقطع يد السارق ، والنهي عن قتل الموؤدة ، والمباهلة ، وتحريم الخمر ، وتحريم الزنا ، والحدُّ عليه ، والقرعة ، والا يطوف أحدٌ بالبيت عرياناً ، وإضافة الضيف ، والا ينفقوا إذا حجَّوا الا من طيِّب أموالهم ، وتعظيم الأشهر الحُرم ، ونفي ذوات الرايات (2) .
هكذا كان مجاهراً بدينه ، داعياً إلى الخلق الكريم والمبادئ السامية التي جاءت بها الاديان ، وكان له في هذه الخصال دور لا يشاركه فيه أحد ، حتى أنَّ قريشاً كانت تسميه إبراهيم الثاني.
____________
1) انظر تفاصيل ذكره في تذكرة الخواص : 14.
2) تاريخ اليعقوبي | أحمد بن أبي يعقوب 2 : 10 ـ 11 دار صادر.


( 12 )


وكان يفرش له بفناء الكعبة والناس من حوله يهابونه ، فلا يقرب فراشه أحد ، الا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كان يتخطَّى رقاب عمومته ، ويجلس على فراش جدِّه ، ولما حاولوا منعه قال لهم : دعوا ابني ، إنَّ لابني هذا شأناً..
وتوفِّي عبدالمطَّلب ولرسول الله ثماني سنين ، وكانت قد أتت على عبدالمطَّلب مائة وعشرون سنة ، وقيل : مائة وأربعون سنة (1) .
وعن أمِّ أيمن قالت : أنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمشي تحت سريره وهو يبكي ، وقيل : كان لعبدالمطَّلب يوم مات ثمانون سنة (2) .
وأعظمت قريش موته ، وغُسل بالماء والسدر ودُفن بالحجون ، وقيل : إنَّه حُمل على أيدي الرجال عدَّة أيَّام إعظاماً وإكراماً وإكباراً لتغييبه في التراب.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال : « إنَّ الله يبعث جدِّي عبدالمطَّلب أُمَّة واحدة في هيئة الأنبياء وزيِّ الملوك » (3) .
وورث أبو طالب ـ والد عليٍّ أمير المؤمنين عليه السلام ـ زعامة أبيه عبدالمطَّلب ، وكفالته رسول الله ، فكان خير كافل ومعين ، وقد كان كأبيه سيِّداً شريفاً مهيباً.
قال عليُّ بن أبي طالب : « أبي ساد فقيراً ، وما ساد فقيرٌ قبله » (4) ،
____________
1) انظر تاريخ اليعقوبي 2 : 13.
2) انظر تذكرة الخواص : 18.
3) و 4) تاريخ اليعقوبي 2 : 14.


( 13 )


وخرج برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بُصرى من أرض الشام وهو ابن تسع سنين ، وقال : « والله لا أكِلك إلى غيري » (1) .
وتولَّى العناية برسول الله والقيام بشؤونه من سنة ثمان من مولده الشريف ، وحتى العاشرة من النبوَّة ، وذلك اثنان وأربعون سنة ، وظل يدافع عن النبي ورسالته حتى آخر نفس من حياته ، وقد انعكست هذه الحقيقة وتجلَّى موقفه هذا في كثير من أشعاره ، منها قوله :

ليعلــم خيار الناس أنَّ محمداً * نبيٌّ كموسى والمسيح ابن مريم


وقوله :

ألم تعلمــوا أنَّا وجدنــا محمدا * رسولاً كموسى خطَّ في أوَّل الكتبِ


وقوله في لاميَّته الشهيرة :

لقد علمـوا أنَّ ابننا لا مكذَّبٌ * لدينا ولا يُعنَى بقولِ الأباطلِ
فأصبـح فينا أحمد في اُرومة * تُقصِّـر عنه سَورَة المتطاوِلِ
حَدِبْتُ بنفسـي دونه وحميتُه * ودافعت عنه بالذُّرا والكلاكلِ
فأيَّده ربُّ العبـاد بنصــره * وأظهرَ ديناً حَقُّهُ غيرُ باطلِ (2)


وتوفِّي أبو طالب بعد وفاة خديجة بثلاثة أيَّام ـ أي قبل هجرة الرسول من مكَّة إلى المدينة بثلاث سنين ـ في شوال أو في ذي القعدة ، وله ست وثمانون سنة ، وقيل بل تسعون (3) ، وسمَّى النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم هذا العام بعام
____________
1) أنظر تاريخ اليعقوبي 2 : 14.
2) أنظر : السيرة النبوية | ابن هشام 1 : 229 ـ 235 ، دار الفكر ، 1415هـ.
3) تاريخ اليعقوبي 2 : 35.


( 14 )


الحزن ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « ما نالت قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب » (1) .
وقال السدي : مات أبو طالب وهو ابن بضع وثمانين سنة ، ودُفن بالحجون عند عبدالمطَّلب.
ولمَّا قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنَّ أبا طالب قد مات ، عظُم ذلك في قلبه ، واشتدَّ له جزعه ، ثُمَّ دخل فمسح جبينه الأيمن أربع مرَّات ، وجبينه الأيسر ثلاث مرَّات ، ثُمَّ قال : « يا عم ربيّت صغيراً ، وكفلت يتيماً ، ونصرت كبيراً ، فجزاك الله عنِّي خيراً » ومشى بين يدي سريره وجعل يعرضه ويقول : « وصلتك رحم وجُزيتَ خيراً » ، وقال : « اجتمعت على هذه الأُمَّة في هذه الأيَّام مصيبتان لا أدري بأيِّهما أنا أشدُّ جزعاً » يعني : مصيبة خديجة وأبي طالب رضي الله عنهما (2) .
وسُئل الإمام السجَّاد عليه السلام عن إيمان أبي طالب ، فقال : « واعجباً ، إنَّ الله نهى رسوله أن يقرَّ مسلمة على نكاح كافر؛ وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام ، ولم تزل تحت أبي طالب حتَّى مات » (3) .
وهو من أوضح البراهين على إيمان أبي طالب رضي الله عنه.
أُمُّه :
فهي فاطمة بنت أسد بن هاشم ـ جدُّ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بن عبد مناف بن قصي الهاشمية القرشية ، وأُمُّها فاطمة بنت قيس بن هرم بن رواحة بن
____________
1) البداية والنهاية 3 : 13.
2) تاريخ اليعقوبي 2 : 35.
3) الصحيح من سيرة النبيِّ الأعظم 3 : 238.


( 15 )


حجر بن عبد بن بغيض بن عامر بن لؤي (1) بنت عم أبي طالب.
وقال أهل السير : « هي أول هاشمية تزوّجت هاشمياً وولدت خليفة هاشمياً » (2) وهي من سابقات المؤمنات إلى الإيمان ، وكانت قبل ذلك على ملَّة إبراهيم الخليل عليه السلام ، هاجرت مع رسول الله في جملة المهاجرين إلى المدينة المنوَّرة ـ على ساكنها السلام ـ ماشية ، حافية ، و هي أوَّل امرأةٍ بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكَّة بعد خديجة زوج الرسول..
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعاملها كما يعامل ابنٌ برَ أمَّه حتى يوم وفاتها. حيث توفِّيت في المدينة المنوَّرة سنة أربع من الهجرة ، وأنَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال : « اليوم ماتت أمِّي » (3) ، وشهد جنازتها فصلَّى عليها وكفَّنها قميصه ليدرأ عنها هوامَّ القبر ، ونزل في قبرها لتأمن ضغطته (4) .
وروي أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « يُحشر الناس يوم القيامة عراة » فقالت : واسوأتاه ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « فإنِّي أسأل الله أن يبعثك كاسية » (5).
وسمعته يذكر عذاب القبر فقالت : واضعفاه ، فقال : « إنِّي أسأل الله أن يكفيك ذلك » (6) ..
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك يزورها ويقيل عندها في بيتها ، وقال ابن عبَّاس : « وفيها نزلت ( يا أيُّها النبيُّ إذا جاءك المؤمنات
____________
1) الطبقات الكبرى لابن سعد 8 : 178.
2) تذكرة الخواص : 10.
3) و 4) تاريخ اليعقوبي 2 : 14.
5) و 6) تذكرة الخواص : 10.


( 16 )


يبايعنك...) (1) » (2) وإنَّها كانت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة الام ، تفضله على أبنائها وتغدقه من حنانها وكان شاكراً لبرِّها.. وقال صلى الله عليه وآله وسلم : « إنَّها كانت أمِّي ، إنها كانت لتجيع صبيانها وتُشبعني ، وتشعثهم وتدهنني ، وكانت أمِّي » (3) .
إخوته :
وله عليه السلام خمس إخوة كلُّهم من أمِّه فاطمة بنت أسد : ثلاثة ذكور وبنتان ، فالذكور : طالب ، وعقيل ، وجعفر ، وبين كلِّ واحد وآخر عشر سنين والبنتان : أم هاني ، وجمانة. وفي ما يلي نذكر موجزاً عن أحوالهم :
1 ـ طالب : وهو أكبر ولد أبي طالب ، وبه كان يكنَّى ، أخرجه المشركون يوم بدر لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كرهاً؛ فقال :

اللَّهمّ إمّا يغــزون طـــالب * في منقــبٍ من هــذه المناقب
وليكن المغلــوب غير غالـب * وليكن المسلــوب غيـر السالب

فلمَّا انهزم المشركون يوم بدر لم يوجد في القتلى ، ولا في الأسرى ، ولارجع إلى مكَّة ، ولا يُدرى ما حاله ، وليس له عقب (4) .
2 ـ عقيل (5) : وهو أكبر من جعفر بعشر سنين كذلك ، ويكنَّى أبا يزيد.
____________
1) سورة الممتحنة : 60.
2) تذكرة الخواص : 10.
3) تاريخ اليعقوبي : 14.
4) أنظر تذكرة الخواص : 11.
5) أنظر ترجمته في : أسد الغابة 4 : 70 ـ 73 ، الطبقات الكبرى 4 : 31 ، سير اعلام النبلاء 1 : 218 ، تهذيب التهذيب 7 : 226 ، تذكرة الخواص : 11.


( 17 )


قال له النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم : « إنِّي أحبُّك حبَّين ، حبَّاً لقرابتك ، وحبَّاً لما كنتُ أعلم من حبِّ عمِّي إيَّاك » (1) .
وكان عقيل ممَّن خرج مع المشركين إلى بدر مكرهاً ، فأُسر يومئذٍ ولم يكن له مال؛ ففداه عمُّه العبَّاس. ثمَّ أتى مسلماً يوم الحديبية ، وهاجر إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم سنة ثمانٍ ، وشهد غزوة مؤتة.
قال الواقدي : « أصاب عقيل يوم مؤتة خاتماً عليه تماثيل ، فنفله إيَّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان في يده » (2) .
وكان سريع الجواب المسكت للخصم ، وله فيه أشياء حسنة يطول ذكرها ، وكان أعلم قريش بالنسب ، وأعلمهم بأيَّامها ، ولكنَّه كان مبغَّضاً إليهم ، لأنَّه كان يَعدُّ مساوئهم.
وكان على رأس ثلاثة اعتمدهم عمر بن الخطَّاب في تثبيت أسماء العرب وأنسابهم في الديوان الذي أقامه ، ويعدُّ هذا الديوان أوَّل كتاب في الأنساب يكتبه المسلمون ، وقد كان عقيل رأساً فيه.
وكانت له طنفسة ـ بساط ـ تطرح له في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويجتمع الناس إليه في علم النسب وأيَّام العرب ، وكان يكثر ذكر مثالب قريش ، فعادوه لذلك ، وقالوا فيه بالباطل ، ونسبوه إلى الحمق ، واختلقوا عليه أحاديث مزوَّرة.
وكان ممَّا أعانهم عليه مفارقته أخاه عليَّاً عليه السلام ، ومسيره إلى معاوية
____________
1) تذكرة الخواص : 12.
2) تذكرة الخواص : 11.


( 18 )


بالشام ، فقيل : « إنَّ معاوية قال له يوماً : هذا أبو يزيد ، لولا علمه بأنِّي خير له من أخيه ، لما أقام عندنا ، فقال عقيل : أخي خير لي في ديني ، وأنت خير لي في دنياي ، وقد آثرت دُنياي ، وأسأل الله خاتمة خيرٍ بمنِّه » (1) .
وكانت زوجته فاطمة بنت عُتبة بن ربيعة خالة معاوية ، وعاش عقيل إلى سنة خمسين من الهجرة وتوفِّي بعدما ذهب بصره.
ومن أولاده : يزيد ، وبه كان يكنَّى ، وسعيد ، وأمُّهما أمُّ سعيد بنت عمرو من بني صعصعة.
وجعفر الأكبر وأبو سعيد ـ وهو اسمه ـ وأمُّهما أمُّ البنين كلابية.
ومسلم وهو الذي بعثه الحسين عليه السلام إلى الكوفة وبها استشهد وقبره هناك يزار.
وعبدالرحمن وعلي وجعفر وحمزة ومحمد ورملة وأم هاني وفاطمة وأم القاسم وزينب وأم النعمان وجعفر الأصغر ، أولاد لأمَّهات شتَّى.
3 ـ جعفر (2) : وهو المعروف بـ ( جعفر الطيَّار ) فقد كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلقاً وخُلُقاً (3) ، أسلم بعد إسلام أخيه عليٍّ بقليل.
وكان لجعفر من الولد عبدالله ، وبه كان يُكنَّى ، وله العقب من ولد جعفر ، ومحمَّد وعون لا عقب لهما ، وُلدوا جميعاً لجعفر بأرض الحبشة في المهاجرة إليها ، وأمُّهم أسماء بنت عُميس بن معبد بن تيم.
____________
1) أنظر أُسد الغابة 4 : 71.
2) أنظر في ترجمته : الطبقات الكبرى 4 : 25 ، أسد الغابة 1 : 421.
3) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لجعفر : « أشبه خَلقُك خلقي وأشبه خُلُقك خُلقي فأنت منِّي ومن شجرتي » ذكرها ابن سعد في الطبقات الكبرى 4 : 26.


( 19 )


وقد كان من السابقين الأوَّلين إلى الإسلام.. فقد روي أنَّ أبا طالب رأى النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وعليَّاً عليه السلام يصلِّيان ، وعليٌّ عن يمينه ، فقال لجعفر رضي الله عنه : « صِلْ جناح ابن عمِّك ، وصَلِّ عن يساره » (1) .
وقيل : أسلم بعد واحد وثلاثين إنساناً ، وكان هو الثاني والثلاثين ، قاله ابن إسحاق ، وله هجرتان : هجرة إلى الحبشة ، وهجرة إلى المدينة..
وكان رسول الله يسمِّيه : أبا المساكين... ولمَّا هاجر إلى الحبشة أقام بها عند النجاشي ، إلى أن قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين فتح خيبر ، فتلقَّاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واعتنقه ، وقبَّل بين عينيه ، وقال : « ما أدري بأيِّها أنا أشدُّ فرحاً؛ بقدوم جعفر ، أم بفتح خيبر » ؟ وأنزله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جنب المسجد (2) .
4 ـ أمُّ هاني : قال ابن سعد : « اسمها جعدة ، وقيل : فاخته ، وقيل : هند ، وهي التي أجارت زوجها وقوماً من المشركين يوم فتح مكة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « قد أجرنا من أجرت ».. وهاجرت إلى المدينة » (3) .
5 ـ جُمانة : تزوَّجها أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطَّلب ، وهاجرت إلى المدينة ، وتوفِّيت في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم..
وذكر ابن سعد لأبي طالب ابنة أُخرى وقال : اسمها ريطة وقيل : أسماء ، وذكر أيضاً لأبي طالب أبناً آخر ، وقال : اسمه : طليق ، واسم أمِّه وعلة ، والله أعلم بالصواب (4) .
____________
1) و 2) أُسد الغابة 1 : 421.
3) أنظر : تذكرة الخواص 12 ، بتصرف.
4) أنظر تذكرة الخواص : 13 ، بتصرف.