كتاب الإمام علي سيرة والتاريخ ص 55 ـ 77

●●●●  فهرس الكتاب

 

المبحث الثاني : في المدينة المنوَّرة



المدخل :
في شهر ربيع الأول (1) ، وصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة ليباشر في وقت مبكر توطيد الأوضاع الجديدة فيها ، حيث سيعيش المهاجرون الجدد مع سكان المدينة الأصليين ، فكانت أولى الخطوات التي قام بها النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم هي بناء المسجد ، الذي عمل فيه مع سائر أصحابه ، في جوٍّ مفعم بالمحبَّة والإيمان ، وهناك أثنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أصحابه ثناءً عامَّاً في لحمتهم وحماسهم ، وفي أجواء الحماس تلك كان عمّار بن ياسر يسابق غيره في العمل والبناء ، الأمر الذي شدَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكشف عن سرٍّ خطير ، ينتظر عمَّاراً وينتظره عمَّار ، ذلك قوله في تلك الأثناء : « ويهاً ابن سُميَّة تقتلك الفئة الباغية » (2) ، هذه الكلمة التي ستكون لها دلالتها الكبيرة في مستقبل غير بعيد.
1 ـ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار :
من الأعمال التي قام بها رسول الله بعد بناء المسجد الشريف : المؤاخاة ولقد سبق منه صلى الله عليه وآله وسلم أن آخى بين المهاجرين بعضهم ببعض قبل الهجرة ،
____________
1) يوم الاثنين لثمان ليالٍ خلون من شهر ربيع الأول ، وقيل : لليلتين منه ، وقيل : آخر يوم الخميس ، لاثنتي عشرة ليلة خلت منه. انظر الطبقات الكبرى 1 : 180 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 41.
2) الطبقات الكبرى 1 : 185.


( 56 )


وآخى بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة ، هكذا رواه الترمذي والبغوي والحاكم (1) وفي كلِّ مرَّة كان يقول لعليٍّ عليه السلام : « أنت أخي في الدنيا والآخرة ». ورواه أحمد في مسنده بنصِّ : « أنت أخي وأنا أخوك » (2) .
ورواه أصحاب السير والتاريخ من أمثال : ابن اسحاق ، وابن هشام ، وابن سعد ، وابن حجر العسقلاني ، وابن حبَّان ، وابن عبدالبرِّ ، وابن الأثير ، وابن أبي الحديد ، وابن كثير ، والسيوطي (3) ، وغيرهم من أصحاب الجوامع (4).
جاء في سيرة ابن إسحاق ، وسيرة ابن هشام : آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار فقال : « تآخوا في الله أخوين أخوين » ثُمَّ أخذ بيد
____________
1) سنن الترمذي ( الجامع الصحيح ) 5 : 636|3720 ، تحقيق أحمد محمَّد شاكر ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ، مصابيح السُنَّة| البغوي 4 : 173|4769 ، تحقيق د. يوسف عبدالرحمن المرعشلي ، ومحمَّد سليم سمارة ، وجمال حمدي الذهبي ، دار المعرفة ط1 ـ 1407هـ ، المستدرك على الصحيحين 3 : 14.
2) مسند أحمد 1 : 230 ، دار الفكر بيروت.
3) سيرة ابن هشام 2 : 109 ، تحقيق طه عبدالرؤوف سعد ـ دار الجيل ـ بيروت 1985م ، الطبقات الكبرى 3 : 16 ، تهذيب الكمال 13 : 301 ، السيرة النبوية لابن حبَّان : 149 ، تصحيح الحافظ سيد عزيز بك وجماعة من العلماء ـ مؤسسة الكتب الثقافية ط1 ـ 1407هـ ، الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبدالبر النمري ـ بهامش الإصابة 3 : 35 ، ط1 ـ 1328هـ دار إحياء التراث العربي ، أُسد الغابة 2 : 221 ، 4 : 16 ، 29 ، عيون الأثر ، لابن سيد الناس : 264 ـ 265 ، مؤسسة عزالدين للطباعة والنشر 1406هـ ، تاريخ الخلفاء للسيوطي : 135 ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1408هـ.
4) جامع الأصول| ابن الأثير الجزري 9 : 468|6475 ، دار إحياء التراث العربي ط4 ـ 1404هـ ، تحقيق محمَّد حامد الفقي ، مجمع الزوائد للهيثمي 9 : 112 ، دار الكتاب العربي ، ط3 ـ 1402هـ ، الصواعق المحرقة| ابن حجر الهيتمي : 122 ، تحقيق عبدالوهاب اللطيف ـ مكتبة القاهرة ، ط2 ـ 1385هـ ـ 1965م ، كنز العمَّال 11|32879.


( 57 )


عليِّ بن أبي طالب فقال : « هذا أخي » فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيِّد المرسلين وإمام المتَّقين ورسول ربِّ العالمين الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد ، وعليُّ ابن أبي طالب رضي الله عنه أخوين (1) .
أمَّا ابن حجر العسقلاني فذكر حديث المؤاخاة بنصِّ : « لمَّا آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أصحابه قال له [لعليِّ بن أبي طالب] : « أنت أخي » (2) .
وعن عباد بن عبدالله ، عن عليٍّ عليه السلام قال : « أنا عبدالله وأخو رسوله ، وأنا الصدِّيق الأكبر لا يقولها بعدي الا كذَّاب » (3) .
وعندما آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبين عليٍّ عليه السلام ، آخى بين حمزة وزيد ابن حارثة ، وبين أبي بكر وخارجة الخزرجي ، وبين عمر وعتبان بن مالك الخزرجي ، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ ، وبين الزبير وعبدالله بن مسعود ، وبين عمَّار بن ياسر وحذيفة بن اليمان ، وبين طلحة وكعب بن مالك ، وبين أبي ذرٍّ والمنذر بن عمر الخزرجي وهكذا.
هذا أول ما عمله رسول الله بالمدينة المنوَّرة « المؤاخاة الخاصة » غير الأخوة العامة التي جعلها الإسلام بين المسلمين إخوّةً في الله عزَّ وجلَّ.
وتهدف قصة المؤاخاة إلى تمتين عُرى الروابط بين المسلمين وتأكيدها ، واستئصال جذور الجاهلية والتعصُّب ، وهي رابطة تقوم على أساس الإيمان بالله عزَّ وجلَّ وباليوم الآخر ووحدة الهدف والغاية.
____________
1) سيرة ابن هشام 2 : 109 ، الروض الأُنف| السهيلي 4 : 244 ، تحقيق عبدالرحمن الوكيل ، دار إحياء التراث العربي ـ مؤسسة التاريخ ـ بيروت ، ط1 ـ 1992م ، عيون الأثر 1 : 265.
2) الإصابة في تمييز الصحابة| ابن حجر 2 : 507 ، ترجمة (عليُّ بن أبي طالب).
3) رواه النسائي في خصائصه 3 : 18 ، والمتَّقي في كنز العمَّال 9 : 394 ، كما رواه السيوطي في تفسير قوله عزَّ وجلَّ : « إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله ».


( 58 )


قبل ذلك « كان الصراع داخل المدينة متوتراً بين الأوس والخزرج ، ولكنَّ الإسلام جعلهم موحَّدين أنصاراً ، وبمؤاخاتهم مع المهاجرين تحقَّقت للإسلام أرضية جديدة ، كان مقدَّراً لها أن تغيِّر تأريخ المدينة أولاً ، وجزيرة العرب فيما بعد ثانياً » (1) .
هنا عند المؤاخاة رفع النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يد عليٍّ عليه السلام ، قائلاً : « عليٌّ أخي ».
وتستمر صلات المودَّة والإخاء بين محمَّد وعليٍّ عليه السلام من أجل إنجاح الرسالة الإسلامية ، وتوفير قدر أكبر من الضمان لمستقبلها.

2 ـ زواج عليٍّ من فاطمة الزهراء عليها السلام :
في حدود السنة الثانية من الهجرة اجتمع عليٌّ عليه السلام مع الزهراء عليها السلام في بيت الزوجية ، وكان جماعة من المهاجرين قد خطبوها قبله ، لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ردَّهم ردَّاً جميلاً ، فكان ينتظر بها القضاء . كما صرَّحت بذلك عدَّة روايات نأتي على بعضها :
أخرج ابن سعد : أنَّ أبا بكر خطب فاطمة إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : « يا أبا بكر انتظر بها القضاء » فذكر ذلك أبو بكر لعمر ، فقال له عمر : ردَّك يا أبا بكر. ثُمَّ إنَّ أبا بكر قال لعمر : أخطب فاطمة إلى النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، فخطبها ؛ فقال له مثل ما قال لأبي بكر : « أنتظر بها القضاء » ، أو قال : « انَّها صغيرة » (1).
____________
1) عليٌّ سلطة الحقِّ : 27.
2) الطبقات الكبرى لابن سعد 8 : 16 ، وانظر أُسد الغابة 7 : 239 ، وفاطمة الزهراء والفاطميون | عباس محمود العقاد 20.


( 59 )


بل إن الآتي من خبر زواجها عليها السلام يؤكد النصّ الأول « أنتظر بها القضاء » إذ لم يكن زواجها إلاّ بأمر من الله تعالى :
عن أنس بن مالك ، قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فغشيه الوحي ، فلمّا سري عنه قال : « يا أنس ، أتدري ما جاءني به جبرئيل من عند صاحب العرش ؟ » قال : الله ورسوله أعلم ، قال : « إن الله أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ » (1).
وعن عبدالله بن مسعود ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « إن الله أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ ، ففعلت » (2) .
وعن أبي أيوب الانصاري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : « أمرت بتزويجك من السماء » (3) .
أمَّا عليُّ بن أبي طالب فهو أخو رسول الله وربيبه الذي ما قام ركن الإسلام الا بسيفه ، وهو وزير الرسول ووصيُّه ، فكَّر مراراً بفاطمة ، لكنَّه خالي اليدين ليس لديه ما يقدِّمه مهراً لاجتماعهما الميمون ، في هذه الاثناء تذكَّر صلته بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم فتقدَّم ، ولنقرأ قصته في سطور التاريخ :
قال نفر من الأنصار لعليٍّ عليه السلام : عندك فاطمة. فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسلَّم عليه ، فقال : « ما حاجة ابن أبي طالب » ؟
[أجاب بكلِّ ثبات] :
« ذكرت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ».
____________
1) كنز العمال 11 : 606|33929 ، الرياض النضرة 3 : 145.
2) المعجم الكبير ، للطبراني 22 : 407|1020 ، مجمع الزوائد 9 : 204.
3) ابن شاهين | فضائل فاطمة عليها السلام : 50|37.


( 60 )


قال : « مرحباً وأهلاً ». لم يزده عليهما.
فخرج عليٌّ على أولئك الرهط من الأنصار ينظرونه. قالوا : ما وراءك ؟ قال : « ما أدري غير أنَّه قال لي : مرحباً وأهلاً ».
قالوا : يكفيك من رسول الله إحداهما ، أعطاك الأهل أعطاك المرحب (1).
ثمَّ إنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عرض « خطبة عليٍّ » على فاطمة ، فقال لها : « إنَّ عليَّاً يذكرك » (2) ، فسكتت ، فخرج يقول : « سكوتها إقرارها ».
وحين وجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القبول من كلا الطرفين ، سأل عليَّاً عليه السلام : « هل عندك شيء ؟ » وكان لا يملك غير سيفه ودرعه وناضحه.
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « فأمَّا سيفك فلا غنى بك عنه ، تجاهد في سبيل الله ، وتقاتل به أعداء الله ، وناضحك تنضح به على نخلك وأهلك ، وتحمل عليه حلَّك في سفرك ، ولكنِّي رضيتُ منه بالدرع » (3) .
فباعها وباع أشياء غيرها كانت عنده ، فاجتمع له منها أربعمائة درهم ، فكان هذا مهر فاطمة.
ولمَّا جاء عليُّ بن أبي طالب عليه السلام بالدراهم ، وضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمره أن يجعل ثلثي الدراهم في الطيب ، والثلث الآخر في المتاع ، ففعل (4).
____________
1) الطبقات الكبرى 8 : 17 ، وانظر أُسد الغابة 7 : 239 ـ 240.
2) الطبقات الكبرى 8 : 16.
3) عليُّ بن أبي طالب سلطة الحقِّ : 27.
4) اتحاف السائل : 44.


( 61 )


وأرجح الأقوال أنَّ زواجهما كان بعد الهجرة ، وقال اليعقوبي : بعد قدوم عليٍّ بالفواطم بشهرين (1) ، وأرَّخه ابن الأثير في أحداث السنة الثانية من الهجرة في صفر ، وقبل غزوة بدر (2). ووقّته آخرون في شهر ذي الحجة من السنة الثانية (3) ..
أمَّا ابن سعد في طبقاته فقال : تزوَّج عليُّ بن أبي طالب فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رجب بعد مقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المدينة بخمسة أشهر ، وبنى بها مرجعه من بدر (4) .
وجهزّت فاطمة (5) بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما كان لها غير سرير من جريد النخل ، وسادة من آدم حشوها ليف ، ومنخل ومنشفة ، ورحى للطحن ، وجرّتان وقميص ، وخمار لغطاء الرأس ، وثوب له زغب ، وعباءة قصيرة بيضاء ، وجلد كبش..
أمَّا عليٌّ عليه السلام قد رشَّ أرض الدار برمل ناعم ، ونصب في البيت خشبة من الحائط إلى الحائط ، لتعليق الثياب ، إذ لا خزانة ولا صندوق لثياب العروس.
عن عليِّ بن أبي طالب عليه السلام قال : « لقد تزوَّجت فاطمة وما لي ولها
____________
1) تاريخ اليعقوبي 2 : 41.
2) الكامل في التاريخ 2 : 12 ، تهذيب الكمال في أسماء الرجال 13 : 302.
3) الاربلي | كشف الغمة 1 : 364 ، بحار الانوار 43 : 136.
4) الطبقات الكبرى 8 : 18.
5) أنظر جهاز فاطمة في : الطبقات الكبرى 8 : 19 ، فاطمة الزهراء والفاطميون : 21 ، فضائل الإمام علي : 24 ـ 25.


( 62 )

فراش غير جلد كبش ننام عليه بالليل ، ونعلف عليه الناضح بالنهار ، وما لي ولها خادم غيرها » (1) .
خطبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في التزويج :
عن أنس بن مالك أنَّ النبيَّ ، قال له : « انطلق وادع لي أبا بكر وعمر وعُثمان وطلحة والزبير ، وبعدَّتهم من الأنصار » ، قال فانطلقت فدعوتهم ، فلمَّا أخذوا مجالسهم قال صلى الله عليه وآله وسلم : « الحمد لله المحمود بنعمته ، المعبود بقدرته ، المطاع لسلطانه ، المهروب إليه من عذابه ، النافذ أمره في أرضه وسمائه ، الذي خلق الخلق بقدرته ، ونيرهم بأحكامه ، وأعزَّهم بدينه ، وأكرمهم بنبيِّه محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم. إنَّ الله عزَّ وجلَّ جعل المصاهرة نسباً لاحقاً ، وأمراً مفترضاً ، وحكماً عادلاً ، وخيراً جامعاً ، أوشج بها الأرحام ، وألزمها الأنام. فقال الله عزَّ وجلَّ : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً) (2) ، وأمر الله يجري إلى قضائه ، وقضاؤه يجري إلى قدره ، ولكلِّ أجلٍ كتاب (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَاب) (3) ثُمَّ إنَّ الله تعالى أمرني أن أُزوِّج فاطمة من عليٍّ ، وأُشهدكم أنِّي زوَّجت فاطمة من عليٍّ على أربعمائة مثقال فضة ، إن رضي بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة ، فجمع الله شملهما وبارك لهما وأطاب نسلهما ، وجعل نسلهما مفاتيح الرحمة ومعادن الحكمة وأمن الأُمَّة ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ».
____________
1) الطبقات الكبرى 8 : 18.
2) سورة الفرقان : 54.
3) سورة الرعد : 39.


( 63 )


قال أنس : وكان عليٌّ عليه السلام غائباً في حاجةٍ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بعثه فيها.. ثُمَّ أمر لنا بطبق فيه تمر ، فوضع بين أيدينا ، فقال : « انتبهوا » ، فبينما نحن كذلك إذ أقبل عليٌّ ، فتبسَّم إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : « يا علي! إنَّ الله أمرني أن أُزوِّجك فاطمة ، وإنِّي زوَّجتكما على أربعمائة مثقال فضَّة » ، فقال عليٌّ عليه السلام : « رضيت يا رسول الله »! ثُمَّ إنَّ عليَّاً عليه السلام خرَّ ساجداً شكراً لله ، فلمَّا رفع رأسه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « بارك الله لكما وعليكما وأسعد جدكما وأخرج منكما الكثير الطيِّب ».
قال أنس : والله لقد أخرج منهما الكثير الطيِّب (1) .
وتمَّ عقد القران بين عليٍّ وفاطمة ، وكتب لهما أن يعيشا حياةً مفعمةً بالإيمان ، وكان اجتماعهما يحمل الكثير من المعاني التي ظهر نورها في حياتهما ، وامتدَّ بعدهما في الآفاق من نسلهما المبارك ، سادة بني الإنسان!
ورحَّب النبيُّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الزواج الميمون وباركه وأسبغ عليه أنبل المشاعر وأقام حفلة الزفاف ، ومشى خلفهما ، معه حمزة وعقيل وجعفر ، ونساء النبي يرتجزن فرحات مستبشرات ، وهنَّ يمشين قدَّامها..
وأُدخلت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت عليٍّ عليه السلام يتجلَّلها الحياء ، متعثِّرةً بأذيالها وقال أبوها صلوات الله وسلامه عليه : « يا عليُّ لا تحدث شيئاً حتَّى تلقاني ».
فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإناء فتوضَّأ فيه ، ثُمَّ أفرغه على عليٍّ عليه السلام ثُمَّ
____________
1) أنظر خطبة رسول الله في المصادر التالية : فاطمة الزهراء والفاطميون : 21 ـ 22 ، الإمام علي بن أبي طالب 1 : 61.


( 64 )


قال : « اللَّهمَّ بارك فيهما ، وبارك عليهما ، وبارك لهما في نسلهما » (1) .
وقد روي أنَّ فاطمة عليه السلام بكت تلك الليلة ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مهدّئاً من روعها : « لقد زوَّجتك سيِّداً في الدنيا والآخرة ، وإنَّه أوَّل أصحابي إسلاماً ، وأكثرهم علماً ، وأعظمهم حلماً » (2) .
وحقٌّ للزهراء أن تجهش بالبكاء في هذه الليلة الفريدة من العمر ، ليلة تحتاج فيها الفتاة إلى أن تكون بالقرب من أُمِّها ، وعلى الرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أغدق على ابنته بالمحبة والحنان حتَّى فاضا! ولكن لابدَّ من وجود الأمِّ في هذه الليلة الفريدة!
قالت أسماء بنت عميس : فرمقتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حين اجتمعا يدعو لهما ، لا يشركهما في دعائه أحد ، ودعا له كما دعا لها (3) .
في هذا الحديث الشريف : « لقد زوّجتك سيداً في الدنيا والآخرة... » جملة من المعاني السامية والدرجات العالية المنطوية على دلالات كبيرة ، فهو :
1) سيِّد في الدنيا والآخرة.
2) أوَّل الناس إسلاماً.
3) أكثرهم علماً.
4) أعظمهم حلماً.
____________
1) الطبقات الكبرى 8 : 17 ، أُسد الغابة 7 : 240.
2) أُسد الغابة 7 : 239 ، تهذيب الكمال 13 : 302 ، سير أعلام النبلاء ( سير الخلفاء الراشدين ) : 230 باختلاف.
3) تهذيب الكمال 13 : 302 ، عن الهيثمي في مجمع الزوائد باب إسلامه 9|101.


( 65 )


هذه الخصال التي اجتمعت في هذا الرجل « عليٍّ » الذي تنتظره غداً مسؤوليات كبيرة في حفظ الدين وصيانة الأُمَّة.
3 ـ غزواته مع الرسول :
كانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بداية عهد جديد للدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ ، وقد دخل الاسلام القسم الأعظم من أهل المدينة المنوَّرة ، فيما أصرَّ بعضهم بادئ الأمر على الشرك.
أمَّا قريش فقد بدأت بالتحرُّك السريع لإرهاب المسلمين.. وكان من الطبيعي أن لا يقف النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم من تلك التحدِّيات والتحرُّشات موقف المتخاذل الضعيف ، فجعل يرسل السرايا لمطاردتهم ، أو لقطع الطريق على تجارتهم.. وظلَّ على تلك الحال حتَّى أمر الله سبحانه وتعالى نبيَّه صلى الله عليه وآله وسلم بقتال المشركين ، وليكون لهم بالمرصاد ، فكانت حروب وغزوات كثيرة ، بلغت في حياة النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم نحو ثمانين غزوة ، وليس في كلِّها كانت تقع حروب أو مناوشات ، لأنَّ الكثير منها كان عبارة عن سرايا استطلاعية يبعثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أطراف المدينة أو بعض النواحي التي يحتمل تسلُّل الأعداء منها.
وكان عدد الغزوات التي خرج فيها الرسول بنفسه 27 غزوة ، وقع القتال في 9 منها ، وهذه الغزوات هي التي اشتهرت في تاريخ الإسلام دون سواها.
وفي كلِّ الغزوات التي خـرج فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عليٌّ عليه السلام معه ، لم يفارقه في واحدة ، الا في غزوة تبوك ، لأمر أراده الله ورسوله ، سيأتي


( 66 )


تفصيله في محلِّه ، وفي كلِّ تلك الغزوات كان لواء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيد عليٍّ عليه السلام (1) .
فلنقف بإيجاز على بعض مواقف وأدوار الإمام عليٍّ عليه السلام في الغزوات والحروب :
غزوة بدر الكبرى :
وهي أول معركة يحارب فيها الإمام عليٌّ عليه السلام كما أنَّ معركة بدر هي أول حروب نبيُّ الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وبدر اسم بئر كانت لرجل يدعى بدراً ، وتقع في مكان بين مكَّة والمدينة وتبعد عنها 160 كم على التقريب (2) .
وقيل : بين بدر والمدينة ثمانية بُرُد وميلان (3) .
وكانت هذه الوقعة يوم الجمعة ، لثلاث عشرة بقين من شهر رمضان (4) ، أي في السابع عشر منه ، وقيل : يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت منه على رأس تسعة عشر شهراً من مهاجره (5) ، وقيل : في التاسع عشر من شهر رمضان المبارك السنة الثانية من الهجرة (6) .
وجاء في سبب هذه الغـزوة : أنَّ أبا سفيان قدم من الشام بقافلة قريش ، تحمل أموالاً طائلة ، فخرج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ليقطع الطريق عليها رداً
____________
1) سير اعلام النبلاء ( سيرة الخلفاء الراشدين ) : 228.
2) فضائل الإمام علي| محمَّد جواد مغنية : 96.
3) طبقات ابن سعد 2 : 9.
4) أي بعد قدومه المدينة بثمانية عشر شهراً ، أنظر الكامل في التاريخ 2 : 14.
5) الطبقات الكبرى 2 : 8.
6) فضائل الإمام علي : 96.


( 67 )


على تحدِّياتها وتحرُّشاتها التي كانت تقوم بها بين الفينة والأُخرى ، وشاءت الأقدار أن يعرف أبو سفيان بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فغيَّر طريق القافلة ونجا بها ، وأرسل إلى قريش يعلمها بالأمر..
فاستبشرت لقتال محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وخرجت بجيش قوامه ألف رجل ـ على أصحِّ التقادير ـ وأخرجوا معهم القيان والدفوف ، وبلغت النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أخبارها واستعدادها للقتال ، فاستشار أصحابه في الأمر وأحبَّ أن يكونوا على بصيرة من أمرهم ، فوقف عمر بن الخطَّاب يحذِّره من قريش ، إذ يقول : والله إنَّها ما ذلَّت منذ عزَّت ، ولا آمنت منذ كفرت ، والله لا تسلِّم عزَّها أبداً ولتقاتلك ، فتأهَّب لذلك أهبته وأعدَّ له عدَّته.
ووقف بعده المقداد فقال : يا رسول الله امضِ لأمر الله فنحن معك ، ولا نقول لك ، كما قالت بنو اسرائيل لموسى : ( فَاذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلأ إنَّا هَا هُنَا قَاعِدُون ) ، بل نقول لك : اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنَّا معكم مقاتلون ، والذي بعثك بالحقِّ لو سرت بنا إلى برك الغماد (1) لسرنا معك ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومضى نبيُّ الله صلى الله عليه وآله وسلم في طريقه إلى بدر في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً ، وقيل بأقل من ذلك ، منهم من المهاجرين واحد وثمانون ، ومن الأنصار مائتان واثنان وثلاثون رجلاً (2) ، وكان معهم فرسان وسبعون بعيراً ، فبعث عليَّاً عليه السلام وسعد بن أبي وقَّاص وبسبس بن عمرو يتجسَّسون له الأخبار ،
____________
1) برك الغماد : مدينة الحبشة ، تبعد عن مكَّة مسيرة خمس ليال من وراء الساحل. انظر سيرة الأئمة الاثني عشر| الجزء الأول.
2) تاريخ اليعقوبي 2 : 45 ، الكامل في التاريخ 2 : 16.


( 68 )


وقال : « أرجو أن تجدوا الخبر عند القليب التي تلي هذا الضريب » فاندفعوا باتجاهه فوجدوا على القليب روايا قريش ، فأسروا ثلاثة منهم ، واستطاع الفرار رجل اسمه عجير فأخبر قريشاً ، بخبر محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه..
وقبل أن يقع القتال أنزل الله على نبيِّه : ( وَإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ) (1) فوقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الطرفين يخاطب قريشاً بأُسلوب يلهب المشاعر : « ارجعوا ، فلأن يلي هذا الأمر منِّي غيركم أحبُّ إليَّ من أن تلوه أنتم ».
فأصاب كلامه مكاناً في نفس عتبة بن ربيعة ، أحد قادتهم وأبطالهم ، فقال لقريش : ما ردَّ هذا قومٌ قط وأفلحوا ، يا معشر قريش أطيعوني اليوم واعصوني الدهر ، إنَّ محمَّداً له آل وذمَّة وهو ابن عمِّكم فخلُّوه والعرب ، فإن يك صادقاً فأنتم أعلى عيناً به ، وإن يك كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمره. لكنَّ أبا جهل أبى الا القتال ، ووصف موقف عتبة بالجبن والخوف ، وظلَّ يلاحق عتبة حتَّى استفزَّه.
ودفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رايته إلى عليٍّ ، وكان عمره يوم ذاك 25 سنة ، وبرز عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، والوليد بن عتبة بن ربيعة ، ودعوا المسلمين إلى البراز ، فبرز إليهم ثلاثة من فتيان الأنصار : وهم من بني عفراء : معاذ ومعوذ وعوف (2) ، فلمَّا وقفوا في مقابل عتبة وأخيه وولده ، ترفَّعوا عن مقاتلتهم ، وطلب عتبة من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يرسل له الأكفَّاء من قريش.
فالتفت نبيُّ الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني عمومته ، وأحبَّ أن تكون الشوكة ببني
____________
1) سورة الأنفال : 61.
2) ذكر ابن الأثير في تاريخه 2 : 125 عوف ومعوَّذ ابنا عفراء ، وعبدالله بن رواحة ، كلَّهم من الأنصار.


( 69 )


عمِّه وقومه وقال : « قم يا عبيدة بن الحارث ، قم يا حمزة بن عبدالمطَّلب ، قم يا عليَّ بن أبي طالب » فقاموا مسرعين ، يهرولون بين الجيشين على أقدامهم ، بقلوب ثابتة ، عامرة بالإيمان ، ووقفوا أمام القوم ، فقال عتبة : تكلَّموا نعرفكم ، وكان عليهم البيض ، فقال حمزة : أنا حمزة بن عبدالمطَّلب : أسد الله ، وأسد رسوله ، فقال عتبة : كُفءٌ كريم ، وأنا أسد الحلفاء ، من هذا معك ؟ قال : عليُّ بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث ، قال : كُفآن كريمان (1) .
فبرز عبيدة بن الحارث ـ وكان عمره سبعين سنة ـ إلى عتبة بن ربيعة ـ وقيل شيبة (2) ـ فضربه على رأسه وضرب عتبة عبيدة على ساقه فقطعها ، وسقطا معاً ، وحمل عليٌّ عليه السلام على الوليد ـ وكانا أصغر القوم سنَّاً ـ فضربه عليُّ بن أبي طالب عليه السلام على حبل عاتقه ، فخرج السيف من أبطه ، وحمل حمزة على شيبة فتضاربا بالسيف حتى انثلما ، فاعتنق كلُّ واحد صاحبه ، وكان حمزة أطول من شيبة ، فصاح المسلمون : يا علي ، أما ترى الكلب قد بهر عمَّك ، فأقبل عليهما ، فقال عليٌّ : « طأطأ رأسك يا عم » فأدخل حمزة رأسه في صدر شيبة ، فضربه الإمام على عنقه فقطعها ، ثُمَّ كرَّ عليٌّ عليه السلام وحمزة على عتبة فأجهزا عليه ، وحملا عبيدة فألقياه بين يدي ابن عمِّه الرسول ، فاستعبر وقال : « ألستُ شهيداً يا رسول الله ؟ » قال : « نعم ».
قال : « لو رآني أبو طالب لعلم أنَّنا أحقُّ منه بقوله :

ونُسْلمه حتَّى نصرَّع حولــهُ * ونذهل عن أبنائنا والحلائلِ » (3)


____________
1) طبقات ابن سعد 2 : 12.
2) ارشاد المفيد 1 : 68.
3) الكامل في التاريخ 2 : 22.


( 70 )


ولم يلبث بعدها إلاّ يسيراً ، وهو أول شهيد من المسلمين في تلك المعركة.
وبرز بعدهما حنظلة بن أبي سفيان إلى عليِّ بن أبي طالب عليه السلام ، فلمَّا دنا منه ضربه عليٌّ بالسيف ، فسالت عيناه ، وسقط كالذبيح على رمال بدر ، ثُمَّ أقبل العاص بن سعيد بن العاص يطلب البراز ، فبرز إليه عليٌّ عليه السلام وقتله.
ولمَّا رأت مخزوم كثرة القتلى من المشركين ، أحاطوا بأبي جهل خوفاً عليه ، وألبسوا لأمة حربه عبدالله بن المنذر ، فصمد له عليٌّ عليه السلام وقتله ، ثُمَّ ألبسوها الفاكه بن المغيرة ، فقتله حمزة وهو يظنُّه أبا جهل ، وألبسوها بعدهما حرملة بن عمرو فقتله عليٌّ عليه السلام أيضاً ، وأبى أن يلبسها أحد بعدما رأوا صنيع عليٍّ وحمزة..
ثمَّ التحم الجيشان ، ودار بينهما أعنف قتال ، فتساقطت الرؤوس وتهاوت الأجسام.
وقَتَلَ عليٌّ عليه السلام ـ فيمن قتله يوم ذاك ـ نوفل بن خويلد ، وكان من شياطين قريش ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد قال فيه : « اللَّهمَّ اكفني ابن العدوية » وخرج نبيُّ الله صلى الله عليه وآله وسلم من العريش ، ولم يبقَ فيه غير أبي بكر ، ولم يرد له ولعمر بن الخطَّاب ذكر مع الذين اشتركوا في القتال..
واشترك النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين ، وكبرياء مشركي قريش تتهاوى تحت الأقدام ، ثمَّ أخذ كفَّاً من التراب ورمى به إلى جهة المشركين قائلاً : « شاهت الوجوه ، اللَّهمَّ ارعب قلوبهم » فانهزموا تاركين أمتعتهم وأسلحتهم ، وانجلت المعركة عن مقتل سبعين رجلاً من مشركي قريش ، وكانوا سادات قريش وأبطالها ، وأُسر منهم سبعون رجلاً ، وفقد المسلمون أربعة عشر شهيداً.. ستة من المهاجرين ، وثمانية من الأنصار.


( 71 )


وانطوت صفحة التاريخ معربة عن أول انتصار حقَّقه المسلمون على صعيد المعارك ، وتجلَّت هذه الانتصارات ببطولات بني هاشم لا سيَّما الإمام علي عليه السلام ، الذي كان متعطِّشاً لحصد أشواك الشرك وإلقائها تحت الأقدام..
أحصت بعض مصادر التاريخ من قتلهم عليٌّ 35 رجلاً ، ذكرتهم بعض المصادر بأسمائهم (1) .
ومن كلام الإمام عليه السلام لمعاوية : « وعندي السيف الذي اعضضته بجدك وخالك وأخيك في مقام واحد » (2)!
غزوة أُحد :
أخذ المشركون يعدُّون العدَّة للثأر ، واستطاعوا أن يؤلِّفوا جيشاً كبيراً ، يضمُّ ما يقارب ثلاثة آلاف مقاتل! وتبرَّع أبو سفيان بأموال طائلة لتجهيز هذا الجيش الذي قاده بنفسه ، وقبل أن تخرج قريش إلى أُحد بعث العبَّاس بن عبدالمطَّلب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبره بكيد قريش واستعدادها.
وبدأ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم من ساعة وصول الرسالة يستعدُّ لملاقاة الجيش الزاحف نحوهم ، وكان ذلك في شوال ، في السنة التالية لمعركة بدر.
خرج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في ألف رجل أو يزيدون قليلاً ، وكان الإمام عليُّ بن أبي طالب عليه السلام حامل لوائه ، ووزَّع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الرايات على وجوه المهاجرين والأنصار ، ولمَّا كان بين المدينة وأُحد ، عاد عبدالله بن أُبي
____________
1) انظر إرشاد المفيد 1 : 70 ـ 71.
2) نهج البلاغة ، الكتاب : 64.


( 72 )


ـ رأس النفاق ـ بثلث الجيش قائلاً : علامَ نقتل أنفسنا ؟! ارجعوا أيُّها الناس ، فرجع وبقيَ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعمائة.
ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بجيشه البالغ سبعمائة رجلٍ حتى بلغ أُحداً ، فأعدَّ أصحابه للقتال ، ووضع تخطيطاً سليماً للمعركة ليضمن لهم النصر بإذن الله ، ثُم جعل أُحداً خلف ظهره ، فجعل الرماة على جبل خلف عسكر المسلمين وهم خمسون رجلاً ، وأمَّر عليهم عبدالله بن جبير ، وقال لهم : « احموا ظهورنا ولا تفارقوا مكانكم ، فإن رأيتمونا نُقتل فلا تنصرونا ، وإن رأيتمونا نغنم فلا تشاركونا ، فإنَّما نؤتى من موضعكم هذا » (1) .
ولمَّا التحمت المعركة تقدَّم طلحة بن أبي طلحة ـ وكان يدعى كبش الكتيبة ـ وصاح : من يبارز؛ فخرج إليه عليٌّ عليه السلام ، وبرزا بين الصفَّين ، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في عريش أُعدَّ له يشرف على المعركة ويراقب سيرها ، فقال طلحة : مَنْ أنت ؟ قال : « أنا عليُّ بن أبي طالب » فقال : لقد علمت أنَّه لا يجرؤ عليَّ أحدٌ غيرك ، فالتحمت سيوفهم ، فضرب عليٌّ عليه السلام رأس عتبة ضربة فلق فيها هامته ، فبدرت عيناه وصاح صيحة لم يُسمع مثلها ، وسقط اللواء من يده ، ووقع يخور في دمه كالثور ، وقيل : ضربه فقطع رجله ، فسقط وانكشفت عورته ، فناشده الله والرحم فتركه (2) .
فكبَّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون ، وتقدَّم بعده أخوه عُثمان بن أبي طلحة ، فحمل عليه حمزة بن عبدالمطَّلب ، فضربه بسيفه ضربةً كانت بها نهايته ، ورجع عنه يقول : أنا ابن ساقي الحجيج.
____________
1) انظر : الطبقات الكبرى 2 : 30 ، الكامل في التاريخ 2 : 47 ، الارشاد 1 : 80 باختلاف.
2) انظر الكامل في التاريخ 2 : 47.


( 73 )


وأخذ اللواء بعدهما أخوهما أبو سعيد بن أبي طلحة ، فحمل عليه عليٌّ عليه السلام فقتله ، ثُمَّ أخذ اللواء أرطأة بن شرحبيل ، فقتله عليٌّ عليه السلام أيضاً ، وأخذ اللواء بعد ذلك غلام لبني عبدالدار ، فقتله عليُّ بن أبي طالب عليه السلام.
وذكر المفيد في إرشاده : أنَّ أصحاب اللواء كانوا تسعة ، قتلهم عليُّ بن أبي طالب عن آخرهم ، وانهزم القوم (1) .
وتؤكِّد أكثر الروايات أنَّه بعد أن قُتل أصحاب الألوية والتحم الجيشان ، لم يتقدَّم أحد من عليٍّ عليه السلام الا بعجه بسيفه أو ضربه على رأسه ، ففلق هامته وأرداه قتيلاً ، وانكشف المشركون لا يلوون على شيء ، حتى أحاط المسلمون بنسائهم ، ودبَّ الرعب في قلوبهم ، ولو أراد المسلمون أن يأسروا هنداً ومن معها ما وجدوا من يمنعهم من ذلك.
وإنَّ النصر الذي تهيَّأ للنبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في أُحد لم يتهيَّأ له في موطنٍ قطّ ، وظلَّ النصر إلى جانب المسلمين ، حتَّى عصوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وانصرفوا إلى الغنائم.
فقد أُصيب المسلمون من قبل الرماة الذين وضعهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ورائهم ، ليحموا ظهورهم بالنبال إن هجم المشركون من جهة الجبل ، لكن لمَّا انهزم المشركون لا يلوون على شيء ، نزل الرماة من على الجبل ، بعد أن نظروا إلى اخوانهم المسلمين ينتهبون الغنائم ، وردعهم أميرهم عبدالله بن جبير ، فأبوا الرجوع ، ثُمَّ انطلقوا للسلب والنهب ، ولم يبقَ مع ابن جبير الا عشرة رجال.
____________
1) ارشاد المفيد 1 : 88.


( 74 )


ولمَّا رأى خالد بن الوليد أنَّ ظهر المسلمين قد خلا ، كرَّ في مئتي فارس ، على من بقي مع ابن جبير فأبادهم ، وقُتل ابن جبير بعد أن قاتل قتال المستميت ، وتجمَّع المشركون من جديد ، وأحاطوا بالمسلمين من خلفهم ، وهم غافلون لنهب الغنائم ، واستدارت رحاهم وحالت الريح فصارت دبوراً ، وما أحسَّ المسلمون الا والعدو قد أحاط بهم واختلط بينهم ، وأصبحوا كالمدهوشين ، يتعرَّضون لضرب السيوف وطعن الرماح من كلِّ جانب ، وأوجعوا في المسلمين قتلاً ذريعاً ، واشتدَّ عليهم الأمر حتَّى قتل بعضهم بعضاً من حيث لا يقصدون.
وفرَّ المسلمون عن نبيِّ الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم يكن عليٌّ عليه السلام يفكِّر في تلك اللحظات الحاسمة الا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا سيَّما وقد رأى المشركين يتَّجهون نحوه ، وأصبح هدفهم الأول ، بعد أن أصبحت المعركة لصالحهم ، فأحاط به هو وجماعة من المسلمين ، وقد استماتوا في الدفاع عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وحمزة يهذُّ الناس بسيفه هذَّاً ، وعليٌّ عليه السلام يفرِّق جمعهم كالصقر الجائع حينما ينقضّ على فريسته ، فيشتِّتهم إرباً إرباً بسيفه البتَّار ، وهو راجل وهم على متون الخيل ، فدفعهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتَّى انقطع سيفه.
وقاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتالاً شديداً ، وقد تجمَّع عليه المشركون وحاولوا قتله بكلِّ سبيل ، ورماه ابن قمئة فكسر أنفه ورباعيته السفلى ، وشقَّت شفته ، وأصابته ضربة في جبهته الشريفة ، وسال الدم على وجهه الشريف. وغلب عليه الضعف.
روى عكرمة قال : سمعت عليَّاً عليه السلام ، يقول : « لمَّا انهزم الناس يوم أُحد


( 75 )


عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحقني من الجزع عليه ما لم أملك نفسي ، وكنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه ، فرجعت أطلبه فلم أره فقلت : ما كان رسول الله ليفرَّ ، وما رأيته في القتلى ، فأظنُّه رُفع من بيننا ، فكسَّرت جفن سيفي وقلت في نفسي : لأقاتلنَّ به عنه حتَّى أُقتل ، وحملت على القوم فأفرجوا ، فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد وقع على الأرض مغشيَّاً عليه ، فقمت على رأسه ، فنظر إليَّ فقال : ما صنع الناس ، يا عليُّ ؟ فقلت : كفروا يا رسول الله وولَّوا الدبر وأسلموك ، فنظر إلى كتيبة قد أقبلت فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ردَّ عنِّي يا عليُّ هذه الكتيبة ، فحملت عليها بسيفي أضربها يميناً وشمالاً حتَّى ولَّوا الأدبار ، فقال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أما تسمع مديحك في السماء ، إنَّ ملكاً يقال له : رضوان ينادي : لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا عليُّ ، فبكيتُ سروراً وحمدت الله على نعمه » (1).
نقل ابن الأثير : لقد أصابت عليَّاً يوم أحد ستُّ عشرة ضربة ، كلُّ ضربةٍ تلزمه الأرض ، فما كان يرفعه الا جبريل عليه السلام (2) .
وفي هذه الوقعة قُتل حمزة بن عبدالمطَّلب ، رماه وحشي ـ وهو عبد لجبير بن مطعم ـ بحربة ، فسقط شهيداً ، ومثَّلت به هند بنت عتبة بن ربيعة ، وشقَّت عن كبده فأخذت منها قطعة فلاكتها ، وجدعت أنفه ، فجزع عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جزعاً شديداً ، وقال : « لن أُصاب بمثلك »..
ولمّا يئس المشركون من قتل النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم برغم جميع المحاولات ، فترت
____________
1) إعلام الورى 1 : 378.
2) أُسد الغابة 4 : 106.


( 76 )


همَّتهم وقفلوا راجعين ، بعد أن قُتل من المسلمين ثمانية وستُّون رجلاً ، ومن المشركين اثنان وعشرون رجلاً ، وكفى الله المؤمنين القتال بأمير المؤمنين عليه السلام.
وقفل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه راجعين إلى المدينة يوم السبت؛ فاستقبلته فاطمة عليها السلام ومعها إناء فيه ماء ، فغسل وجهه ، ولحقه الإمام وقد خضَّب الدم يده إلى كتفه ومعه ذو الفقار ، فناوله فاطمة عليه السلام فقال : « خذي السيف فقد صدقني اليوم » وقال :

« أفاطمُ هاكِ السيف غيـر ذميـم * فلسـتُ بــرعديـد ولا بمليـمِ
لعمري لقد أعذرت في نصر أحمدٍ * وطاعــة ربٍّ بالعبـاد عليمِ »


فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « خذيه يا فاطمة ، فقد أدَّى بعلك ما عليه ، وقد قتل الله بسيفه صناديد قريش » (1) .
وقعة بني النضير :
غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بني النضير في شهر ربيع الأول سنة أربع على رأس سبعة وثلاثين شهراً من مهاجره (2) . وبني النضير هم فخذٌ من جذام الا أنَّهم تهوَّدوا ، ونزلوا بجبل يقال له : النضير ، فسُمُّوا به.
وجاء في سبب هذه الغزوة : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مشى إلى كعب بن الأشرف ووجهاء بني النضير ، يستقرضهم في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أُمية الضمري ، فقالوا : نعم ، نعينك على ما أحببت ، ثُمَّ خلا بعضهم
____________
1) إعلام الورى 1 : 379.
2) الطبقات الكبرى 2 : 43 ـ 44.


( 77 )


ببعض وتآمروا على قتله ، فنزل جبرئيل عليه السلام وأخبره بما همَّ به القوم من الغدر ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه الخبر ، وأمر المسلمين بحربهم ، ونزل بهم ، وكانت رايته مع عليِّ بن أبي طالب عليه السلام (1) ، فتحصَّن اليهود في الحصون ، وأرسل إليهم عبدالله بن أُبي وجماعة معه أن اثبتوا وتمنَّعوا ، فإنَّا لن نسلمكم..
وروي أنَّ الإمام عليَّاً عليه السلام فقد في احدى ليالي حصار بني النضير ، فقال رسول الله : « إنَّه في بعض شأنكم » وبعد قليل جاء عليّ ٌبرأس « عزوك » أحد أبطال بني النضير ، وقد كمن له الإمام حتى خرج في نفر من يهود يطلبون غرَّة من المسلمين ، وكان شجاعاً رامياً ، فكمن له عليٌّ عليه السلام فقتله ، وفرَّ اليهود ، فأرسل نبيُّ الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا دجانة وسهل بن حنيف ، في عشرة من رجالات المسلمين ، فأدركوا اليهود الفارِّين من سيف الإمام عليٍّ عليه السلام ، وطرحت رؤوسهم في الآبار ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، فسألوا النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يُجليهم ويكفَّ عن دمائهم ـ بعد أن خذلهم ابن أُبي ـ فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محمَّد بن مسلمة إليهم : أن يخرجوا من بلادهم ولهم ما حملت الإبل من خُرثي متاعهم ، ولايخرجون معهم بذهب ولا فضة ولا سلاح (2) . وأجّلهم في الجلاء ثلاث ليال (3).
____________
1) الطبقات الكبرى : 44 ، وابن الأثير في تاريخه 2 : 174.
2) تاريخ اليعقوبي 2 : 49.
3) إعلام الورى 1 : 188.