كتاب الإمام علي سيرة والتاريخ ص123 ـ 134
 

●●●●  فهرس الكتاب

 

3 ـ وأحبُّ الخلق إلى الله :
ذات ليلة أُهدي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طير مشوي ، فلم تطب نفسه أن يأكله لوحده ، فدعا ربَّه قائلاً : « اللَّهمَّ.. ائتني بأحبِّ الخلق إليك ليأكل معي هذا الطير » كان يتمنَّى أن يأكل معه أحبُّ الخلق إلى الله عزَّ وجلَّ لتتمَّ البركة ويعمَّ الفضل ، وإذا طارق يحوم حول الباب ، وكان هناك من يمنعه ، يرجع ويعود يطرق الباب ، حتى أذن له في الثالثة أو الرابعة ، وإذا به عليُّ بن أبي طالب ، ولمَّا رآه رسول الله قال : « ما حبسك عنِّي » ؟! قال عليه السلام : « والذي بعثك بالحقِّ نبيَّاً إنِّي لأضربُ الباب ثلاث مرَّات ويردَّني أنس » (1) .
هكذا التقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع أحبِّ الخلق إليه والى الله على مائدة النور.

4 ـ الا باب عليٍّ :
لمّا كان لنفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبواب شارعة في المسجد النبوي الشريف ، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسدِّ الأبواب الا باب عليٍّ عليه السلام فتكلَّم الناس في ذلك ، فلمَّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قولهم ، قام وخطب فيهم فقال : « أمَّا بعد.. فإنِّي أُمرتُ بسدِّ هذه الأبواب الا باب عليٍّ ، وقال فيه
____________
1) أنظر قصَّة الطائر المشوي بالمصادر التالية : سنن الترمذي 5 : 636|3721 ، الخصائص للنسائي : 5 ، فضائل الصحابة| أحمد بن حنبل 2 : 560|945 ، المستدرك على الصحيحين 3 : 130 ـ 132 ، مصابيح السُنَّة 4 : 173|4770 ، أُسد الغابة 4 : 30 ، البداية والنهاية 7 : 363 ، جامع الأصول 9 : 471 ، الرياض النضرة 3 : 114 ـ 115 ، وقال الخوارزمي في مقتل الإمام الحسين : 46 : أخرج ابن مردويه هذا الحديث بمائة وعشرين إسناداً ، تذكرة الحفَّاظ : 1043.


( 124 )


قائلكم ، والله ما سددته ولا فتحته ، ولكنِّي أُمرتُ فاتبعته » (1).
ومثله حديث « المناجاة » يوم الطائف ، حيث قال الناس : لقد أطال نجواه مع ابن عمِّه! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « ما أنا انتجيته ، ولكنَّ الله انتجاه » (2) .

5 ـ الذائد عن الحوض :
إنَّه صاحب حوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة ، يثبته قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « كأنِّي أنظر إلى تدافع مناكب أُمَّتي على الحوض ، فيقول الوارد للصادر : هل شربت ؟ فيقول : نعم ، والله لقد شربت ، ويقول بعضهم : لا والله ما شربت فيا طول عطشاه » (3) .
وقال لعليٍّ عليه السلام : « والذي نبَّأ محمَّداً وأكرمه ، إنَّك لذائد عن حوضي ، تذود عنه رجالاً ، كما يذاد البعير الصادي عن الماء ، بيدك عصا من عوسج كأنِّي أنظر الى مقامك من حوضي » (4) .
وفي رواية عن عليٍّ عليه السلام قال : « والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة ، لأقمعنَّ
____________
1) سنن الترمذي 5 : 641|2732 ، مسند أحمد 1 : 331 ، فضائل الصحابة 2 : 581|985 فتح الباري بشرح صحيح البخاري 7 : 13 ، المستدرك 3 : 125 ، مجمع الزوائد 9 : 114 ـ 115 ، الرياض النضرة 3 : 158 ، الخصائص للنسائي : 13 ، الإصابة 4 : 270 ، جامع الأصول 9 : 475|6494 ، البداية والنهاية 7 : 374 و379 ، الخصائص بتخريج الأثري ح|23 ، 41.
2) سنن الترمذي 5 : 639|3726 ، مصابيح السُنَّة 4 : 175|4773 ، جامع الأصول 9|6493 ، تذكرة الخواص : 42 ، مناقب الخوارزمي : 82 شرح نهج البلاغة 9 : 173|21 ، الرياض النضرة 3 : 170 ، البداية والنهاية 7 : 369.
3) إعلام الورى 1 : 369 ، ونقله المجلسي في بحار الأنوار 39 : 216|6.
4) مناقب ابن شهرآشوب 2 : 163 ، مناقب الخوارزمي : 60.


( 125 )


بيدي هاتين عن الحوض أعداءنا ، ولأوردنَّ أحبَّاءنا » (1) .
6 ـ ( وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلأة ) (2) :
خصَّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره بساعة من السحر ، يأتيه فيها كلَّ ليلة ، يطرق الباب ـ وذلك عند نزول الآية ـ ويقول : « الصلاة ، رحمكم الله ، إنَّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهِّركم تطهيراً » (3) .
7 ـ علي عليه السلام يبلِّغ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمرٍ من السماء :
لمَّا بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر بتبليغ سورة براءة أميراً على الحج.. بعث خلفه عليَّاً عليه السلام ليأخذها منه! فيعود أبو بكر ويسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أحدث فيَّ شيء ، يا رسول الله ؟ فيقول صلى الله عليه وآله وسلم : « لا ، ولكنِّي أُمرت الا يبلِّغ عنِّي الا أنا أو رجل منِّي » (4) .
8 ـ كرَّار وليس بفرَّار :
تقدّمت قصة خيبر ، ورجوع صاحب الراية الأول ، ثم الثاني يجبّن أصحابه ويجبّنونه.
وإذا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم ـ والرواية عن عليٍّ عليه السلام ـ ويقول : « والذي نفسي بيده ، لأُعطينَّ الراية غداً رجلاً يحبُّ الله ورسوله ، ويحبُّه الله ورسوله ، كراراً ليس بفرَّار ، يفتح الله على يديه ، فأرسل إليَّ وأنا أرمد؛ فتفل في عينيَّ
____________
1) مناقب ابن شهرآشوب 2 : 162.
2) سورة طه : 132.
3) تفسير القرطبي 11 : 174 ، تفسير الرازي 22 : 137 ، روح المعاني 16 : 248 ، وانظر الخصائص بتخريج الأثري ح|112 ، 113 ، وخرَّجه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة من وجوه.
4) مسند أحمد 1 : 3 ، 331 و3 : 212 ، 238 و4 : 164 ، 165 ، البداية والنهاية 7 : 398.


( 126 )


وقال : اللَّهمَّ اكفه أذى الحرّ والبرد ، فما وجدتُ حرَّاً بعدُ ولا برداً » (1) .
هذه بعض الخصائص التي ذكرها أهل المناقب والسير ، في حقِّ أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ووصيِّه ، ووزيره ، وأمينه ، وخليفته من بعده على أُمَّته فلولاه « لم تثبت الملَّة ، ولا استقرت الشريعة ، ولا ظهرت الدعوة ،فهو عليه السلام ناصر الإسلام ووزير الداعي إليه ، من قبل الله عزَّ وجلَّ ، وبضمانه لنبيِّ الهدى عليه السلام النصرة ، تمَّ له في النبوَّة ما أراد ، وفي ذلك من الفضل ما لا توازنه الجبال فضلاً ، ولا تعادله الفضائل كلُّها محلاً وقدراً » (2) .
المحور الثاني : النصوص الدالَّة على إمامته عليه السلام :
قال تعالى : ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون ) (3) .
قال المفسِّرون : إنَّ معناها لنجعلنَّ من أُمِّتك أئمةً يهدون مثل تلك الهداية ، لما صبروا عليه من نصرة الدين وثبتوا عليه من اليقين (4) . فهذه الآية الكريمة ـ وغيرها من الآيات ـ (5) تفيد وجوب الإمام في كلِّ زمان ،
____________
1) خصائص النسائي : 39|14 و159|151 ، تاريخ ابن عساكر ـ ترجمة الامام علي عليه السلام ، مجمع الزوائد 9 : 122 ، إعلام الورى 1 : 364 ، سنن ابن ماجة 1 : 43 ، مسند أحمد 1 : 99 و133 ، مستدرك الحاكم 3 : 37 ، وانظر فرائد السمطين 1 : 253|196 و261|201.
2) إرشاد المفيد 1 : 50 ـ 51.
3) سورة السجدة : 24.
4) الكشَّاف 3 : 516 ، روح المعاني 21 : 138 ، تفسير الرازي 25 : 186 ، تفسير النسفي 3 : 45 ، تفسير أبي السعود 7 : 87.
5) مثل : سورة المائدة : 55 ـ 56 ، سورة النساء : 71.


( 127 )


ولمَّا كان الإمام موجوداً بأمر من الله عزَّ وجلَّ فوجب علينا حقُّ طاعته ونصرته ، كما قال تعالى : ( يَاأيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الاَمْرِ مِنْكُم ) (1) .
وكذا السُنَّة المطهَّرة فرضت علينا معرفة الإمام والاقتداء به ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من مات وليس عليه إمام فإنَّ موتته موتة جاهلية » (2) ، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام بوجوب طاعة الإمام وموالاته : « من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية » (3) .
إذن فالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لم يترك أُمَّته دون إمام يقود زمامها من بعده ، وذلك بأمرٍ من السماء ، إذ قال عزَّ من قائل : ( وَإن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَه ) فما هو جواب الرسول الذي سيملأ هذا الفراغ ؟ سيتَّضح ذلك من خلال الأسطر التالية التي تكشف عن حقيقة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمارس إعداد الخليفة من بعده عملياً ونظرياً :
1 ـ اسمعوا لعليٍّ وأطيعوا :
لمَّا نزل قوله تعالى : ( وَأنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاَقْرَبِين ) رفع شأن عليٍّ عليه السلام على آله وعشيرته أجمعين ، وخصَّه بمنزلة لا يشركه فيها أحد ، فقال عليه أفضل الصلاة والسلام بشأنه يوم الانذار : « إنَّ هذا أخي ، ووصيي ،
____________
1) النساء : 59.
2) ورد هذا الحديث بعدَّة صيغ ، انظر : مسند أحمد 4 : 96 ، كنز العمَّال 1 : 103|464 ، المستدرك على الصحيحين 1 : 117 ، مجمع الزوائد 5 : 218 ، 224 ، الدرُّ المنثور 2 : 286 ـ عند الآية (103) من سورة آل عمران ، ينابيع المودَّة : 117.
3) صحيح مسلم ـ كتاب الإمارة 3 : 1478|58 ـ (1851) ، جامع الأصول 4 : 463|2065.


( 128 )


وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا » (1) .
2 ـ وأولى بالناس من أنفسهم :
بشأنه عليه السلام نزل قول الله عزَّ وعلا : ( إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلأةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون ) (2) حينما تصدَّق بخاتمه حال الصلاة (3) .
وأثبت الآلوسي في تفسيره ، من شعر حسَّان بن ثابت في هذه الحادثة ، قال : فأنشد حسَّان :

أبا حســنٍ تفديك نفسي ومهجتـي * وكلُّ بطـيءٍ في الهدى ومسارعِ
فأنت الذي أعطيـتَ إذ كنت راكعـاً * زكاةً ، فدتك النفس يا خير راكعِ
فأنــزلَ فيـك اللهُ خيـرَ ولايــةٍ * وبيَّنهــا في محكمـاتِ الشرائعِ


وإذ كان أمير المؤمنين عليه السلام ـ بحكم القرآن ـ أولى بالناس من أنفسهم ، لكونه وليَّهم بالنصِّ في التبيان ، وجبت طاعته على كافتهم بجليِّ البيان ، كما وجبت طاعة الله وطاعة رسوله عليه وآله السلام ، بما تضمَّنه الخبر عن
____________
1) أنظر تاريخ الطبري 2 : 321 ، الكامل في التاريخ 1 : 587 ، السيرة الحلبية 1 : 461 ، شرح نهج البلاغة 13 : 211 ، 244 ، تفسير البغوي 4 : 278 ، تفسير الخازن 3 : 371 ـ 372.
2) سورة المائدة : 55.
3) انظر قصة تصدُّقه بالخاتم في تفسير الطبري 6 : 186 ، أسباب النزول للواحدي : 114 ، تفسير الرازي 12 : 26 ، تفسير أبي السعود 2 : 52 ـ دار إحياء التراث العربي ، تفسير النسفي 1 : 420 ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت ، تفسير البيضاوي 1 : 272 ـ دار الكتب العلمية ، ط1 ـ 1408هـ ، معالم التنزيل للبغوي 2 : 272 ، لباب النقول في أسباب النزول | السيوطي : 93 ـ دار إحياء العلوم ـ بيروت ، ط3 ـ 1406هـ ، فتح القدير | الشوكاني 2 : 53 ـ دار إحياء التراث العربي ، روح المعاني | الآلوسي 6 : 167 ـ 169 دار إحياء التراث العربي 1405هـ ، فضائل الصحابة 2 : 678|1158 ، جامع الأصول 9 : 478|6503 ، الكشَّاف | الزمخشري 1 : 649 ، ط1.


( 129 )


ولايتهما للخلق في هذه الآية بواضح البرهان (1) .
3 ـ إنَّ عليَّاً مولى المؤمنين :
قُمَّت شجيرات الغدير ، وتجمَّع الحشد الهائل من حجَّاج بيت الله الحرام ، وإذا بالصمت يخطف الوجوه ، فماذا عسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغ في حرِّ الرمضاء وساعة الظهيرة ؟
وإذا بجبرئيل الأمين يكفي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأمر بما فيه إكمال الدين وإتمام النعمة على المسلمين ، بقوله تعالى : ( يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس ) (2) .
ثمَّ فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولاية عليٍّ عليه السلام على الشاهد والغائب؛ فقال : « من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه ، اللَّهمَّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، واخذل من خذله ، وانصر من نصره » ، وبعد فرض الولاية نزل قوله تعالى : ( الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِِسْلأمَ دِيناً ) (3) .
فكبَّر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحمدالله على إكمال الدين ورضا الربِّ برسالته وولاية عليٍّ عليه السلام من بعده ، فأصبح عليُّ بن أبي طالب عليه السلام مولى كلِّ مؤمن ومؤمنة.
____________
1) إرشاد المفيد 1 : 7.
2) سورة المائدة : 67.
3) سورة المائدة : 3.


( 130 )


وحديث الغدير هذا حديث صحيح (1) ، قد بلَّغ حدَّ التواتر عند جميع المسلمين (2) كما مرَّ بنا سابقاً.
4 ـ الوزارة والخلافة :
في نصّ حديث المنزلة يتفرّد عليّ بمنزلة لا يشاركه في مثلها أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يا عليُّ : « أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى ، الا أنَّه لا نبيَّ بعدي » استثنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النبوَّة ، وأوجب له ما دون ذلك من الخصائص ، فهو الوزير بعده والخليفة على أُمَّته.
وحديث المنزلة هذا حديث متواتر لا خلاف فيه (3) .
وأنَّ القول بمنزلة هارون من موسى عليهما السلام يقتضي حصول جميع منازل هارون من موسى لأمير المؤمنين عليه السلام من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ ما خصّه الاستثناء المنطوق به في الخبر من النبوة. وإن من منازل هارون من موسى عليهما السلام هي : الشركة في النبوَّة ، والأخوة ، والتقدُّم عنده في الفضل والمحبَّة والاختصاص على جميع قومه ، والخلافة له في حال غيبته على أُمَّته ، وغيرها من المنازل ، فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استثنى ما لم يرده من المنازل
____________
1) أنظر : مسند أحمد 4 : 281 ، 368 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 111 ـ 112 ، السيرة الحلبية 3 : 336 ، مستدرك الحاكم 3 : 148 ، سنن الترمذي 5 : 663|3788 ، صحيح مسلم ـ كتاب فضائل الصحابة 4 : 1873 |2408 من عدَّة طرق ، تهذيب الكمال 13 : 302 ، فتح القدير 2 : 60 ، الدرُّ المنثور 3 : 117 ، أسباب النزول : 115 ، تفسير المنار|محمد رشيد رضا 6 : 463 ، تفسير الرازي 12 : 49 ـ 50 ، الرياض النضرة 3 : 127 ، مناقب أمير المؤمنين | الحافظ محمد بن سليمان الكوفي القاضي 1 : 119.
2) أنظر : البداية والنهاية 5 : 233.
3) تقدَّمت مصادر هذا الحديث سابقاً ، وانظر : مصنف ابن أبي شيبة ـ فضائل عليٍّ 7 : 496 |11 ـ 15 ، السيرة النبوية لابن حبَّان : 149.


( 131 )


بعده بقوله : « إلا أنَّه لا نبيَّ بعدي » فدلَّ هذا الاستثناء على أنَّ ما لم يستثنه حاصل لأمير المؤمنين عليه السلام بعده ، وإذا كان من جملة المنازل الخلافة في الحياة ، وثبتت بعده ، فقد تبيَّن صحَّة النصِّ عليه بالإمامة (1) .
5 ـ لن يخرجكم من هدى ولن يُدخلكم في ضلالة :
وذلك من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأُمَّته : « من أحبَّ أن يحيا حياتي ، ويموت مماتي ، ويسكن جنَّة عدنٍ غرسها ربِّي ، فليتولَّ عليَّ بن أبي طالب ، فإنَّه لن يُخرجكم من هدى ، ولن يُدخلكم في ضلالة » (2) .
وفي هذا دلالة واضحة على فرض ولاية الإمام عليٍّ عليه السلام ، كما يصرِّح مرَّة أُخرى عليه أفضل السلام بقوله : « يا عليُّ ، أنت تبيِّن لأُمَّتي ما اختلفوا فيه من بعدي » (3) .
6 ـ لا ، لكنَّه علي! :
عليٌّ عليه السلام هو الذي قال عنه رسول الله : « إنَّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله » فتطاولت لذلك الأعناق كلٌّ يقول : أنا هو! وفيهم أبو بكر وعمر ، فيقول عليه الصلاة والسلام : « لا ، لا ، لكنَّه عليٌّ » (4).
____________
1) إعلام الورى 1 : 331 ـ 332 بتصرُّف.
2) المستدرك : 2 : 128 ، لسان الميزان 2 : 34 ، مجمع الزوائد 9 : 108 كنز العمَّال. 11 : 611|32960.
3) المستدرك 3 : 122 ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، حلية الأولياء 1 : 64 ، تاريخ ابن عساكر ـ ترجمة الإمام علي 2 : 486|1014 ـ 1018 ، مناقب الخوارزمي : 236 ، كنز العمَّال 11|32983.
4) أنظر : مسند أحمد 3 : 82 ، البداية والنهاية 7 : 398.


( 132 )


7 ـ كلُّهم من قريش :
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يمارس تعيين الخلفاء من بعده؛ فصرَّح بأنَّهم « اثنا عشر خليفة » لكن خصَّص المنبع الأصيل لهذه الخلافة « كلُّهم من قريش »!
وهذا حديث متواتر أيضاً رواه أصحاب الصحاح والسنن وغيرهم (1) ».
وقوله صلى الله عليه وآله وسلم بشأن عليٍّ عليه السلام : « إنَّه منِّي وأنا منه ، وهو وليُّكم بعدي... إنَّه منِّي وأنا منه وهو وليُّكم بعدي » يكرِّرها (2) ، يحدّد أنه هو أول الخلفاء الأثني عشر القرشيين.
8 ـ قاتل الفَجَرة :
قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « عليٌّ أمير البررة ، قاتل الفجرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله » (3).
9 ـ حقُّه لازم لنا ، وفضله مبرَّز :
من رسالة معاوية بن أبي سفيان إلى محمد بن أبي بكر ، وهي الرسالة التي أشار إليها الطبري ، ثُمَّ قال : كرهت ذكرها لأمور لا تحتملها العامَّة!
____________
1) أنظر : صحيح البخاري ـ الأحكام ـ باب 51 ح|6796 ، صحيح مسلم ـ الإمارة ح|1821 ـ 1822 ، مسند أحمد 1 : 398 ، 406 ، سنن أبي داود ح|4280 ، سنن الترمذي ـ كتاب الفتن : 4|2223 ، مصابيح السُنَّة 4 : ح|4680.
2) مسند أحمد 5 : 356 ، خصائص النسائي : ح|87 ، ومثله انظر : المستدرك 3 : 134 ، سنن الترمذي 5 : ح|3712 ، المصنَّف ابن أبي شيبة : ح7 ـ فضائل علي ح|58 ، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبَّان 9 : 41 ح|6890.
3) تفسير الرازي 12 : 76 ، كنز العمال 11|32909 ، فضائل الصحابة 2 : 678|1158.


( 133 )


قال فيها معاوية مخاطباً محمَّد بن أبي بكر : « قد كنَّا وأبوك معنا في حياة نبيِّنا نرى حقَّ ابن أبي طالب لازماً لنا ، وفضله مبرزاً علينا » (1) .
ومن قول محمَّد بن أبي بكر في رسالته إلى معاوية ، يصف فيها عليَّاً عليه السلام : « وهو وارث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصيُّه ، وأبو ولده ، أوَّل الناس له اتِّباعاً ، وأقربهم به عهداً ، يخبره بسرِّه ويطلعه على أمره » (2) .
10 ـ لن تضلّوا بعده :
إضافة إلى هذا الاجراء النظري الصريح بخلافة عليٍّ عليه السلام وولايته ، أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ينفِّذ إجراءً عملياً بحقِّه عليه السلام مرّة بعد أخرى قبيل رحيله.. ففي الأولى أمر بدواة وكتف ليكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده ، لكنَّها كانت الرزية التي أبكت ابن عبَّاس ، حتى بلَّ دمعه الحصى!
قد حالوا دون كتابة الكتاب الذي سيكون آخر شهادة حقٍّ ناطقة بولاية عليٍّ عليه السلام وإذا بقول أحدهم : « حسبنا كتاب الله » لكنّ كتاب الله يقول : ( مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطَاعَ الله ) (3) ! ومن عصى الرسول فقد عصى الله..
وفي الثانية عزم صلى الله عليه وآله وسلم أن يخلي المدينة المنورة ممّن يعلم منهم الخلاف على علي عليه السلام والمنازعة في الخلافة ، فعقد الراية لأسامة وأمرهم بالانقياد
____________
1) انظر اشارة الطبري : تاريخ الطبري 4 : 557 ـ أحداث سنة 36 ، ونص رسالته في مروج الذهب للمسعودي 3 : 21 ، تحقيق عبدالأمير مهنا ، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ، 1991م ، وشرح نهج البلاغة 3 : 188.
2) مروج الذهب 3 : 21 ، شرح نهج البلاغة 3 : 188.
3) سورة النساء : 4 / 80 .


( 134 )


له والامتثال لأمره ، ليبلغ أمته بابلغ خطاب ان هؤلاء إنما هم جنود لهذا القائد الشاب ابن السابعة عشرة فلا ينازعوا غداً على زعامة الأمة وإمامة المسلمين! لكنّهم تخلّفوا عنها أيضاً بعذر أو بآخر ، رغم ردّه كل تلك الأعذار ، وتأكيده البليغ « انفذوا بعثة اسامة » « لعن الله من تخلف عنها »!!