كتاب الإمام علي سيرة والتاريخ ص179 ـ 199

●●●●  فهرس الكتاب

 

الباب الثالث
خلافة أمير المؤمنين عليه السلام

الفصل الأول : تولِّي الخلافة وسياسته في الإصلاح :
قتل عُثمان ، ولم يكن ثمة فرصة لتعيين من يقوم بعده بالخلافة ، فلا سقيفة ولا شورى! فكان من حقِّ الجماهير ، ولأوَّل مرَّة في تأريخها ، أن تطلق صوتها وترجع إلى رشدها.
فنهضت الجماهير عطشى تتسابق سباق الإبل إلى الماء ، جاءوا دار الإمام عليٍّ عليه السلام حيث اعتزل قبل هلاك عُثمان ، ولم يخرج من بيته ، يطالبون أن يخرج إليهم ليبايعوه..
حتى وصف أمير المؤمنين عليه السلام هذا السيل العارم وإصرارهم على البيعة بقوله : « فما راعني من الناس الا وهم رسلٌ إلي كعُرف الضبع ، يسألونني أن أُبايعهم ، وانثالوا عليَّ حتى لقد وُطئ الحسنان ، وشُقَّ عطفاي ».
ومضى يصف في خطبته هذه موقفه من الخلافة : « أما والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ولزوم الحجَّة بوجود الناصر ، وما أخذ الله على أولياء الأمر الا يقرُّوا على كظَّة ظالم أو سغب مظلومٍ ، لألقيت حبلها على غاربها ، ولسقيت آخرها بكأس أوَّلها ، ولألفوا دنياهم أزهد عندي من عفطة عنزٍ » (1) .
وتمَّت بيعته في الخلافة في يوم الجمعة الخامس والعشرين من ذي
____________
1) مقاطع من خطبته الشقشقية.


( 180 )


الحجَّة عام 35هـ ، وقال عليه السلام يصف ذلك الأمر : « وبسطتهم يدي فكففتها ، ومددتموها فقبضتها ، ثُمَّ تداككتم عليَّ تداكَّ الإبل الهيم على حياضها يوم وردها ، حتى انقطعت النعل وسقط الرداء ووُطئ الضعيف.. » (1) .
وعن أبي ثور ـ كما جاء في ( الإمامة والسياسة ) ـ أنَّه قال : « لمَّا كانت البيعة بعد مصرع عثمان خرجت في اثر عليٍّ عليه السلام والناس حوله يبايعونه ، فدخل حائطاً من حيطان بني مازن ، فألجأوه إلى نخلة وحالوا بيني وبينه ، فنظرت إليهم وقد أخذت أيدي الناس ذراع الإمام ، تختلف أيديهم على يده ، ثُمَّ أقبلوا به إلى المسجد الشريف ، فكان أوَّل من صعد المنبر في المسجد طلحة وبايعه بيده ، وكانت أصابعه شلاء ، فتطيَّر منها عليٌّ عليه السلام وقال : « ما أخلقها أن تنكث » ، ثُمَّ بايعه الزبير وأصحاب النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وجميع من في المدينة من المسلمين » (2) .
بهذه اللهفة تمَّت أوَّل بيعة على صعيد واسع ، وصعد الخليفة الأول الحق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبر الشريف بقبول الناس ورضاهم ، لكنَّ الإمام عليَّاً عليه السلام لم يكن من أصحاب السلطة.. فلم يقبل بالخلافة الا بعد أن رأى أنْ لا مفرَّ من ذلك ، وأنَّ مصلحة الإسلام والمسلمين تقتضي أن يمدَّ يده لتختلف عليه أيدي الناس المبايعة..
في هذا الجو المشحون بالفتن والحوادث بعد مقتل الخليفة وما خلَّف قتله من آثار ـ سنمرُّ عليها لاحقاً ـ في هذه الأجواء تمَّت البيعة للإمام عليه السلام ،
____________
1) نهج البلاغة ، الخطبة : 229.
2) الإمامة والسياسة1 : 50 ، وانظر : الكامل في التاريخ3 : 81 ـ احداث سنة 35 ، البداية والنهاية 7 : 227.


( 181 )


فقال ابن عبدالبر : « بويع لعليٍّ رضي الله عنه بالخلافة يوم قُتل عُثمان ، فاجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار ، وتخلَّف عن بيعته نفرٌ منهم ، فلم يهجهم ولم يُكرههم.. » (1).
وكان ممَّن تخلَّف عن بيعته يوم ذاك : حسَّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، وزيد بن ثابت ، ومروان بن الحكم ، وسعد بن أبي وقَّاص ، وعبدالله بن عمر ، ومعاوية ومن معه في جماعة أهل الشام وآخرون (2) ، وعائشة بنت أبي بكر ، زوج الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حيث وقفت من الإمام عليٍّ أشدَّ المواقف العدائية التي سنقف عليها لاحقاً.
على أي حال قد تمَّت البيعة المثالية ، التي لم يشهد التأريخ مثلها على جوانب صفحاته ، بيعة ليس لها نظيرٌ قطُّ ، اندفع كلُّ الناس يتسابقون أيُّهم يحوز الفضل قبل صاحبه.. ولم يفد معهم كلام ولا حجَّة ، فكانوا مصرِّين على بيعته حتى « وبلغ من سرور الناس بيعتهم إيَّاي أن ابتهج بها الصغير ، وهَدَجَ إليها الكبير ، وتحامل نحوها العليل ، وحسرت إليها الكعاب.. » (3) لا يرتضون له بديلاً حتى وإن أعلمهم بحقيقة الأمر وسياسته التي قد لا تُرضي الجمهور!
قد وضعهم أمام السياسة الواضحة ؛ إذ قال لهم : « دعوني والتمسوا غيري ، فإنَّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان ، لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول.. وإنَّ الآفاق قد أغامت ، والمحجَّة قد تنكَّرت.. ».
____________
1) تهذيب الكمال 13 : 304.
2) أنظر : الكامل في التاريخ 3 : 82 حيث ذكر عشرة أشخاصٍ تخلفوا عن بيعة الإمام.
3) نهج البلاغة ، الخطبة : 229.


( 182 )


وأضاف قائلاً : « واعلموا أنِّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغِ إلى قول القائل وعتب العاتب » (1) .
فاستجاب الناس طائعين إلى عرض أبواب السياسة التي سينتهجها ، ووجد المسلمون أنفسهم أمام واقعٍ جديد وأحداث جديدة لا عهد لهم بها من قبل.
ذكر الشيخ المفيد خبراً عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ، قال : « جمع أمير المؤمنين عليه السلام الناس للبيعة ، فجاء عبدالرحمن بن ملجم المرادي ـ لعنه الله ـ فردَّه مرَّتين أو ثلاثاً ثُمَّ بايعه ، وقال عند بيعته له : « ما يحبس أشقاها! فوالذي نفسي بيده لتُخضبن هذه من هذا » ووضع يده على لحيته ورأسه عليه السلام ، فلمَّا أدبر ابن ملجم عنه منصرفاً قال عليه السلام متمثِّلاً :

« أشدد حيازيمك للمــوت * فــإنَّ المـوت لاقيــك
ولا تجــزع من المـوت * إذا حــلَّ بـواديـــك
كمـا أضحكـك الدهــر * كذاك الدهـر يبكيك » » (2)


سياسته الإصلاحية :
لمَّا آلت إليه خلافة المسلمين انصرف منذ اليوم الأوَّل لمشروع الإصلاح ، إصلاح ما نخره المتقدمون عليه وعُثمان وعمَّاله على صعيد الاتِّجاه السياسي والاجتماعي ، وحتى الثقافي ، في دولة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومن جلائل خطبه ومشهوراتها ، تلك التي وصف فيها حال الأُمَّة ،
____________
1) نهج البلاغة ، الخطبة : 92.
2) إرشاد المفيد 1 : 11. ونقله العلأَمة المجلسي في البحار 42 : 192|6.


( 183 )


حالهم الجديدة ، فيصفها في يوم بيعته : « .. ألا وإنَّ بليَّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيَّه صلى الله عليه وآله وسلم والذي بعثه بالحقِّ لتُبَلْبَلُنَّ بلبلةً ولتُغربلُنَّ غربلةً ، ولَتُساطُنَّ سوط القدر ، حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم ، وليسبقَنَّ سابقون كانوا قصَّروا ، وليُقصِّرنَّ سبَّاقون كانوا سبقوا..
والله ما كتمتُ وشمةً ، ولا كذبت كذبةً ، ولقد نُبِّئتُ بهذا المقام وهذا اليوم... حقٌّ وباطل ، ولكلٍّ أهل ، فلئن أمِرَ الباطل لقديماً فعل! ولئن قلَّ الحقُّ ، فلربَّما ولعلَّ! ولقلَّما أدبر شيءٌ فأقبل » (1) ! كما أنبأه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ومرَّةً أُخرى يضع النقاط الأساسية لواجبات الخلافة الجديدة : « اللَّهمَّ إنَّك تعلم أنَّه لم يكن الذي كان منَّا منافسةً في سلطان ، ولا التماس شيءٍ من الحطام ، ولكن لنردَّ المعالم من دينك ، ونُظهر الإصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ، وتُقام المعطَّلة من حدودك » (2) .
ردُّ المعالم الضائعة المغيَّبة من الدنيا ، وردُّ الحقِّ المنتهك من عباد الله ، وإقامة الحدود المعطَّلة ، كأنجح وأعدل سياسة في الحكم الإسلامي ، هذه هي أهمُّ أوجه السياسة في الخلافة الجديدة.
لأوَّل مرَّة سيُقام العدل ويُركل الظلم في أشدِّ حالات القتال! القتال على التأويل كما قاتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على التنزيل : « إنَّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن » قال أبو بكر : أنا هو ؟ وقال عمر : أنا هو ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم : « لا ، لكنَّه عليٌّ »! (3) .
____________
1) نهج البلاغة ، الخطبة : 16.
2) نهج البلاغة ، الخطبة : 131.
3) مسند أحمد 3 : 83 ، المستدرك 3 : 123.


( 184 )


هذا هو مشروع الإصلاح ، حسبما اختصره الإمام في خطبته السابقة ، وكان هذا إصلاح الساحة السياسة.
أمَّا التغيير الاجتماعي والديني والثقافي فتجسَّد في بيانه للناس عامَّةً ، وعمَّاله خاصَّةً ، بقوله : « إنَّ الله سبحانه أنزل كتاباً هادياً بيَّن فيه الخير والشرَّ ، فخذوا نهج الخير تهتدوا ، واصدِفوا عن سمت الشرِّ تقصدوا..
الفرائض ، الفرائض! أدُّوها إلى الله ، تؤدِّكم إلى الجنَّة.. » ديناً.
أمَّا على الصعيد الاجتماعي والثقافي فيمكن أن نراه واضحاً في قوله : « إنَّ الله حرَّم حراماً غير مجهول ، وأحلَّ حلالاً غير مدخول ، وفضَّل حُرمة المسلم على الحُرم كلِّها ، وشدَّ بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين في معاقدها.. ».
ولعمَّاله خاصَّةً قوله : « بادروا أمر العامَّة ، وخاصَّة أحدكم وهو الموت.. » وقوله : « اتَّقوا الله في عباده وبلاده ، فإنَّكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم.. » (1) .
بهذا الإخلاص الرفيع والحكمة المتعالية والسياسة الحكيمة ، يضعنا أمام الأمر الواقع ، فقد أعاد عليه السلام إلى الأذهان الدين الحقَّ المنزَّل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، والذي تزيَّف في عهود من سبقه!!
أوَّلاً : باشر الإمام في تنفيذ العدل والمساواة بين الرعية..
وثانياً : مراقبة العمَّال والأُمراء. وله كتب عدَّة في هذه الأُمور ، جمعها صاحب نهج البلاغة ، بما يقارب 32 كتاباً ، في الشؤون الإدارية والسياسية
____________
1) نهج البلاغة ، الخطبة : 167 ، وذكره ابن الأثير في تاريخه 3 : 84 ـ 85.


( 185 )


ووصايا إلى الأمراء والأجناد ، فلا يسعنا الحديث عن كلِّ كتبه هذه!
ثالثاً : القتال على تأويل القرآن!!

خطوات مشروعه الاصلاحي
والآن مع خطواته في مشروع التنفيذ الإصلاحي :
أولاً : إلغاء التمايز الطبقي :
ساد في عهد « عمر » و« عُثمان » تمايز طبقي في توزيع الثروة من بيت المال ، حتى أصبح الناس قسمين ، قسم في عداد الأثرياء وما فوق ذلك ، وآخرون لا يرتفعون عن مستوى الفقر كثيراً! حتى تسبَّبت هذه السياسة الظالمة في استثراء تفاوت طبقي خطير..
فأعلن الإمام عليٌّ عليه السلام إلغاء التمايز الطبقي بكلِّ أسبابه ، وعهد إلى التسوية بين الناس في العطاء ، فالناس عنده سواسية كأسنان المشط ، وانقطعت آمال الطبقة الغنية التي لم تنظر للدنيا الا في منظار مادِّي.
فقال عليه أفضل الصلاة والسلام : « ألا لا يقولنَّ رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا ، فاتَّخذوا العقار وفجَّروا الأنهار وركبوا الخيول الفارهة ، واتَّخذوا الوصائف الروقة ، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً ، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه ، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون ، فينتقمون ذلك ويستنكرون ، ويقولون : حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا! » (1) .
ولمَّا نودي لقبض الحقوق ، قال الإمام عليٌّ عليه السلام لعبيدالله بن أبي رافع
____________
1) شرح النهج لابن أبي الحديد 7 : 37.


( 186 )


ـ كاتبه ـ : « إبدأ بالمهاجرين فناديهم ، وأعطِ كلَّ رجلٍ ممَّن حضر ثلاثة دنانير ، ثُمَّ ثنِّ بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك ، ومن حضر من الناس كلُّهم الأحمر والأسود فاصنع به مثل ذلك »!
وتخلَّف يومذاك رجال منهم : طلحة ، والزبير ، وعبدالله بن عمر ، وسعد بن العاص ، ومروان بن الحكم ، قد عزَّ عليهم أن يكونوا كغيرهم من الموالي والعبيد!
هناك خطب الإمام عليٌّ عليه السلام مرَّةً أُخرى قال فيه : « هذا كتاب الله بين أظهرنا ، وعهد رسول الله وسيرته فينا ، لا يجهل ذلك الا جاهل عانَدَ عن الحقِّ ، منكر ، قال تعالى : ( يَاأيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أتْقَاكُم ) » ثُمَّ صاح بأعلى صوته « ( أطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإن تَوَلَّوا فَإنَّ اللهَ لأ يُحِبُّ الْكَافِرِين )! أتمنُّون على الله ورسوله بإسلامكم ؟! ( بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أنْ هَدَاكُمْ لِلإِِيمَانِ إن كُنتُمْ صَادِقِين ) أنا أبو الحسن ، ألا إنَّ هذه الدنيا التي أصبحتم تمنُّونها وترغبون فيها ، وأصبحت تُغضبكم وترضيكم ، ليست بداركم ولا منزلكم الذي خُلقتم له ، فلا تغرَّنكم فقد حذَّرتكموها..
فأمَّا هذا الفيء فليس لأحدٍ على أحدٍ فيه أثرة ، وقد فرغ الله من قسمته ، فهو مال الله ، وأنتم عباد الله المسلمون.. وهذا كتاب الله به أقررنا وله أسلمنا ، وعهد نبيِّنا بين أظهرنا ، فمن لم يرضَ به فليتولَّ كيف يشاء! فإنَّ العامل بطاعة الله والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه » (1) .
____________
1) شرح ابن أبي الحديد7 : 40 ، والآيتان على التوالي من سورة الحجرات 49 : 13 ـ 17.


( 187 )


وقال عليه السلام : « أتأمرونِّي أن أطلب النصر بالجور فيمن وُليِّتُ عليه! والله لاأطور به ما سَمَرَ سَميرٌ (1) ، وما أمَّ نجمٌ في السماء نجماً! لو كان المال لي لسوِّيت بينهم ، فكيف وإنَّما المال مال الله ؟! » (2) .
وكان ذلك أبلغ وأروع خطاب يهزُّ المشاعر ، فهنيئاً لمن عاش في ظل النبوَّة والإمامة الحقَّة!
ثُمَّ بعث أمير المؤمنين عليه السلام الى طلحة والزبير ، يعاتبهما على ما فعلاه من الصدِّ والإكراه ، فقال ـ بعدما ذكَّرهما ببيعتهما له ، وهو كاره ـ : « ما دعاكما بعد إلى ما أرى ؟ ما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي ؟! ».
قالا : أعطيناك بيعتنا ، على أن لا تقضي الأُمور ولا تقطعها دوننا ، وأن تستشيرنا في كلِّ أمرٍ ولا تستبدَّ بذلك علينا.. إنَّك جعلت حقَّنا كحقِّ غيرنا ما قد علمت ، فأنت تقسم القَسْم وتقطع الأمر ، وتُمضي الحكم بغير مشاورتنا ولا علمنا.
فقال : « فوالله ما كانت لي في الخلافة رغبة ، ولكنكم دعوتموني إليها ، وجعلتموني عيها فخفت أن اردّكم فتختلف الأمة ، فلمّا أفضتْ إليَّ نظرتُ إلى كتاب الله وسنّة رسوله فأمضيت ما دّلاني عليه واتبعته ولم احتج في ذلك إلىآرائكما فيه ، ولا رأي غيركما ،ولو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه ولافي السنّة برهانه ، واحتيج إلى المشاورة فيه لشاورتكما فيه. وأما القسم والأُسوة ، فإن ذلك أمر لم أحكم فيه باديء بدء ، قد وجدت أنا وأنتما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
____________
1) أي لا اُقاربه هدى الدهر.
2) نهج البلاغة ، الخطبة : 126.


( 188 )


يحكم بذلك ،... أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر ».
ثم قال عليه السلام : « رحم الله امرءاً رأى حقاً فأعان عليه ، ورأى جوراً فردّه ، وكان عوناً للحق على من خالفه » (1).
وكان موقف عليٌّ عليه السلام من أمثال هؤلاء ، هو اتباع لغة القرآن الكريم وسُنَّة الرسول العظيم ، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ، فلم يبدل حكماً ويستبدل بآخر ، غير الذي رآه أنَّه جادَّة الصواب المستقيمة ، وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً!
هذه هي الثورة الاجتماعية التي أحدثها الإمام عليه السلام ، والتي كانت من أشدِّ الصعوبات التي واجهها في ذاك المجتمع الشائب بأدران الآلهة والأوثان! هذه هي التسوية بين الفقراء والمساكين والأغنياء الذين طغوا بالأموال.. وسنرى قريباً نتائج هذه التسوية في خروج الناكثين والقاسطين على الخليفة الحق ، تحت شعارٍ زائفٍ وحجَّةٍ داحضةٍ وهي « دم عُثمان »!
ومن مظاهر العدل والمساواة انتزاع الأموال والثروات التي تصرَّف بها عُثمان ، وكأنَّها ملكٌ له لا للمسلمين ، والتي أغدقها على ذويه وخاصَّته من أزلام بني أُميَّة من هدايا ضخمة والى ما شابه ذلك.
فقام الإمام عليٌّ بانتزاعها منهم ، ليعيدها إلى وضعها الطبيعي ، لينتفع بها الفقراء والمساكين الذين « لاكو الصخر خبزاً »! فقال عليه السلام بهذا الموضع : « والله لو وجدتُه قد تُزوِّج به النساءُ ، ومُلِكَ به الإماءُ لرددته ، فإنَّ في العدل
____________
1) شرح نهج البلاغة 7 : 41 ـ 42.


( 189 )


سَعَة ، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق » (1) .
فما كان من بني أُميَّة ، الذين هالهم هذا العدل ، الا أن يحرِّض بعضهم البعض الآخر ، فكتب عمرو بن العاص إلى معاوية بن أبي سفيان يقول : « ما كنت صانعاً فاصنع! إذ قَشَرك ابن أبي طالب كلَّ مالٍ تملكه ، كما تُقشر من العصا لحاها »!
حتى تمخَّضت هذه الأحداث عن معركتين الجمل وصفِّين ، حيث لم يطيقوا عدل الإسلام الذي طبَّقه عليهم ابنُ أبي طالب عليه السلام !
وفي أصحاب الحزبين جاء قوله عليه السلام : « فلمَّا نهضتُ بالأمر نكثت طائفة ومرقت أُخرى وقسط آخرون ، كأنَّهم لم يسمعوا كلام الله تعالى يقول : ( تِلْكَ الدَّارُ الاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لأ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الاَرْضِ وَلأ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين ) (2) ».
ثانياً : سياسته في الحكم:

حيث وضع دستوراً إسلامياً شرعياً تسير عليه السياسة الجديدة ، فخطب الملأ قائلاً :
« قد جعل الله سبحانه لي عليكم حقاً بولاية أمركم ، ولكم عليَّ من الحق مثل الذي عليكم..
جعل سبحانه من حقوقه حقوقاً ، افترضها لبعض الناس على بعض ، فجعلها تتكافأ في وجوهها..
وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق : حقّ الوالي على الرعية ،
____________
1) نهج البلاغة ، الخطبة : 15.
2) سورة القصص : 83.


( 190 )


وحقُ الرعية على الوالي ، فريضةٌ فرضها الله سبحانه لكلٍّ على كلٍّ ، فجعلها نظاماً لأُلفتهم ، وعزّاً لدينهم.
فليست تصلح الرعية إلاّ بصلاح الولاة ، ولا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعية ، فإذا أدّت الرعية إلى الوالي حقه ، وأدّى الوالي إليها حقّها ، عزّ الحقّ بينهم ، وقامت مناهج الدين ، واعتدلت معالم العدل ، وجرت على أذلالها السنن ، فصلُح بذلك الزمان ، وطمع في بقاء الدولة ، ويئست مطامع الأعداء...
وإذا غلبت الرعية واليها ، وأجحف الوالي برعيته ، اختلفت هنالك الكلمة ، وظهرت معالم الجور وكثُر الإدغال في الدين ، وتُركتْ محاجُّ السنن ، فعمل بالهوى وعطّلت الأحكام وكثرت علل النفوس ، فلا يستوحَش لعظيم حقٍّ عُطِّل ، ولا لعظيم باطلٍ فُعل ، فهنالك تذلّ الأبرار ، وتعِزُّ الأشرار.
فعليكم بالتناصح في ذلك ، وحسن التعاون عليه ، فليس أحد ـ وإن أشتدّ على رضى الله حرصه ، وطال في العمل اجتهاده ـ ببالغ حقيقة ما الله أهلّه من الطاعة.. وليس أمرؤٌ ـ وإن عظمت في الحق منزلته ، وتقدّمت في الدين فضيلته ـ بفوق أن يعان على ما حمّله الله من حقّه ، ولا امرؤٌ ـ وإن صغّرته النفوس واقتحمته العيون ـ بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه » (1)..
وهكذا تتكامل المسؤوليات ، وتتعاضد الأدوار ، ويستوي الناس أمام
____________
1) نهج البلاغة : الخطبة : 216 ، بتصرف.


( 191 )


الحق والعدل ، ويأخذ مبداً التكافل الاجتماعي طريقه إلى الواقع.. إنها مباديء السياسة النموذجية التي تتوخى صناعة المجتمع النموذجي.
ثالثاً : استبدال الولاة :
انتخب الإمام عليٌّ عليه السلام رجالاً من الذين أُبعدوا في عهد سابقيه دون أدنى سبب ، جعلهم مكان الولاة الذين ضجَّت الأُمَّة من سياستهم المنحرفة ، كالوليد بن أبي معيط ـ الذي سمَّاه القرآن فاسقاً ـ وعبدالله بن أبي سرح ، الذي انتفضت عليه مصر ، وعبدالله بن عامر ، ومعاوية الرجل المتجبِّر!
وأمَّا البدائل ، فهم : قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري ، والأنصاريان الجليلان : سهل بن حنيف وعُثمان بن حنيف ، بدائل عن ابن أبي سرح وابن عامر ومعاوية ، على مصر والبصرة والشام (1) .
وجعل عبيدالله بن عبَّاس على اليمن ، وقثم بن عبَّاس على مكَّة.
لكنَّ عقبة استبدال معاوية كانت هي الأشدُّ ، حيث تربَّع على العرش ، يذبح شيعة الإمام عليٍّ عليه السلام ويستنُّ السنن لأهل الشام ، الذين لا يعرفون من الإسلام الا ما يعرِّفهم به معاوية ، فعمل على أن لا يبقي في الشام صحابياً ، فأخرج منها أبا ذرٍّ ، وعبادة بن الصامت وغيرهم ، لتخلو له أرض الشام فلا يعرفوا غيره!
وجاءت وصايا الإمام عليه السلام إلى الولاة ، فكتب يقول لأحدهم : « واعلم أنَّ الرعيَّة طبقات ، لا يصلح بعضها الا ببعض ، ولا غنى ببعضها عن بعض ،
____________
1) أنظر : الأخبار الطوال : 141.


( 192 )


فمنها جنود الله ، ومنها كُتَّاب العامَّة والخاصَّة ، ومنها قضاة العدل ، ومنها عمَّال الإنصاف والرفق ، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمَّة ومسلمة الناس ، ومنها التجَّار وأهل الصناعات ، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة.
وكلٌّ قد سمَّى الله سهمه ، ووضع على حدِّه فريضته في كتابه أو سُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم عهداً من عندنا محفوظاً :
فالجنود بإذن الله ، حصون الرعيَّة ، وزين الولاة ، وعزُّ الدين ، وسُبل الأمن ، وليست تقوم الرعيَّة الا بهم ، ثُمَّ لا قوام للجنود الا بما يُخرج الله لهم من الخراج..
ثُمَّ لا قِوام لهذين الصنفين الا بالصنف الثالث من القضاة والعمَّال والكتَّاب ، لِما يُحكِمونَ من المعاقِد ، ويجمعون من المنافع ، ويؤتمنون عليه من خواصِّ الأُمور وعوامِّها.
ولا قوام لهم جميعاً الا بالتجَّار وذوي الصناعات..
ثُمَّ الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحقُّ رفدهم ومعونتهم ، وفي الله لكُلّ سَعة ، ولكلٍّ على الوالي حقٌّ بقدر ما يُصلحه.. » (1) .
بلا شكٍّ لو أنَّ الإمام عليه السلام قد تولَّى خلافة المسلمين بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة؛ لظهر الإسلام للعالم بوجهه الصحيح ، ولم تكن أُمور الغدر والجور والتزوير والفتن ، وإلى ما شابه ذلك من الأُمور التي نعيشها اليوم ، وتعيش فينا إلى آخر يوم..
____________
1) نهج البلاغة ، الكتاب 53 ، بتصرف.


( 193 )


فقد ترك « الحكَّام » غير الشرعيين صوراً تحفل بالآلام والمخازي ، شوَّهت الإسلام في أذهان الذين لا يعرفون عنه شيئاً الا اسمه.. لكن الذي وقع هو أنَّ خلافة الإمام عليه السلام قصيرة جدَّاً ، بسبب تلك الأُمور التي أحاطت به ، ولم تترك له مجال يمكِّنه من الإصلاح الشامل ، وبناء دولة إسلامية ذات أُسس رصينة ، كما أراد ذلك الله ورسوله..
لم يكن الإمام عليَّاً عليه السلام طالب ملك.. فهو لا يرى السلطة الا وسيلةً للحقِّ والعدالة.. لذلك نراه يصرُّ على عزل معاوية؛ لأنَّ إبقاءه ولو يوم واحد يعني إقرار الظلم والجور ، وأجاب من أشار عليه بترك معاوية وشأنه بقوله : ( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً )! فهو لا يرى معاوية الا ضالاً مضلأًَ ، لذلك كرَّس كلَّ قوَّاته لاجتياح الظلم من أرض الشام ، كما أجتاحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أرض الحجاز!
وقال الأستاذ عبدالفتاح ، حول سياسة عليٍّ عليه السلام من أنصار عُثمان وولاته : « إنَّ الناظر إلى سياسة عليٍّ عليه السلام حيال ولاة عُثمان ، ليعلم مدى صوابه حين أبى الا خلعهم وتولية سواهم ، ممَّن يؤمنون بمبادئه ومثله ، ويعلم أيضاً أنَّه كان نافذ البصيرة مؤمناً باستجابة البلاد كلِّها له ، لأنَّه لم يعمل الا ما أملاه عليه شعور أهل الأمصار نحو أولئك الولاة ، وها هو الزمن قد أثبت فراسته فجاءته الطاعة من كلِّ الأقاليم.
أمَّا الشام فلها وحدها شأن تنفرد به في قبضة رجل مفتون بالسلطان إقراره عليها وعدم إقراره سواء بسواء لن يسفر الا عن تمرُّد؛ لأنَّه لا يرضى بغير احتلاب السلطان الذي وقع في كفِّ غريمه القديم ».
ومضى يقول : « ولعلَّه لو أثبته الإمام في حكم الشام ، لوسعه أن يبدو


( 194 )


في أنظار الجماهير أقوى منه في حال العزل ، لأنَّه لا يستطيع أن يقول للناس : إنَّه يأبى البيعة لمن ولأَه ، ولا يعتبرها الا ثمناً يشتري أمير المؤمنين صمته عن اتهامه بمقتل عُثمان » (1) .


الفصل الثاني : مسير الإمام إلى البصرة ووقعة الجمل :


بينما كان الإمام عليٌّ يجهِّز جيشاً إلى الشام بقيادته؛ لكسح معاوية وبطانته الفاسدة ، أتاه الخبر عن طلحة والزبير وعائشة من مكَّة بما عزموا عليه ، فاستعدَّ لحرب الناكثين « وسار عليٌّ من المدينة في تعبئته التي تعبَّاها لأهل الشام آخر شهر ربيع الآخر سنة ستٍّ وثلاثين » (2) .
رسم الإمام في سياسته الجديدة خطوط الحكم العريضة ، وكان وسامها : « لا فضل لعربي على أعجمي » ، أثارت هذه السياسة غضب المتمرِّدين على الحكم ، وكان منهم ما كان من الخروج عليه ، فلمَّا أدرك طلحة والزبير برفض الإمام أن يجعل لهما ميزة على غيرهما ، فلا ينالان الا ما ينال المسكين والفقير بعطاء متساوٍ..
بعد أن أدركا كلَّ هذا سكتا على مضضٍ ، وأخذا يعملان للثورة ضدَّه ، ضدَّ الحكم الجديد ، فانضمَّا إلى الحزب الأُموي..
لقد كان قرار التسوية « هو السبب الخفي والحقيقي لخروج من خرج على عليٍّ ، ولنكوث من نكث بيعته ، وإن توارى ذلك تحت دعوى مفتعلة اسمها دم عُثمان » (3)
____________
1) بالواسطة ، عن سيرة الأئمة الأثني عشر : 398.
2) الكامل في التاريخ 3 : 114.
3) الزيدية| د. أحمد صبحي : 44 ، مؤسَّسة الزهراء للإعلام العربي ـ 1984م.


( 195 )


واستغلَّ هذا الجانب سخط عائشة على الإمام عليٍّ عليه السلام ومواقفها العدائية منه.. فلمَّا كانت بمكَّة ، وقد خرجت إليها قبل أن يُقتل عُثمان ، فلمَّا كانت في بعض طريقها راجعةً إلى المدينة لقيها ابن أمِّ كلاب ، فقالت له : ما فعل عُثمان ؟
قال : قُتل!
قالت : بُعداً وسحقاً ، فمن بايع الناس ؟
قال : طلحة.
قالت : إيهاً ذو الإصبع.
ثمَّ لقيها آخر ، فقالت : ما فعل الناس ؟
قال : بايعوا عليَّاً.
قالت : والله ما كنت أُبالي أن تقع هذه على هذه ، ثُمَّ رجعت إلى مكَّة (1).
فانصرفت إلى مكَّة وهي تقول : قُتل والله عُثمان مظلوماً ، والله لأطلبنَّ بدمه!
قيل لها : ولِمَ ؟ والله إنَّ أوَّل من أمال حَرْفَه لأنتِ ، ولقد كنتِ تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر.
قالت : إنَّهم استتابوه ، ثُمَّ قتلوه ، وقد قلتُ وقالوا ، وقولي الأخير خيرٌ من قولي الأوَّل.
فقال لها ابن أمِّ كلاب :

____________
1) الامامة والسياسة 1 : 52 ، شرح ابن أبي الحديد 6 : 215 ـ 216 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 180 ، كتاب الدلائل : 97.


( 196 )


فمنـكِ البداءُ ومنكِ الغِيـرْ * ومنكِ الريـاحُ ومنكِ المطرْ
وأنتِ أمرتِ بقتل الإمــام * وقلتِ لنــا : إنَّه قد كفـرْ
فَهَبْنا أطعنــاك في قتلِـه * وقاتِلُـه عندنــا مَنْ أمـرْ
ولم يسقطِ السقفُ من فوقنا * ولم ينكسف شمسنا والقمـرْ
وقد بايع النــاس ذا تُدرءٍ * يزيلُ الشبا ويُقيم الصعــرْ
ويلبسُ للحربِ أثوابها * وما مَنْ وفى مثلُ من قد غدرْ (1)


وقبل أن يخرج موكب عائشة ويدلو بدلوه ، كان الإمام عليه السلام يقول : « أمرتُ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين » (2) ، فما مضت الأيَّام حتى قاتلهم ، وهذه من جملة الآيات الدالَّة عليه ، وقوله عليه السلام لطلحة والزبير لمَّا استأذناه في الخروج إلى العمرة ، قال : « والله والله ما تريدان العمرة وإنَّما تريدان البصرة » (3)!
وكان من نتائج هذا التمرُّد ـ كما سنأتي عليه ـ معركة البصرة ، أوَّل نكث لبيعة الإمام عليه السلام التي انتهت بفشل موكب عائشة وقتل طلحة والزبير وعشرات الألوف من المسلمين!
تهيَّأت عائشة للخروج إلى البصرة ، وأتت أُمُّ سلمة فكلَّمتها في الخروج معهم ، فردَّت عليها أُمُّ سلمة قائلةً :
أفأُذكِّرك ؟
____________
1) الكامل في التاريخ 3 : 100 ، الفتوح 1 : 434 ، تاريخ الطبري 5 : 172 ، الإمامة والسياسة 1 : 52.
2) إعلام الورى 1 : 336 ، المستدرك 3 : 150 | 4674 و4675 ، أسد الغابة 4 : 124 ، البداية والنهاية 7 : 362.
3) إعلام الورى 1 : 337 ـ 338.


( 197 )


قالت : نعم.
قالت أُمُّ سلمة : أتذكرين إذ أقبل رسول الله ونحن معه ، فخلا بعليٍّ يناجيه ، فأطال فأردتِ أن تهجمي عليهما ، فنهيتك فعصيتيني ، فهجمتِ عليهما ، فما لبثت أن رجعتِ باكية ، فقلتُ : ما شأنك ؟ فقلت : إنِّي هجمت عليهما وهما يتناجيان ، فقلتُ لعليٍّ : ليس لي من رسول الله الا يوم من تسعة أيَّام ، أفما تدعني يا ابن أبي طالب ويومي! فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليَّ وهو غضبان محمرُّ الوجه ، فقال : « ارجعي وراءك ، والله لا يبغضه أحد من أهل بيتي ولا من غيرهم من الناس الا وهو خارج من الإيمان » ؟
قالت عائشة : نعم أذكر (1) .
لكن لم يردعها كلام ولا رادع ، فلم تنثنِ عن عزمها ، ولم ترجع إلى عقلها ، فتجهَّزت ومن معها إلى البصرة لتؤلِّب الناس على الإمام عليٍّ عليه السلام فكانت أحداث معركة الجمل.
تحرَّك موكب الناكثين بقيادة عائشة وطلحة والزبير نحو البصرة ، وقد حفَّ به الحاقدون على الإمام عليٍّ عليه السلام تحت شعار : « الثأر لعثمان » ، فلمَّا بلغوا « ذات عرق » لقيهم سعيد بن العاص ومروان بن الحكم وأصحابه ، فقال لهم : أين تذهبون وتتركون ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم ؟ ـ يعني عائشة وطلحة والزبير ـ اقتلوهم ثُمَّ ارجعوا إلى منازلكم.
____________
1) أنظر : ابن أبي الحديد 6 : 217 ـ 218.


( 198 )


فقالوا : نسير لعلَّنا نقتل قتلة عُثمان جميعاً (1) .
ومرَّ القوم ليلاً بماء يُقال له : الحوأب ، فنبحتهم كلابه ، فقالت عائشة : ما هذا الماء ؟
قال بعضهم : ماء الحوأب.
فقالت : إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون ، هذا الماء الذي قال لي رسول الله : « لا تكوني التي تنبحكِ كلاب الحوأب ». ثمَّ صرخت بهم : ردُّوني ردُّوني!!
فأتاها القوم بأربعين رجلاً ، فأقسموا بالله أنَّه ليس بماء الحوأب! وأتى عبدالله بن الزبير ، فحلف لها بالله لقد خلَّفتهِ أوَّل الليل ، وأتاها ببيِّنة زور من الأعراب فشهدوا بذلك (2) . فكان ذلك أوَّل شهادة زور أُقيمت في الإسلام.
وبلغوا البصرة ، وعامل الإمام عليها الصحابي عُثمان بن حُنيف الأنصاري ، فمنعهم من الدخول ، وقاتلهم ، ثُمَّ توادعوا الا يحدثوا حدثاً حتى يقدم عليٌّ عليه السلام ، ثُمَّ كانت ليلة ذات ريح وظلمة ، فأقبل أصحاب طلحة فقتلوا حرس عُثمان بن حنيف ، ودخلوا عليه ، فنتفوا لحيته وجفون عينيه ومثَّلوا به ، وقالوا : لولا العهد لقتلناك ، وأخذوا بيت المال (3) .
____________
1) الإمامة والسياسة 1 : 63 ، وانظر الكامل في التاريخ 2 : 102.
2) أنظر قصَّة ماء الحوأب في : تاريخ اليعقوبي 2 : 181 ، ابن أبي الحديد 6 : 225 ، تاريخ ابن الأثير 2 : 103 ، مسند أحمد 6 : 52 ، 97 ، المستدرك 3 : 119 ـ 120 ، كنز العمَّال 11 ح|31667.
3) أنظر : تاريخ اليعقوبي 2 : 181 ، تاريخ ابن الأثير 2 : 108 ، الإمامة والسياسة : 69.


( 199 )


وأمّا الإمام علي فلما بلغه نبأ مسيرهم إلى البصرة ، حمد الله وأثنى عليه ، ثُمَّ قال : « قد سارت عائشة وطلحة والزبير ، كلُّ واحدٍ منهما يدَّعي الخلافة دون صاحبه ، فلا يدَّعي طلحة الخلافة الا أنَّه ابن عمِّ عائشة ، ولا يدَّعيها الزبير الا أنَّه صهر أبيها. والله لئن ظفرا بما يريدان ليضربنَّ الزبير عنق طلحة ، وليضربنَّ طلحة عنق الزبير ، يُنازع هذا على الملك هذا.
وقد ـ والله ـ علمتُ أنَّها الراكبة الجمل ، لا تحلُّ عقدةً ولا تسيرُ عقبةً ، ولا تنزلُ منزلاً الا إلى معصيةٍ ، حتى تورد نفسها ومن معها مورداً ، يُقتل ثلثهم ويهرب ثلثهم ويرجعُ ثلثهم.
والله إنَّ طلحة والزبير ليعلمان أنَّهما مُخطئان وما يحملان ، ولربَّما عالم قتله جهلُهُ وعلمه معه لا ينفعه. والله لينبحها كلاب الحوأب ، فهل يعتبر معتبرٌ أو يتفكَّر متفكِّرٌ »!
ثمَّ قال : « قد قامت الفئة الباغية فأين المحسنون » ؟ (1)
ثمَّ دعا على طلحة والزبير أمام مسلمي الكوفة ، فقال : « قد علمتم ـ معاشر المسلمين ـ أنَّ طلحة والزبير بايعاني طائعين راغبين ، ثُمَّ استأذناني في العمرة فأذنتُ لهما ، فسارا إلى البصرة فقتلا المسلمين وفعلا المنكر.
اللَّهمَّ إنَّهما قطعاني وظلماني ونكثا بيعتي وألَّبا الناس عليَّ ، فاحلُل ماعقدا ، ولا تُحكمْ ما أبرما ، وأرهما المساءة فيما عملا » (2) .
____________
1) إرشاد المفيد 1 : 246 ـ 247.
2) إرشاد المفيد 1 : 250 ، الطبعة الحجرية.