بسم الله الرحمن الرحيم


كلمة الناشر

     هذه الموسوعة فريدة في بابها ، مبتكرة في أسلوبها وأدائها ، ناهضة بعبء ثقيل من البحث العلمي الرصين ، نأمل أن تكون بعد كمالها « موسوعة أهل البيت عليهم السلام » إن شاء الله تعالى .
     تتحدث هذه الأطروحة الجديدة عن ألآثار الإنسانية والعطاء الحضاري لكل المعصومين عليهم السلام ، فكرا عقائديا ، ومنهجا وساليا ، وأفقا موسوعيا ، وظاهرة متألقة لن تتكرر .
     والعرض المنهجي ههنا يؤكد على أبرز الجوانب في حياة كل إمام ، باعتباره قائدا ورائدا وفكرا وعطاء ليس غير .
     وكانت طبيعة هذا الابداع في اختيار المنهج الحديث أن تبتعد هذه الدراسة عن التراكم التقليدي في عرض الكرامات والفضائل ، فهو منهج بعد من المؤلف ، وابتعد عنه ، وقد سرده الآخرون ، بل اتخذ الاستقراء التأريخي ، وريادة المجهول ، ومنطق حقائق الأشياء بديلا عنه : في الحقل الإنساني والبعد التخطيطي وصيانة التراث

 


6

     وقد اتسع فكر المؤلف سماحة العلامة الشيخ الدكتور محمد حسين علي الصغير الأستاذ المتمرس في جامعة الكوفة | النجف الأشرف . لدراسة هذه المعالم الجديدة التي لم يسبق إليها من ذي قبل ، واليوم يقدم لنا خمسة كتب من موسوعة الحضارية وهي :
     1 ـ الإمام علي عليه السلام | سيرته وقيادته | في ضوء المنهج التحليلي .
     2 ـ الإمام الحسن عليه السلام | رائد التخطيط الرسالي . رؤية معاصرة في قيادته الاستراتيجية .
     3 ـ الإمام الحسين عليه السلام | عملاق الفكر الثوري . دراسة في المنهج والمسار .
     4 ـ الإمام زين العابدين عليه السلام | القائد | الداعية | الإنسان .
     5 ـ الإمام محمد الباقر عليه السلام | مجدد الحضارة الإسلامية .
وستتلوها بقية الكتب في الأئمة تباعا بإذن الله .
     وإذ تنهض مؤسسة العارف للمطبوعات بتيسير هذه الشذرات الثمينة والآثار الخالدة للقارىء العربي ، فعسى أن ترصد المجتمع العربي والإسلامي حياة أهل البيت عليهم السلام في رؤية عصرية متطورة وعلى عادتها في نشر كل ما هو أصيل ومبتكر .
     والله ـ سبحانه وتعالى ـ ولي التوفيق .

مؤسسة العارف للمطبوعات

1 / 8 / 2002
بيروت / لبنـان

 


7

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة


     هذه دراسة قد تكون جديدة بعض الشيء عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، تستقطب سيرته بإيجاز ، وتستوعب قيادته بتحليل ، لم تألف منهج الباحثين من ذي قبل ، فهي تعرض وتناقش ، وقد تورد وتعلل ، رائدها استقراء الحقيقة التأريخية دون إضافة أو تزيّد .
     كان المنهج الموضوعي سبيلنا فيها إلى المنهج التحليلي لم نجنح لهوى ، ولم ننطق بعصبية ، حتى خلصت لنا من سيرة الإمام ما يجب أن نتمثله رمزا إنسانيا ، ومن قيادته ما ينبغي أن نجعله المثل الأعلى في الحياة السياسية ، وكان من الصعب علينا الفصل بين السيرة والقيادة عند الإمام ، حتى أنك لتجد في سيرة الإمام قيادة ، وفي قيادته سيرة .
     وللإمام علي أولياء وخصوم ، وقد يغالي به بعض الأولياء ، وقد يتجنى عليه بعض الخصوم ، ولسنا من المغالين في شيء ، ولا من المعادين بسبيل ، وهذا يعني أن الدارسة لم تتأثر بالعواطف ، ولم تستجب إلى النزعات ، فابتعدت عن هوس المغرضين ، واقتربت من مناخ الباحثين الأمناء ، عرضت بدقة مركزة ملامح حياة الإمام ، وفلسفت بأمانة معالم قيادة الإمام ، تؤكد ظواهر متميزة ربما أغفلها التأريخ ،


8

وتتناسى وقائع ربما أكد عليها ، وإنك لتجد من خلال ذلك عليا وقد نصح لنفسه ولدينه وللمسلمين ، وتشاهد عليا وقد زهد في الحياة زهدا عجيبا ، وتدرك عليا وهو قدير على إدارة دفة الحكم بمنظور إسلامي محض ، لا سبيل معه للمجاملة ، ولا أثر للمحاباة .
     القيادة السليمة ، والبطولة النادرة ، والتفاني في ذات الله ، والاندماج بروح الإسلام ، وإقامة الفروض والسنن ، وإحياء معالم الدين في أوليات شخصية الإمام .
     البصيرة النافذة ، و العزيمة الصادقة ، والنية الخالصة ، والصراحة المدوّية مؤشرات في سياسة الإمام .
     الوعي السياسي ، والعودة بالإسلام الى ينابيعه الأولى ، وإلغاء العصبية القبلية ، والمساواة في الحقوق والواجبات ، وإشاعة العدل الاجتماعي من مهمات الإمام الأساسية .
     تهذيب النفس الإنسانية ، وإصلاح المجتمع الإسلامي ، وتقويم تصرفات الولاة ، والابتعاد عن الأثرة من هموم علي الكبرى .
     الحق والعدل منظوران تطلع إليهما الإمام ، فما أقام الحق بالباطل ، ولا أشاع العدل بالظلم ، فما كانت الغاية تبرر الوسيلة في قيادته للأمة .
     مكانة يتناساها الأغمار ، وخصائص يتجاهلها القادة ، وسماح يستغله السواد الأعظم . سلبيات نتج عنها : مضيعة في الحقوق ، وتعطيل للأحكام ، واضطراب في الأقاليم ، والإمام من ذلك في محنة أثر محنة حتى ظن به الجزع .
     حياة في البذخ والسرف يحياها المسلمون ، ومناخ من التسلط


9

والاستعلاء يعتاده السلطان ، وتشتت في المذاهب يألفه العرب ، ولكن مساوؤه المتأصلة والطارئة ، والإمام يريد إصلاح ذلك كله ، وقد أفسد عليه رأيه بالعصيان ، ولا رأي لمن لا يطاع .
     الجانب المأساوي في ظلامة الإمام واضح السمات ، والصبر الجميل في شمائل الإمام بارز الآثار .
     السقيفة أسلمت الرجل الى الشورى ، والشورى أسلمته للفتنة الكبرى ، والفتنة قادته الى ثلاثة حروب طاحنة .
     الفتوح تتوقف ، والبعوث تتأرجح ، والبلاد في إسلام زئبقي ظاهري لا يعرف جوهره ، ولا يدرك منهجه .
     الإمام أراد أن يبني حكما أساسه الدين ، ومعاوية أراد أن يبني ملكا أساسه الدنيا ، فاندفعت الناس وراء معاوية مفضلّة الدنيا على الدين ، وكان عصر الدين قد أدبر ، وعصر الدنيا قد أقبل ، فعاد المعروف منكرا والمنكر معروفا .
     النضج السياسي بعد لم تبلور ، والوعي العقائدي بعد لم يترعرع ، والروح الديني بعد لم يترسخ ، فنشأ الناس في قلق وتخلّف ، وحجزت المقاييس الخيّرة في رتاج محكم ، وتقلبت العقول بين هوى متبّع وضباب لم ينقشع ، وما كان للإمام أن يلقي الحبل على الغارب ، ولا أن يترك الإنسان سدى ، والوازع الديني يدعوه أن يمسك الأمر ما استمسك ، فساس الناس في شدة مؤدّبة ، وقادها في سير حثيث على المحجة الغراء ، فأبصر رشده من أبصر ، وتولى من تولى .
     هذه هي فكرة هذه الدراسة ، وفي ضوئها انتظمت صفحاتها ، متمثلة في ثلاثة فصول رئيسة :


10

     الفصل الأول ، وهو بعنوان : « علي في عصر النبوة » .
     وقد استوعب حياة الإمام علي في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بخطوطها العامة ، فكان جنديا وقائدا وأخا وناصرا ووزيرا ووصيا .
     الفصل الثاني ، وهوبعنوان : « علي بين الشيخين وعثمان » وقد ألقى الضوء على سيرة الإمام في تلك الحقبة الطويلة ، فكان محاججا وصابرا وناصحا ومشيرا ومفتيا .
     الفصل الثالث ، وهو بعنوان : « علي في قيادته للأمة » فكان حاكما وسياسيا وراعيا ومحاربا ، ومرسيا لأصول التشريع الإسلامي ، وبانيا لسنن العدل الاجتماعي ، ورائدا لمعالم النظام السياسي الأمثل ، وملبّيا لنداء الضمير الإنساني .
     وما استطاع علي أن يكمل مسيرته القيادية الفذة ، فقد عاجله القدر ، وذهب شهيد عظمته ومبادئه ، وبقي رمز إنسانيته وصلابته ، وللدهر أن يكشف خصائص الإمام الفريدة ، وللبحث العلمي أن يجيب عن السؤال : من هو علي بن أبي طالب ؟
     وكانت مصادر هذه الدراسة كتب السيرة والتاريخ والمغازي لدى القدامى ، ومراجعها مصنفات الاستقراء المنهجي والتحليل التأريخي لدى المحدثين ، وما ورد فيها من نصوص وآثار لا يعدو هذين المنبعين فهما موارد الدراسة ومادتها التأريخية .
     وكان للاجتهاد الشخصي والنقد المنهجي لدى المؤلف أثره البارز في كيان هذه الدراسة وفلسفتها .
     ولا أدعي لهذه الرسالة الكمال ، ولا لمباحثها الإحاطة ، ولا لمفرداتها الشمول ، و لكنها ألق من أضواء الإمام ، ونفح من عبيره


11

الفيّاض ، أخلصت فيها القصد ، وصدقت بها النية ، وانفقت في ظلالها ثلاثة أعوام من هذا العمر القصير ، عسى أن تكتب عند الله في الباقيات الصالحات ، وعسى أن تلقى من المسلمين قبولا في استكناه سيرة علي وقيادته .
     وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم ، عليه توكلت وإليه أنيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل .
النجف الأشرف

الدكتور محمد حسين علي الصغير


12


 

13

الفصل الأول
عليّ في عصر النبوة


1 ـ من الميلاد حتى الهجرة
2 ـ الإعداد الخاص حتى معركة بدر الكبرى
3 ـ عليّ في عنفوان شبابه ، ومرحلة الزهد والإيثار
4 ـ عليّ فارس المهمّات الصعبة
5 ـ عليّ يتحرك نضاليا في المشاهد كلّها
6 ـ الراية العظمى في كل الفتوح
7 ـ فتح مكة وموقع الإمام عليه السلام
8 ـ أنباء تكدر الفتح ، وعلي يذود الكتائب
9 ـ عليّ رفيق النبي في حربه وسلمه
10 ـ عليّ في حجة الوداع وبيعة الغدير
11 ـ النبيّ يمهّد الأمر للإمام ويلتحق بالرفيق الأعلى
12 ـ قيادة قريش تقتحم السقيفة وتبعد أهل البيت
13 ـ بيعة أبي بكر ومرجعية الصحابة


14


15

(1)
من الميلاد حتى الهجرة


     في الثالث عشر من رجب ؛ وقبل البعثة بعشر سنين : ولد هذا الشعاع الهادي والنموذج الأرقى ؛ علي بن أبي طالب عليه السلام .
     ولد في البيت الحرام ليطهره من الأصنام بعد حين بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم اكتحلت عيناه بالنور عند الكعبة ، ودرجت قدماه بالسير في رحاب أبيه ، وكانت أمه فاطمة بنت أسد ، وأبوه أبو طالب شيخ البطحاء وعمّ النبي ؛ هاشميين ، فهو هاشمي من هاشميين ، وكان لهذا أثر بعيد في عرف القوم ، يريدون بذلك النسب المحض والنقاء الخالص، فكان له ما أرادوا من فخر وسؤدد .
     وكفله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صباه ، كما كفل أبو طالب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صباه ، فكأنه أراد مكافأة عمه في ذلك ، أو الإعراب له عن وفاته له عند ضيق ذات يده ، وتضخم عائلته وولده ، فنشأ عليّ في ظلال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يغذوه بتربيته ، ويوجهه بسيرته ، فيقتبس منه حسن السمت ورتابة الهدي .
     وبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان عليّ عليه السلام : أول القوم إسلاما ، وهو بذلك أقدمهم إيمانا وهو في العاشرة من عمره ، أو أكثر من ذلك بقليل . بعث النبي يوم الأثنين وأسلم عليّ يوم الثلاثاء ، وقد قبل النبي إسلامه


16

صبيا ، وتلك إحدى كراماته في الأقل ، واحتضنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتضان الأخ الشقيق لأخيه ، وأقام على تربيته أولا بأول ، فقد ربيّ ـ إذن ـ في حجر الإسلام ، ورضع من ثدي الإيمان ثاني أثنين هو وخديجة بنت خويلد زوج النبي وأم المؤمنين ، ولم يسجد لصنم قط شأن أترابه ، ولم يألف حياة الأصنام كما ألفها سواه ، فقيل : كرّم الله وجهه ، وهذه كرامة أخرى تضاف الى كرامات سبقت ، وفضائل تقدمت منذ قليل : ولادته في الكعبة ، ونشأته في حجر النبي صلى ا لله عليه وآله وسلم ، وقبول إسلامه مبكرا « فامتاز بين السسابقين الأولين بأنه نشأ نشأة إسلامية خالصة ، وامتاز كذلك بأنه نشأ في منزل الوحي بأدق معاني هذه الكلمة وأضيقها » (1) .
     وكان عليّ في أول عهده بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يتلبث هذا التأمل الدائم في تفكير محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ويترصد هذه الخلوة الروحية لديه ، وهو يقلب وجهه في السماء ، ويتجه بضميره لله في حالة من الخشوع والترقب والابتهال ، حتى إذا فجأه الوحي ، وعى من النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا الانقطاع الكلي الى ما يوحى إليه ، وتبصّر في هذا التلاحم ـ الغريب على حياة العرب ـ بينه وبين الله تعالى ، وإذا بنفسه تمتلأ غبطة بما يشاهد ، وإذا بالرؤى تزدحم عليه فيما يجد ، حياة روحية خالصة .
     والاندماج متواصل مع الوحي ، ومناخ جديد يربط الأرض بالسماء ، فمحمد يتلقى من السماء ما يبلغه الى الأرض بكل أمانة ، والسماء تمدّه بأنبائها ، والأرض ـ بعد ـ ساكنة لم تتحرك ، والحياة هادئة لم تضطرب ، ماذا عسى أن يكون بعد هذا الهدوء ، وما عسى أن ينفجر بعد ذلك السكون ، ذلك ما يحدده مستقبل الرسالة . وعليّ عليه السلام يلمح هذا بعين الناقد البصير ، ويفقهه الفقه كله ، تصل إليه هذه النفحات ،


(1) الدكتور طه حسين | الفتنة الكبرى 1 | 151 .


17

وتغمره تلك الامدادات ، فيفتح لها قلبه ويستقبلها استقبال الفاتحين ، فتتوهج في ذاته هذه الشعلة التي لا تنطفىء أبدا ، ويسري في عروقه هذا الدم الجديد ، فيضطم عليه صدره حريصا ، وتتفجر الحكمة في قلبه ، فتمحضه الإيمان المطلق محضا ، ويقبل على هذا الدين فيلتهم تعاليمه من ينابيعها الأولى ، ويسبغ مفاهيمه عقليا ومناخا نفسيا ، فينصهر فيه إنصهارا تاما ، ويستولي عليه إستيلاء حثيثا ، هذا الانصهار وذلك الاستيلاء منذ عهد مبكر في الإسلام كانا أساسا صلبا لما بنى عليه الإمام حياته المستقبلية في قيادته العليا للإسلام فيما بعد .
     وكان لعبادة النبي الصادقة ، وهينمته الهادئة : آناء الليل وأطراف النهار ذلك الأثر البليغ في حياته الليلية عند المناجاة ، وخشوعه المترامي في الذات ، فتراه مطرقا مفكرا حينا ، ومسّبحا متبتلا حينا آخر، وهو في جدّ مستمر وجهد جهيد لا يجد إلى الراحة سبيلا .
     وكابد عليّ ما كابد محمد من شظف العيش ، ومرارة الجوع والظمأ ، وكان أسوة له في مكاره الدهر وعاديات الزمن ، ومحمد يعلن دعوته في حذر ، ويعرض رسالته في أناة ، فلا هي علنية كما يشاء الإعلان ، ولا هي سرية بحيث لم تعرف ، ولكنها شيء بين ذلك ، حتى إذا نزل قوله تعالى : (
وأنذر عشيرتك الأقربين )
(1) جمع النبي بني هاشم وعرض عليهم الإسلام ، فكان مشهدا عاطفيا مؤثرا ، مجتمع الأهل والعشيرة والأقربين ، ولكنه كان مثيرا ومتوترا في الوقت نفسه ، فعليّ يولم لهذا الجمع بأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقدم لهم ما أولم ، ولو قدّم لأحدهم لأتى عليه كله ، ولكنه الشبع للجميع ، ويسقيهم ما طاب وطهر فيتملكهم الري ، فينطلق أبو لهب قائلا : ( سحركم والله محمد ) وينفّض الجمع ،


(1) سورة الشعراء ، الآية : 214 .


18

والنبي لا يعبأ بهذا الهراء ، ولكنه يجمعهم ثانية ، ويطلب إليهم بيسر : « قولوا لا إله إلا الله تفلحوا » الشهادة فحسب ، ويطلب المؤازرة أيضا ، ويستنفر الضمائر بشيء من المودّة حينا ، ومن التلويح بشيء آخر حينا ؛ فمن ذا يسانده ويعاضده عل أن يكون أخاه ووزيره وخليفته من بعده ، وهذا شيء جديد ، بأمر جديد ، وقد وجم القوم ، ولاحت إمارات الغضب يمثلّها أبو لهب فيقول : ألهذا جمعتنا يا محمد ، تبا لك ولما جمعتنا له ، وينزل قوله تعالى : ( تبّت يدآ ابي لهب وتبّ ) (1) وتظهر ضحكات الهزء والسخرية حينا ، حينما ينعم عليّ له بالاجابة ثائرا : « لا يحزنك والله إعنات القوم فعليهم ضلالهم ، وإني يا رسول الله عونك ، أنا حرب على من حاربت » . إجابة بالرضا من وجه ، وإعلان للنضال من وجه آخر ، وهما معا يبدءان العمل بين محمد وعلي ، فيعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم للملأ من قريش مخاطبا عليا : « أنت أخي ووزيري وخليفتي من بعدي » فيلتفت ممثل قريش لأبي طالب عاتباً : » مرحاً لك فقد أمّر إبنك عليك« وتتكرر هذه البادرة مرات لا يستجيب لها إلا علي بن أبي طالب عليه السلام فيمنحه النبي ما منح من الأخوّة والوزارة والوصية والإستخلاف بحسب تعدد النصوص الروائية المستفيضة .
     وتبدأ أيام النضال ، وحياة المجابهة ، فقد اشتدت قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلى هذه العصابة اليسيرة من أهل بيته وصحابته ممن آمن معه من ضعفاء القوم ، فالأذى لا يبرح ، والعبث لا يهدأ ، والسخرية في القول والعمل يتحدان بمنظور واحد ، والخوف يملأ نفوس المسلمين ، فلا النهار مشرق القسمات ، ولا الليل ضاحك الأسارير ، ولم تقف قريش عند هذا التجاوز ، ولكنها آمعنت في التضييق ، فتعاهدت فيما


(1) سورة المسد ، الآية : 1 .
 


19

بينهما ، وكتبت الصحيفة السوداء في مقاطعة النبي وأهل بيته ، وألجأت بني هاشم الى شعب أبي طالب ، لا يكلمهم أحد ، ولا يصهر إليهم أحد ، ولا معاملة من بيع أو شراء ، ويشارك عليّ محمدا في هذه المحنة بجميع أبعادها وأقسى ظروفها وشتى مآسيها ، فهما كبني هاشم لا يأكلان إلا الجشب ، ولا يلبسان إلا الخشن ، ولا يتصلان بأحد إلا لماما ، ولا يصل إليهم أحد إلا لماما أيضا ، وتؤثر المقاطعة أثرها ، ويبلغ الحصار شدّته ، ولا سبيل إلا الصبر ، ويموت كافل محمد ومراسله الى قريش أبو طالب ، فيشتّد عليه الطلب ، وتشتد عليه قريش أيضا قسوة وكرها ومقاومة ، وعليّ الى جنبه يتجرع مرارة الغيظ .
     عليّ في مكة ـ والحالة هذه ـ ينظر ظواغيت قريش وجبابرة الارض يكيلون للنبي حقدا لا ينتهي ، ويوجهون من الأذى ما لا يحتمل ، في كل شيء : في نفسه وأسرته وصحابته حتى يقول : « ما أودذي نبيّ مثلما أوذيت » يوضع الشوك في طريقه ، وترسل الحجارة عليه من خلفه ، ويصبّ الفرث والدم والسلا على ظهره ، وهو في الكعبة يسجد لله ، يستمع إلى قوارص القول ، ويصكّ بنوابي الكلم ، ويقذف بالداهية العظمى ، وعليّ يبصر هذا ويألم له أشد الألم ، وقد يدافع أصدق الدفاع .
     ولم يكن هذا وحده يؤرق عليا ، فهناك ما يضاهيه أو يزيد عليه، فقد كان ينظر الى هؤلاء المستضعفين في مكة : ياسرا وسمية أبوي عمار ، يصبّ عليهم العذاب صبا ، حتى يموتوا تحت العذاب شهداء ، ويمثل بهم أقسى تمثيل لم يشهد له العرب مثيلا من قبل ، ويشاهد عمارا إبنهما ، وقد عذب عذابا شديدا حتى كادت تزهق نفسه ، ويضطره هؤلاء إلى كلمة الكفر ، فيقولها بلسانه ، وقلبه عامر بالإيمان ، وينزل القرآن


20

بذلك يسدده ويسليه ( إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) (1) .
     وينظر الى هذا الضعيف المسكين بلال الحبشي ، وقد استولى عليه الطاغوت القرشي يرهقه من أمره عسرا ، وهو يسفه آلهة قريش ، فتلحّ عليه بالإشراك فيأبى ذلك ويقول : « أحد . أحد » ولا يصلون معه الى ما يرضيهم ، فيكررون الكيد إثر الكيد ، ويضاعفون التعذيب والنكال ، ويعاودون الضغط والإكراه ، وهو صامد في وجه هذا ، وثائر في وجه ذلك ، كان عليّ يأرق لهذه المشاهد ويأسى لهؤلاء المستضعفين : عمار وأبويه وبلال وخبّاب بن الأرت ، وغيرهم ممن شرح الله صدره للإسلام ، فتمتلىء نفسه غيظا وكمدا ، وتنفجر عينه دمعا ودما ، وتتحرق روحه حزنا وألما ، ولكنه يتذرع بالصبر الذي أمر به النبي ، ولكن مناظر العذاب والتعذيب بين الحديد والنار ولفح الهجير ، تبقى مخلفات في ذاته ، وتحكم سياجا على تفكيره ، ويدفعه ذلك فيما بعد أن ينصب نفسه علما لهذا الدين يحارب أعداءه ، فالنصر آت عن قريب ، وإن تطاولت قريش بجبروتها ، ومخزوم في علوها ، وثقيف في زهوها ، ولا بد للمحنة أن تنجلي .
     ويوحى الى النبي بهجرة المستضعفين من آله وصحابته الى الحبشة مرة وأخرى ، فيهاجر من هاجر ، يدعو الى الحق ويبشر بالدين الجديد وكان في طليعتهم شقيق علي جعفر بن أبي طالب ، ويبقى علي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتلقى التوجيه ، ويصمد للأحداث الجسام ، فما كان له أن يهاجر ويترك أخاه فهو إلى جنبه حتى النهاية وقد كان ذلك . ولكن الأسى يحزّ في النفس ، ولكنه الأسى لا اليأس ، والألم لا القنوط ، فيركب ما ركبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مصاعب ، يواكبه الإصرار والتحدي ،


(1) سورة النحل ، الآية : 106 .


21

ويجذبه الإيمان والتبتل ، فيعزف بذاته عن اللهو ، فما رؤي لاهيا ، ويرتفع بمستواها الى مستوى الظروف الصعبة جدا ومثابرة ، ويجعل من نفسه دريئة للنبي ، ويروضّها اعنف الترويض عزيمة ، ويمعن في المواساة إمعانا في شتى الميادين .
     وتفكر قريش في مصيرها على يد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومصير آلهتها من دعوته هذه ، فلا يهدأ لها جنان ، ولا يقر لها قرار ، ويجتمع علية القوم ، وتجيل الرأي فيما بينها ، فيستقّر الأمر : أن تنتدب لذلك ممثلا من كل قبيلة ، لتقتل في زعمها محمداً ، ويضيع دمه هدراً بين العرب ، وكان أبو جهل قد تولى كبر هذا الأمر ، ومن حوله أعيان الناس وزعماء الجاهلية يباركون سعيه ويترسمون كيده ، فينذر الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بالهجرة إلى يثرب ، المدينة المنورة فيما بعد ، فيخلو النبي بعلي عليه السلام ، ويطرح عليه الأمر ، ويرغب إليه بمواساته بهذه المحنة فيرّد بالإيجاب ، وينيمه النبي بفراشه ، ويشتمل هو ببرده الحضرمي ، ويعهد إليه بوصاياه ، ويسلمه ودائع الناس وأمانات العرب ، ليؤديها كما هي لأهلها ، وليسير أليه بعد ذلك بالفواطم . وعند منتصف الليل من ربيع الأول للسنة الثالثة عشرة من البعثة الشريفة ينسّل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الدار إنسلالا ، ويسلك من خلال القوم ، وهم يتأهبون للبيات ، وهو يتلو قوله تعالى :
     (
وجعلنا من بين أيديهم سدّا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون )
(1) .
     ويرمي وجوه القوم بحفنه من الحصى أو التراب « شاهت الوجوه ذلا » ويخرج من مكة هو وصاحبه أبو بكر الصديق ، وأفاق المشركون عند الفجر ، ليهجموا على محمد صلى الله عليه وآله وسلم في فراشه ، وإذا يعليّ عليه السلام


(1) سورة يس ، الآية : 9 .
 


22

في الفراش ، فيسقط في أيديهم ، ويتبعونه فلا يفلحون بشيء ، ويتفرغ علي لإرجاع الودائع وتنفيذ الوصايا ثلاثة أيام ، ويخرج بالفواطم جهارا نهارا فتعرض له قريش ، ويكون قتال ، فيقتل « جناحا » مولى حرب بن أمية ، فيتراجع القوم بعض الشيء ، ويتنمر عليّ عليه السلام في ذات الله ، ويجالد ما شاءت له المجالدة ، فيخلي القوم بينه وبين الضعائن ، ويواصل المسير حتى يدرك النبي في قباء ، وكان ينتظره هناك ، وما شاء أن يدخل المدينة قبله ، ويدخل معه المدينة ، ويحط بها رحاله ، وتلتف حوله رجاله .
     وفي المدينة المنورة حيث العزّ والنصرة والإيثار ، يشارك علي عليه السلام في بناء مسجد رسول الله حيث موضعه اليوم ، ويرتجز عند البناء :

 

لا يستـوي من يعمر المسـاجدا

 

يـدأب فيهـا قائمـا أو قاعـدا

ومن يرى عن الغبـار حائـدا

وفي المدينة المنورة أيضا : يؤاخي النبي بين المهاجرين أنفسهم ، ويؤاخي بينهم وبين الأنصار ثانية ، ويؤاخي بين نفسه وعلي ، فعليّ أخوه في أول عهدهما بمكة ، وعلي أخوه في جديد عهدهما بالمدينة ، وكانت الأولى أمام قريش والمهاجرين منهم بخاصة ، والثانية بين ظهراني المهاجرين والأنصار بعامة ، ليدرك الجميع بعد هذا الغور من المؤاخاة .
     ويبقى هذا الأخ وفيا لأخيه في كل جزئية وكلية ، حريصا على القيام بأمره في كل كبيرة وصغيرة ، ويطيب لهما المقام بالمدينة عامهما الأول ، تلقينا للإسلام وتعليما للفرائض ، ويقبل الأوس والخزرج على الدين الجديد إقبالا ينسيهم ما هم فيه من الخصومة والصراع وسفك

 


23

الدماء ، وإذا بهم ينزعون عن هذا المسلك لينصهروا بالدين الجديد تفقها وعلما وتوجيها .
     وما كان لمحمد أن يستريح أو يريح ، فقدره أن يناضل ويكافح ويستميت ، ففي العام الثاني من الهجرة ترسل قريشا عيرها في تجارتها الى الشام ، بقيادة أبي سفيان ، فتكتال وتعود ، ويعلم النبي وآله وأصحابه بذلك ، فيترصدون القافلة ويهبّون إليها خفافا وثقالا ، ويعدهم الله : « احدى الطائفتين » العير أو النفير ، ويستحبّون العير لما تحمل من الغنائم ، ويأبى الله إلا النفير لما فيه من البلاء والنصر والعزة للدين الوليد ، وقد عبّر القرآن عن هذا الملحظ :
     (
وإذ يعدكم الله إحدى الطآئفتين أنّها لكم وتودّون أنّ غير ذات الشّوكة تكون لكم ويريد الله أن يحقّ الحقّ بكلماته ويقطع دابر الكافرين )
(1) .


(1) سورة الأنفال ، الآية : 7 .
 


24

(2)
الإعداد الخاص حتى معركة بدر الكبرى


     وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعّد علياً عليه السلام إعداداً خاصاً ، ويشفق عليه إشفاقاً غريباً ، يتطلع وراء الأفق لما سيحققه هذا الفتى من بناء الإسلام والتطويح بالوثنية ، فقد منحه الله بناء جسمياً متكاملاً ، وقد بدت عليه سمات الفتوة والرجولة والقيادة ، فهو قوي البدن ، مفتول الساعدين ، عريض ما بين المنكبين ، فيه سمرة العرب وهيبة الإسلام ، وعليه سيماء الفطنة ومظاهر الإعتداد ، وبه صدق العزيمة ومخائل الصبر ، وله حكمة الشيوخ وعزم الشباب؛ هذه صفات تعده لحرب أعدائه ، وهناك خصائص تعده لحمل رسالته ، فهو خشن في ذات الله ، وهو متورع في سبيل الله ، وهو عقلية تعي المفاهيم الجديدة ، وهو قطعة من الذكاء ورهافه الحس ، يدرك من محمد ما في نفسه ، ويستقرئ ما يجول بخواطره من هموم وآمال وتطلعات ، هذا الملحظان البدني والنفسي عند علي عليه السلام ينظرهما محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعين الرضا والإعجاب ، فيوليه نفحات الاصطفاء من جهة ، ويمنحه لهما الحب الخالص من جهة أخرى ، فيلتقى علي عليه السلام منه هذا السيل الهادر من الأمدادات مع التثقيف والتقويم والشمولية ، وينعطف منه على ذلك النبع الثرّ من العطف والإيثار والحذر ، يتحفه بكنوز من العلم لا تفنى ، ويضفي عليه من حلل الثناء ما لا يبلى ، يجتمع وإياه في صلة القربى ، ويختصه دون

 


25

سواه بالحكمة ضروب المعرفة ، ويعمله معالم الدين جملة وتفصيلاً ، حتى صيّره صورة صادقة له في الخلق العظيم ، وقدوة حسنة في الكمال المطلق ، فهو يدعوه أخاه ويعتبره نفسه ، ويجتبيه بكل لطف وعناية ، ويحذر عليه من كل بلية وداهية.
     ولكن مقومات علي عليه السلام النفسية تقتضي أن يحملّه شطراً من رسالته ، وعبأ من ثقل أمانته ، وليس هذا وقت الحديث عن ذلك ، ومقومات عليّ البدنية وقدراته النضالية تقتضيان أن يقذف به محمد صلى الله عليه وآله وسلم في بطولات الحروب. ويشركه في عظائم الأمور ، إستئناساً بقابليته الفذّة ، ويرشحه لكبريات القضايا إعتداداً بكفايته الفريدة.
     وتخرج قريش بعيرها عائدة من الشام ، وقد حملت ما شاء لها أن تحمل من تجارة القوم ، فيمسك لها محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، بالطريق ، ويحرّض المسلمين على الرصد والأخذ حين الغرّة ، ويقود الحملة بنفسه ، وعليًّ إلى جنبه ، وينتدب المسلمون لها ، وهم يطمعون بالعير ، ويأبى الله إلا النفير ، وهذا أبو سفيان يصله النذير فيتيامن جهة البحر ويساحل بأثقاله ، وهذه قريش تعمى عليها الأخبار فتهب هبة واحدة مستعدة للحرب ، أبو سفيان على العير ، و عتبة وأبو جهل على النفير ، وتصل العير إلى مكة ، ويخرج النفير منها ، ويتساءل بعض القوم ، وتلاوم بعضهم الآخر ، فيم الخروج أذن ، وقد وصل أبو سفيان بتجارة قومه إلى حيث الأمن والدعة ، ولكن القادة من قريش يصرّون على الحرب ، ويخرجون بقضهم وقضيضهم كما يقال ، هزجين فرحين بين المعازف والقيان ، والمسلمون يترصدون العير فلا يظفرون بها ، ويودّ المسلمون أن لو كانت غير الشوكة لهم ، ويأبى الله إلا أن تكون ذات الشوكة لهم ،

 


26

خرجوا للغنيمة لا للحرب ، فصكوا بالحرب لا بالغنيمة ، وقد إدخّر لهم الله النصر والغنيمة ، وأي نصر هذا الذي ينتظر هذه الفئة القليلة ، إنه النصر المؤزر الذي ذهب بجبروت قريش وطغيانها ، النصر الذي ثبّت الذين آمنوا تثبيتاً فأزدادوا إيماناً ، بل فتح عليهم مغالق الحياة بعد عسرها ، فإلى جنب النصر الغنائم وفداء الأسرى ، فينتقلون - بعض الشيء - من حياة الجفاف المحض إلى يسير من الدعة والخفض.
     وكان عليٌّ عليه السلام السبّاق إلى هذه المعركة إلى ساحة « بدر الكبرى ».
     ولم يكن ذا صيت في الحرب إذ لم يحارب إلا لماماً ، ولم يكن ذا سن متقدمة عركتها ميادين القتال ، كان قد قارب الخامسة والعشرين أو دون ذلك بقليل ، وإذا بعلي يحمل لواء الحمد في يد ، والسيف في يد ، وتتجمع قريش في « بدر » بين مكة والمدينة يقودها الحين ومصارع السوء ، ويتحلق المسلمون حول بدر ، وتبدأ في السابع عشر من رمضان ذاك العام أعظم معركة بين الوثنية والإسلام ، والنبي يعبىء أصحابه ، ويعّد المقاتلين ، ويسوي الصفوف بنفسه ، وهو يرمق السماء تارة ، ويرمق أصحابه تارة أخرى ، يستنزل النصر :
     « اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد ، و إن شئت أن لا تعبد لا تعبد » فيثبت الله المسلمين ويقلل في أعينهم عدّة المشركين و هم في حدود الألف من الرجال، و يقلّل الله في أعين المشركين عدة المسلمين وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ليقدم كل فريق على الحرب ، ويمدّ الله نبيه بالملائكة المردفين ، ويصطّف الجمعان ، جمع المسلمين وجمع القرشيين ، وتنتدب قريش أحدها ليخبرهم أمر القوم ، وإذا بالرائد بعد جولته حوالي المسلمين يعود إلى قريش ليقول : « إن نواضح يثرب

 


27

تحمل الموت الأحمر ، وأصحاب محمد يتلمّظون تلمظ الأفاعي » فما فّت هذا من عضدهم ، وغلبهم شؤم ابن الحنظلية - أبي جهل - كما يقولون. ولكن القرآن يصدع بالأمر الواقع ، وينبىء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمصير هؤلاء : ( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) (1) وكان الأمر كما قال ومن ينظر كثرة قريش وجودة إعدادها الحربي يحكم بالنصر لها ، ومن يمعن بتردد قريش وخذلانها ، وتلاومها واختلافها ، وكثرة لغطها ، وتنافر رجالها ، ويقارنه إلى ثبات المسلمين وهم القلة ، وجلدهم وتعاضدهم وتساندهم يحكم بالنصر لهم ، وهكذا كان ، فقد أعجل أبو جهل قريشاً في مبادئة الحرب ، وحفزهم إلى مبادرة القتال ، بعد أن طوح بمتابعة القوم فيما بينهم للكف عن الحرب ، وأخذت العصبية القبليّة دورها في تأليب من تردد ووهن وضعف ، وتنادوا فيما بينهم بشعارات الجاهلية وحمية الوثنية ، فأغضب كثير من المشركين وكانوا كارهين للحرب ، وقد نشبت الحرب إذ برز الوليد بن عتبة ، وأبوه عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة يطلبون أكفاءهم من قريش ، لا السواد من الأنصار فكان لهم ما أرادوا ، فخرج علي وحمزة وعبيدة ، فأشرأبت الأعناق واستطالت الأبصار ، وتقابل المقاتلون ، فقتل عليٌ الوليد ، وشارك في قتل شيبة ، وذبّب على عتبة أو بالعكس ، وقتل الحمزة عتبة ، وقتل عبيدة شيبة ، وقتله قاتله ، وانجلت الغبرة عن مقتل فرسان قريش جميعهم ، وأستشهد عبيدة ، وكرّ الفارسان علي والحمزة يهدران ، وكان ذلك أول النصر. وتهلل وجه النبي فرحاً ، وبدأت الهزيمة النفسية عند قريش ، وتحفز المسلمون فكرّوا عليهم تقتيلاً وأسراً وتشريداً ، فكانت قتلى قريش سبعين فارساً ، وأسرى قريش سبعين بطلاً. وسلني عن علي ما موقفه آنذاك ، الروايات


(1) سورة القمر ، الآية : 45.
 


28

المتواترة تقول إنه قتل نصف قتلى المشريكن ، وشارك في جملة من النصف الآخر ، فهو وحده قد أحرز خمسة وثلاثين قتيلاً ، وكان ذلك من نصيب بني أمية ، وبني عبد الدار ، وبني مخزوم ، وبني سهم ، وما تبعهم من ذؤبان العرب ، مما طأطأ من رؤوسهم ، وغضّ من أبصارهم ، مما كان له فيما بعد وعند ظهر الإسلام حساب مع علي أي حساب ، تداركاً للثأر ، وعودة إلى الجاهلية ، كما ستقرأه فيما بعد من أحداث.
     فهذا حنظلة بن أبي سفيان يهوي بسيف علي ، وهذا الوليد بن عتبة وهذا العاص بن سعيد بن العاص من بني أمية ، وهذا حليفهم عامر بن عبدالله تتهاوى رؤوسهم بيد علي عليه السلام.
     وهذا طعيمة بن عدي من بني نوفل يقتله علي ، وهذان الحارث وأبو زمعة بن الأسود من بين أسد بن عبد العزى يقتلهما علي ، وهذا عقيل بن الأسود يقتله علي ، وهذا نوفل بن خويلد يقتله علي.
     وهذا النضر بن الحارث بن كلدة من بني عبد الدار يقتله علي بأمر النبي. وهذا زيد بن مليص مولاهم يقتله عليٌّ.
     وهذا عمير بن عثمان من بني تيم يقتله علي ، وهذا العاص بن هاشم المخزومي خال عمر بن الخطاب يقتله علي ، وهذا أبو قيس بن الوليد يقتله علي وهؤلاء السهميون : منبه بن الحجاج ، ونبيه بن الحجاج ، والعاص بن منبه وأبو العاص بن قيس يقتلهم علي ، وهذا وذاك بل و هؤلاء وهولاء يتهافتون على المنيه بسيف علي... ولا نطيل فمنذ ذلك اليوم عرف المناخ الحربي لعلي عليه السلام في القتال ، فهابه الرجال ، وتحاماه الأبطال.

 


29

(3)
عليٌ في عنفوان شبابه ومرحلة الزهد والإيثار


     وها هو الفتى في عنفوان شبابه ، ومقتبل رجولته : يحاول أن يجمع شمله بمن يسكن إليه؛ ويعيّن ذلك السكن؛ إنها الزهراء : فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنه يجيل خاطره بالأحداث؛ فهذا أبو بكر يخطبها من النبي ، والنبي متلبث بذلك ينتظر بها القضاء ، وهذا عمر يتقدم لها بعده فيجابهه النبي بالرّد « أنتظر بها القضاء ».
     فيا ترى ماذا يريد النبي؟ ، وما عسى أن يعزم عليه » ، فلعله أدّخرها له ، ومن يدري ما تنطوي عليه نفس محمد وهو يقول : « فاطمة بضعة مني » ولكن علياً شجنة منه أيضاً قربى وأخوةً وروحاً ، فيتقدم لها دون تردد ، ويفاتح الرسول بذلك دون إحجام؛ ولكن على استحياء يشوبه شيء من الخجل والإحراج ، ويبدد رسول الله هذا الخجل ، فيتهلل وجهه فرحاً ، وتطفح أساريره بالبشر ، وينعم عليه بالإيجاب ، ويضم إليه أهل بيته وأصحابه ليقول : « إن الله تعالى أمرني أن أزوج فاطمة من عليّ ( زوّج النور من النور ) وأشهدكم أني زوجت فاطمة من علي على أربعمائة مثال فضة ، إن رضا بذلك على السنة القائمة والفريضة الواجبة ».
     ويتم عقد القران ، ويولي أبا بكر بعص إحتياجاته ، ويرسل سلمان

 


30

لشراءبعض متاع البيت الجديد ، ويوحي لبلال بإصابة شيء من الطيب ، وتشرف أم سلمة زوج النبي على جملة من المتطلبات والشؤون ، وتتكامل آداة العرس هذه بما اختاره المنتدبون لذلك ، ويتم الزواج في دار متواضعة في أطراف المدينة يستأجرها علي ، ويقصدهما رسول الله بنفسه ، ويضمّ إليه علياً والزهراء ، يبارك لهما ويدعو ، ويسعد بهما ويستبشر ، فتغمرهما فرحة أية فرحة ، وتتلاشى بعض سحب الحياء ، وتختفي جملة من أصداء الخجل بهذا الفيض من الحب والحنان والرعاية ، والنبي يتهجد بصوته : « اللهم بارك فيهما ، وبارك عليهما و بارك لهما في نسلهما ....« و استجاب الله الدعاء، فقد بارك الله فيهما وعليهما و لهما؛ فكان عليٌّ قائد الغرّ المحجّلين ، وكانت الزهراء سيدة نساء العالمين؛ وبارك عليهما؛ فما عُلِمَ زواج أسعد من هذا الزواج في عظمته وتواضعه بوقت واحد ، العظمة في القرينين ، والتواضع في مرافقه وأسبابه التي لم تعرف ترفاً ، ولم تلمس بذخاً ، وإنما هي الملحفة محشوة بالليف ، والوسادة التي قد ترتفع لمستوى القطن ، والسرير من جريد النخل ، والبساط المتواضع وهو جلد كبش ليس غير ، وبعض الأنسجة الصوفية اليدوية ، وتلك الرحى التي ستمجل منها كف الزهراء ، وهذه الأواني الخزفية الساذجة البدائية التي هزت الرسول الأعظم فقال :
     « بورك لقوم جل أوانيهم الخزف » أو نحو هذا.
     وبورك لهما في نسلهما ، فها هي ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متمثلة بالحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة ، ومتسلسلة عما تناسل منهما أبد الدهر ، وها هم اليوم يعدّون بالملايين بين البشر.
     وودعهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانصرف ، وفي نفسه أمنية لا كبير أمر لو تحققت ، وقد يعمل بنفسه على تحقيقها ؛ فأمنيته أن يكون علي وابنته


30

على مقربة منه ، ينعمان بجواره ، ويشملان برعايته ، وتحققت الأمنية بقرب الدار ، فيتحولان إلى دار حارثة بن النعمان إلى جنب دار النبي ، وبينها وبين حجرة النبي كوة ، وهي مطلة على مسجده ، ولها باب تنفذ إليه ، ويكون لهذه الباب شأن فيما بعد ، فتغلق أبواب البيوت على المسجد إلا باب علي وفاطمة بأمر النبي.
     وبدأت الحياة الزوجية المكافحة ، عليٌ يعمل على ناضح له في الزراعة والمساقاة ، وقد يحرث بعض الأرض ويشق بعض الترع ، وفاطمة تهيىء مرافق البيت وتشرف على إدارته ، فإذا أقبل من عمله شاركها في عملها في البيت ، وساعدها على تلك الشؤون اليسيرة السمحة دون تكلف أو عناء.
     وانتظرت الأمومة الزهراء عليها السلام ، فانجبت وليدها البكر ، وما كان عليٌ ليسبق رسول الله في تسميته سماه « حسناً » وحملت بالوليد الثاني ووضعته فسمّاه النبي « حسيناً ».
     وأسعفت الغنائم علياً بشيء من فيضها ، والسقاية برافد من السعة شيئاً ما ، فأبتاع لزوجه خادماً تسمى « فضة » حملت عبءَ البيت عن فاطمة ، وكانت عوناً لها في هذه المهمات البسيطة ، وعضداً في تلك الملمّات الشديدة فيما بعد ، وهنا تستولي السعادة بأطرافها في هذا البيت الصغير ، أو الحجرة الواحدة في الأصح ، وتغمر الأبوين الفرحة الكبرى بهذه الزهرة الجديدة « زينب » عقيلة بني هاشم.
     وكانت الحياة في بيت علي مليئة بالزهد والكفاف ، عامرة بالايثار ، لا فضل من قوت ، ولا استزادة من أرغفة ، شأن الأبرار الصالحين ، يكاد لا يكون هذا العيش الزهيد وقفاً على عليّ والزهراء ، فقد يشاركهما فيه سواهما ممن أمعن في الفقر إمعاناً.

 


32

     ويصوم الفتى والفتاة ، ويعدّان للإفطار أقراصاً من الخبز ، وجريشاً من الملح ، وشيئاً من لبن قد يحضر وقد يغيب ، وإذا بالباب يطرق وعليه مسكين يستغيث من الجوع ، فيجود عليه الصائمان بإفطارهما هذا ، ويطويان ليلتهما لليوم الثاني ، ويعدّان مائدة الإفطار على هذا النحو البسيط ، وإذا بالباب يطرق وعليه يتيم لا يجد إلى الشبع سبيلاً فيجود عليه الصائمان بإفطارهما ، ويطويان ليلتهما لليوم الثالث ، ويعدان مائدة الإفطار وهمافيعسر من أمرهما ، وإذا بالباب يطرق وعليه أسير لا طمع له في القرص ، فيجود عليه الصائمان بافطارهما ، ويهبط حبرائيل بالوحي على الرسول الكريم مدوناً هذه الحادثة الفريدة في الإيثار :
     (
ويطعمون الطّعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً * إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً )
(1).
     وينتشر النبأ بين المسلمين إنتشار النار بالهشيم.
     وكان عليٌ في هذا الجانب مؤثراً على نفسه دون شك :
     (
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة )
(2) فلم يكن ذا سعة في المال ، ولم يكن مبسوط اليد في الثراء ، ولكنه لم يعرف عنه الاعتذار في هذا المجال ، يجود بما عنده ، ويلزم نفسه بالشدة ، ابتغاء مرضاة الله ، لا يشرك في نيته أحداً ، ولا يفضي بسره في ذلك إلى أحد ، فعمله خالص لله وحده ، وقد دلّنا الذكر الحكيم في غير موضع على هذا الملحظ عند عليّ؛ فعن أبي ذر الغفاري :


(1) سورة الإنسان ، الآيتان : 8 ، 9.
(2) سورة الحشر ، الآية : 9.


33

     سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهاتين وإلا فصّمتا ، ورأيته بهاتين وإلا فعميتا ، يقول : عليٌ قائد البرّرة ، وقاتل الكفرة ، منصور من نصره ، فخذول من خذله؛ أما أني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الظهر ، فسأل سائل في المسجد ولم يعطه أحد شيئاً ، فرفع السائل يده إلى السماء ، وقال : اللهم إشهد أني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً ، وكان عليٌ راكعاً فأومأ بخنصره اليمنى ، وكان يتختم فيها ، فأقبل السائل حتى آخذ الخاتم من خنصره ، وذلك بعين رسول الله؛ وفي خبر آخر في حديث طويل يشتمل على حديث المنزلة ، فسأله النبي : ماذا أُعطيت ، قال خاتم من فضة ، قال : من أعطاكه؟ قال : ذلك القائم ، فإذا هو عليٌّ ، قال : على أي حال أعطاكه؟ قال : أعطاني وهو راكع. فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ نزلت عليه الآيتان :
     (
إنّما وليّكم الله ورسوله والّذين ءامنوا الذين يقيمون الصّلوة ويؤتون الزكوة وهم راكعون * ومن يتولّ الله ورسوله والّذين ءامنوا فإنّ حزب الله هم الغلبون )
(1).
     وقد أجمع المسلمون على نزول هاتين الآيتين في حق علي عليه السلام.
     وعن ابن عباس : كانت مع علي أربعة دراهم ، فتصدق بواحد ليلاً ، وبواحد نهاراً ، وبواحد سراً، وبواحد علانية ، فنزلت : (
الّذين ينفقون أموالهم بالّيل والنّهار سرّاً وعلانيةً فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون )
(2). وتحلق المتنطّعون حول النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجلس إليه الأغنياء ، يبددون وقته بالهذر ، والنبي صابر ، ويساروّن إليه بما قد لا ينفع ويمنعه خلقه من الامتناع عليهم ، فكان الاستئثار بوقت القائد ، وكانت الثرثرة حيناً ، والتمادي بتلك الثرثرة حيناً


(1) سورة المائدة ، الآيتان : 55 ، 56.
(2) سورة البقرة ، الآية : 274.


34

آخر ، وكان التساؤل والتنطّع دون تقدير لملكية هذا الوقت ، وعائدية هذه الشخصية ، فحدّ القرآن من هذه الظاهرة ، وإعتبرها ضرباً من الفوضى ، وعالجها بوجوب دفع ضريبة معالية ، تسبق هذا التساؤل أو تلك النجوى ، ونزل قوله تعالى :
     (
يا أيها الّذين ءامنوا إذا نجيتم الرّسول فقدّموا بين يدي نجواكم صدقةً ذلك خيرٌ لّكم وأطهر فإن لّم تجدوا فإنّ الله غفورٌ رّحيم )
(1).
     وكان لهذه الآية وقع كبير ، فامتنع الأكثرون عن النجوى ، وتصدق من تصدق فسأل ووعى وعلم ، وانتظم المناخ العقلي بين يدي الرسول الأعظم ، وتحددت الأسئلة ، ليتفرغ النبي صلى الله علي وآله وسلم للمسؤولية القيادية؛ وكان عليٌ وحده هو المتصدّق وهو المناجي ليس غير ، وقام على ذلك إجماع المسلمين حتى قال عبد الله بن عمر : « كان لعلي بن أبي طالب عليه السلام ثلاث لو كانت لي واحدة منهن لكانت أحبّ إلي من حمر النعم : تزويجه فاطمة ، وإعطاؤه الراية يوم خيبر ، وآية النجوى » وقال عليٌّ عليه السلام يشرح هذه الحادثة : « إذا كان في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ، ولا يعمل بها أحد بعدي ( وتلا آية النجوى ) كان لي دينار فبعته بعشرة دراهم فكلما أردت أن أناجي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدمت درهماً ... ».
     ولما وعت الجماعة الإسلامية مغزى الآية ، وبلغ الله فيها أمره ، نسخ حكمها ورفع ، وخفف الله عن المسلمين بعلي وحده ، بعد شدة مؤدية ، وفريضة راوعة ، وتأنيب في آية النسخ :
     (
ءأشفقتم أن تقدّموا بين يدى نجواكم صدقت فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا


(1) سورة المجادلة ، الآية : 12.


35

الصّلوة وءاتوا الزّكوة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون ) (1).
     هذه نماذج مما جبل عليه عليٌ نفسه ، وبما أخذها فيه ، جاءت على سجيتها ، دون تكلف ، وانطلقت ذاتية دون رياء ، وما لعلي وللتكلف والرياء ، ولو كان له بيتان : بيت من تبر و بيت من تبن لا نفق تبره قبل تبنه كما يقول معاوية.


(1) سورة المجادلة ، الآية : 13.