(4)
عليٌ فارس المهمّات الصعبة


     أفاقت قريش من سكرتها بعد بدر ، ووصلت فلولها المنهزمة إلى مكة لتجد العير موقوفة في دار الندوة وفيها المتاع والتجارة والمال ، ومشى سراة قريش إلى أبي سفيان بحسبها بغية التجهز لحرب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأجاب إلى ذلك أبو سفيان كما أجاب أصحاب العير ، وأظهرت قريش التجلّد ، فلم تندب قتيلاً ، ولم تبك أحداً من رجالها ، ومنعت النساء من النياحة ، الشباب من الإخلاد إلى العاطفة ، واستنصروا الأحابيش مشى فيهم عمرو بن العاص ، وابن الزبعرى ، وأبو عزة الجمحي ، فتألب العرب ، وإستعد الجمع ، يريدون حرب محمد ، والثأر لبدر ، وخرجت قريش بالظعن ، وكثرت العدة والأسلحة ، وساروا بمائتي فرس ، وهم ثلاثة آلاتف في ثلاثة ألاف بعير ، في أهبة متكاملة وفيهم سبعمائة دارع ، ووصل النبأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في قباء فأسرّ به إلى سعد بن الربيع ، فقال له سعد : والله إني لأرجو أن يكون في ذلك خير.
     ووصلت الجموع المعتدية أطراف المدينة في الخامس من شوال للسنة الثالثة من الهجرة ، وكانت المعركة يوم السبت السابع من شوال للعام نفسه.
     أستخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقدوم هذا الجمع المتألب ، فقال :

 


37

     حسبنا الله ونعم الوكيل ، اللهم : بك أحول ، وبك أصول.
     والتفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسلمين ، وهو يريد الأنصار ، وقال : أشيروا عليّ ، فأشير عليه أولاً بالمكث في المدينة ، وجعل النساء والذراري في الأطام ، وطلب آخرون الخروج من المدينة إلى عدوهم ، فهي إحدى الحسنيين إما الشهادة وإما الغنيمة ، ونزل على هذا الرأي ، وندم من أشار بهذا الرأي ، وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدججاً بالسلاح ، فتلاوموا فيما بينهم ، وأرادوا الرأي الأول فقال صلى الله عليه وآله وسلم : قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم ، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه ».
     وكان هذا الإلجاء من المسلمين أول الخور والفشل ، ولكن النبيّ وعدهم بالنصر ما صبروا ، واتبعوا تعليماته ، ونزلوا بأحد قبال المشركين ، وصفّ النبي أصحابه ، وجعل الرماة على الجبال وألزمهم بالثبات فيه ، مهما كانت ظروف الحرب ، وجعل أحداً خلف ظهره واستقبل المدينة.
     وأعطت قريش اللواء لبني عبد الدار ، ولواء المسلمين بيد علي عليه السلام ، فانتزعه النبي منه ، وأعطاه مصعب بن عمير ، وقيل أعطى غيره لمصعب بن عمير لأنه من بني عبد الدار. وبقي اللواء بيد عليّ. وأقبلت هند زوج أبي سفيان وصواحبها يحرضن على القتال :

نحن بنات طارق إن تقبلوا نعانق

 

نمشي على النمارق أو تدبروا نفارق

فراق غير وامق


     وبرز طلحة بن أبي طلحة في لواء المشركين وطلب البراز فخرج


38

له عليٌ عليه السلام وتجاولا بين الصفين ، ورسول الله تحت الراية عليه درعان ومغفر وبيضة ، فالتقيا ، وبدره عليٌ بضربة على رأسه فمضى السيف حتى فلق هامته إلى أن انتهى إلى لحييه فوقع ، فلما قتل طلحة سر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكبّر تكبيراً عالياً وكبّر المسلمون ، وسقط لواء المشركين وتشجع المسلمون ، وبرز بنو عبد الدار سبعتهم واحداً بعد واحد يتساقطون حول اللواء بسيف علي حتى حمله أرطاة بن عبد شر حبيل فقتله علي ، وحمله غلام بني عبد الدار فقتله عليً ، وسقط اللواء فانهزم المشركون ، ونادت نساؤهم بالويل والثبور ، وليس دون أخذهن من شيء ، ورأى المسلمون الفتح ، وأشتغلوا شيئاً ما بالغنيمة ، فتخلى القسم الأكبر من الرماة عن الجبل ، ودخلوا العسكر ، وخالفوا الرسول الذي عهد إليهم :
     « أحمو ظهورنا ، وإن غنمنا فلا تشركونا ».
     ونظر خالد بن الوليد إلى الجبل وعليه شرذمة قليلون فمال على المسلمين وكرّ بالخيل عليه ، فجالد من بقي من الرماة ساعة ، وقتل قائدهم عبد الله بن جبير ، فانتقضت صفوف المسلمين ، وهجم عليهم خالد وعكرمة بن أبي جهل من خلفهم ، واختلط الحابل بالنابل ، وعمّت الفوضى العسكرية ، فأصبح المسلم يقتل أخاه المسلم ولا يعلم بذلك ، واشتدّ الهرج بالمسلمين ، وكثر الفرار من قبل أجلّة الصحابة ، وأسلم النبي وهو في العريش ، وثبت معه سبعة أو تسعة ، و تحلق المشركون عليه من كل جانب ، ونادى مناديهم قتل محمد ، وعظم ذلك على المسلمين واشتدت المحنة بهم ، وثبت رسول الله في نفر من أهل بيته وأصحابه وفي طليعتهم عليٌ وأبو دجانة الأنصاري ، وأصعد المسلمون في الجبل فإعتصموا به ، وعلي ومصعب بن عمير وأبو دجانة يذبون عن


39

النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويتجه ابن قميئة إلى مصعب بن عمير فيضرب يده اليمنى فيقطعها ، ويأخذ اللواء باليسرى فيقطعها ، ويضمه إلى عضديه ، فينفذ الرمح في صدره ، ويقتل مصعب ويسقط لواء المسلمين ، ويرفعه عليٌ ، والقتل فاش في المسلمين ، ورحى الحرب تدور بهم ، فتستأصل شأفتهم ، وقد احتوش المشركون حمزة بن عبد المطلب ، ويرميه وحشي بمزراق فيثبته ، ويقتل في المعركة ، وتدّب إليه هند بحنقها وحقدها ،فتقطع أفنه وأذنيه وتقتلع عينيه ، وتشق بطنه وتستخرج كبده فتلوكها.
     وحمي الوطيس ، وفرّت الرجال عن النبي إلا بضعاً منهم ، وباشر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذٍ القتال بنفسه ، فرمى بالنبل حتى فنيت نبله ، وأنكسرت سية قوسه ، وأدميت جبهته ، وأصيبت رباعيته ، وأقبلت كتائب المشركين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تزحف نحو رسول الله ، وقد كثر الفرار بين يديه من أصحابه ، وكانت كتيبة بني كنانة أشدّها عليه ، فالتفت رسول الله إلى علي وقال : ياعلي اكفني هذه الكتيبة ، فحمل عليها وإنها لتقارب خمسين فارساً ، وعليٌ راجل فما زال يضربها بالسيف حتى تتفرق عنه ثم تجتمع عليه هكذا مراراً ، حتى قتل بني سفيان بن عوف الأربعة ، وسواهم إلى تمام العشرة ، ممن لا يعرف اسمه ، فقال حبرائيل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا محمد : إن هذه المواساة لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
     وما يمنعه وهو مني وأنا منه ، فقال حبرائيل ، وأنا منكما.
     وأشتد القتال على علي ، وهو يذب بالسيف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنادى جبرائيل من قبل السماء :

لا سيف إلا ذو الفقار

 

ولا فتى إلا عليّ


40

وذكر عليٌّ عليه السلام ، يوم أحد وهجمة الكتائب على الرسول ، فقال :
     « لقد رأيتني يومئذٍ وإني لأذبّهم في ناحية ، وإن أبا دجانة لفي ناحية يذبّ طائفة منهم ، حتى فرّج الله ذلك كله ، ولقد رأيتني ، وانفردت منهم يومئذٍ فرقة خشناء فيها عكرمة بن أبي جهل ، فدخلت وسطهم بالسيف فضربت به ، وأشتملوا عليّ حتى أفضيت إلى آخرهم ، ثم كررت فيهم الثانية حتى رجعت من حيث جئت ، ولكن الأجل استأخر ، ويقضي الله أمراً كان مفعولاً ».
     وقتل عليٌ مضافاً لهذا جملة من علية القوم كأبي الحكم بن الأخنس بن شريق ، وأمية بن أبي حذيفة وسواهما بعد خطوب ومعارك حامية.
     ولم يكن القتال وحده كل همّه في أحد ، بل كان عين رسول الله الساهرة في أحداثها ، فهو الذي التمس حمزة لرسول الله فوجده قتيلاً ، وهو أول الستة أو الأربعة عشر الذين ثبتوا مع رسول الله ليس غير ، وهو أول المبايعين الثمانية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الموت ، وهو أول الواقفين إلى حنب رسول الله من بداية الحرب إلى نهايتها.
     وتحاجز الفريقان ، وقال أبو سفيان : أعل هبل ، يوم بيوم بدر ، فأجيب :
     الله أعلى وأجل.
     وإستردّت قريش بعض أنفاسها بهذا النصر الموقوت ، ولم تشأ أن توغل في الاثم فتبقى أكثر مما بقيت ، أو تقاتل أكثر مما قاتلت ، فما يدريها فلعل الدائرة تكون عليها ، فتركت المعركة جانباً ، واكتفت بما
 


41

حصلت عليه ، واتجهت نحو مكة بعد تردد في الأمر ، ولم يأمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بياتها ، فدعا علياً عليه السلام ، وقال له : « أخرج في آثار القوم ، فإنهم إن ركبوا الإبل وجنبوا الخيل فهو الظعن إلى مكة ، وإن ركبوا الخيل وجنبوا الإبل فهو الإغارة على المدينة ».
     وسارع الإمام في أثر القوم في مهمة صعبة لم تجد منفذّاً لها سواه ، واستمع إلى مناجاة القوم ، واكتشف نياتهم ، ورأى الإبل تمتطى ، والخيل تجنّب ، وأقبل على رسول الله والمسلمون حوله ، وقال : يا رسول الله قد جنبوا الخيل.
     فتنادى المسلمون بالرحيل ، وقفلوا إلى المدينة ، وخرج الرجال لاستقبال الرجال ، والنساء يحملن الزاد والماء والضماد ، وخرجت ابنة محمد : فاطمة الزهراء تلتمس أباها ، وقد أقبل يتهادى بين السعدين : سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فإعتنقته ومسحت الدم عن وجهه ، وذهب عليٌ فأتى بماء من المهراس ، وقال لفاطمة : امسكي هذا السيف غير ذميم ، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مختضباً بالدم فقال : لئن كنت أحسنت القتال اليوم ، فلقد أحسن عاصم بن ثابت ، والحارث بن الصمة ، وسهل بن حنيف ، وسيف أبي دجانة غير مذموم ، هكذا روى الواقدي.
     وروى محمد بن إسحاق أن علياً عليه السلام قال لفاطمة :

 

أفاطم هاء السيف غير ذميم لعمري لقد جاهدت في نصر أحمدٍ

 

فلست برعديدٍ ولا بلئيم وطاعة ربٍّ بالعباد رحيم


فقال رسول الله : لئن صدقت القتال اليوم لقد صدق معك سماك بن خرشة ( أبو دجانة ) وسهل بن حنيف.

 


42

     حقاً لقد صدق علي في هذه المعركة القتال ، وصدق النية ، وانتهت المعركة بثباته إلى حيث انتهت ، ولولا جملة هؤلاء الثابتين ، لكان الإسلام أثراً بعد عين.


(5)
عليّ يتحرك نضاليا في المشاهد كلها


     ما كان لعليّ أن يستريح بعد معركة بدر ، فالمنافقون واليهود في حلف سري بالمدينة ، والأحابيش والمشركون في حلف علني بمكة ، والمسلمون بين هذين بين فكي أسد كما يقال ، فكانت غزوة أحد بما حملت بين طياتها من أسباب الفشل وعوامل النكسة كما سبق ، وما ترك علي حمل لواء في بدر حتى لواء في أحد ، وما طرح لواء في أحد حتى حمل الوية أخرى في الغزوات الصغيرة والمشاهد المتلاحقة ، فعزوة بني سليم ، وغزوة بني قينقاع ، وغزوة السويق ، وغزوة ذي أمر ، وغزوة بحران تتلاحق تباعا واحدة تلو الأخرى ، وعلي يضطرب فيما بينها فلا يهدأ ، ويتحرك بأزائها فلا يسكن ، وما استقرت الحال حتى نجمت غزوة بدر الصغرى في منتصف السنة الرابعة من الهجرة إذ خرج لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ألف وخمسمائة فارس يحمل لواءه علي بن أبي طالب ، وخرج أبو سفيان في ألفين حتي انتهى بجيشه إلى مرّ الظهر ان، و أمر قومه بالرجوع لأن العام عام جدب ثم كانت غزوة ذات الرقاع ، فغزوة دومة الجندل ، حتى أهل شعبان من السنة الخامسة للهجرة ، فكانت غزوة بني المصطلق ، وكان لعلي فيها بلاء عظيم ، انتهى بالنصر للمسلمين ، والغنائم للمحاربين ، وشهد فيها علي ضربا من العصبية القبلية شهر فيها السلاح بين المسلمين بدعوة جاهلية أبطلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما أسكتهم وأمرهم بالرحيل .
     هذه الأحداث صغيرها وجسيمها خلقت من علي مناضلا فذا يشار

 


44

إليه بالبنان ، وبطلا من أبطال هذا المناخ القتالي ، فطار صيته في الآفاق ليطل به ذلك على غزوة الأحزاب ومعركة الخندق ، فكان لعلي بها صدى الفارس المعلم ، وصوت الشجاع المطرق ، وعاد يومها فارس العرب الأول ، والمدافع الحقيقي عن الإسلام ، وبشخصه ـ وحده ـ قذف الله الرعب في قلوب المشركين ، وبضربته البكر ذلك اليوم أعزّ الله حمى الإيمان .
     وحينما أجلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يهود بني النضير ، ساروا الى خيبر واتصلوا بقريش يدعمهم بذلك بنو قينقاع ، ونقضوا بهذا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وبقي بنو قريظة في عهده ، حتى أغرى بهم حيي بن اخطب بتحريض من أبي سفيان فنقضت العهد أيضا ، وأفاقت المدينة لتستمع جلبة اجتماع الأحزاب ، وتنظر صلف قريش وكبريائها تقود هذا الجمع الباغي في اربعة آلاف من العرب والأحابيش واليهود يريدون أن يلتهموا الإسلام التهاما .
     وأجال النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع المسلمين الرأي في الصمد لهذا الزحف ، فأشار سلمان الفارسي بحفر الخندق فاستراح له المسلمون ، ونفذّوه في سرعة مذهلة ، وفوجئت قريش بهذا الأسلوب الجديد ، وتملكها الاضطراب لهذا الإحتراز الفاعل ، وعسكر المسلمون الى سفح سلع فكان خلفهم ، والخندق بين أيديهم ، واستوحشت قريش لهذا الإجراء الدقيق ، وطالت عليه المدة في الإنتظار ، وحذرت أن تخمد العزائم وتجف الهمم ، فأقبل فوارسهم بقيادة عمرو بن عبد ود ، وصاروا الى مكان ضيّق من الخندق أغفله المسلمون إحكاما ، فضربوا خيولهم فإقتحمته ، فكانت بين الخندق وسلع ، وإذا بهم أمام المسلمين وبين ظهرانيهم وجها لوجه .

 


45

     وكانت مفاجأة للمسلين ليست في الحسبان ، فسيطر عليهم الرعب ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، فهم بين متلوم لا يلوي إلى شيء ، ومضطرب لا يسكن الى اطمئنان ، وأرجف بهم المنافقون ، وتناهي إليهم غدر اليهود من معاهديهم ، وكانت الهجمة تفوق ما أعدوا واستعدوا له ، فسرى بينهم الخوف القاتل والذعر المسيطر والقلق الدائم .
     وقد أوجز القرآن العظيم هذا المدرك النفسي ، والواقع التحشدي الهائل ، وتنطع المنافق بعبارات دقيقة ، غاية في البلاغة والإيجاز ، وقمة في تصوير المشهد المروع :
     قال تعالى : (
إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون بالله الظنونا *هنالك أبتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غرورا )
(1) .
     هذا هو المشهد كما عبّر عنه القرآن ، ولك أن تمعن في دلالته لتقف على الحقيقة المذهلة في استقراء المناخ النفسي للمسلمين .
     قال الطبري وابن هشام وسواهما : وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم ، فأسقط في يد عمرو بن عبدود وزمرته ما أقدم عليه عليّ ، فطأطأت له الكبرياء المهلهلة ، وكان نزوله عليهم كالصاعقة في عنفها ، وكالهدة في وقعها ، إحتملتها نفوسهم رياء ، وضاقت بها أحلامهم ذرعا ، فإستشعرت المهانة والذلة بعد العزّة ، وحصدت الخيبة والفشل


(1) سورة الأحزاب ، الآيتان : 10 ، 12 .


46

بعد الزهو والغرور ، ولم يمنع هذا عمرا من تيهه وغطرسته ، ولم يهذّب من غلوائه و إعجابه ، فاندفع يطلب البراز ، ولا مجيب ، يشق صدى صوته البيداء ، والمسلمون في ذهول ، وكأن على رؤوسهم الطير ؛ ولكن القائد الواثق ، والفارس المجرب ، يستجيب لهذا النداء من الأعماق فيقول للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنا له يا رسول الله ... أنا له يا نبي الله ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ضنينا بعلي ، فقد فقد عبيدة في بدر ، والحمزة بأحد فقال له : « أجلس ... إنه عمرو » .
     وكررها عمرو مرتجزا :

ولقد بححـت من النــداء

 

بجمعكــم هل من مبـارز


     فقام علي الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال له : أنا له يا رسول الله ، قال : أجلس إنه عمرو ، ولم يجب أحد سواه ، فاستغلها عمرو ساخرا وعاتبا وقال :
     أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها ، أفلا يبرز إلي رجل ؟
     فقام علي للمرة الثالثة وقال : أنا له يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنه عمرو ، فقال علي وإن كان عمرا ، أو قال النبي : إنه عمرو ، فقال عليّ : وأنا علي .
     فأذن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمبارزة ، وأعطاه سيفه ذا الفقار ، والبسه درعه وعمامته ، وقال : اللهم أعنه عليه .
     فأهتز عليّ لهذا الإذن ، ومضى على بصيرة من أمره ، وقوة من عزمه ، يبدد خوف المسلمين ويكشف رهبتهم ، وانحدر الى عمرو كما ينحدر السيل من الجبل ، وقد حرص عليّ بهذا الموقف على الموت

 


47

فمنحه الله الحياة ، وانتشار الذكر والأثر ، وبرز مرتجزا :

لا تعجلــن فقــد أتــاك ذو نيــــة وبصـيــرة إنـــي لارجــوا أن أقيم من ضــربة نجلاء يبقـى

 

مجيب صوتك غيـر عـاجز والصــدق منجي كـل فائز عليــك نــائحـة الجنائز صيتها بعــد الهــزاهـز


     فحمي عمرو لذلك ، وقال له : من أنت ؟ فقال علي ، قال ابن من ؟ قال : ابن عبد مناف ؛ أنا علي بن أبي طالب .
     إرتهب عمرو من الاسم ، وأبدى تريثا في دهاء ، وأظهر إشفاقا في إفتعال ، فقد طار صيت علي في بدر وأحد وسواهما ، وعمروُ المرتث في بدر ، وهو العارف بمبارزه هذا حقا ، فقال : « يا ابن أخي ... قد كان أبوك لي صديقا في الجاهلية ، وكنت له نديما ، وأكره أن أهريق دمك . فقال علي : لكني والله ما اكره أن أهريق دمك ، فحمي عمرو ثانية وغضب لذلك ، فبدره عليّ وقال له : قد كنت تعاهد الله لقريش أن لا يدعوك رجل الى خلّتين إلا قبلت منه أحدهما . قال : أجل ، فقال علي : فإني أدعوك الى الله عز وجل والى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام . فقال : لا حاجة لي في ذلك . قال فإني ادعوك الى البراز . فأجابه الى ذلك ، واتفقا على البراز ، وهنا اشتهر عن النبي أنه قال : « برز الإيمان كله الى الشرك كله » .
     ونزل عمرو عن فرسه فعقرها ، وأقبل على عليّ وسل سيفه كأنه شعلة نار ، وضرب عليا على رأسه فشجّه ، وضربه علي على حبل عاتقه فسقط الى الارض كالجبل وقد أثقلته الجراح ، فجلس علي على صدره ، وثارت لهما غبرة ، كبّر علي ، فعلم المسلمون بمصرع عمرو ، وكبّر المسلمون ؛ ولما قتل عمرو هرب الذين معه بخيولهم حتى


48

اقتحمت بهم الخندق ، وأدرك عليّ نوفل بن عبدالله بن المغيرة فضربه بالسيف وقطعه نصفين ، وكان مع عمرو ابنه حسل فقتله علي عليه السلام .
     وكرّ علي راجعا ، ولا تسلّ عن الفرحة الكبرى عند المسلمين ، ولا تسلّ عن الحقد الذي انطوت عليه جوانح المنافقين غيظا وحسدا، وإمتلئت قلوبهم حقدا وتحرّفا ، كيف فاز بها علي وأخفقوا ، وكيف وقف لها علي وتخاذلوا .
     أقبل علي عليه السلام ، وقد إحتز رأس عمرو فألقاه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقام أبو بكر وعم فقبّلا رأس علي .
     وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينئذ « لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود يوم الخندق أفضل من أعمال أمتي الى يوم القيامة » .
     وما أراح عليّ نفسه ، بل رجع الى مقامه الأول ، ووقف بحيث الثغرة من الخندق ، حتى انهزم الجمع وولوا الدبر ، وسارت الركبان بالنبأ ، واهتزت الصحراء بالمعركة ، وصدع الوحي :

     (
وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا )
(1) .
     وبعث الله على المشركين الريح في ليال شاتية ، شديدة البرد والقرّ ، فجعلت تكفأ قدورهم ، وتطرح أبنيتهم ، وتزعزع أخبيتهم ، فاستبد بهم الفزع وتملكهم الذعر . فقال أبو سفيان : يا معشر قريش : ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخفّ ، فإرتحلوا فإني مرتحل » .
     وعاد المشركون بالهزيمة الى مكة ، وعاد المسلمون بالنصر الى المدينة .


(1) سورة الأحزاب ، الآية : 25 .


49

     وانتهى نعيّ عمرو الى أخته عمرة بنت عبد ود ، فقالت :

لو كان قاتل عمرو غيــر قاتله

لكنّ قاتـل عمـرو لا يعاب بـه

 

لكنت أبكـي عليـه آخر الأبد

من كان يدعى قديماً بيضة البلد

     ولك أن تفسر قولها : أكان رثاء لعمرو أم مديحا لعلي .


50

(6)
الراية العظمى في كل الفتوح


     ونقضت بنو قريظة العهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقطعت ما أمر الله به أن يوصل ، فكان اليهود منهم من المفسدين في الأرض ، فلما رجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخندق أمر بلالا فنادى : من كان سامعا مطيعا فلا يصليّن العصر إلا في بني قريظة . ودعا عليا عليه السلام فدفع إليه رايته العظمى ، وأمره بالخروج لهم ، فسار في جمع من الخزرج حتى دنا من الحصون ، فسمع منهم مقالة قبيحة في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكره ذلك وأكبره ، وأشرف اليهود من الحصون فلما رأوا عليا عليه السلام تنادوا : قد جاءكم قاتل عمرو !! وألقى الله في قلوبهم الرعب ، وركز علي عليه السلام الراية في أصل الحصن فأضطربوا لذلك اضطرابا شديدا ، وطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم يسبونه ولا يفقهون فناداهم : يا إخوة القردة والخنازير : إنا إذ أحللنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين . فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسا وعشرين ليلة ، حتى جهدهم الحصار فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مضطرين بعد خطوب يطول شرحها ، وحكّم فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن معاذ رحمه الله ، فحكم بأن تقتل الرجال ، وتقسم الأموال ، وتسبى الذراري والنساء ، وتكون الديار ـ ديار بني قريظة ـ للمهاجرون دون الأنصار فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع أرقعة . وحبسوا في دار رملة بنت الحارث من بني النجار .
 


51

ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى موضع السوق فخندق فيه خنادق ، وخرج معه علي عليه السلام والمسلمون ، وأمر بهم أن يخرجوا ، وتقدم الى علي عليه السلام أن يضرب أعناقهم وترمى جثثهم في الخندق ، فأخرجوا أرسالا وقتلهم علي عليه السلام جميعا ، وفيهم حيي بن أخطب ، وكان من زعماء اليهود البارزين ، وقدمه عليه السلام للقتل ، فقال : يا علي : قتلة شريفة بيد شريف ، فقال له عليه عليه السلام : إن خيار الناس يقتلون شرارهم ، وشرارهم يقتلون خيارهم ، فالويل لمن قتله الأخيار الأشراف ، والسعادة لمن قتله الأراذل الكفار ، قال حيي : صدقت ، فلا تسلبني حلّتي ، قال علي : هي أهون عليّ من ذلك ، فقال حيي : سترتني سترك الله ، ثم قتله ولم يسلبه .
     وكان هذا المشهد في صلابته مما ملء قلوب اليهود والمنافقين هلعا ، ونفوسهم غيظا من علي عليه السلام ، ولم يكن هذا آخر موقف له معهم ، فله الموقف السائر في خيبر ، ولكن لهذا حديث آخر .
     وقد أنزل الله في غزوة بني قريظة من الذكر الحكيم قوله تعالى :
     (
وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا )
(1) .
     ولم يكن عليّ عليه السلام ليستريح أو يريح ، لم يكن ليستريح بذاته ، ولم يكن ليريح غيره ، فقد شمّر ساعده للذّب عن الإسلام ، وقريش في رعب منه بعد غزوة الخندق ، وأبناء اليهود في إضطراب بعد غزوة بني قريظة ، فغلت عليه الصدور بمراجل الحقد ، وتألّبت عليه المشاعر


(1) سورة الأحزاب ، الآيتان : 26 ، 27 .


52

بمظاهر الكراهية ، وهو يعلم ذلك العلم كلّه ، وكلنّه لم يكن مندفعا دون أناة ، ولا مشرعا دون تفكير ، كان يعمل فكره ، ويهيأ أمره ، بخطى سديدة ثابتة ، واحلام رتيبة متناسقة ، حتى إذا جدّ الجدّ قذف نفسه في لهوات الحرب غير هيّاب ولا مبال ، ولكنه يضع الأمور في نصابها ، ويعتبر الأحداث بأشباهها ، ويقيس الطارئات بميزانها ، وهنا يبرز دور العقل الإنساني الرفيع عند علي عليه السلام وهنا يلوح المناخ النفسي المتزّن لديه ، مع صراحة في الرأي ، ودقة في الموازنة ، وإصرار على الحق ، وفقد طابق قوله فعله ، ووافق هديه عمله ، مبتعدا عن المداجاة والمحاباة ، متسماً بالقصد والأعتدال ، وهي مميزات فريدة لا تتأتى لأبطال الحروب إلا بعد جهد جهيد ، ورياضة لا تدانيها رياضة ، فالشجاع مغامر دون تحفظّ ، ومبادر دون إدراك ، ولكن عليا عليه السلام شجاع بدراية ، ومقدام مغوار بنظام ، يخطط ويبرمج ، ويحقق ما يريد بصبر وروية ، فإذا تم له هذا أقدم إقدام من لا يخاف الفوت ، وأرقل إرقال الثائر المستميت ، وهكذا كان ديدنه ، وتلك ملكات إكتسبها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان الصورة المعبرة عنه ، والرجل الذي أعدّه لقيادة الأمة على سنّته في السلم والحرب معا .
     وهذا محمد صلى الله عليه وآله وسلم يخرج للعمرة لا يريد حربا ، ولكن لواءه بيد أمير المؤمنين عليه السلام كما كان في المشاهد كلها ، لم يخرج بسلاح إلا والسيوف مغمدة ، والبُدُنُ قد أشعر عدة منها وهو في طريقه الى البيت الحرام ، وما هي إلا أن علمت قريش ، فأقسمت أن لا يدخل مكة ولكنها لم تستحّب قتاله ، فرقا وجزعا ، وآلت أن لا يعتمر كراهية العار في زعمها ، ولكن ماذا تصنع والنبي صلى الله عليه وآله وسلم مقبل في ألف وستمائة من المهاجرين والأنصار ، ماذا عسى أن تقول العرب ؟ فخرجت بأحابيشها من جهة ، وطغاتها من جهة أخرى ، ومعهم العوّذ المطافيل ثالثة ، حتى

 


53

نزل الجمعان الحديبية . وجرت بينهما المفاوضات في أخذ ورّد ، وإنهما لبسبيلهما إذ بلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عثمان بن عفان مبعوثه الى مكة قد قتل ، ومعنى هذا أن قريشا قد غدرت به ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا نبرح حتى نناجز القوم ، ودعا الى بيعة الرضوان تحت الشجرة ، فكان بلاء علي عليه السلام في هذا اليوم عظيما ، إذ أشرف بنفسه على رصّ الصفوف ، وتعبئة الجيوش والإعداد للحرب ، وكان علي عليه السلام المبايع للنساء نيابة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
     وتبين كذب نبأ مقتل عثمان وقد اشتدّ الأمر ، ونظرت قريش الى نفسها ، وقد كثر التلاوم بينها : أن الرجل ما جاء لقتال إلا أن يحمل عليه ، فتناوبت الرسل بين المعسكرين ، واتفق رأي قريش على الصلح على أن يرجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم عامه هذا ، وله العود العام القادم ، وأجاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك ، وتم الاتفاق على الصلح ، فانتدبت قريش سهيل بن عمرو ، وانتدب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام ليكتب العهد، فأملى عليه النبي :
     بسم الله الرحمن الرحيم :
     فقال سهيل : لا أعرف هذا ، اكتب : باسمك اللهم ، فكتبها علي ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : اكتب ؛ هذا ما صالح به محمد رسول الله سهيل بن عمرو ، فقال سهيل : لو شهدت أنك رسول الله لم اقاتلك ، ولكن أكتب اسمك واسم ابيك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي : اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبدالله سهيل بن عمرو ، فجعل علي عليه السلام يتردد في محو اسم رسول الله ، فقال رسول الله اكتب فان لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد ( إشارة بل إخبار عما سيحدث لعلي في صفين حينما طلب إليه محو إمرة المؤمنين عنه في الكتاب ) ولم يمحها علي ، فقال رسول الله

 


54

أرنيه ، فأراه إياه فمحاه بيده ، وقال أنا والله رسول الله ، وإن كذبتموني. وكان الكتاب : « إصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ، ويكفّ بعضهم عن بعض .. » .
     وهكذا عاد صلح الحديبية موثقا جديدا ، تأمن به قريش الى حين ، ويعمل فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إقرار دينه ونشر دعوته ، ولكن اليهود أعداءه هؤلاء لم يفرغ منهم بعد ، وإن فرغ من بني النضير وبني قينقاع و قريظة، فأمامه يهود خيبر الذي لم يرتبطوا بعهد؛ إذن فهو يعزوهم داعيا الى الإسلام ، فإن قبلوه و إلا قبلوا الجزية ، وإلا فهي الحرب ، وقد كانت ، بعد حصار بضع عشرة ليلة ، فبعث رسول الله أبا بكر ليفتتح من خيبر حصن ناعم ، فلم يستطع أن يفعل شيئا ، ثم بعث عمر بن الخطاب فناوشهم القتال وعاد منهزما .
     وظل الحصن شامخا ، وغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله يفتح الله علي يديه كرّار غير فرّار ، فدعا عليا وأعطاه الراية ، وهو يشتكي رمد عينيه ، فمسحهما بيده ، أو بلهما بريقه ؛ فبرأتأ ، فقال علي : يا رسول الله علام أقاتلهم ؟ فقال : على أن يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأني رسول الله ؛ فإذا فعلوا ذلك فقد حقنوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله .
     وتقدم علي عليه السلام الى الحصن يهروّل هرولة ، يستعجل الفتح ويستنزل النصر ، وإذا دونه « مرحب » فارس اليهود يرتجز .

قد علمت خيبر أني مرحب

 

شاكي السلاح بطل مجرّب

    فاختلف هو وعلي بضربتين ، فلم تصنع ضربته شيئا ، وضربه علي على رأسه حتى عضّ السيف بأسنانه ، وسمع أهل العسكر صوت ضربته وسقط قتيلا ، وانهزم اليهود ، فكان الفتح ، وهجم علي فاقتلع باب

 


55

الحصن وتترس بها ، وكرّ على فلول اليهود فتناثروا بين يديه ، وما التقى آخر الجيش بأوله حتى تم النصر المؤزر على يد عليّ وحده .
     فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خيبر ، قذف الله الرعب في قلوب أهل فدك ، فبعثوا الى رسول الله يصالحونه على النصف من فدك ، فقبل ذلك . فكانت فدك بنصفها خالصة له لأنه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ، ونحلها رسول الله أبنته فاطمة ، وتصرفت بها في حياة أبيها .
     وهكذا تنتهي الجولة إثر الجولة مع المشركين تارة ، ومع اليهود تارة أخرى ، وعليّ في هذا كله يدير قيادة الجيش ، موجها ومباشرا وفاديا ، قد مرّ على الهجرة سبع سنوات ، ليكون فتح مكة في سنة ثماني من الهجرة كما سنرى .

 


56

(7)
فتح مكة وموقع الإمام


     ما برح المسلمون بعد صلح الحديبية يتطلعون الى ذلك اليوم العظيم « يوم الفتح » الذي وعدهم إياه الله في كتابه الكريم فقال تعالى :
     (
لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله ءامنين محلّقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تلعموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا )
(1) ولكن نكبه المسلمين في معركة « مؤتة » واستشهاد قوادها الثلاثة : جعفر بن أبي طالب ، وزيد بن حارثة ، وعبد الله بن رواحة ، قد فتت ـ الى حدّ ما ـ في عضد المسلمين ، وعودة خالد بن الوليد بالجيش الى المدينة وعليه آثار الهزيمة ، قد نبهّت من طبائع المشركين ، وأذكت حرارة قريش لمعاودة العدوان ، وكانت خزاعة قد دخلت في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وثيقة الصلح ، فعدت بنو بكر بمساندة قوى قريش على خزاعة ، فأوقعوا بهم قتلا وتشريدا ، وبذلك نقضت بنو بكر الداخلة في حلف قريش ، وقريش نفسها عهد الصلح .
     وخرج عمرو بن سالم الخزاعي ، وقدم المدينة المنورة ، ووقف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد ، وأنشد قائلا :

اللهـم إنـي نـاشـد محمـدا

إن قـريشـا أخلفـوك الموعدا

 

حلـف أبينـا وأبيـك الأتلـدا

ونقضـوا ميثـاقـك المؤكـدا


(1) سورة الفتح ، الآية : 27 .


57

     واستطلع النبي الخبر بتفصيلاته وعلم ذلك ، فقال :
     « لا نُصِرْتُ إن لم أنصُر خزاعة مما أنصر به نفسي » .
     وسرت هذه الكلمة في الآفاق ، وفتحت على قريش بابا لم يكن ليغلق إلا بالحرب ، ولا ليوصد دون غزوها في عقر دارها ؛ وتبخرت تلك الأوهام في الدعة والاطمئنان ؛ فالإسلام لا يقرّ على ضيم مظلوم ولا يفلت منه كيد ظالم ؛ وأجمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره على الخروج بالسيف ، وأعلن النفير العام .
     وندمت قريش على ما بدر منها ولات ساعة مندم ، واختارت أبا سفيان ليصلح ما فسد ، ويتدارك ما حدث ، فطوى الصحراء حتى قدم المدينة ، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد استقرأ ذهنية قريش ، ولم يغب عن باله ما ستستقر عليه ، فأطلّ على المسلمين وقال : « كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ، ليشدّ العقد ، ويزيد في المدة » ووقع ما قال ، فقد جاء أبو سفيان وقال :
     يا محمد : إني كنت غائبا في صلح الحديبية ، فأشدد العهد وزدنا في المدة . قال النبي : هل كان فيكم من حدث .
     قال أبو سفيان : معاذ الله .
     قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : نحن على مدتنا وصلحنا .
     ولكن أبا سفيان كذب على النبي ، والنبي يعلم بهذا ، فإن كانت قريش لم تنكث فالعهد لا ينقض ، وإن نكثت فالعهد منقوض ، وهو ما كان ؛ وفقد أبو سفيان صوابه ، فقد عرف من أمره ما عرف ، وما عليه إلا أن يتشبث بكل شيء ، ويتوسل الى كل أحد عسى أن يصنع شيئا ، فمضى الى ابي بكر ليكلم له النبي ، فردّه ردّا رفيقا ، وذهب الى

 


58

عمر فردّه ردا عنيفا ، ثم اتجه الى الإمام علي عليه السلام فدخل عليه ، وعنده فاطمة بنت محمد ، وبين يديها الإمام الحسن وهو صبي يدرج ، وقال للإمام :
     يا علي : إنك أمس القوم بي رحما ، وقد جئت في حاجة ، فلا أرجعن كما جئت خائبا ، فأشفع لي عند محمد .
     فقال علي عليه السلام : « لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على امر ما نستطيع أن نكلمه فيه » فأيس من علي ، والتفت الى الزهراء ، والحسن أمامها :
     « يا بنت محمد ، هل لك أن تجعلي بنيّك هذا سيد العرب الى آخر الدهر فيجير بين الناس » .
     فقالت الزهراء عليها السلام : « ما بلغ بنيّ أن يجير بين الناس ، وما يجير على رسول الله أحد » . فبهت أبو سفيان ، وضل إدراكه ، وفقد صوابه ، واتجه الى علي ثانية : يا أبا الحسن ... إني أرى قد اشتد عليّ فانصحني . فقال علي : ما أعلم شيئا يغني عنك ، ولكنك سيد بني كنانة فاجر بين الناس ، ثم الحق بأرضك ، قال : أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا ، فقال لا أظن ، ولكن لا اجد لك غيره .
     وقد اجتهد عليّ مؤتمنا « والمستشار مؤتمن » .
     فهو لا يستطيع أن يجير على رسول الله .
     وهو لا يستطيع أن يفيد أبا سفيان .
     وهو لا يستطيع أن يشير على أبي سفيان بأكثر من هذا .
     وذهب أبو سفيان للمسجد فقال : أيها الناس إني قد أجرت بين الناس .

 


59

فما استمع إليه أحد ، وركب راحلته وانطلق الى مكة ، يتجرع مرارة الإخفاق ، ويجر أبراد الخيبة ، وأنذر قريشا بالحرب ، وكانت متخاذلة فلم تحر جوابا ، ومترددة فلم تحرك ساكنا . وتجهز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسرعة مذهلة ، ودعا قائلا :
     « اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في دارها » وبث العيون ، وأخذ بالطرق ، وأوقف الرصد ، يستطلع القادم ، ويستكتم المسافر ، فمن شك به ردّ ، وأخبر جماعة من صحبه وفي طليعتهم علي بأنه يريد مكة ، ولكن الأكثرية لا تعلم جهته ، وكانت فلتة مزرية ، وخيانة مريرة من حاطب بن أبي بلتعة ، حينما سرّب الخبر الى قريش بيد سوداء جعل لها جعلا ، وأخبر الوحي النبي بالأمر ، فأرسل عليا والزبير ، فسبقا الى المرأة ، وأدركها الزبير فاستظقها فأنكرت ، وقال لأمير المؤمنين : ما أرى معها كتابا ، نذهب الى رسول الله ونخبره ، فقال علي عليه السلام : يخبرني رسول الله أن معها كتابا ، ويأمرني بأخذه منها ، وتقول أنت أنه لا كتاب معها ؛ ثم اخترط سيفه ، وأقبل عليها ، وقال : والله إن لم تخرجي الكتاب لأكشفنك ثم لأضربن عنقك . فلما رأت الجد من عليّ عليه السلام أخرجت الكتاب من عقيصتها ، فأخذه عليّ وانطلق به الى رسول الله ، وأنذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ابن أبي بلتعة بعد أن إعترف بذنبه ، وهو يرعد كالسعفة في يوم الريح العاصف كما تقول الرواية ، فأتّبه وحذرّه ونزل قوله تعالى :
(
يا أيها الدين ءامنوا لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء تلقون إليهم بالمودّة وقد كفروا بما جاءكم من الحق )
(1) .
     وبمثل هذه السرّية خرج النبي من المدينة في عشرة آلاف ، وأعطى الراية العظمى لعلي عليه السلام وقسم الألوية على زعماء القوم من


(1) سورة الممتحنة ، الآية : 1 .


60

المهاجرين والأنصار ، وسار بعلية أصحابه حتى نزل « مرّ الظهران » فأمر أصحابه فأوقدوا ـ بعددهم ـ عشرة آلاف نار ، يريد أن يرهب أعداء الله ، وأرسلت قريش العيون ، وفي طليعة أولئك أبو سفيان ، يتلمسون الأنباء ، ويتطلعون الأخبار ، فبهتوا للنيران تشق ظلماء الصحراء ، وإذا بأبي سفيان يلتقي العباس عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيسأله ما وراءك يا أبا الفضل ؟ فيقول : هذا رسول الله قد دلف إليكم بعشرة آلاف من المسلمين .
     يقول أبو سفيان : فما الحيلة ؟ فيجيبه العباس :
     « والله لئن ظفر بك رسول الله ليضربن عنقك » . وفي سرعة يردفه العباس معه ، ويقدم به على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستأمنه له ، وإذا بجملة من المسلمين يتنادون : أبو سفيان عدو الله ، وإذا بعمر يصرخ : الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ، وطلب الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يضرب عنقه ، فابتدر العباس : « يا رسول الله قد أجرته » فآمنه رسول الله وأمر بأن يغدى به عليه . وصباحا قال له رسول الله : ويحك يا أبا سفيان ... ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله . قال أبو سفيان : بأبي أنت وأمي : ما أوصلك وأحلمك ، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا .
     فعاوده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الم يأن لك أن تعلم أني رسول الله . قال أبو سفيان : أما هذه ففي النفس منها شيء ، فنهره العباس : ويلك تشهد شهادة الحق قبل والله أن تضرب عنقك . فيتشهد أبو سفيان مستسلما لا مؤمنا ، ومنتهزا لا صادقا ، ولكنه وحي الخذلان وذل الأنهزام .
     والتفت النبي للعباس ، انصرف به فاحبسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي حتى تمرّ عليه جنود الله .
 


 

61


     فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن أبا سفيان رجل يحبّ الفخر ، فاجعل له شيئا يكون في قومه .
     فقال النبي : « من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن » .
     وهلل أبو سفيان لهذه البادرة ، ووقف الى جنب الوادي ، وأرعبته خيول الله ، وكتائب رسول الله ، فكلما مرت عليه كتيبة قال ما لي ولفلان ، وكلما استقبلته قبيلة قال ما لي ولها ، حتى مرّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكتيبته الخضراء ولها زَجَلٌ ، فطفح الاناء بما فيه ، وقال العباس : « لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما » .
     فقال له العباس : ويحك انها النبوة . فقال : نعم إذن . ثم انطلق الى مكة يستبق جيش الفتح ، واستقبلته قريش بلهفة ، وإذا به يصرخ : يا معشر قريش هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به .
     قالوا : فمه ؟ قال : من دخل داري فهو آمن ، قالوا وما تغني دارك ؟ قال : ومن دخل المسجد فهو آمن ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن . فأقبلت زوجته هند بنت عتبة وأخذت بلحيته وهي تصيح : يا آل غالب : اقتلوا هذا الشيخ الأحمق . قال : ويحك : أسلمي وادخلي بيتك .
     وإلتفت الى قريش وقال : لا تغرنكم هذه من أنفسكم ألا وإني لكم نذير . فتسابقوا الهزيمة ، ينعمون بالسلامة من القتل ويلوذون بالفرار من النازلة ، ورسول الله يأمر سعد بن عبادة بدخول مكة بالراية ، فيهزها هزا عنيفا ، ويغلظ للقوم قائلا :

اليــوم يــوم الملحمــة

 

اليــوم تسبــى الحرمـة

     فسمعها العباس فقال للنبي : أما تسمع يا رسول الله ما يقول
 


62

سعد ، وإني لا آمن أن يكون له في قريش صولة ، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام : أدرك سعدا فخذ الراية منه ، وكن أنت الذي تدخل بها مكة ، فأدركه عليّ فاخذها منه ، ولم يمتنع سعد من دفعها إليه ، وسار عليّ بالراية حتى دخل مكة رفيقا ، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ناحية كداء ، واصعا رأسه الشريف على الرحل تواضعا لله تعالى ، واتجه نحو الحرم فطاف ولبى وسعى وصلى ، وهو في عدته وأهبته وعزته ، وقريش على رؤوسها الطير ، وقد أقبل فلّها ، وتلائم بين يديه جمعها ، وقد زاغت الأبصار ، وخشعت الأصوات ، وانحنت الرؤوس ، فمنهم العفو والرحمة ، وقال كلمته الشهيرة : « أذهبوا فأنتم الطلقاء » وأقبل الناس يدخلون في دين الله أفواجا ، هنالك من أسلم ، وهناك من استسلم ، وللنبي ظاهر الحال ، ولكنه أهدر دماء أحد عشر نفرا ، سبعة من الرجال ، وأربع من النساء ، وكان بلاء علي عظيما ، في طلب هؤلاء ، ففروا منه هنا وهناك ، حتى التجأ من التجأ الى بيت أخته أم هاني بنت أبي طالب ، فأجارت من أجارت ، أو استجار بها من استجار ، وفجأها علي عليه السلام ، فحالت بينه وبينهم ، ودافعها ، فقالت أنت أخي وتصنع معي ذلك ، إن أردت قتلهم فأقتلني معهم ، وسأشكوك الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ وذهبت الى رسول الله فرحّب بها وأجلسها الى جنبه . فقالت يا رسول الله : ماذا لقيت من علي ، فقد أجرت حموين لي من المشركين ، فتفلّت عليهما ليقتلهما ، فقال ما كان ذلك له ، قد أجرنا من أجرت ، وآمنا من آمنت . وشكر لعلي سعيه ، وشفّع أخته .
     وطاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالبيت ، وعلي معه ، وأومأ بمخصرته الى الأصنام فتهاوت ، وإلى الأوثان فتحطمت ، وبقي صنم لخزاعة من قوارير ، فقال لعلي أرم بها ، ورفعه إليه حتى صعد سطح الكعبة ، فرمى به من عليها ، فتكسر قطعا وتطاير شظايا ، وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا.