(8)
أنباءٌ تكدّر صفو الفتح ... وعليٌّ يذود الكتائب


     وبينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينعم بأنباء الفتح ، ويتهلل وجهه فرحاً لمسارعة النفوس إلى الإسلام ، ويمتلىء قلبه رحمةً و إشفاقاً ، وكيانه خشوعاً وتسبيحاً ، وتنطلق شفتاه حمداً واستغفاراً ، إذ يصله نبئان يكدّران عليه صفو الفتح ، ويعكرّان مناخ النصر. النبأ الأول من بني جذيمة ، والنبأ الثاني من هوازن وثقيف. فيرى نفسه وقيادته من الذين معه ، لا يريح من جانب ، إلا ليفجأ بعناء من جانب آخر ، فقد كتبت عليه ملحمة لا بد أن تتم فصولها ، وتتلاحق متاعبها وأدوارها ، فهو بين كدح ونضال ، وجدّ وتضحية ، يتبع أولها آخرها ، ويستظل بمبتداها منتهاها ، وما عليه إلا أن يتصرف تصرف الحكيم بأناة ، ويستبسل استبسال المستميت بإصرار ، حتى يرّد على الأعقاب تلك النكسات ، ويواجه بالصبر وحسن التأني تلك الأحداث.
     أما نبأ بني جذيمة ، فقد كان من أمرهم ، أن أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد في سرية من المسلمين تتجاوز ثلاثمائة مقاتل من المهاجرين والأنصار وفيهم عبد الرحمن بن عوف إلى بني جذيمة بن عامر من كنانة يدعوهم إلى الإسلام؛ ولم يبعثه مقاتلاً؛ فلما انتهى إلى ماء لبني حذيمة نزل به ، وكان بنو جذيمة قد أصابوا في الجاهلية نسوةً من بني المغيرة ، وقتلوا أبا عبد الرحمن بن عوف والفاکه بن المغيرة ،

 


64

وكان مع عوف ابنه عبد الرحمن فقتل قاتل أبيه ، وبقي دم الفاكه بن المغيرة عم خالد بن الوليد هدراً ، وفي خالد بقية من جاهلية ، وعصبية من حميّة ، وشجاعة في غلظة ، لم يقيّده الإسلام من الفتك ، ولا هذبّته القيادة من الغدر ، والقوم في أسلحتهم؛ فقال : ضعوا السلاح ، فقال أحد زعمائهم : إنه خالد ، والله ما بعد وضع السلاح إلا الأسار ، وما بعد الأسار إلا ضرب الأعناق ، وجادلوا في وضع السلاح أو حمله ، واستجابوا أخيراً فوضعوا السلاح ، فأمر بهم خالد فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتلوا ، و انتهى خبرهم إلى النبي ، فرفع يديه وقال : « اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ».
     ثم دعا علياً عليه السلام وقال له : يا علي أخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم ، وأجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. وخرج عليٌ ومعه الأموال الوفيرة لرأب الصدع ، ومساواة الأمر ، ووصل الإمام فأنكر على خالد همجيته ، ودفع دية القتلى ، وودى الدماء ، وعوّض ما أصيب من الأموال ، حتى أرضاهم ، وقال لهم : هل بقي لكم دم أو مال لم يؤد إليكم ، قالوا : لا ، قال : فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطاً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجع إلى النبي فأخبره بصنيعه ، فقال النبي أصبت وأحسنت ، ثم قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستقبل القبلة ، شاهراً يديه ، وهو يقول :
     « اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد » وكرر ذلك ثلاث مرات.
     وانتهت المأساة الغادرة ، بما طيّب به عليٌّ نفوس القوم ، وبما جبر به الخواطر.
     وأما نبأ هوازن وثقيف؛ فكانوا عتاة مردة لا يزدادون إلا طيشاً ، وطغاة جفاة لا يرجون لله وقاراً ، فلما تناهى إلى أسماعهم نبأ فتح مكة ،

 


65

هالهم هذا النصر المبين ، واجتمعوا إلى رئيسهم مالك بن عوف ، وكان شاباً نزقاً جباراً ، فاستقر رأيه على الحرب ، فأعلن الحرب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابتداءً ، ونزل ( حنين ) في ثلاثين ألفاً ، وبلغ خبرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فتهيأ في عدة حسنة ولكنها لا تصل إلى عداد القوم ، فقد خرج باثني عشر ألفاً ، وأعطى لواء المهاجرين لعلي بن أبي طالب ، ووزع الرايات بين الأنصار ، وانجدر إلى وادي حنين؛ وكانت هوازن قد كمنت لهم في شعاب الوادي ومنعطفاته ، وأمسكت بمنعرجاته ، وباغتوهم بياتاً من كل صوب وحدب ، وأحدقوا بالمسلمين إحداقاً، وما راع المسلمين إلا القوم يأخذونهم على حين غرّة فيشدون عليهم شدّة رجل واحد ، ويمعنون بالقتل والطعن والمجالدة إمعاناً ، وبلغ الذعر مبلغه بالمسلمين فتنادوا بالويل والثبور ، وانهزموا هزيمة منكرة ، ولم يثبت معه إلا أربعة أو ستة أو عشرة ، وفي طليعتهم - بإجماع المؤرخين - عليٌ عليه السلام ، وانهزم الباقون ، والنبي ينادي :
     أيها الناس أنا رسول الله محمد بن عبد الله ، والمسلمون لا يلوون على شيء. وكان أبو بكر (رض) متفائلاً فقال : لا نغلب اليوم عن قلة ، وكان معجباً بكثرة جيش المسلمين فنزلت الآية : (
ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثمّ ولّيتم مّدبرين * ثمّ أنزل الله سكينة على رسوله وعلى المؤمنين )
(1).
     قال الشيخ المفيد : والآية تعني بالمؤمنين علياً ومن ثبت معه من بني هشام.
     وصاح العباس بالمنهزمين بأمر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان العباس


(1) سورة التوبة ، الآيتان : 25 ، 26.


66

جهوري الصوت : يا أهل بيعة الشجرة ، يا أصحاب سورة البقرة ، إلى أين تفروّن؟ اذكروا العهد الذي عاهدتم عليه رسول الله. والقوم يغروّن على وجوههم ، والمشركون في شعاب الوادي يصلونهم حمماً لاهبة ، فقال أبو سفيان - وهو قد أسلم فيما يزعم - لا تنتهي هزيمتهم دون البحر؛ أي المسلمين.
     ونظر الني صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس ببعض وجهه ثم نادى : أينما عاهدتم الله عليه؟ فأسمع أولهم آخرهم ، فتراجعوا إليه في لفتة من مخائل إعجازه ، بعد أن انتشروا في الصحراء ، والتفوا حوله في مائة رجل ، ودارت معركة كبرى ابتدأت بإقبال فارس هوازن ( أبو جرول ) وهو على جمل أحمر ، وبيده راية سوداء ، وهوازن وثقيف تتبعه ، وهو يرتجز :

أنا أبو جرول لا براح

 

حتى نبيح القوم أو نباح


     فصمد له علي عليه السلام فقتله وهو يرتجز :

قد علم القوم لدى الصباح

 

أني في الهيجاء ذو نطاح

     وكان في قتله النصر ، فقد انهزم المشركون شر هزيمة ، وانتعش المسلمون فهجموا هجمة رجل واحد ، بقيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يباشر القتال بنفسه إلى جنب أركان حربه ، وهو يقول :

أنا النبيّ لا كذب

 

أنا ابن عبد المطلّب


     والتحمت المعركة التحاماً مروّعاً ، ندرت فيها الرؤوس ، وهوت الفوارس ، وطاحت الأيدي ، فقال النبي : الآن حمي الوطيس ، وهي من كلماته القصار الجامعة لفنون المجاز والإيجاز ، وعليٌّ بين يديه يذود الكتائب ، ويزلزل الفرسان حتى قتل أربعين فارساً من القوم ، فشلت حركتهم ، وأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حفنة من التراب أعطاها إياه علي بن أبي
 


67

طالب ، وقذف بها وجوه المشركين قائلاً : شاهت الوجوه ، فكانت الهزيمة الكبرى ، وولى المشركون الدبر ، وجيء بالاسراى مكتفين بين يديه ، وسيقت إليه الغنائم ، وأفواج هوازن في هرب وفرار ، فما طلع الصباح على المسلمين حتى تم لهم النصر المبين ، وانتهت الهزيمة بالأعداء إلى البحر.


 


68

(9)
عليٌّ رفيق النبي في حربه وسلمه


     بلى تخلف عليٌّ عليه السلام مرة واحدة عن غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكنه لم يتخلف بالمعنى الدقيق ، وإنما استخلف ، وذلك في غزوة تبوك.
     فقد بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الروم قد جمعت له ، فأوحى الله تعالى إليه أن يسير إليهم ويستنفر لذلك الناس ، وأعلمه أنه لا حرب ولا قتال في هذه الغزوة ، وإنما ينتدب الناس للاختبار والإمتحان ، وكان القيظ شديداً ، والثمار قد أينعت ، فنهعض من نهض معه ، وتخلف عنه الكثيرون بقيادة عبد الله بن أبي ابن سلول ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سار بثلاثين ألفاً في أهبة وإعداد ، على أن عسكر ابن أبي ابن سلول في ثنية الوداع لم يكن بأقل العسكرين كما يقول ابن سعد في الطبقات وابن هشام في المغازي.
     واستخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم علياً عليه السلام على المدينة ، إذ لا حاجة ملّحة إليه بعد إنبائه بأنه لا يمنى بقتال ، وكان هذا الاستخلاف له ما يبرره سياسياً وقيادياً ، فقد كانت المدينة يرجف بها المنافقون ، ويغدو عليها سراً هؤلاء اليهود ، وكان بنو غنم بن عوف قد بنوا مسجد ضرار ، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي فيه ، وكانوا يظهرون الإيمان ويسرّون النفاق ، فقد بني هذا المسجد في قبال مسجد قبا ، وقد بني أيضاً إرصاداً

 


69

لأبي عامر الفاسق الذي أمرهم ببنائه لأنه ذاهب إلى قيصر ليأتي بجنود يخرج بها محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة ، وكان هؤلاء المنافقون يتوقعون وعده ، فمات قبل أن يبلغ ملك الروم ، وانصرف النبي من تبوك ، فنزل قوله تعالى :
(
والّذين اتّخذوا مسجداً ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصاداً لّمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكذبون * لا تقم فيه أبدا لّمسجد أسّس على التقوى من أوّل يوم أحقّ أن تقوم فيه فيه رجالٌ يحبّون أن يتطهّروا والله يحبّ المطّهّرين )
(1).
     فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أحرق هذا المسجد وهدمه.
     وهذا السيل الجارف من النفاق كما تراه يسلك سبلاً شتى بازاء تحقيق مآربه الضالّة ، ولا بدّ للنبيّ من الحذر منه؛ فاستخلف علياً عليه السلام ليحمي المدينة من هؤلاء ، وليمنعها من غارات الأعراب ، وليقيم سنن الدين الحنيف من ينابيعه كما يريد الرسول ، وليؤكد صلاحية الإمام علي للقيادة والمرجعية.
     ومع هذا الحذر وهذه اليقظة ، وصدق الدوافع في استخلاف عليّ على المدينة ، فقد دبّت حسيكة النفاق ، وأشاع المنافقون ما أرادوا ، وقالوا : ما خلّفه إلا استثقالاً له وتخففاً منه ، ومتى كان علي ثقيل الظل على رسول الله؟ ويقال : أن علياً عليه السلام أخذ سلاحه وتبع الرسول وهو معسكر في الجرف ، فقال : يا نبي الله زعم المنافقون أنك إنما خلفتني لأنك استثقلتني ، وتخففت مني ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم كذبوا ، ولكن خلفتك لما تركت ورائي ، فارجع واخلفني في أهلي وأهلك ، « أفلا ترضى يا علي


(1) سورة التوبة ، الآيتان : 107 ، 108.


70

أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ».
     فرجع عليٌّ إلى المدينة ظافراً بهذا الوسام ، فعظم في عين من أعظمه ، وأبتلي بالحقد والحسد مرة أخرى على هذه المنزلة ، فكان حارساً أميناً فيما استودع ، وساهراً يقظاً على ما استخلف بالمعنى العلمي الدقيق للإستخلاف ، فيما عبر عنه النبي بالحرف الواحد : « فأنت خليفتي في أهل بيتي ، ودار هجرتي وقومي ».
     ولما انتهى النبي إلى تبوك توافد عليه رؤساء الروم وزعماؤهم وحكامهم ، فأعطوه الجزية عن يدوهم صاغرون ، فحقن دماءهم وأموالهم وكرّ راجعاً إلى المدينة بعد إقامة عشرين ليلة في تبوك.
     ولا تسل عما جرى له في طريق العودة ، حينما مكر به المنافقون وبرفقته حذيفة بن اليمان وعمّار بن ياسر ، فقد مكروا وأرادوا طرحه من العقبة ، وطلب إليه بعض المسلمين ضرب أعناقهم ، وقد علمهم جميعاً ، وقال : أكره أن تتحدث الناس أن محمداً قد وضع يده في أصحابه ، وسماهم لعمّار وحذيفة وقال اكتماهم. وكانوا أربعة وعشرين رجلاً ، وعرفهم حذيفة بأعيانهم فكان أعرف الناس برؤوس المنافقين ، وكذلك كان عمّار ، واتصل النبأ بعلي عليه السلام فعرف ذلك ، واستوى بين يدي النبي ، وقد حمل الرسالة ، وأدى الأمانة ، وأحسن الإستخلاف.
 

* * * 


     ولم يكن عليٌّ عليه السلام رفيق محمد صلى الله عليه وآله وسلم في حربه وسلمه ، وأخاه في الشدة والرخاء فحسب ، بل كان قائد جملة من سراياه التي أمر بها ، وأعطاه نيابته فيها ، فيرجع بالظفر ، وفي طليعتها سرية « ذات السلسلة » فقد أعطى النبي الراية علياً عليه السلام بعد أن رجع بها اثنان من أصحابه لا يلويان على شيء.
 


71

     كان قوم من العرب قد قرروا أن يبيتوا النبي بالمدينة غدراً ، فسار عليٌّ عليه السلام متعصباً معلماً حتى وافاهم بسحر ، فأقام حتى أصبح وصلى بأصاحبه الغداة ، وصفّهم واتكىء على سيفه ، وقال للعدو :
     يا هؤلاء أنا رسولُ رسولِ الله إليكم أن تقولوا : لا إله إلا الله ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وإلا لأضربنكم بالسيف ، قالوا ارجع كما رجع صاحباك ، قال : أنا لا أرجع ، لا والله حتى تسلموا أو أصربكم بسيفي هذا ، أنا علي بن أبي طالب.
     فاضطرب القوم وزلزلوا زلزالاً شديداًً لما سمعوا باسمه وعرفوه ، ولو راجعوا أنفسهم وحكمّوا عقولهم لاختاروا السلم والدعة والأمن ، ولكن الطيش والغرور والكبرياء قد دفعت بهم لاختيار القتال ، فبرز إليهم علي عليه السلام فقتل منهم في حملة واحدة ستة أو سبعة ، وانهزم المشركون وظفر المسلمون ، وغنموا ما شاء لهم أن يغنموا ، وكانت هزيمة المشريكن منكرة ، وأصداؤها تنتشر بين قبائل العرب ، فازدادت هيبة الإسلام في النفوس ، وأخبر جبرائيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالفتح ، ونزلت حينئذٍ سورة العاديات.
     وباستعراض آيات سورة العاديات تتبين عظم المعركة ، وشدة الوقعة ، وصدق اللقاء ، ومدى القوة المحاربة.
     وحينما أخبر حبرائيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببشائر هذا الفتح ، بشر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بذلك ، وأمرهم باستقبال علي عليه السلام وكان النبي في طليعة المستقبلين ، وحينما رأى رسول الله في موكبه ، ترجل وأهوى على قدميه يقبلهما ، تواضعاً لله على هذا التكريم الكريم ، وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

 


72

     اركب فإن الله ورسوله عنك راضيان ، فبكى عليٌّ عليه السلام فرحاً بهذه البشارة.
     وسرية أخرى بقيادته إلى بني سعد بن بكر بفدك بمائة فارس ، فجعل يسير الليل ويكمن النهار حتى فجأهم ، فجدّوا بالهرب ، وأمعنوا بالفرار ، فاستولى علي عليه السلام على النعم والأغنام ، وأخرج خمسها ، وقسم الباقي على أصحابه.
     وسرية أخرى إلى بلاد طيىء في مائة وخمسين من الأنصار للتطويح بصنم لهم يعبد من دون الله ، فأغار عليهم ، وهدم الصنم وأحرقه ، وغنم سبياً ونعماً وشاءً وفضة ، واستخرج ما في خزانة الصنم من أسياف ودروع ونفائس فغنمها.
     وهناك سريتان بقيادته إلى اليمن؛ الأولى بعد فتح مكة ، فأسلمت بها همدان كلها في يوم واحد ، فكتب علي عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فخر ساجداً لله ثم جلس ، فقال السلام على همدان. وقيل بعث النبي علياً وبعث خالداً في جند ، وقال : إن التقيتما فالأمير علي ، فوصل خالد فأقام ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا إلى ذلك ، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم خالداً بالقفول ، وبعث علياً. قال البرّاء : فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا ، وصلى بنا عليٌّ ثم صفّنا صفاً واحداً ، ثم تقدم بين أيدينا ، وقرأ عليهم كتاب رسول الله؛ فأسلمت همدان.
     ويرى الشيخ المفيد أن إرسال النبي لعلي إلى اليمن كان ليخمس ركازها ، ويقبض ما وافق عليه أهل نجران من الحلل والعين وغير ذلك ، لا لأجل الحرب لأن أهل اليمن أسلموا قبل ذلك.

 


73

     والسرية الثانية كانت في رمضان سنة عشر من الهجرة ، عقد له النبي صلى الله عليه وآله وسلم لواءً و عممه بيده ، وقال : امض ولا تلتفت ، فإذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك. وخرج عليٌّ عليه السلام في ثلاثمائة فارس ، فلقي أهل اليمن ودعاهم إلى الإسلام ، فأبوا ورموا بالحجارة والنبل ، فصف أصحابه ثم حمل عليهم فقتل منهم عشرين رجلاً ، فتفرقوا وانهزموا فكفّ عن طلبهم ، ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وبايعوا ، وسلّموا صدقاتهم إليه ، فقفل راجعاً فوافى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة في طريقه إلى حجة الوداع.
     وقد يبدو من جملة الآثار أن علياً عليه السلام أرسله النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاضياً إلى اليمن ، ووضع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يده على صدره ، وقال : اللهم ثبّت لسانه وأهد قلبه ... قال عليٌّ : والله ما شككت في قضاء بين اثنين ، وكيف لا والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : عليٌّ أقضاكم.
     وكما كان علي عليه السلام مقدامه في حروبه ، وخليفته في مدينته ، فقد كان نائبه في الأداء عنه؛ ففي السنة التاسعة من الهجرة بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر الصديق ( رض ) في سورة براءة إلى أهل مكة ، فهبط عليه حبرائيل وقال : أنه لا يؤديها عنك إلا أنت أو رجل منك ، فانفذ علياً عليه السلام حتى لحق أبا بكر فأخذها منه ، فوجد أبو بكر في نفسه ، ولكنه أطاع الأمر ، وأخبره النبي فيما بعد : لا يؤدي عني إلا أنا أو رجل مني.
     ومضى عليٌّ عليه السلام في الأمر حتى أتى الموسم ، فنادى : إن الله بريء من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، لا يحجن بعد العام مشرك ، ولا يطوفن بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن ، ولا يجتمع مؤمن وكافر في المسجد الحرام بعد عامهم هذا ، ومن كان

 


74

بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم عهد فعهده إلى مدته ، ومن لم يكن له عهد فأجله إلى أربعة أشهر.
     ولك أن تتصور حالة العتاة من العرب ، والطغاة من قريش ، وهم يستمعون هذا النداء الصارم ، ويشهدون هذا اليوم الفاصل ، وهم يرون البيت بيتهم والحرم حرمهم ، وإذا بهم يطردون عنه وإلى الأبد.
     ولئن كان علي عليه السلام في هذا الموقف نائباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد كان عليٌ نفس رسول الله في حادثة مباهلة نصارى نجران بإجماع المؤرخين ، فقد طلبوا إلى النبي المباهلة ، أو طلب إليهم النبي المباهلة؛ فكان النداء الإلهي في القرآن العظيم مجلجلاً : (
فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لّعنت الله على الكذبين )
(1).
     فخرج النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، فما باهلهم نصارى نجران لما علموا من الحق وإن كتموه. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا :
     « والله لو باهلونا لأضطرم عليهم الوادي ناراً ».


(1) سورة آل عمران ، الآية : 61.


75

(10)
عليٌّ في حجة الوداع وبيعة الغدير


     لقد رأينا علياً فيما مضى ، صبياً يدخل الإسلام ثاني اثنين ، وقد رأيناه يتربى في منزل الوحي وينشأ في ظلال الإيمان ، ورأيناه يشهد عذاب طائفة من المستضعفين فيتلظى لهم حرقاً ، ورأيناه مصاحباً للنبي في جولته للطائف يعرض الإسلام على القبائل فيردّ ، ورأيناه فدائياً يسرع إلى فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ملتحفاً ببرده الحضرمي ، يقيه بنفسه من طواغيت قريش ، ورأيناه أخاً لرسول الله في مكة والمدينة ، ورأيناه قائداً عسكرياً فذاً في مشاهد النبي كلها ، ورأيناه خليفة لرسول الله على المدينة في غزوة تبوك، و رأيناه نائباً عنه في تبليغ براءة لأهل مكة وإعلان شرائع الإسلام ، ورأيناه مصلحاً وقاضياً من قبله في اليمن ، ورأيناه صهراً للنبي وأباً لذريته الطاهرة ، ورأيناه نفسه في المباهلة ، ووزيره بمنزلة هارون من موسى ، رأينا هذا وسواه ، بل ذكرنا هذا وفاتنا سواه ، وهو يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، و » عليٌّ أقضاكم« و » أنا مدينة العلم و علي بابها« و « علي مع الحق والحق مع علي » و « اللهم أدر الحق معه حيثما دار » سمعنا كل هذا غيضاً من فيض إطراء النبي له وثنائه عليه ، ونموذجاً من نماذج إعداده إعداداً رسالياً خاصاً ، وشاهدنا إلى جنب ذلك كلّه ملازمته للنبي ملازمة الظل للشاخص ، واختصاصه به على انفراد في أغلب لياليه وأيامه ، وتفرده بمناجاته وحده في شتى الظروف ، واتحاد المنزل ما بين الديار ، ولمسنا صلة الرحم الشديدة بين

 


76

الرجلين ، وأواصر القرب ما بينهما ، لا يكاد يفترق أجدهما عن الآخر ، ولا يملّ أحدهما حديث الآخر ، حتى كان علي منه وهو من علي ... لم يكن كل هذا امراً اعتباطياً ، ولا مناخاً اعتيادياً ، وإنما للأمر ما بعده عند النبي. حتى إذا كانت حجة الوداع ، وإذا بالوحي يفجأ النبي : ( يأيّها الرّسول بلّغ ما أنزل إليك من رّبّك وإن لّم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس ) (1).
     ما هذا البلاغ الخطير الذي يراد من النبي ، وما هذا الاشفاق من النبي فيه ، أهو يخشى الناس ويحذر عدم الامتثال فيذهب أمره أدراج الرياح؟ أهو من الشدة بحيث يزلزل هذه الرصانة التي تبثها محمد في قومه وأصحابه؟ أهو من الحساسية بحيث يخترق هذا الغشاء الرقيق بينه وبين جملة من ذوي الأحلام والخطر.
     لقد رأينا النبي في الأحكام صغيرها وكبيرها يبلغها أولاً بأول لا يخشى في ذلك لومة لائم ، وينزلها بمنزلها المحدد لا يحيد عن ذلك قيد أنملة ، فما هذا التبليغ الجديد - أنه القيادة في نيابته لدى التحاقه بالرفيق الأعلى ، والإستقرار بمقامه في إدارة شؤون الدين والدنيا.
     كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلمحّ تارة ، ويصرّح أخرى بإمامة علي عليه السلام يؤمّره على الناس في القيادة ، ولا يؤمّر عليه أحداً ، ينوّه بفضله ويعلي من شأنه ، يخصّه بالمنح العليا ، علماً وتفقهاً ومنزلةً ، ويشاركه بالمهمات الصبعة فيجده أهلاً لحملها ، وهو الذي يأخذ بقسط كبير من وقته الثمين في إفاضات يعلم قليلها ، ويجهل كثيرها ، يعلمن عن بعضها ، ويكتم بعضها الآخر ، ولكن النبي قد يبدو مشفقاً كل الاشفاق عن أن يقول القول الفصل ، والوحي يلجئه إلى الإعلان ، ويضمن له السلامة


(1) سورة المائدة ، الآية : 67.


77

مما يخشاه ، والتصريح منه إثر التصريح بأفضلية علي وأهليته من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلاقي التاويل والتعليل من قبل علية القوم ، ويقابل بالإيهام والإبهام من جملة المهاجرين ، يلتمسون بذلك حداثة السن حيناً ، وحب بني عبد المطلب حيناً آخر ، لتضييعه عن موضعه ، وتمييعه عند مؤداه.
     وكان النبي في سنة حجة الوداع ، يؤكد السنن ، ويثبت الفروض ، ويحيي الأحكام ، وكان يلوّح بل يصرّح في نعني نفسه : يوشك أن ادعى فأجيب ، أو يقول : قد حان مني خفوق ، وتارة : لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ، وأخرى : إن حبرائيل كان يعرض عليّ القرآن في كل عام مرة ، وفي هذا العام عرضه عليّ مرتين ، وهكذا.
     ونزلت سورة النصر؛ فسماها المسلمون سورة التوديع ، لأن المسلمين ودّعوا نبيهم ، لما فيها من إيحاء بتكامل رسالته ، وإنذار بانتهاء مدته ، لما أمره فيها الله من التسبيح والاستغفار ، وكان بين هذا كثير الخلوة بعلي ، طويل المناجاة معه ، شديد الاحتراس عليه ، يطلق الكلمة إثر الكلمة في ترشيحه ، فتارة هو الوزير ، وأخرى هو الوصي ، وسواهما : خليفتي من بعدي ، والناس يرصدون ذلك بمسمع وبمشهد ، فيسيغه الأنصار دون المهاجرين ، ويتقبله المستضعفون دون الزعماء ، أو فقل يتقبله أكثر الأنصار ، ـ ويرفضه أكثر المهاجرين ، وقد يشتد النزاع في ذلك ، وقد يتحوّل إلى صراع مرير ، وقد يلجأ هؤلاء وهؤلاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليفسر لهم ما قال ، فيقتنع من يقتنع عن رضا ، ويأبى من يأبى عن سخط ، والأمور بقربة من النبي ، وهو يرى بوادر الفرقة تتطلع ، وسحب الفتنة تكاد تنقض ، ووجد بعض القلوب تستوحش لهذا الحديث ، وبعض المشايخ تأتمر للعصبيات ، والناس في خطوة من الجاهلية ، والإسلام وتر النفوس ، وهو لا يحاسب بأكثر من الظاهر ،

 


78

ولكنه يذكر بالله واليوم الآخر ، عسى أن يهدي الله به أحداً ، ويجدد العهد عسى أن يصغي له أحد ، جاداً لا يتردد ، ولكنه مضطرب لا يهدأ أيضاً.
     وتنتهي حجة الوداع ، ويتجه النبي نحو المدينة حتى يصل إلى « غدير خم » في قيظ لافح ، وحرارة محرقة ، وهجير ملتهب ، فيتوقف الركب النبوي في المنطقة التي سيفترق فيها الحاج ، ويتجه كلٌّ إلى قصده ، وينحو كلٌّ منحاه ، والموكب بعد في آلافه المؤلفة من المهاجرين والأنصار ومسلمة الفتح ، وبقية المسلمين من هنا وهناك ، ولا نريد ذكر الآلاف منهم فيما اختلف فيه المؤرخون زيادة ونقصاناً فهذا لا يعنينا ، بقدر ما يعنينا الموقف والحدث ، والمسلمون ألوف لا شك في هذا وينصب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم منبر من أحداج الإبل عند الظهيرة ، ويمتطي النبي صهوة المنبر ، وهو يقول :
     « إني دعيت ويوشك أن أجيب ، وقد حان مني خفوق من بين أظهركم ، وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ».
     ثم نادى بأعلى صوته : ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟ قالوا اللهم بلى. فقال لهم على النسق ، وقد أخذ بضبعي علي عليه السلام فرفعهما حتى بان بياض أبطيهما : « فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم والي من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ».
     ثم نزل وصلى الظهر والعصر وأفرد لعلي خيمة ، وأمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً ، فيهنؤه بالمقام ، ويسلموا عليه بإمرة

 


79

المؤمنين ، ففعل الناس ذلك كلهم حتى من كان معه من أزواجه ونساء المسلمين.
     وكان موقف عمر بن الخطاب ( رض ) مشرّفاً في ذلك اليوم إذ طفح السرور على وجهه ، وقال : بخٍ بخٍ لك يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. ولكنه تناسى هذا الموقف فيما بعد ، وتغافل عن هذه التهنئة الحارّة ، وعن مغزاها في كلٍ من السقيفة وتعيين أهل الشورى.
     وحينما صدع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الأمر في استخلاف علي عليه السلام نزلت الآية : (
اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم ديناً )
(1).
     وما قدمناه من إيجاز مكثّف محل إجماع بين المسلمين كافة ، ورواته الثقات بالمئات ، وشهوده من المسلمين بالألوف ، وجاءت بعد ذلك التأويلات الفجّة لتجعل لهذا الحدث والحديث دلالات لغوية جديدة ، ولهذا النص التصريح إرادات بيانية مموهة ، فالمولى : يراد به المالك ، ويراد به الناصر ، ويراد به المعتق بالكسر والفتج ، ويراد به ابن العم ، ويراد به ضامن الجريرة ، ويراد به السيد المطاع ، كما يراد به الأولى. إلى غير ذلك مما يراد به ابتلاع الحديث والحدث جملة وتفصيلاً ، وتناسى من ساق هذه التعليلات والتفريعات المضنية أن التبادر العرفي العام عند العرب علامة الحقيقة ، وأن مقتضيات المقام النبوي في نزوله في هذه الهاجرة على غير منزل ، لا يراد به إلا الأولى الذي تجب له الولاية العامة على المؤمنين ، والمرجعية الكبرى للأمة في قضايا الدنيا والدين ، ولكن قريشاً أبت هذا ، وتناست هذا الموقف ،


(1) سورة المائدة ، الآية : 3.


80

وكأنه لم يكن ، وفتحت على الإسلام باباً لم يغلق من الفتنة والفرقة إلى قيام الساعة ، وصبر عليٌّ عليه السلام على هذا الحيف ، لأنه ذو هدف محدد وهو بقاء الإسلام.
     وهو القائل : والله لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين ، ولم يكن جورٌ إلا عليّ خاصة.
 

(11)
النبيّ يمهّد للإمام : ويلتحق بالرفيق الأعلى


     تتابعت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد عودته من حجة الوداع موجاتٌ من الألم والصداع ، يصحب ذلك شيء من الحمى ، فيستولي عليه الضعف والانهيار الجسدي ، وكان لبقايا السمّ المبيت له أثر من ذلك أيمّا أثر؛ وفجأة يجد نفسه قد ثقل بالمرض ، وانتابته العلل خفيفها وثقيلها حتى أيقن بالنهاية ودنو الأجل ، وكان الوحي به رفيقاً يخيّره عن الله بين البقاء في الحياة أو الالتحاق بالرفيق الأعلى ، فيختار الثانية زهداً بالحياة الفانية وقد استجيب له في ذلك
     (
إنّك ميّتٌ وإنّهم مّيّتون )
(1)
     فقام في أمته يذكرهم الوحدة ، ويحذرهم الفتنة والخلاف ، ويدعوهم إلى التمسك بالكتاب والعترة ، وهو فيما بين ذلك يؤكد لهم منزلة علي العليا ، ولم ينس أن يمهد له الأمور فيما يبدو من مجريات الأحداث ، فعقد لأسامة بن زيد بن زيد بن حارثة الأمرة على المسلمين ، وندبه للخروج نحو تخوم البلقاء من أرض فلسطين ، حيث استشهد أبوه في مؤتة ، وقال له : « أغزو باسم الله في سبيل الله ، فقاتل من كفر بالله ». فتهيأ لذلك أسامة وعسكر بالجرف ، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم زعماء المهاجرين والأنصار بالالتحاق به ، وفيهم الشيخان وأبو عبيدة وسعد بن عبادة


(1) سورة الزمر ، الآية : 30


82

وجمهرة أهل الحل والعقد ، فكبر ذلك على جملة من المسلمين ، وقالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الاولين ؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وعصب رأسه ورقى المنبر وقال : « ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ، ولئن طعنتم في إمارتي أسامة لقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله ........ » ثم قال : أنفذوا بعث أسامة.
     وتردد نفر كبير في ذالك فقال صلى الله عليه واله وسلم : أيها الناس أنفذوا بعث أسامة ..ثلاث مرات . ولكن أنباء مرض رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أوقفت علية القوم عن الحركة ، وأقعدتهم عن النهوض مع أسامة ، فلم يرد هذا أمر ذاك مساءلة الركبان عنه فيما يزعم .
     وتردد كبار المهاجرين في إنفاذ البعث بما فيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ، فتملك النبيّ صلى الله عليه وآله و سلم الأسف والأسى ، ولزم الفراش لما به. ثم تحامل على نفسه وخرج الى المسجد معتمدا على علي عليه السلام بيمنى يديه وعلى الفضل بن العباس باليد الأخرى ، وصعد المنبر فذكرّ وحذرّ ، وبشرّ وأنذّر ، ثم نزل وصلى بالناس صلاة خفيفة ، وعاد الى منزله وقدماه تخطاّن الأرض .
     وأستمر به المرض حتى ثقل ، والناس بين ذاهل ومتفجع ، وبين غافل عما يراد به ، وبين جادّ في تخطيط لأمر ما ، وبين مشغول بتمريض النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومتابعة مرضه وعلى رأس هؤلاء علي والعباس وأهل البيت بالاجماع .
     وعند الفجر في تلك الأيام العسيرة يأتي بلال مؤذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند صلاة الصبح ، فينادي : الصلاة الصلاة ، فيؤذن بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيروى أنه قال : مروا من يصلي بالناس فإني مشغول بنفسي ، فقالت عائشة مروا أبا بكر ، وقالت حفصة : مروا عمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

 


83

أكففن فإنكن صويحبات يوسف . ثم خرج الى المسجد ، ووجد أبا بكر قد سبقه الى المحراب ، فأومأ إليه أن تأخر فتأخر ، وقام النبي مقامه وصلى بالناس وقيل : بل أمر أبا بكر بالصلاة ، وقيل : بل أمرت عائشة بصلاة أبي بكر ، ولكن النبي خرج متوكأ على علي والفضل وصلى بالناس دون شك بالإجماع ، فلو أمر معنيا لأجاز صلاته ، ولما خرج في أثره وتقدم عليه ، وصلى بالناس .
     ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى منزله في غاية الجهد والنصب .
     وقد يبدو أن عليا عليه السلام أراد أن يتم ما أراده رسول الله ، فأبدى في تلك اللحظات الحاسمة من مرض رسول الله وهو ممرضه ، أنه معافى أو في طريقه الى ذلك ، فهذا أبو بكر يغادر الى السنح في أطراف المدينة ، وهذا عمر يتولى شؤونا سرية في غاية الدقة ، وهذا أسامة يتلكأ في تنفيذ البعث ، وهذا أبو عبيدة يراقب الحال أولا بأول ، وأولاء بنو أمية يلتفون حول عثمان ، وأولئك الأنصار في سقيفة بني ساعدة قد قدّموا سعد بن عبادة ؛ وبمثل هذا خرج علي عليه السلام من عند الرسول ، فتباشر الناس بسؤاله :
     يا أبا الحسن : كيف خلفتّ رسول الله ؟
     فأجابهم : أصبح بحمد الله بارئا .
     ولكن النبي يستدعي عليا فيخلع خاتمه وحمل سيفه فيقدمهما الى علي عليه السلام في بادرة ذات معنيين : دنو أجله ووصايته الى علي من بعده ويستدعي النبي صلى الله عليه وآله وسلم الشيخين أبا بكر وعمر وجماعة من المسلمين ، ويقول : الم آمركم أن تنفذوا جيش أسامة ؟ قال أبو بكر : إني خرجت ثم رجعت لأجدد بك عهدا .

 


84

وقال عمر : إني لم أخرج لأني لم أخرج لأني لم أحب أن أسأل عنك الركب .
     وهنا أغمي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وارتفع البكاء من منزله ثم أفاق صلى الله عليه وآله وسلم وفي نفسه لواعج من الأسى لا تنفك ، وفي ذهنه ما يخبىء المستقبل لهذه الأمة ، فأراد أن يستوثق من الأمر ، وأن يبلغ ما يجب عليه في تلك اللحظات القصيرة العاتية ، فنظر الى من حوله ثم قال : إئتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا . ثم إغمي عليه ثانية ، وقام من يلتمس ذلك فنهره عمر وأهانه ، وقال فيما يروي المتشدّدون : إن النبي ليهجر ، وقال فيما يروب المتخفّفون : إن النبي قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله .
     أيّ الروايتين كان ؛ فذاك شأن عمر في اندغاعه ، فكثر اللغط واللغو عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتلاوم المسلمون فيما بينهم في إحضار الدواة والكتف أو عدمه ، وقالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ، لقد اشفقنا من خلاف رسول الله . فلما أفاق قال بعضهم ألا نأتيك بدواة وكتف يا رسول الله ، فقال أبعد الذي قلتم ؟ لا . ولكني أوصيكم بأهل بيتي خيرا . وأعرض بوجهه عن القوم فنهضوا .
     قال ابن عباس : إن الرزيّة كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب .
     ويبدو من النص السابق أن رسول الله عرف بوادر الفتنة عند القوم فأراد حسم النزاع ، فلم يتأت له ذلك ، ولو صنعه بعد أن قيل ما قيل ، لما التزموا به ، فأعرض عنه وقال : ولكني أوصيكم بأهل بيتي خيرا ، فأوحى لأهل البيت بأنهم قد أبعدوا عن الأمر ، واكتفى بما قال عن أن يكتب كتابا يضيع ما به هدرا ، ولو كتب لأوصى لمن يقوم مقامه ، ولكن

 


85

القوم شاؤوا غير ذلك ، وهذا أمر يطول الوقوف عنده ، ويكثر الجدل حوله ، ولكني أشرت إليه ملخصا من كتب غير الإمامية .
     ومن البديهي أن ينهض القوم عن النبي وقد أغضبوه وأغاضوه ، ويبقى علي عليه السلام والعباس وأهل بيته خاصة ، ويستوحش العباس لما رأى وما سمع ، فأحب أن يتأكد مستوضحا : فقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله إن يكن هذا الأمر مستّقرا فينا من بعدك فبشّرنا ، وإن كنت تعلم أنا نغلب عليه فأوص بنا ، فقال : أنتم المستضعفون من بعدي وأصمت . فيئس أهل البيت من النبي ، وخرج بنو هاشم ، فأفاق النبي ، وقال : ابعثوا الى علي فادعوه ، فقالت عائشة : لو بعثت الى أبي بكر ، وقالت حفصة : لو بعثت الى عمر فاجتمعوا عنده جميعا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : انصرفوا فإن تك لي حاجة أبعث إليكم .
     وقيل : كان علي لا يفارقه في شدّته هذه إلا لضرورة قصوى ، فخرج لبعض شؤونه فافتقده النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : أدعوا لي أخي وصاحبي ، و عاوده الضعف فأصمت، فقالت عائشة: أدعواله أبابكر، و قالت حفصة أدعوا له عمر ، فدعيا ، ثم قال أدعو لي أخي وصاحبي فقالت أم سلمة : أدعوا علياً فانه لا يريد غيره فحضر الامام ، فأوصاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوصاياه ، وناجاه طويلاً ، ثم قام عنه ، فاغفى رسول الله ، فقال الناس ما الذي أوعز اليك يا أبا الحسن فقال : علمني ألف باب من العلم فتح لي كل باب ألف باب ،ووصاني بما أنا قائم فيه إن شاء الله .
     واستدعى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابنته الصديقة الزهراء عليها السلام وهي في أشد ساعات حزنهاء فأسرّ لها شيئاً لاذت معه ألى البكاء ، ثم أسر لها شيئاً اخر ، بدت و علائم البشر و الغبطة ، في ساعة واحدة جمع للزهراء

 


86

الحزن والفرح ، وظهر عليها الأسى والرضا .
     كان الإسرار الاول من النبي للزهراء : « إن جبريل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة ، وأنه عارضني هذا العام مرتين ، وماأراه إلا قد حضر أجلي»
     وكان من السرار الثاني من النبي للزهراء : « إنك أول أهل بيتي لحوقاً بي ، ونعم السلف أنالك ، ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين»
     فكان كما أخبر ، فقد حضره الموت وعلي إلي جنبه يسنده إلى صدره ، فأمره بتوجيهه نحو القبلة ، و أوعز إليه أن يتولى أمره في الغسل والكفن والصلاة و عدم مفارفته حتى مواراته في قبره ، فنفذ علي عليه السلام ذلك كله ، وكان اخر الناس عهداً به ، كما كان أقرب الناس إليه .
     وتوفي النبي صلى الله عليه و آله و سلم يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر ، أو لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الاول سنة إحدى عشرة من الهجرة .
     ويتضح مما تقدم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أيام مرضه هذا مشفقاً على أمته من الفرقة ، وأنه أراد أن يمهد لقيادة الإمام علي بتنفيذ بعث أسامة ، وأنه قد استقر في داخله ـ با يحاء من الله ، أو بمعاينة مجرى الاحداث ، أوبهما معاً ـ أنه مغلوب على أمره ، وأن التيار القرشي معارض لمرجعية أهل البيت ، فهم المستضعفون من بعده .
     ولا اشك في أنه أوصى علياً با لصبر والاناة ، وأسر أليه بالامر ، وأمره با لتريث و التامل خشية أن يرتدّ العرب ، ويختلط الحابل بالنابل ، ويتلاشى الاسلام .
     لقد فهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل هذا دون ريب ، وفهمه علي كله كذلك ،

 


87

وعمد إلى تنفيذ وصاياه بمعزل عن الائتمار عليه ، ونشطت الجبهه المتصدرة في تسيير عقلية الناس كما تريد ، فقال عمر : إن السول الله ما مات ، ولكنه ذهب ألى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع ..... والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه قد مات .
     والناس هم الناس بين سذاجة وغفلة ، وتصديق وتكذيب ، إلا أن هذا القول من عمر أثرّ أثره الوقتي في الاقل بالناس ، فكما صرفهم عن أمر الصحيفة أولاً ، صرفهم عن الادلاءبشيء أو التفكير بشيء من أمرالاستخلاف ، ما دام النبي لم يمت فيما يزعم ، حتى يحضر أبو بكر من منزله بالسنح ، فلما حضر نادى :
     « يايها الناس من كان يعبد الله فان الله حي لا يموت ، ثم تلا :
     (
وما محمد ألا رسول قد خلت من قبله الرسول إفاين مات أو قتل انقلبتم على اعقبكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شياً ) »
(1)
     فأفاق عمر مما أصطنعه ، وذهبا معاً إلى السقيفه فيما سنعرضه فيما بعد .
     وغسل عليّ عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ومعه الفضل بن العباس وأسامة بن زيد يناولانه الماء من وراء الستر و هما معصوبا العين ، وتولى علي تغسيله وتحنيطه وتكفينه ، فلما فرغ من تجهيزه تقدم فصّلى عليه وحده .
     وكان المسلمون في نزاع فيمن يؤمهم في الصلاة عليه ، وأين يدفن النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا أمر من حضر وفاته من المسلمين ، وأما من لم


(1) سورة عمران ، الاية : 144.


88

يحضر فله شأن غير هذا سنأتي عليه .
     وبينا هم في هذا النزاع إذ خرج إليهم علي عليه السلام وقال : إن رسول الله أمامنا حيا وميتا ، فليدخل عليه فوج بعد فوج منكم فيصلّون عليه بغير إمام ، وإن الله لم يبقض نبياً في مكان إلا وقد إرتضاه لرمسه ، وإني لدافنه في حجرته التي قبض فيها ، فسلّم القول لذلك ورضوا به ، وفعلوه .
     وتولى عليّ والعباس وابنه الفضل وأسامة بن زيد وأوس بن خولّي من الانصار دفنه ، ونزل علي القبر فكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووضع خده الايمن على الارض مستقبلاً بوجهه إلى القبلة على يمينه ، ثم وضع عليه اللبن ، وأهالى عليه التراب ، وربع قبره ، وجعل عليه لبناً ، ورفعنه من الارض قدر شبر ، ورشّ الماء عليه رشاً ، ولم يحضر دفنه أكثر الناس فهم في شغل من أمر الخلافة ، وفات أكثرهم الصلاة عليه .
     ونعته ابنته الزهراء فيما يؤثر عنها : « يا أبتاه ، أجاب رباً دعاه ، يا أبتاه جنة الفردوس ماْواه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ، يا من أبتاه ربه ما أدناه »
     ثم أخذث من تراب القرب الشريف ، ووضعته على عينيها ، وأنشات :

ماذا على من شمّ تربة أحمد صبّت عليّ مصـائب لو أنّها

 

أن لايشم مـدى الزمان غواليا صبّت على الأيام صرنا لياليا

     وأنطلق تأبين علي للنبي في لوعة ومرارة وأسى ، والدموع تسبق عينيه :
     « بأبي أن وأمي ، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من


89

النبوة والأنباء وأخبار السماء ، لولا أنك أمرت بالصبر ، ونهيت عن الجزع لأنفذنا عليك ماء الشؤون ، ولكان الداء مماطلا ، والكمد محالفا ... ولكنه ما لا يملك ردّه ولا يستطاع دفعه ، بأبي أنت وأمي : اذكرنا عند ربك ، واجعلنا من بالك » .
     وهاجت به الأحزان ، وهو يودعه مكّبا على القبر الشريف قائلا : « إن الصبر لجميل إلا عنك يا رسول الله . وإن الجزع لقبيح إلا عليك ، وإن المصاب بك لجليل ، وإنه قبلك ويعدك لجلل » . وأنكفا عليّ راجعا الى بيته ، يعاني أقسى صنوف الآلام ، و يتجرع غصص فراق رسول الله ، فالليل طويل ، والصبر مرير ، والآهات متلاحقة ، والأنفاس متقطعة ، وهو بين ذلك في سهاد وقلق ، وحزن والتياع ، ووحشة إيمّا وحشة يمعن فيها الشعور بالفراغ التام إيمّا إمعان .
     ولكن قلب علي أكبر من كل هذه المصائب وإن جلت وعظمت ، فقد خلق لمهمة أصعب ، وخلّف لقضية أعظم .
     وأسدل الستار على المدينة المنورة في روايتها الحزينة ، فتجاوبت بأصداء الفاجعة سهولها وجبالها ، واهتزت بفادح المصاب ظلالها وأفياؤها ، وسرى النعي في كل مكان ... مات محمد ، مات رسول الله .