(12)
قياده قريش تقتحم السقيفه وتبعد أهل البيت


     كانت قياده قريش ـ لدى احتضار الرسول الكريم ـ إلى ثلاثه من المهاجرين دون بني هاشم : أبي بكر في لينه ودماثته ، وعمر في شدته وغلظته ، وابي عبيدة بن الجراح في تعقله ودهائه ، وكان نجاح بيعة الصّديق يعود إلى هذه الطبائع الثلاث ، مجتمعة ، فما إن يجترح عمر حوباً في شدته حتى يبدده أبو بكر في لينه ، ويدفعه أبو عبيده في دهائه ، وما إن يقترح أبوبكر أمراً في حكمته حتي يحققه عمر في اند فاعه، و ينفذه أبو عبيدة في مرونته ، وما أن يعالج أبو عبيدة مناخاً في تعقله ، حتى يمهّده أبوبكر في يسره ، ويجسده عمر في جراءته .
     هذه خلفيات مختلفة تمتع بها الزعماء الثلاثة ، وعملوا بإيحائها طيله أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإنفاذ جيش أسامة ، إن لم يكن أيام حجة الوداع ، والتصريح بولاية علي عليه السلام آنذاك .
     كانو ياتمرون و يجيلون الرأي و يضمرون التخطيط ، ولم يكن انطلاقهم الحثيث لسقيفه بني ساعدة عن فورة وعجلة ، وانما كان عن تريث وتلبّث ، ولم يحدث ما تنادوا به عن مفاجأة وعفوية ، بل عن دراسة و دراية وترصد ، يشتّد عمر فيهدأه أبوبكر ، ويعنفّه أبو عبيدة ، ويهادن أبو عبيدة ، فيزجره عمر ، ويرفق به أبو بكر ، ويلين أبو بكر فيغضب عمر ويوفّق بينهما أبو عبيدة .


91

سياسة مثلى في حسن التأتي ، وقيادة عليا في المجابهة والتحدي ، وزعامة متأصلة في الأخذ والرّد سلباً و إيجاباً ، في كل ذالك سيل من الوعيد تازة ، وصدام في الاحتجاج تازة أخرى ، تطيّيب للخواطر حيناً ، وإغراء بالوعود حيناً اخر ، يرخى الحبل فيجذب جذباً رفقياً تارة وعنيفاً تارة ، ويتراخى الامر فيشدّ إحكماماً؛ وإبراماً ، حتى انتهى ذلك إلى بيعة أبي بكر فلتةً وقى الله المسلمين شرهاعلى حد تعبيرعمر.
     ولم يمنع حزن أمهات المؤمنين ـ والنبي بعد لمّا يقبرـ من إلانضمام لهذا الفريق ، فقد عملت له عائشه جهاراً ، وقد باركته حفضة إعلاناً و إسراراً ، ولاذ من لاذ بالصمت .
     ولم يكن الانصار بمناى عن هذا التخطيط ، ولا بغفلة عن هذا الترّبص ،وذالك أبان حدوثه و قبل ان ينتهي إلى نتيجة ، بل تناهى إلى سمعهم نية القوم بإبعاد الأمر عن أهل البيت ، وأدركوا أن الأمر لمن غلب أذن ، فاذا لم يكن عليٌّ له فلا باس أن يكون لزعيم من زعماء الانصار ، وهم الذين آووا وحاموا ونصروا...... فاجتمعوا الي رئيسهم سعد بن عبادة من الخزرج في سقيفة بني ساعدة للتداول في أمر الخلافة ، وكان سعد مرشح الأنصار لها ، أو هكذا أريد له أن يكون مع مرضه ، ولم يكن الأفق ناصعاً ، ولا الموقف متسقاً ، وعليهما ضباب من الشبهات ، واتصل الخبر بالمهاجرين ، فطفق الزعماء الثلاثة إلى السقيفة : عمر يهدر ويزمجر ،وأبو بكر يتلاين ويخطط ، وأبو عبيدة يحلل ويراقب .فجأ الزعماء الأنصار في عقر دارهم ، وهمّ عمر بالثورة عليهم والعصف بهم ،فسبقه أبو بكر بالخطاب الهادى ء ، يجرد به الأنصار من إهابهم الفضفاض شيئاً فشيئاً ،حتى يجردّهم منه ، ويطوّح باحلامهم طيفاً فطيفاً حتى جعله غصة في حلوقهم ، ويخفف من

 


92

غلوائهم جزءاً فجزءاً حتى أعادهم من سواء الناس ، ويهدم بناءهم لبنة فلبنة حتى ساوى به الأرض ، وكان ذلك على مراحل دقيقة الحساب.
     في المرحلة الأولى أبان اسبقية المهاجرين فقال :
     « ايها الناس؛ لقد خصّ الله المهاجرين الأولين من قوم رسول الله بتصديقه ، والايمان به ، والصبر معه على شدة أذى قومهم وتكذيبهم ، وكل الناس لهم مخالف ، وعليهم زار ، ولكنهم لم يستو حشوا لقلّه ، وكانوا اول من عبدالله في الارض ، وآمن بالرسول ، هم أولياؤه وعشيرته ، وهم أحق الناس بالامر بعده«
     وقاطعه خطيب الأنصار « أما بعد : فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام ،وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا »
     فبادره أبو بكر هينّاً لينّاً في مرحلة ثانية « أنتم من لا ينكر فضلهم في الدين ، ولا سابقتهم في الإسلام ، رضيكم الله أنصاراً لدينه ورسوله ، وجعل إليكم هجرته ، وفيكم جلّة أزواجه وأصحابه ، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم ، لاتفتاتون بمشورة ، ولاتقضى دونكم الأمور »
     اثنى على الانصار إذن ، وأخرّهم عن المهاجرين ، وجعلهم بمثابة المستشارين ، وبمنزلة الثانويين من الأمر ، ولكن سعداً ردّ عليه :
     » يامعشر الانصار ، لما أراد لكم ربكم الفضلية ساق إليك الكرامة ، وخصّكم بالنعمة ، فرزقكم إلايمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه ، والإعزاز له ولدينه ...... يامعشر الأنصار ، فأستبدوا بهذا الامر دون الناس ، فإنه لكم دون الناس »

 


93

     ولم يتركه أبو بكر ـ في مرحلة ثالثة ـ مسترسلاً بهذا ، وانما عاوده القول ، وجبهه بالرّد ، وألزمه الحجة : « أيها الناس : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ، ولكننا : أول الناس إسلاماً ، وأكرمهم أحساباً ، وأوسطهم داراً ، وإحسنهم وجوهاً ، وأكثرهم ولادة في العرب ، وأمسهم رحماً برسول الله ..... ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش »
     وكأن ابابكر في هذا الردّ يمثل بني هاشم وزعيمهم علياً ، إذ عدّد ما يحتج به الإمام على الأنصار وعلى قريش والمهاجرين معاً ، فقد احتجوا بلغة عليٍّ ، وقد انتصروا بمنطق علي ، لأنه أول الناس إسلاماً ، وأكرمهم أحساباً ، وأعلاهم داراً ، وأصبحهم وجهاً ، وأمسهم برسول الله رحماً .
     و مهما يكن من أمر ، فلم يترك الحباب بن المنذر ابا بكر في استرساله ، وإنما بدره متعصباً لقومه : « يامعشر الانصار إملكو عليكم أمركم ، فإنما الناس في فيئكم وظلالكم ولن يجير مجير على خلافكم، و لن يصدر الناس إلاعن رأيكم ... أنتم أهل العزّ والثروة ، وأولو المنعة والنجدة ، وإنما ينظر الناس ما تصنعون ، فلا تختلفوا فيفسدعليكم رأيكم ، وينتقض أمركم ، أنتم أهل إلايواء واليكم كانت الهجرة ...... وأنتم أصحاب الدار والايمان .... وانتم أعظمم الناس نصيباً في هذا الامر.
     وان أبى القوم فمنّا أمير ، ومنهم امير ».
     وكان هذا أول الوهن والتنازل كما قال سعد بن عبادة . .وقطعه عمر : هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد ، إنه لا

 


94

ترضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم ، و لكن العرب لا تولي هذا الأمر إلا قريشاً ، من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ، ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدّلٌ بباطل ، أو متورّط في هلكة .
     وكان عمر ـ كأبي بكر من ذي قبل ـ في ردّه هذا يرد أن يشرح بني هاشم للأمر ، فهو يحتج على الأنصار بما يصح أن يحتج به بنو هاشم على قريش .
     ولا يدع أبو بكر الفرصة تضيع ، فيعلن في مرحلة أخيرة :
     « منا الأمراء ومنكم الوزراء « .
     فثار الحباب بن المنذر مرة أخرى وقال : « لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه ، فيذهبوا بنصيبكم من الأمر ، فإن أبوا فأجلوهم عن بلادكم ، وولوا عليكم وعليهم من أردتم ، أما والله إن شئتم لنعيدنها جذعة؛ أنا جذيلها المحكك وغديقها المرجّب ». فقال عمر: إذن يقتلك الله. قال الحباب: بل ايّاك يقتل. فتفاقم الأمر، و تداركه أبو عبيدة قائلاً:
     « يا معشر الأنصار : كنتم أول من نصر و آزار ، فلاتكونوا أول من بدّل وغيّر ».
     وكأن النفوس قد هدأت بهذا الخطاب السمح ، فبادرها بشير بن سعد الأنصاري ، وهو من الخزرج ، وكان ينفس على ابن عمه الأمارة : فقال :
     ألا أن محمداً من قريش ، وأن قومه أحقُّ به وأولى ، وأيم الله لا يراني الله أنازعهم في هذا الأمر أبداً ».

 


95

وكان هذا أول النصر للمهاجرين من أنصاري خزرجي يدفعها عن قومه ويضعها في غيره ، وأيده على هذا سيد الأوس أسيد بن خضير ،لعصبية جاهلية حذر معها أن يتم الأمر لسعد فقال : « يا معشر أوس لئن وليتموها سعداً عليكم مرة ،فو الله لا زالت للخزرج بذالك عليكم الفضيلة ».
     وهكذا انشعب الأنصار فيما بينهم ، نتيجة الحقد في الصدور ، والجاهلية في تقدير الأمور ، فكان الفوز بالصفقة للاتجاه القائد ،فانتصر الزعماء الثلاثة فيما قدّروا ،فليبرموا الأمر إذن سريعاً ، ونهض أبو بكر يمسك عمر بيد وأبا عبيدة بيد وهو يقول : « أيها الناس ..... هذا عمر ، وهذا أبو عبيدة ، فأيهما شئتم فبايعوا ».
     ولكن هذا للمجاملة فقط ، ولئلا يقال إنه راغب في الأمر ، وهو خلاف الإتفاق السري فيما بينهم ، لأن أبا بكر مرحشهم سراً ، فكيف يمكن التخلف عنه علناً ، فبدره عمر بالقول ، « بل ابسط يدك يا أبا بكر .... ».
     وسبقه أبو عبيدة : « إنك لأفضل المهاجرين ، وثاني اثنين إذ هما في الغار » . فبايعاه بعد الترشيح الدقيق ، واسرع قبلهما أو بعدهما بالبيعة بشير بن سعد ممثلاً أتباعه الخزرج ، ويدعو أسيد بن خضير أشياعه من الأوس :
     « قوموا فبايعوا أبا بكر ... » ويبايع فريق من الأوس .
     وأذهلت السرعة الفائقة أذهان معارضة الأنصار ، فقام الحباب بن المنذر الى سيفه ليكون حائلا عن البيعة بالقوة ، فينتزع منه السيف ، وجعل يضرب بثوبه وجوههم وقد فرغوا من البيعة ، فقال: فعلتموها يا

 


96

معشر الأنصار ، أما والله لكأني بأبنائكم على باب أبنائهم يسألونهم بأكفهم ، ولا يسقون الماء .
     وكان الأمر كما قال ، فقد حرم الأنصار حرماناً عجيباً ، فلم يكونوا وزراء كما وعدوا ، ولا مستشارين كما أملّوا ، بل انخرطوا في سواد العرب ، وأسدل الستار على جهادهم وجهودهم .
     وامتنع سعد عن البيعة في فريق من قومه ، وطولب بها فقال :
     « لا ولله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي ، وأخضب منكم سنان رمحي ، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي ، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي » .
     فألح عمر على بيعته ، ونصحه بشير بن سعد : أنه قد أبى ولج ، وليس يبايعك حتى يقتل ، وليس بمقتول حتى يقتل ولده وعشيرته، والأوس والخزرج ، فلا تفسدوا على أنفسكم الأمر ، إنما هو رجل واحد ، فتركه عمر الى حين .

 


97

(13)
بيعة أبي بكر ومرجعية الصحابة


     وخرج الجمع المبايع من السقيفة ـ وهم في طريقهم الى المسجد النبوي ـ يهتفون لأبي بكر ، لا يمرّون على أحد إلا أخذوا بيده وأمرّوها بيد أبي بكر ، وكان المستجيبون لذلك قلة ، وكان الممتنعون قلّة أيضا ، ومن أبى تناوله عمر بالدّرة ، أو قرّعه أبو عبيدة بالتعنيف ، أو زجره هذا وذاك بالنصيحة ، وكانت الأغلبية العظمى على الحياد بين رهبة ورغبة ، أو سخط ورضا ، وكان الإنكار الصامت حيناً ، والتأييد الصامت حيناً آخر ، وهكذا كان الناس بعد السقيفة بقليل بين مؤيّد ومفند ومحايد ، مؤيّد يهّلل ويكبّر ، ومفنّد ينكر ويستنكر ، ومحايد بين بين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، وعامة الناس غيات دون حضور ، أو حضور كالغيّاب .
     وكانت طبيعة هذا المناخ أن تفرز مضاعفات عديدة في الأفق السياسي ، فليس الدرب معبداً بالورود كما يقال ، ولا الصفقة هينة لينة ، فهناك بعض الأنصار يهتفون : لا نبايع إلا علياً ، وهناك بعض المهاجرين يمتنعون عن البيعة ، وهناك العباس عم النبي يرشح علياً ، وأبو سفيان يريدها في بني عبد مناف مكيدة أو حمية ، وعليٌّ في نفر من المهاجرين والأنصار لا يبايع ، وهو بعد في شغل عن ذلك بتجهيز الرسول الأغظم ؛ وماذا عسى أن يكون موقفه إذا فرغ من ذلك .
     هذه عقبات في الطريق ، وأشواك في مسيرة البيعة المرتجلة ؛ وهي

 


98

أمور دقيقة الملحظ لم تعزب عن ذهن أبي بكر ، ولم تغرب عن فكر عمر ، ولم تتعد حصافة أبي عبيدة ، ولم يهمهم هذا وذاك ، ولكن هذا الشاخص الماثل علياً ، يشار إليه بالبنان ، فهو وحده العقبة الكأداء ليس غير . ثم هؤلاء جميعاً ما السبيل إلى إقناعهم ، وقد رأوا في البيعة مخالفة للعهد ومجانبة للعقد ، وفي القوم علي عليه السلام ولا يعدل به إلى سواه دون ريب .
     وكان العباس أول المتنبهين لخطر هذا الموضوع ، وأول المبادرين الى علي ، فقد لفته بقوله :
     « يا ابن أخي ، أمدد يدك أبايعك ، فيقول الناس عمّ رسول الله بايع ابن عم رسول الله ، فلا يختلف عليك اثنان ... »
     هذا وجثمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مسجى بين أهله ، فقال علي عليه السلام :
     « لنا برسول الله يا عم شغل » .
     وهذا هو الأمثل من علي في تلك اللحظات .
     وقيل : إن عليا قال :
     « يا عم : وهل يطمع فيها طامع غيري ، قال ستعلم ، فقال : إني لا أحب هذا الأمر من وراء رتاج » .
     ولم يكن علي ليغفل عما يجري من مؤامرات ومؤتمرات ، حتى يجيب عمه بهذا ، وإن صح فإنه كان يريد الأمر على ملأ من الناس علنا لا سراً ، جهاراً لا إسراراً ، وبينما هما كذلك وإذا بالناس يزّفون أبا بكر إلى المسجد كما تزّف العروس كما يقول الرواة وتناهت الأنباء إلى أبي سفيان فجاء يشتد إلى بيت الرسول وهو ينادي بملء فيه :

 


99

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم فما الأمر إلا فيكم وإليكم

 

ولا سيّما تيم بن مرة أو عدي وليس لها إلا أبو حسن عليّ


     ثم نادى صارخاً : يا بني هاشم ، ويا بني عبد مناف : أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل ..... أما والله لو شئتم لأملأنها عليهم خليلاً ورجلاً ، فناداه أمير المؤمنين علي : « ارجع يا أبا سفيان فو الله ما تريد الله بما تقول ، وما زلت تكيد الإسلام وأهله ، ونحن مشاغيل برسول الله ، وعلى كل أمرىء ما اكتسب ، وهو ولي ما احتقب ».
     و كان هذا الرّد خليقاً بعلي عليه السلام ، فلم يغب عن ذاكرته كيد أبي سيفان للاسلام ، و لم ينس حقده على جماعة المسلمين ، وإنه ما إراد وجه الله بذلك ، وإنما أرادها جاهلية محضة ، ولم يكن علي ليخدع بهذا الطراز الخاص من الناس ، من اصحاب الكيد والمطامع ، وزعماء العصبية والانتهازية ، فجبهه بهذا ، ولكن أبا سفيان يستعيد قواه ، ويلتقط أنفاسه ليقول : « يا أبا الحسن : هذا محمد قد مضى إلى ربه ، وهذا تراثه لم يخرج عنكم ، فابسط يديك أبايعك فإنك لها أهلٌ ».
     ويستعجله العباس لقبول الأمر ، ويراها فرصته ، فيتوجه إلى علي :
     « يا ابن أخي ..... هذا شيخ قريش قد أقبل فامدد يدك أبايعك ويبايعك معي ، فإنّا إن با بايعناك لم يختلف عليك أحد من بني عبد مناف ، و إذا بايعك عبد مناف لم تختلف عليك قريش ، واذا بايعتك قريش لم يختلف عليك بعدها أحد في العرب ».
     ويصّرعلي عيله السلام على موقفه « لا والله يا عم ..... فاني أحب أن أصحر بها ، وأكره أن أبايع من وراء رتاج ».

 


100

     وتصل الأخبار لأبي بكر وعمر وأبي عبيدة ، فهم يجيلون النظر في ذالك ، فوجدوا العباس لا يعصي لعلي أمراً ، وعلي يمتنع عن البيعة ، فليتركا أذن ، و عهدا الي يزيد بن ابي سفيان بولاية دمشق ، وأخبر بذلك أبو سفيان فرضي كل الرضا ، وقال : وصلته رحم ، وبايعت بنو أمية ، وأنتهي هذا الجزء اليسير من المعارضة الآنية ، عقل العباس وكياسته ، وانتهازية أبي سفيان ووصوليته ، وكان أبو سفيان قد بعثه النبي ساعياً ، وجبى الأموال ، فقال عمر لأبي بكر : إنا لانأمن شر ابي سفيان فترك له ما في يده من الصدقات فسكت ورضي بذلك ، وأعلن التأييد المطلق . أ ُغلق هذا الباب إذن ، وبقيت جبهة من المعارضة لم تبايع ، وترى الحق فى علي عليه السلام ليس غير .
     فهذا خالد بن سعيد بن العاص من المهاجرين يخاطب أبا بكر وهو على المنبر بكل جراءة وصراحة و موضوعية فيقول : « اتق الله يا أبا بكر ...... فقد علمت أن رسول الله صل الله عليه واله و سلم قال ونحن محتوشوه يوم بني قريظة حين فتح الله ، وقد قتل علي يومئذٍ من صناديدهم ورجالهم .......
     « يا معشر المهاجرين والانصار إني موصيكم بوصية فاحفظوها ، ومودعكم أمراً فاحفظوه ، ألا إن علي بن أبي طالب أميركم بعدي ، وخليفتي فيكم ، بذلك أوصاني ربي ...... ». فأسكته عمر.
     وينطلق سلمان مجاهراً : « يا أبكر : إلى من تسند أمرك إذا نزل بك ما لا تعرفه ، وإلى من تفزع إذا سئلت عما لا تعلمه ، وما عذرك في تقدم من هوا أعلم منك ، وأقرب إلى رسول الله ، وأعلم بتأويل كتاب الله عزّ وجلّ ، وسنّه نبيه ، و من قدّمه النبي في حياته ، وأوصاكم به عند وفاته ، وقد أعذر من أنذر »
 


101

فصمت القوم ، وكأن على رؤوسهم الطير ، وارادوا امتصاص النقمة ، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
     وقام أبوذر في صلابته المعهودة فقال :
     « لقد علمتم وعلم خياركم أن رسول صلى الله عليه واله و سلم قال : الأمر بعدي لعلي ، ثم لابني الحسن والحسين ثم للطاهرين من ذريتي ، فأطعتم الدينا الفانية ، ونسيتم الآخرة الباقية ».
     وقال المقداد : « يا أبا بكر : سلم الأمر لصاحبه الذي هو أولى به منك ».ثم قام بريدة الأسلمي فقال : « إنا لله و إنا أليه راجعون ، ماذا لقي الحق من الباطل ؟ يا أبابكر :أنسيت أم تناسيت ، وخدعت أم خدعتك نفسك ، أولم تذكر ما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه واله و سلم من تسمية علي بإمرة المؤمنين .... ».
     وقال عمار بن ياسر : « يا معاشر قريش ، ويا معاشر المسلمين إن كنتم علمتم وإلا فاعلموا : إن أهل بيت نبيكم أولى به ، وأحق بإرثه ، وأقوم باُمور الدين .... وعليُّ أقرب منكم إلى نبيكم ، وهو بينهم وليكم بعهد الله ورسوله ».
     ثم قال أبي بن كعب : « يا أبا بكر لا تجحد حقاُ جعله الله لغيرك ، ولا تكن أول من عصى رسول الله في وصيّه وصفيّه ، وصدف عن أمره ، أردد الحق الحق إلى أهله تسلم ».
     ثم نهض خزيمة بن ثابت فقال : أيها الناس ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه واله و سلم قبل شهادتي وحدي ولم يرد معي غيري ، قالوا بلى ، قال فاشهدوا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله و سلم يقول : « أهل بيتي يفرقون بين

 


102

الحق والباطل ، وهم الأئمة الذين يقتدى بهم ، وقد قلت ما علمت ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين ».
     وقام أبو الهيثم بن التهيان فقال : وأنا أشهد على نبيناصلى الله عليه واله و سلم أنه أقام علياً يوم غدير خم ، فقالت الأنصار ما أقامه إلا للخلافة ، وقال بعضهم ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان رسول الله مولاه ، وكثر الخوض في ذلك ، فبعثا إلى رسول الله نسأله فقال : « عليُّ ولي المؤمنين بعدي ، وأنصح الناس لاُمتي ».
     وقال سهل بن حنيف الأنصاري : « اشهدوا عليّ أني أشهد على رسول الله في هذا المكان » (الروضة ) وقد أخذ بيد علي بن أبي طالب وهو يقول :
     « أيها الناس علي إمامكم من بعدي ، ووصيي في حياتي وبعد وفاتي ، وقاضي ديني ومنجز وعدي ، واول من يصافحني على حوضي ، فطوبى لمن تبعه ونصره ، والويل لمن تخلف عنه و خذله ».
     وقال عثمان بن حنيف : سمعنا رسول الله صلى الله عليه واله و سلم يقول :« أهل بيتي نجوم الأرض فلا تتقدموهم ، فهم الولاة من بعدي ... » وقال أبو أيوب الانصاري : « اتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيكم ، وأرددوا إليهم حقهم الذي جعل الله لهم ... والنبي يقول :اهل بيتي أئمتكم من بعدي ، ويومي إلى علي ويقول : هذا أمير البررة ، وقاتل الكفرة ، مخذولٌ من خذله ، منصورٌ من نصره ... ».
     ومرّ الاحتجاج على صرامته كأن لم يكن ، وذهب أدراج الرياح ، ويخطيء من يظن أن الامر كان مستوسقاً دون معارضة ، وإجماعياً دون نقض ، ومسلماً به دون اصطدام ، فهذه الأصوات كانت عالية ، وقد بقيت أصداوها إلى اليوم ، وكادت أن تطيح بالأمر لولا إمساكه بيد من

 


103

حديد ، ولم تكن هذه الاصوات وحدها تدوي في الميدان ، بل تطاول غيرها ، فقد كان إجتماع جماعة سراً في فضاء بني بياضة من المهاجرين والأنصار ذا أثر في سير الأحداث ، وفي أثناء ذلك كان بلال مؤذن النبي يقيت هذه الأحداث ناراً ملتهبة ، فقد دعي إلى البيعة وهو مولى أبي بكر من ذي قبل ، فامتنع عنها ، وأخذ عمر بتلابيبه ، وقال له : هذا جزاء أبي بكر منك أن أعتقك فلا تجيء تبايعه ، فقال : إن كان قد أعتقني أبو بكر لله فليدعني لله ، وإن كان أعتقني لغير ذلك فها أنا ذا ، و أما بيعته : فما كنت أبايع من لم يستخلفه رسول الله صلى الله عليه واله و سلم ، والذي استخلفه بيعته في أعناقنا إلى يوم القيامة . فقال عمر : لا أبا لك ، لا تقم معنا ، فارتحل بلال ألى الشام .
     وكان هذا الإنكار مشجعاً للمجتمعين في فضاء بني بياضة في أطراف المدينة ، وكان قد اجتمع هناك : البراء بن عازب ، وعمار بن ياسر ، وحذيفة بن اليمان ، والمقداد بن عمرو ، وأبو الهيثم بن التهيان ، وعبادة بن الصامت ، وسلمان الفارسي وسواهم ممن تخلف عن بيعة أبي بكر ، وهم يرون علياً لا سواه أهلاً للأمر.
     وتكلم عمار بن ياسر في جراءة نادرة : « ما لتيم وهذا الامر ، إنه قد كان لرسول الله ، وهو من بعده في خير الناس بعد رسول الله » يعني علياً عليه السلام . فقال البراء بن عازب « إنّما انتزعه الرجل بخق قريش ، وعاونه صاحباه ، ولكن البيعة ولم يشهدها المهاجرون الأولون فليس لها صحة ».وقال حذيفة بن اليمان : « إن الأنصار لتريد أن تنفض ما كان منها »

 


104

فقال المقداد : « فهذا والله خير ، وليردّن الحق إلى صاحبه ». وتساءل سلمان : « فان أبى الرجل ».
     فقال أبوذر : « فدعوه إنه ليس ولا صاحباه إلا ثلاثة من المهاجرين . والله لا يراني أبدأً أبايع ابن أبي قحافة وفي الناس ابن أبي طالب ».
     وقال عمار : « هذه الأنصار تهم أن تنقض الأمر أمر السقيفة ».
     وكان طلحة بحيث يستمع ما دار بين القوم ، فتطوع بإبلاغه أبا بكر ، وأنذر به عمر ، وسارّ به أبا عبيدة .
     وابتدر القوم إلى المسجد ، فبدأهم عمربقوله :
     « أيها الناس : إن الله قد جمع أمركم على خيركم ، صاحب رسول الله ثاني اثنين إذ هما في الغار » ، فقوموا فبايعوا ، واسترسل أبو بكر في سياسته الوئيدة :
     « أما بعد ، فاني قد وليت عليكم ، ولست بخيرّكم ».
     وكان هذا إيماء أو تصريحاً بافضلية علي فهو نقطة الانطلاق وكان عليٌّ في هذه اللحظة يسوي قبر رسول الله صلى الله عليه واله و سلم بمسحاة في يده ، فقال له رجل عندها :
     إن القوم قد بايعوا أبا بكر ، ووقعت الخذلة للأنصار لا خذلة اختلافهم ، وبدر الطلقاء بالعقد للرجل خوفاً من إدراككم الأمر
(1) .


(1) ظ : في نصوص هذ الفصل كلاً من :
ابن الأثير / الكامل في التاريخ + ابن حجر / الصواعق المحرقة + ابن سعد / الطبقات الكبرى + الصدوق / الأمالي والخصال + ابن أبي الحديد / شرح نهج البلاغة+ =


105

فوضع عليٌّ عليه السلام المسحاة على الأرض ، ويده عليها ، وقال : الم « 1 » احسب الناس ان يتركوا أن يقولوا اءمنا وهم لايفتنون « 2 » ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعمن الكذبين « 3 » ام حسب الذين يعملون السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون . (1)
     فما كان موقفه بعد هذا و هو يستقبل عهد الشيخين .


=
الخطيب البغدادي / تأريخ بغداد + الطبري / المعجم الكبير + الطبري / تأريخ الرسل والملوك + طه حسين / الفتنة الكبرى + ابن عبد البر / الأستيعاب + عبد الفتاح عبد المقصود / الإمام علي بن ابي طالب + عبد الحسين الأميني / الغدير + العقاد / عبقرية الإمام + ابن قتيبة / الإمامة والسيرة + القندوزي / ينابيع المودةّ + المسعودي / مروج الذهب + ابن هشام / السيرة النبوية + الواقدي / المغازي .
(1) سورة العنكبوت ، الآيات : 1 ـ 4 .


106


 

107

الفصل الثاني
علي بين الشيخين وعثمان


1 ـ الانصار تحتجُّ ... وعليٌّ يمسك عن البيعة
2 ـ ظلامة الزهراء في إنعطاف تأريخيٌّ
3 ـ شكوى الزهراء وخطبها يشقّان عنان السماء
4 ـ الثورة المضادة للإسلام ... و أعاصير الردّ َة
5 ـ أبو بكر يقدّس علياً ... ويعهده إلى عمر
6 ـ سيرةُ عمر ... و إتكاؤُهُ على أمير المومنين
7 ـ عمريتناسى علياً ... ويعين مجلس الشورى
8 ـ المسلمون يستقبلون بيعة عثمان بالكراهية
9 ـ سياسة عثمان من الصحابة والمعارضة
10 ـ المسلمون ينقمون على عثمان ... والأمصار تتجمع
11 ـ تفاقم الأمر على عثمان ومصرعه

 


108


 

109

(1)
الانصار تحتج ... وعلي يمسك عن البيعة


     تقول إحدى الروايات أن علياً عليه اسلام قال :
     « إن أول من جرّأ علينا الناس سعد بن عبادة ».
     وهذه الرواية تضع سعداً موضع الإتّهام ، بل وتعدّه منحرفاً عن علي ، وسعد رجل من العرب ، رأى المهاجرين قد أبوا على علي عليه السلام البيعة ، وصرفوها عن بني هاشم ، فلم لا يطلبها لنفسه ، هذا هو التعليل في أكبر الظن . وقد يقال بأنه أرادها لنفسه ظاهراً ليستولي على الأمر فيسلمها إلى علي عليه اسلام وليس على ذلك دليل نصي أو تأريخي سوى حسن الظن في شيخ من شيوخ الأنصار ، وكانت الأنصار عيبة نصح علي ، وهواها مع علي ، أكثريتها وأغلبيتها ، فلما انتهى أمر السقيفة ندمت على ما فعلت ، وتلاومت فيما بينها ، وأرادت نقض بيعة أبي بكر.
     وعلي يرقب الأحداث ويشاهدها عن كثب في فيض من المشاعر الملتهبة ، وغمرة من الشؤون النفسية الجيّاشة ، بين لهفةٍ على ضياع الحق ، وخشيةٍ من اضطراب الأمر ، وقلق من حدوث الفتنة ، فها هم الأنصار يرجعون إلى حلومهم بعد أن طاشت ، ويعودون إلى تعقلهم به دون جدوى ، ويندمون على تفريطهم لات ساعة مندم . فلينظر إلى أين

 


110

تنتهي هذا الرواية ؟ وكيف تمثل فضول المأساة ؟ على أن الندم لم يصنع شيئاً ، و إلا حتجاج لم يغيرّ حدثاًُ ، والتراجع لا ينقض أمراً ، فقد جوبه الأنصار مضافاً إلى القيادة القرشية العليا ، جوبهوا بمسلمة الفتح تذبّ عن مرشح قريش ، فأشغل الأنصار ـ بدهاء منقطع النظير ـ بمسلمة الفتح ، واندمج بنو اُميه في رحاب البيعة التي أبعدت بني هاشم أعداءْ هم التقليديين ، وعطفت بنو زهرة عنانها مع تيم ، فما ينفع نداء الأنصار في آخرة ، وما أعذروا من ذي قبل ... إنه صيحة في وادٍ ، ونفخة في رماد، فهذا سهيل بن عمرو صاحبهم في الحديبية يدعو في نخوة : « يا أهل مكة ... كنتم آخر من أسلم في الناس ، فلا تكونوا أول من ارتد من الناس؛ يا أهل مكة . والله ليتمن الله عليكم هذا الأمر كما قال رسول الله ، و من رابنا ضربنا عنقه ».
     قال ذلك لأهل مكة عامة ، والتفت لقريش وقال لها خاصة ، وقد شاهد الأنصار يحاولون التغيير ، وكان التفاته هذا مزدوجا في ردوده ، ففيه إحكام للأمر دون تردد ، وفيه وعيد للأنصار دون رحمة ، وفيه أمر بالقتال بلا هوادة :
     « يا معشر قريش : إن هؤلاء الناس قد دعوا إلى أنفسهم ، وإلى علي بن أبي طالب ، وعليّ في بيته لو شاء لردّهم ، ألا فادعوهم إلى صاحبكم والى تجديد بيعته ، فإن أجابوكم وإلاّ فأقتلوهم ، فوالله إني لأرجو الله أن ينصركم عليهم كما نصرتم بهم » . وتبعه عكرمة بن أبي جهل « لولا قول رسول الله : الأئمة من قريش ما أنكرنا إمرة الأنصار، إعذروا القوم فإن أبو فاقتلوهم » .
     فالدعوتان تشيران إلى القتل والإبادة ، وكيف تكون الفتنة إذن ?
 


111

وفصل القول الحارث بن هشام المخزومي :
     « أيها الناس : إن يكن الأنصار قد تبوأوا الدار والإيمان من قبل ، ونقلوا رسول الله الى دورهم من دورنا فآووا ونصروا ، فإنهم قد لهجوا بأمر أن تبثوا عليه فإنهم قد خرجوا مما وسموا به ، وليس بيننا وبينهم معاتبة إلا السيف » .
     واستيقظ الأنصار من غفوتهم ، وإذا في قبالهم هذا النفر من مسلمة الفتح ، لا أكفاؤهم من قريش ، فسقط في أيديهم ، وذهبت احتجاجاتهم هباء ، غضبوا حين لا ينفع العضب ، وتصرفوا ساعة لا يجدي التصرف . فألطف لهم القول ثابت بن قيس :
     « يا معشر الأنصار ؛ إنما كان يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهل الدين من قريش » .
     ولكن أهل الدين من قريش قلة واية قلة ، فهذا خالد بن سعيد بن العاص ، أمير رسول الله على إلىمن ، وهو من هذه القلة النادرة التي توجهت الى علي فقالت : « يا بني عبد مناف ... طبتم نفسا عن أمركم يليه غيركم » .
     قال له علي عليه السلام : « يا خالد : هذا أمرنا أبت قريش أن تؤتيناه » .
     فأسترجع خالد قائلا :
     « يا ويح قريش ... وهل في الناس أحد أولى بمقام محمد منك » وكان موقف خالد فريداً ومتميزاً ، ألقاه مرتين : مرة أمام أبي بكر في المسجد ، وأخرى بين يدي علي في بيت رسول الله ، وهل وجد علي أمثال خالد إلا بضعة نفر ن لو ضحّى فيهم لضحّى بالإسلام كله ، وها هو

 


112

يرى هذا التناقض العجيب ، وهذا التهافت البغيض على الأمر ، فما كان صانعاً ؟
     كان على أمير المؤمنين أن يحدد موقعه ثابتاً من عدة مواقف طرحها المناخ السياسي عليه :
     1 ـ أن يبايع لأبي بكر دون قيد أو شرط ، و ينفض يده من الأمر ، فيريح ويستريح .
     2 ـ أن يحتج على البيعة ، ويدعو إلى نفسه بما معه ومن معه من بني هاشم والعدد الضئيل من الأنصار ، وأصابع إلىد من المهاجرين ، وإن سفكت الدماء وارتدّ الناس .
     3 ـ أن يصبر ويتجرع مرارة الصبر ،ويقف موقفاً وسطاً بين ذلك، يحتّجُ ويناظر ، ويمسك عن البيعة ، مطالباً بحقه الذي يراه ، والمنصوص عليه ، متوسلاً إلى ذلك بالذرائع السلمية ، فإن فاز بشيء منها فبها ، وإلا فقد أعذر ، حفظا للإسلام ، وحقناً للدماء ، وتألفاً للقلوب ، وبقيا على الأمة .
     وما كان علي ليقف في الموقع الأول من هذه الخيارات ، وهو يرى نفسه الأحق بالخلافة ، والأولى بالبيعة ، وما خلق ليريح الناس في مجالدة الباطل ، ولا ليسترح في ظل الأمن والدعة .
     وما كان لعلي أن يدخل معركة خاسرة يفرّق فيها كلمة المسلمين، فيقوم بالسيف ، والردّة على الأبواب ، والناس حديثو عهد بالإسلام، والجاهلية ألصق بالنفوس وأقرب إلىها من حبل الوريد ، ولا أن يخاطر بهذه القلة الخيرة التي امتنعت عن البيعة تحرجاً وتأثماً ، فتذهب دولة الإسلام ، لا عن ضعف في النفس أو خور في الطبيعة ، ولكن إيقاءً

 


113

للحال من الزوال ، وتريثاً في الأمر عن صلابة ، ولعله يشير إلى ذلك : « ويح الناس ... إن أقُلْ يقولوا حرص على الملك ، وإن أسكت يقولوا جزع من الموت ، أما والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه » .
     إذن لم يكن موقفه هذا عن تلكؤ وتردد بل عن روية ويقين .
     بعد هذا نجد موقفه خليقاً بأن يتحدد بالإمساك عن البيعة ولو إلى حين ، وبيان مقامه وأحقيّته ، وعرض ظلامته ومظلوميته ، سليماً . وهذا ما حدث بالضبط ، إذ لم يجد ناصراً حقيقياً يضحّي ـ بما فيه الكفاية ـ من أجل القيم ، فلا أقل من أن يقف موقفاً صارماً حتى يعذر أمام ربه ونفسه وعارفي منزلته . وكان جديراً بعلي أن يقف هذا الموقف ، فهو مأمور بالصبر ، وهو مأمور بالعمل معاً . ويريد هذا الموقف أن المعارضة الأنصارية ذهبت إلى أمير المؤمنين تستشيره وتستثيره ، قالوا :
     تركت أمراً أنت أحق به وأولى ، ولقد هممنا أن نصير إلى أبي بكر فننزله عن المنبر . فقال : لو فعلتم ذلك لما كنتم إلا حرباً ، ولو فعلتم ذلك لأتوني ؛ فقالوا : بايع وإلا قتلناك ، وإن رسول الله أوعز إلى قبل وفاته ، وقال : يا أبا الحسن إن الأمة ستغدر بك من بعدي ، فقلت يا رسول الله : فما تعهد إلى إذا كان كذلك ، فقال : إذا وجدت أعواناً فجاهدهم ، وإن لم تجد أعواناً فكفّ يدك ، واحقن دمك .
     ولقد كفّ علي يده ، ولكنه لم يكفّ لسانه عن المحاججة ، ولا ضميره عن الرفض ، حتى أعذر ، فلقد بلغه احتجاج أبي بكر على الأنصار كون النبي من قريش ، فقال : « إ ِحتجوا بالشجرة ، وأضاعوا الثمرة » .

 


114


     وحجّه بهذا وسواه بما حج به خصومه ، وألزمه بما ألزمهم ، وقال : « أنا أحق منكم بهذا الأمر لا أبايعكم ، وأنتم أولى بالبيعة لي نخن أولى برسول الله حياً وميتاً » .
     كان هذا في مسجد رسول الله ، وعمر متأهب للوثوب عليه ، قائلا للإمام : لستَ متروكاً حتى تبايع ، فقال علي :
     « إحلب حلبا لك شطره ، وشدّه إلىوم يرده عليك غدا ؛ والله يا عمر : لا أقبل قولك ولا أبايعه »
     ووقف عمر باهتا أمام هذا الإصرار ؛ فبدر أبو بكر الى عمر قائلا ، وقد تأزم الموقف وازداد تحرجا « فإن لم تبايع فلا أكرهك » .
     وانتهز الفرصة أبو عبيدة ؛ وهو يتطامن لعلي ، ويتواضع إلىه ، ليّن العريكة ، هادىء الطبع ، متناغم اللفظ : « يا ابن عم : إنك حديث السن ، وهؤلاء مشيخة قومك ليس لك مثل تجربتهم ، وإنك إن تعش فأنت لهذا الأمر خليق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك » .
     وقد أبلغ أبو عبيدة في مراده ، وبذل غاية جهده ، وبالغ في الثاني واختيار اللفظ المناسب للمعنى المناسب ، عسى أن يؤثر هذا الأ ُسلوب الجديد بعلي ، أو يثني من عزمه ، ولكن عليا أنقى فكراً ، وأصفى ذهناً من أن ينطلي عليه هذا الملحظ ، فغضب وسرد الحقيقة المرّة التي سمعها أبو عبيدة فانهارت أعصابه ، وتهاوت أحلامه ، فعلي يجبهه مصارحا :
     « الله الله يا معشر المهاجرين ... تخرجون سلطان محمد في العرب من داره وقعر بيته ، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس ، فوالله

 


115

لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت ، ونحن أحق بهذا الأمر منكم ؛ ما دام فينا القارىء لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله ، المضطلع بأمر الرعيه ، الدافع عنهم الاُمور السيئه ، القاسم بينهم بالسوّية ».
     وكان علي بهذا يعني نفسه ويشير إلى ملحظين :
     الاول : انه من اهل البيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً .
     الثاني : أنه المرشح للاضطلاع بالمسؤولية ، لما يحمله بين جنبيه من تتبع لكتاب الله قراءة ومعرفة وتأويلاً ، وما يتمتع به من علم وفقه وسنّة ، و ما يضطلع به من أمر الرعيّة، في الذبّ عنها في الضرّاء، و السرّاء ، والعدل فيها عند الشدة والرخاء . ثم يؤكد هذا لأبي عبيدة محذرّاً :
     « وإنه والله لفينا يا أبا عبيدة ، إنه لفينا فلا، تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله ، وتزدادوا عن الحق بعداً ».
     لقد بلغ التأثر عند علي حداً لا يطاق معه السكوت ، فعاود الاحتجاج موكداً ، وأكده مردداً في هذه الإشارات الدقيقة التي استمعها أبو عبيدة ذاهلاً؛ ولكن بشير بن سعد الأنصاري استمعها متأثراً بها ، وهو الذي مهّد لأبي بكر من الخزج ، فما ملك نفسه أن يقول : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلفت عليك ، وكلام بشير حجة عليه هو نفسه ، فهل يُجهل مقام علي لديه حتى يستظل بهذه المعاذير التي لا تخفى على من له ادنى دراية بشوؤن الناس ومتضيات الأحوال .

 


116


     وتنهاهى هذا الإحتجاج إلى الأنصار في لحظته ، فكثر فيما بينها الأخذ والرد ، وهتفت لعلى من جديد : لا نبايع إلا علياً ، ولكن هذا كان بعد فوات الاوان ، وعند تفاقم الأمر ، وبدرهم عبد الرحمن بن عوف موارباً في كلامه ، متناسياً ما هتفوا به : « يا معشر الأنصار ....... إنكم وإن كنتم أولي فضل ونصر وسابقة ، ولكن ليس فيكم مثل أبي بكر ولا عمر ولا علي ولا أبي عبيدة ».
     وهو بهذا يدير الكلام دوران الرحى على قطب سواه ؛ ولكن زيد بن ارقم يدريك هذا المنحى ، ويجرد القول على وجهه :
     « اننا لا ننكر فضل من ذكرت ياعبد الرحمن ، وإن منا لسيد الأنصار سعد بن عبادة ، ومن أمر الله أن يقرأه السلام وأن يؤخذ عنه القرآن اُبيّ بن كعب ، ومن يجيء يوم القيامة أمام العلماء معاذبن جبل، و من أمضي رسول الله شهادته بشهادة رجلين وهو خزيمة بن ثابث ، وإنا لنعلم إن من بين من ذكرت من قريش من لو طلب الخلافة لم ينازعه فيها أحد وهو علي بن أبي طالب ».
     كان هذا كلّه ينتهي لأمير المومنين علي ويجيل الفكر فيه ، ولكنه يكره الخلاف ، ويرى الصبر على الضميم اجدى عائدية ، فهو لا يريد الخلافة لنفسها ، ولكنه يريدها للإسلام ، هي وسيلة لتطبيق قانون السماء في الأرض .
     ويلجأ عليٌّ آخر الأمر إلى طريق اُخرى تنجلي مغلقةً أمامه تماماً ، ولكنه يسلكها إلقاءً للحجة ، فيستقبل الليل مستنصراً تلكم الفتية من الأنصار الذين تلمكهم الاسي ، واستطارت بهم اللهفة ، واستبدّ بهم الأسف ، وإلى جنبه ابنة محمد فاطمة الزهراء ، يطلب الحق ، ويستعدي

 


117

على الباطل من عسى أن يستجيب ، ولم تكن الاستجابة إلا معاذير وآهات ، ولم تجد النصره إلا خذلاناً وإعضماضاً ، فكانت جموع الأنصار تجيب بلسان واحد ، متجهة إلى الزهراء :
     « يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهاذا الرجل ، ولو أن ابن عمك سبق إلىنا ماعندلنا به ».
     وتغصّ الزهراء بريقها ، ويجيبهم عليٌّ :
     « أفكنت أدعُ رسول الله في بيته لم أدفنه ، ثم أخرج اُنازع الناس سلطانه ».
     وتنتهي الزهراء إلى النتائج هذه لا تجد ناصراً ، ولا تلمس موازرأً ، بل تجد لائمة دون روّية ، فتصدع بالنهاية : « ما صنع والله ابو الحسن إلا ما كان ينبغي له ....... وقد صنعوا ما الله حسيبهم عليه ».
     وكان ماسبق من اختلاف بعض الأنصار إلى علي ، ومحاججة علي بحقه ، وتلاوم بعض الناس في شأن علي ، واجتماع بعض المهاجرين والأنصار في فضاء بني بياضة ، واحتجاج جملة من الصحابة على أبي بكر في مسجد رسول الله ، واستنصار علي بالزهراء للأنصار؛ كان كل ذلك مبرراً سياسياً لأن يشدد الشيخان القبضة على الحكم ، وأن يلجئا إلى القوة والعنف .
     وكان عليٌّ في الزهراء ، وقد لجأ إليها سلمان وعمار والمقداد، أبوذر والزبير وسواهم من بني هاشم ، وطائفة من الأنصار تصابحهم وتماسيهم ، متألبة حيناً ، ونادمة حيناً آخر ، وكان الإحساس بشيء من الخطر يدبّ إلى نفس الشيخين ، فليحسما هذا الموضوع ، وأقبل عمر في شدته ، ومعه جملة من الاعوان في طليعتهم أسيد بن حضير زعيم

 


118

الأاوس ، وقنفد مولى عمر ، ولفيف من مسلمة الفتح ، واقتحموا دار فاطمة بنت محمد ، ولوحوا « بالنار » لا حراق البيت على من فيه ، إن لم يخرج عليٌّ فيبايع ، وعمر ينادي ـ فيما يزعم ابن قتيبة ـ :
     « والله لتخرجن من الدار إلى البيعة أو لأخرقنها على من فيها ، فيقال له : إن في الدار فاطمة بنت رسول الله ، فيقول : وإن كانت فيها ». ولا أستطيع بيان ما جرى في هذه اللحظات الثائرة ، ولكني أدعه للزهراء : « يا أبت يا رسول الله ....... ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة » .
     و تناهى صوتها إلى الجمع ، فبكوا لبكائها ، و تفرقوا عن بيتها ، إلا عمر بزعم ابن قتيبة ، فإنه أقم ، وأخرج علياً ، وذهب به وجماعة إلى المسجد بين يدي أبي بكر؛ وقال عمر : يا علي بايع ، فقال: وإن لم أفعل ، قالوا إذن تقتل ، قال : تقتلون عبد الله وأخاً لرسوله ، قال عمر : أما عبد الله فنعم ، وأما أخاً لرسول الله فلا ، و أبو بكر ساكت ؟ فقال له عمر : ألا تأمر فيه بامرك ، قال : لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمه إلى جنبه .
     فلحق عليٌّ بقبر رسول الله قائلاً : « يا ابن أم : إن القوم استضعفوني ، وكادوا يقتلونني ».