(5)
أبو بكر يـقـدّس عـلـياً ... ويعهد إلى عمر !!


     كان أبو بكر (رض) يطيل النظر في وجه عليّ عليه السلام ، فسئل عن سر ذلك ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : « النظر إلى وجه عليّ عبادة » .
     ليت شعري ؛ فهل استشف أبو بكر الغيب ليستقرئ مغزى ما يرويه ، فإذا كان النظر إلى وجه عليّ عبادة ، فالنظر في هديه وسيرته عبادة أيضاً ، والنظر في عدله واستقامته عبادة كذلك ، والتطلع إلى رأيه وفكره عبادة دون شك ، وما وجه علي إلا صورة من لحم ودم وعصب وشرائح وغضون ، فلماذا أضحى عبادة ؟ وما السر في ذلك ؟ النظر إلى هذا الوجه عبادة لما انطوى في أسراره من معرفة الله تعالى ، ولما ضم بين جنبتيه من أسارير تنقبض وتنبسط في ذات الله ؛ وعليٌّ نفس رسول الله ، فوجه علي وجه رسول الله ، ولا ريب أن النظر في وجه رسول الله عبادة وأية عبادة ، فهو علة الإيجاد ، وجمال الكون ، يتلألأ بنور الله ، ويشرق بجلال الله ، ويرضى لرضا الله ، ويغضب لغضب الله ، فعاد تكوينه مرتبطاً بالفيض الإلهي سروراً وحزناً ، ومستشعراً لإرادة الله حباً وإعراضاً ، والوجه الصالح على هذا يكشف عن الضمير الصالح ، والنظر إليه إمعان في زيادة الصلاح والإصلاح ، والتطلع لمعالمه تطلع في مناهج الحق ومراتب اليقين ، وهكذا كان النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وهكذا ورثه علي في خصائصه الكبرى .

 


153

     ليت شعري !! هل أفاد أبو بكر (رض) من هذا ، وجعله ميزاناً بينه وبين المسلمين ، أم هي العواطف الخالصة التي لا تتبع بالقول عملاً ، ولا تثني النظر بالاقتداء ، وأبو بكر الراوي : قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الهجرة ونحن خارجان من الغار نريد المدينة : « كفي وكف علي في العدل سواء » .
     فهل استجلى أبو بكر من ذلك في الأقل ضرورة مشاركته الحكم ، وأساسه العدل ، إن لم يُسلم إليه الحكم كله ؛ وَلِمَ إستأثر بقيادة الأمة دونه ، وبقي علي عليه السلام جليس الدار ، أو حليف المساقاة ، لا يضع ولا يرفع ، والمسلمون بمشهد وبمسمع .
     أنكتفي من أبي بكر وهو الفطن الحاذق ، والرجل المجرّب الحصيف ، أن يروي هذا الحديث ونظراءه ، دون الاقتفاء لأثره وهو يقود الجماعة الإسلامية ، ويسوس الدولة العربية ، وعليّ دونه كل أمر وكل نهي ، وكأنه رجل من سواد الناس .
     وليت أبا بكر (رض) إذ أطال النظر في وجه علي عليه السلام قد أطال النظر إلى قلب عليّ من وراء حجاب رقيق ، فاستشعر ذلك الألم الدفين في ذلك القلب الكبير ، وليته سبر أغوار هذا الجرح العميق فغير وبدل وجامل حاور وناظر عسى أن ينتزع هذا الحزن من ذلك القلب ، ولكنه أصر على تجاهل هذه الحقيقة الصارخة ، وغض النظر عن هذا الملحظ الدقيق طيلة خلافته ، فبقي الشجا في نفس علي ، وغص عليّ بريق الأسى ، ينظرون في وجهه ولا يترسمون خطاه ، ويطيلون النظر إليه ولا يستمعون لأنينه ، وهو في عزلة يرى تراثه نهباً ، وكفاءته لا يفاد منها ، وكأنه متاع رخيص في زوايا البيت الحافل بأغلى النفائس .

 


154

     وكان ما لحقه من حيف وحرمان وتجاهل ، وما تجرعه من لوعة ومرارة وكمد ، حرياً بأن يؤلب الرجل ويثير مكامن حزازته ، أو يتجلى ذلك في ثورة عارمة في سيرته ، ولكنه أخلد إلى المسالمة ، واتسم بنقاء النفس وصفاء النية ، بل ذهب إلى أكثر من هذا فقد كان الناصح الأمين ، والمشير الورع ، وهذا لا ينافي كونه صابراً محتسباً ، أو مظلوماً مهتضماً .
     حتى إذا تدهورت صحة أبي بكر ، وأشرف على الموت ، وإذا به يروغ عن علي عليه السلام وكأنه لم يكن ، ويتركه جانباً وكأنه لم يخلق ، ويصحر بسياسته دون مجاملة ، ويفصح عن رأيه دون ستار من عرفان المصالح العليا فتزاد آلام الرجل ويعبر عنها بقوله مستغرباً :
     « فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشد ما تشطرا ضرعيها ، فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ، ويخشن مسها ، ويكثر العثر فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة ، إن أشنق لها خرم ، وإن أسلس لها تقحم ، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس ، وتلون وإعتراض ، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة » .
     وإذا بأبي بكر يعهد إلى عمر مفصحاً :
     « أيها الناس : أترضون بمن أستخلف عليكم ؟ إني والله ما ألوت من جهد في الرأي ، ولا وليت ذا قرابة ، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب . فاسمعوا له وأطيعوا » .
     وكانت بادرة تستدعي العجب ، ومفاجأة تستأهل التساؤل ، ليس على الطبقة الواعية لحقيقة المجريات ، ولكن لقول أبي بكر نفسه حينما

 


155

قال قبلها بقليل : « لوددت أني كنت سألت رسول الله ، عن هذا الأمر فلا يتنازعه أحد » .
     فهلاّ استشار أحداً ، وهلا سأل علياً مثلاً ؛ نعم دعا إليه عبد الرحمن بن عوف فأدلى برأيه في عمر ، فقال : « هو والله أفضل من رأيك فيه ولكن فيه غلظة .
     ودعا عثمان فسأله عن عمر فقال : « إن سريرته خير من علانيته » فقال أبو بكر : « لو كنت مستخلفاً أحداً غير عمر لاستخلفتك يا عثمان » . وهي إشارة ذكية أن سيأتيك الدور يا عثمان ، ومد عثمان لها عينيه ، وأصغى بأذنيه ، وصر عليها صراً ، فهي بارقة أمل عريض .
     وعهد أبو بكر إلى عمر فيما كتبه عثمان وأقره عليه حينما غشيه الموت .
     « أما بعد فإني قد استخلفت عليكم ابن الخطاب » .
     ودخل على أبي بكر طلحة في تلك الحال فجبهه بقوله : « ما أنت قائل لربك غداً ، وقد وليت علينا فظاً غليظاً ، تفرق منه النفوس ، وتنفض عنه القلوب » .
     فزجره أبو بكر زجراً عنيفاً . وتم استخلاف عمر ، وتناهى الخبر إلى علي ، وتجدد المصاب عليه ، وعاوده الحيف الجديد فما وهن عزمه في ذات الله ، ولا فوجئ بهذه النتيجة فهو يتوقعها ويدري خطتها في رؤية واضحة .
     وكان الإجحاف الذي لحق بعليّ هذه المرة منظماً ، فما كان لأبي بكر ليعدو عمر في شأن الخلافة ، وما كان لعلي أن يطمع بها ـ وهو الزاهد ـ بوجود عمر ، فأبو بكر وعمر فرسا رهان ، إن كبا أحدهما نهض

 


156

الآخر ، وقد مات أبو بكر فولي عمر ، فما كان من علي إلا أن سمع وأطاع ، ونصح للإسلام بكل ما استطاع ، وإن حجز في بيته ، واستسلم لوحدته ، فصبر على هذا كله ، بل على أكثر من هذا كله .
     قام عمر بالأمر جريئاً شديداً قوياً ، ولكنه لم ينس فضل هذا الرجل المغلوب على أمره ، ولم يجهل مقامه وإن تجاهله ، فقد قال لابن عباس :
     « ما أرى صاحبك إلا مظلوماً » .
     فأجابه ابن عباس بذكاء : « فأردد إليه ظلامته » .
     فعدل عمر عن الجواب ، ولجأ إلى التعليل القديم ، والسبب التافه :
     « ما أظن القوم منعهم منه إلا أنهم استصغروه » .
     وأصغى ابن عباس للعلة فما وجدها تنهض بشيء ، فأضاف إليها أخرى : « أتدري يا ابن عباس ما منع منكم الناس » .
     وبقي ابن عباس صامتاً ينتظر ما يدلي به داهية العرب :
     « كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة ، فتجحفوا الناس جحفاً ، فنظرت لأنفسها فاختارت ، ووفقت فأصابت » .
     بهت ابن عباس لهذا التصريح ، فالمسألة إذن مسألة جاهلية ، والقضية على هذا الأساس قضية عنصرية قبلية ، فقريش تكره اجتماع النبوة والخلافة في بيت واحد ، والهاشميون يجحفون بالناس ، ومتى أجحف بنو هاشم بالنبوة ، ـ إن كان باستطاعتهم الإجحاف ـ حتى يجحفوا بالإمامة ، وهل هذا وذاك من المناصب التي تتحكم بها قريش

 


157

أو بنو هاشم ، حجج لا تقوم على أساس متين ، ومعاذير لا تستند إلى ركن وثيق . وهل لقريش أن تنظر لنفسها وتختار ، والقرآن يصرح :
     (
وَرَبُّكَ يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ )
(1) .
     ولو انصاعت قريش لما اختاره الله لوفقت وأصابت ، ولكنها السياسة الدقيقة التي أحكمت الرتاج ، وأغلقت الأبواب ، وألقت من شاءت وما شاءت ومتى شاءت وراء الأسوار .
     ولو أبصرت قريش رشدها يوماً لنظرت إلى علي عليه السلام نظرة فاحصة محققة لتجده ، أول القوم إسلاماً ، وأقدمهم إيماناً ، وأكثرهم غناء عن الإسلام ، وأعظمهم دفاعاً عن الدين ، وأثبتهم يقيناً بالله ، وأخشنهم نفساً في ذات الله ، وأحوطهم لنفسه وللمسلمين ، وأنصحهم لله ولرسوله ، وأفضلهم سابقة ، وأقومهم عوداً ، وأرفعهم منزلة ، أعلاهم درجة ، وأرسخهم شجرة ، وأينعهم ثمرة ، وأبلغهم منطقاً ، وأفصحهم كلاماً ، وأشدهم ساعداً ، وأثبتهم جناناً ، وأكفأهم مراساً في الحروب ، وأسبقهم حضوراً في المشاهد ، وأقلهم متاعاً في الدنيا ، وأكثرهم رغبة في الآخرة . فإذا أضفت لذلك العلم في الكتاب والسنة ، والحلم في السياسة والرعية ، والصبر على المكاره والشدائد ، والحزم في الملمات والنوازل ، والورع لدى الشبهات ، والمسارعة إلى الخير ، والإتباع لسنن العدل ، والإقتفاء لأثر الرسول ، والرفق بالضعفاء ، والعطف على الفقراء ، والشدة على أعداء الله ، والرحمة بأولياء الله ، والسبق لما يرضي الله ، لوجدت الإمامة بحاجة إليه ، والخلافة ينبغي أن تسعى إليه ، فبه تزان ، وعليه تنعقد ، وفيه تُشَرّفُ .
     كل هذا لم ينظر إليه في علي عليه السلام ، بل ما شاؤوا أن ينظروا


(1) سورة القصص ، الآية : 68 .


158

إليه ، ولو نظروا لما عدته القيادة إلى سواه ، ولكن هذا هو منطق الحق ، والحق شديد لا تسيغه الذائقة السياسية ، ولا يقره منطق الأثرة والإستبداد .
     وليت ما حدث يكتفى به وحده ، بل تعداه إلى ما هو أدهى وأمر ، وأشق عنتاً ، وأمض عسراً ، فلم تطلق لعلي حريته ، يتصرف أنى شاء ، ويتحرك كما يريد ، بل فرضت عليه الإقامة الجبرية في المدينة لا يتجاوز رحابها ، ولا يتعدى حدودها ، كما فرضت على سواه من شيوخ المهاجرين والأنصار ، فما برحوا مدينة الرسول ، ولا تخطوا جدرانها عسى أن يطمع أحد بهم ، أو يرغب بهم راغب ، فهم أهل السابقة ، وهم أهل الطموح فيما أوصى به أبو بكر عمر :
     « احذر هؤلاء النفر من أصحاب رسول الله ، الذين انتفخت أوداجهم وطمحت أبصارهم » فكان المنفذ الصارم ، والقائم الرادع ، والآخذ بالحجز والحلاقيم إذ يقول :
     « إني قائم دون شعب الحرة ، آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار » . فاستماحه بعض المهاجرين والأنصار الجهاد في سبيل الله ، والإنسلال إلى الثغور ، وقد كثرت الفتوح ، وتدافعت البعوث ، إيذاناً بنصر الله وفتحه ، فقال جوابه التقليدي الرتيب لمن أراد ذلك : « أقعد ... قد كان في غزوك مع رسول الله ما يبلغك ، وخيرٌ لك من الغزو اليوم أن لا ترى الدنيا ولا تراك » .
     فكان الحجز المدني مواكباً للحجر العسكري ، وكلاهما سلاحان نافذان في صد طماح القوم في التحرر من الإقامة في المدينة ، والإبقاء عليهم تحت السيطرة الفعلية ، فكان لهم بالمخنق ـ كما يقال ـ ووقف بالمرصاد .

 


159

     ولم يكن عليّ عليه السلام بمنأى عن هذا الإجراء ، بل هو أول من نُفِذّ بحقه هذا النظام الجديد ، وإذا منع علي عليه السلام من الحركة والحرية فمن يستطيع إذن بعده من البوح عما في نفسه ، ومن يقوى على التفكير في الخروج من هذه الدائرة المحكمة الأقفال .
     القوة والصراحة تصاحبهما الدقة والمحاسبة ، من أوليات التعبير السياسي لدى الحاكم الجديد ، فكل شيء بقدر ، وكل خطوة بحذر ، شاء المقابل أم أبى .
     هنالك أدرك بعض قريش أن قريشاً ما اختارت لنفسها ، ولكنها اختارت لهواها ، ولو اختارت لنفسها حقاً لوفقت وأصابت ، ولكنها اختارت لهواها ، فأوكلت إلى الهوى ، يتحكم بها أنى يشاء .
     وما كان لعلي عليه السلام أن يقابل عمر بشيء من العصيان ، ولا يجدر به أن يشاركه بشيء من الحطام ، ولا كان مما يناسبه أن يشعره بشيء من المنافسة ، فهو أكبر من ذلك ، وكان الخليق به وبمقامه الرفيع ما صنعه من محايدة ومجاملة ومعاونة ، وما أبداه من ائتمان عند الاستشارة ، والصراحة عند السؤال ، والتجاوب المطلق لادارة الصالح من الشؤون ، فكان دوره في عصره دور الناصح الشفيق ، والمفتي الفقيه ، والقاضي العادل ، والمستشار المؤتمن فيما ستلمسه قريباً .

 


160

(6)
سيرة عمر ... واتكاؤه على أمير المؤمنين


     تسلّم عمر (رض) أزمة الحكم ، وسار بالأمة سيراً عنيفاً يتسم بالشدة والصرامة ، وقد يوسم بالقسوة وعدم المبالاة ، وكانت درّته تقوّم الأود ، وصيحته تهدّأ الهرج ، وغضبته تبدد الهوس ، وبشدته هذه ، ودفعته في التفكير إستقام له السلطان ، وانقادت له الرجال طائعة ومكرهة ، وما عليه أن لا يكون كذلك ، وهو الخبير بحقائق الأشياء ، ومن ذا يعترض مسيرته ، وقد اتكأ على عليّ عليه السلام حيناً في علمه وفقهه وقضائه ، وعلى ابن عباس حيناً آخر في تجربته وتأويله وأدبه ، وللناس ظاهر الحال ، منه الأمر وعليهم الطاعة .
     ولم يكن للخليفة الجديد مندوحة يتخلى فيها عن علي في اللحظات الشائكة ، ولم يكن له منه بد في المشاهد الحرجة ، وهو أعلم بعواطف الناس تجاه علي عليه السلام تجلةً ومنزلة واحتراماً ، وهو أدرى بما تضم جوانح الإمام من علم فياض ، وفقه غزير ، ودراية متكاملة ؛ وهو زعيم بأن علياً لا يحيد عن الحق طرفة عين أبداً ؛ كان يعرف هذا كله ، ويعرف ما هو أكثر من هذا كله ، فليكن علي ـ إذن ـ المستشار الأول للخليفة ، وبصورة ظاهرية إن لم تكن واقعية ؛ وقد اتضح ميله الشديد لعلي ، وبدا تقريبه إليه واضحاً ، وحضوته السياسية عنده أثيرة ، وانجلت السحب الكثيفة في سماء العلاقات الجافة شيئاً فشيئاً ، واتصل بحبل من
 


161

بني هاشم كاد أن يقطع ، اوشك على الإنفصام ، ولكنه يستمسك بطرف يمتد إلى زعيم الهاشميين ، ويستلهم من حكمته وأصالته ما يدير به دفة الحكم بأناة وروية ، وقطعت صيحة عمر كل صوت ، واسكتت مقولته كل خطيب ، إذ يلتفت إلى جمهور الصحابة واثقاً قائلاً :
     « لا يفتين أحدكم في المسجد وعلي حاضر » وتقتصر الفتوى على علي عليه السلام .
     وتتواكب المسائل المعقدة ، وديوان الخلافة في غير أهبة لمجابهتها ، فيحكم فيها حيناً بغير ما أنزل الله ، ويتجافى بها المجيبون سنن الصواب ، فيتداركها عليُّ بما انطوى عليه صدره من علم ، فيصرخ عمر بصيحته الثانية :
     « لولا عليّ لهلك عمر » ويكررها في أكثر من عشرين مرة .
     وتتوسع رقعة الدولة الإسلامية ، وتترامى أقطار السلطان ، وتنهال الرسائل من كل صوب وحدب لا يعلم متأخرها من متقدمها ، وتكتب الصكوك ولا يعرف تأريخها ، وتدوّن المعاملات ولا يفهم أوانها ، وتبرم المعاهدات ولا يميز أمدها ، فيحتاج المسلمون إلى أن يؤرخوا ، وتختلف الآراء ، ويضطرب الصحابة بين أخذ ورد :
     التأريخ زمن الاسكندر .
     التأريخ بمولد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم .
     التأريخ بالبعثة النبوية .
     وإذا بعلي يشير : نؤرخ من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أرض الشرك ، فإنه أظهر من المولد والمبعث .

 


162

     وإذا بعمر يطلق صرخته الثالثة : « لا زلت موفقاً يا أبا الحسن » .
     ويجري المال والفيء بحراً بين يدي عمر ، ولا يدري ما يصنع في جملته ، وقد يحول عليه الحول ، فيبعث إلى علي يستشيره في ذلك ، فيشير عليه بما تمليه العدالة الاجتماعية من جهة ، وبما تفرضه أمانة الأمة من جهة أخرى ، فيقول له عليّ عليه السلام : « تقسم ما يرد من الأموال ، حتى إذا حال الحول لم يبق في بيت المال درهم ولا دينار إلا ذهب إلى مستحقه » .
     ويفعل عمر بعض هذا ، ويجتهد في بعضه الآخر .
     ويضاعف سعد بن مالك الصدقة على نصارى الجزيرة ويبعث بأعيانهم إلى عمر ، فيقول لهم عمر : « أدوا الجزية وانطلقوا » وتأبى نفوسهم هذا ، فيتلافى عليّ الموقف ، ويقول لعمر : « ألم يضعف سعد بن مالك عليهم الصدقة » فيقول عمر : « بلى قد فعل » فيشير عليّ بالاكتفاء بهذا ، فيترك عمر القوم ؛ وكان من تفكيرهم الفرار إلى الروم لولا هذا الحل المنطقي ، فهم يدفعون الجزية فعلاً ولكن بعنوان آخر .
     وجيء لعمر بامرأة ولدت لستة أشهر ، فاعتقد عمر (رض) بها الزنا ، فأمر برجمها ، فجبهه عليّ عليه السلام : لا تفعل ، فلو خاصمتك بكتاب الله لخصمتك . إن الله تعالى يقول : (
وَحملهُ وفِصالهُ ثَلاثونَ شَهراً حتى إذا بَلغَ أشُدهُ وَبلغَ أربعينَ سَنةَ قالَ رَبِ أوزعني أن أشكرَ نعمتكَ التي أنعمتَ عَليَّ وعَلى وَالديَّ وأن أعملَ صَالحا ترضاهُ وأصلِح لي في ذُريتي إني تبتُ إليكَ وإني منَ المسلمينَ )
(1) .


(1) سورة الأحقاف ، الآية : 15 .


163

     ويقول : ( وَالوالِداتُ يُرضِعنَ أَولادَهنَّ حَولَينِ كَامِلينِ لِمَن أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعةَ ) (1) .
     فإذا تممت المرأة الرضاعة ، وكان حمله وفصاله ثلاثين شهراً ، كان الحمل ستة أشهر .
     وكان هذا حكم الله من كتاب الله ، فكررها عمر قائلاً :
     « لولا عليّ لهلك عمر » وأضاف إليها وفي مجالات آخر :
     « لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن » .
     ونزلت بعمر نازلة قام لها وقعد ـ كما يروي ذلك ابن أبي الحديد ـ فقال عمر لمن عنده : ما تقولون في هذا الأمر ، فقالوا أنت المفزع مقضب وقال : (
يأَيُّها الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَولاً سَدِيداً )
(2) أما والله إني وإياكم لنعلم ابن بجدتها والخبير بإدارتها ، فقالوا : كأنك أردت علي بن أبي طالب ؛ فقال : وأنى يعدل بي عنه وهل طفحت حرة بمثله ؟ قالوا فلو دعوته يا أمير المؤمنين : فقال : هيهات إن هناك شمخاً من هاشم ، وإثرة من علم ، ولحمة من رسول الله ، إن علياً يؤتى ولا يأتي ، فامضوا بنا إليه ، فمضوا نحوه ، فألفوه في حائط له عليه تبّان ، وهو يركل مسحاته ويقرأ : ( أَيحسبُ الإنسنُ أَن يُتركَ سُدى ) (3) ودموعه تنهمل على خديه ، فأجهش الناس لبكاءه وسأله ابن الخطاب عن تلك الواقعة ، فأجاب علي ، فقال عمر :
     « أما والله لقد أرادك الحق ، ولكن أبى قومك » .


(1) سورة البقرة ، الآية : 233 .
(2) سورة الأحزاب ، الآية : 70 .
(3) سورة القيامة ، الآية : 36 .


164

     فقال علي عليه السلام : خَفضّ عليك . من هنا ومن هنا :
     (
إنَّ يَومَ الفَصلِ كَانَ مِيقَـتا )
(1) .
     فوضع عمر إحدى يديه على الأخرى وأطرق إلى الأرض ، كأنما ينظر في رماد .
     وكما نصح عليّ عليه السلام لعمر (رض) من موقعه القيادي ، فقد أبان عمر منزلته في غير موضع ، وتحدث عن فضله بأكثر من حقيقة ؛ فقد روى ابن أبي الحديد عن أبي بكر الأنباري : أن علياً جلس إلى عمر في المسجد ، فلما قام من مجلسه ؛ عرض بعضهم به ونسبه إلى التيه والعجب ، فقال له عمر :
     وحق لمثله أن يتيه ، والله لولا سبقه لما قام عمود الإسلام ، وهو بعد أقضى الأمة ، وذو سابقتها وشرفها ، فقال له الرجل : ما دام كذلك فما منعكم عنه ؟ قال : كرهناه لحداثة سنه ، وحبه لبني عبد المطلب .
     ولم يكن عليّ عليه السلام حدث السن ، فقد تجاوز الثلاثين من عمره عند وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحنكته التجارب والمواقف ، وجعلت منه قائداً ألمعياً في الظروف الصعبة الشاقة ، ولم يكن محباً لبني عبد المطلب بالشكل الذي يخرجه من الحق ، فقد روى الصحابة أجمعهم قول الرسول :
     « علي مع الحق والحق مع علي » وقد وجدنا سيرته مع بني هاشم عند توليه الخلافة كسيرته مع غيرهم عدلاً وإنصافاً .
     وكان عمر يكرر هذين الملحظين في علي عليه السلام ، فهّلا كرر الأول بأمرة أسامة بن زيد على شيوخ المهاجرين والأنصار ، وهو دون


(1) سورة النبأ ، الآية : 17 .


165

العشرين ، وكان عمر يخاطبه بالأمير ؛ وهلا كرر الثاني عند ترشيحه لعثمان في حبه لبني أمية ، وإيثارهم في كل شيء ، وهلاّ حاذر على المسلمين من ذلك . ولكن عمر لم يكن جاداً فيما قال ، بل كان سياسياً حاذقاً يبرم الأمر إبراماً ، ويشده شداً وثيقاً ، وهو القائل لابن عباس مراراً وتكراراً في علي : « ما أرى ـ يا ابن عباس ـ صاحبك إلا مظلوماً » .
     قال ابن عباس فأردد إليه ظلامته يا أمير المؤمنين ، فقال :
     هيهات يا ابن عباس . قالها دون تعليل !!
     ولكن عمر قد يدافع عن وجهة النظر لديه ، ويعاتب من يدعي ظلم عليّ عليه السلام ، فقد قال لابن عباس وكان لصيقاً به :
     « إني قد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به » .
     فقال ابن عباس : ما هو يا أمير المؤمنين ... ، فقال عمر :
     « بلغني أنك لا تزال تقول : أخذ هذا الأمر منا حسداً وظلماً » .
     فقال ابن عباس : « نعم حسداً ، وقد حسد إبليس آدم فأخرجه من الجنة ؛ ونعم ظلماً ؛ وإنك لتعلم صاحب الحق من هو ؛ ألم تحتج العرب على العجم بحق رسول الله ؟ وأحتجت قريش على سائر العرب بحق رسول الله ؛ فنحن أحق برسول الله من سائر قريش » .
     ولم يكن عمر ليجهل هذه الحقيقة ، ولم يكن له أن ينكرها ، ولكنه يعود إلى أن القوم كرهوا من عليّ حداثة سنه ، وما هو قريب إلى ذلك ، مما لا يشكل إقناعاً ، ولا يعد جواباً ، وإذا أجاب عمر فمن ذا يعترض ، ومن ذا يغير وهو القوي المطاع .

 


166

     وقد يعلل عمر (رض) هذا بغيره ، لسميره ورفيق خلواته عبد الله بن عباس ، فقد قال له يوماً :
     يا عبد الله ما تقول في منع قومكم منكم ؟ فقال ابن عباس : لا أعلم ، فقال عمر : « اللهم اغفر ... إن قومكم كرهوا أن تجتمع لكم النبوة والخلافة ، فتذهبون في السماء بذخاً وشمخاً . إن قومكم لينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره يا عبد الله » .
     ولقائل أن يقول لعمر : كيف اجتمعت النبوة والخلافة عندك في الشورى ؟ وإن بني هاشم لم يذهبوا بالنبوة بذخاً وشمخاً حتى يذهبوا لذلك بالخلافة ، وأن هذا المنطق ليس من الدين في شيء ، أما أن العرب ينظرون إلى علي عليه السلام نظر الثور إلى جازره ففيه كثير من الصواب ، لأن علياً أقام أودهم بسيفه ، وضربهم به حتى قالوا : لا إله إلا الله ، ولكن الحق خلاف هذا فعليّ حملهم على الإسلام ، وإذا آمن العرب بذلك عدوه منقذاً لهم ، إلا أن نخوة الجاهلية بعد لم تزل ، والإيمان لما يستقر في القلوب ، فكأن عمر نظر إلى أحلام العرب في جاهليتهم .
     ولم يكن علي عليه السلام بمنأى عن هذه اللذعات ، ولا بعيداً عن أمثال هذه المناجاة ، فقد كانت تصل إليه أولاً بأول ، ولا يعير لها اهتماماً كثيراً لأنها مما يتعلل به ليس غير ، ولا سبيل إلى إقتناعه بها لعلمه بمغزاها وفحواها ، فما وجد في نفسه على شيء ، ولا أسف على أمر ، لأنه يرى الخلافة وسيلة لا غاية ، وسيلة إلى إقامة حكم الله وسنة نبيه بين الخلائق ، لا غاية إلى سلطان وإثرة واستعلاء ؛ وهنا تتجلى نقطة الافتراق في التفكير ، لذلك ما ترك نصحه لولاة الأمور ، ولا تجاوز مقدوره في مراعاة الأحوال ، لأن في ذلك رعاية لحق الإسلام ، وصيانة

 


167

لأمر المسلمين ، وإيذاناً ؛ باستقرار المناخ السياسي والعسكري ، ومن أبرز مظاهر هذا النصح حينما استشاره عمر في حرب القادسية ، فقد كان من رأي عمر أن يشخص بنفسه لذلك ، فنهاه عليّ عن هذا الرأي ، وثنى عزيمته عنه ، لأنه زعيم العرب ، وسيوجه الفرس قوتهم في درئه واستئصال شأفته ، فأشار عليه بالمرابطة في المدينة ، وتولي قيادة الجيش من هناك ، وتولية من يشاء توليته لامارة الجيش المقاتل ، وإعداد المسلمين لذلك أهبة وسلاحاً ، وهكذا كان ؛ إذ امتثل عمر ذلك ونفذه بدقة .
     وعاد علي عليه السلام قريباً من عمر (رض) في مجلسه وقيادته ، يستشيره ويدنيه ويفضله ، بل عاد كبير مستشاريه عند كل نازلة حتى ظن الناس أنه سيوليه ويعهد إليه من بعده ، ولكن سير الأحداث كان مخيباً لهذا الظن كما سترى ذلك بعد قليل .

 


168

(7)
عمر يتناسى علياً ... ويعيّن مجلس الشورى


     ما عرف عن عمر (رض) أنه كان شديداً مع علي عليه السلام مع عنفه وشدته ، بل كان رقيقاً رفيقاً به ، حتى ذهب المسلمون كل مذهب في ذلك ، لا يختلف معه في أمر ، ولا يعدو رأيه في إشارة ، ولا يأنف أن يجلس منه مجلس المستفيد ، ولا يسمح لأحد أن يتطاول بحضوره ؛ وكان هذا المناخ الدافئ بين علي وعمر يوحي بأن لعمر رأياً خاصاً بعلي لا يتعداه إلى سواه ، حتى طفحت نفسه ذات يوم وقال :
     « لقد أجمعت أن أولي عليكم أحراكم أن يحملكم على الحق » .
     وسارت الأيام وهي تحمل بين طياتها المفاجأت الغريبة ، وإذا بكعب الأحبار يدخل مسرح التنبؤات المثيرة ، وعمر في عنفوان صحته وتكامل بنيته الجسمية والعقلية ، وإذا بكعب يتوجه إليه بقوله : اعهد عهدك يا أمير المؤمنين ، فإنك مقتول بعد ثلاثة أيام ، فقال له عمر : وما يدريك بذلك ، فقال أجده في كتاب الله : التوراة ، فسخر منه عمر ، وقال : إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة ؟ فقال : اللهم لا ، ولكني أجد صفتك وحليتك .
     ومضى عمر لشؤونه غير ملتفت لهذا التنبؤ لم يصدق ولم يكذبه ، وهو بعد قوي الشكيمة ، موفور العافية سليم البدن ؛ إلا أن

 


169

عبد الرحمن بن أبي بكر يرى الهرمزان وأبا لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة ، وجفينة غلام سعد بن أبي وقاص يتشاورون وبينهم خنجر له رأسان ، وكان تشاور ثلاثة من الأعاجم ومعهم سلاح جديد مما يثير الشبهة في حدود كثيرة .
     ومهما يكن من شيء فقد قتل عمر صبيحة ليلة الاجتماع بالسلاح نفسه مما حدا بعبيد الله بن عمر ان يقتل الهرمزان وجفينة وطفلة لأبي لؤلؤة بعد علمه بالنبأ دون تمحيص أو دراسة .
     ولم يكن كعب الأحبار بمنأى عن التهمة بالتخطيط لهذا المصرع كما يبدو ذلك للباحث الموضوعي ، فهي مؤامرة فارسية يهودية دون أدنى شك ، ولعلها باشتراك من أولئك النفر الذين تقوضت مصالحهم بشدة عمر ، كعمرو بن العاص ، والغيرة بن شعبة الذي درأ عنه عمر حد الزنا بشهادة زياد ابن أبيه المنقوصة ، حتى أن عمر نفسه كان يخاطب المغيرة مراراً وتكراراً :
     والله ما أظن أن أبا بكرة قد كذب عليك ، وما رأيتك إلا وظننت أن نجوم السماء سترجمني وأبو بكرة أخ زياد لأمه ، وقد شهد عليه بالزنا هو وأخوه نافع وشبل بن معبد .
     والمغيرة مشهور بالزنا والغدر ، فما يمنعه أن يغدر بعمر عن طريق غلامه ، وجفينة غلام سعد بن أبي وقاص أعجمي وهو من منفذي الجريمة ، وسعد كان سيئ الرأي بعمر ، وهو نجل الأمويين من جهة الأم ، فما المانع أن يستطيل حياة عمر ليتسلم الأمويون الحكم ؛ ولا أشك باندفاع جماعة من قريش وراء الحادث كأبي سفيان للغرض نفسه ، وأن يكون هذا العمل بقيادة كعب الأحبار الذي بدا ناصحاً متنبئاً شفيقاً في سلاح ذي حدين : الظهور بمظهر العالم بالغيب ، والإفادة لدى من

 


170

يلي عمر من الخلفاء ، وقد كان الأمر كذلك ، فأدناه عثمان ، واحتل الصدارة في ديوانه ، والمنزلة الرفيعة لدى الأمويين كائداً ودساساً .
     ومهما يكن من أمر ، فقد طعن أبو لؤلؤة غلام المغيرة عمر بن الخطاب ، وحمل الرجل إلى المنزل وبه ست طعنات مميتة ، وهو واهن العزم منهد القوى ، والتفت إلى ولده عبد الله : اخرج وانظر من قتلني ، فخرج وعاد « قتلك أبو لؤلؤة غلام المغيرة » فقال عمر : « الحمد لله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل سجد لله سجدة واحدة » .
     و عم المدينة صمت رهيب ، فقد تدانى أجل عمر ، وانتهى في اليوم الثالث كما خطط كعب الأحبار والطبقة الارستقراطية من قريش ، على يد فارسي مجوسي ، وقبيل وفاته التفت عمر إلى من حوله وقال :
     « لو كان أبو عبيدة حياً لاستخلفته ، وقلت لربي لو سألني : لقد سمعت نبيك يقول : إنه أمين هذه الأمة . ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حياً لاستخلفته ، وقلت لربي لو سألني : لقد سمعت نبيك يقول : إن سالماً شديد الحب لرسول الله » .
     وتناسى عمر قوله : إن الخلافة في قريش ، فكيف يعهد لسالم مولى أبي حذيفة وهو مولى ، وتناسى بأمانة أبي عبيدة أن علياً أمين هذه الأمة ، وأن علياً شديد الحب لله ولرسوله ، وقد اجتمعت به صفة ما وصف به الرجلين أضف لها مئات الصفات الكريمة الأخرى ، وتناسى علياً في ثباته وصلابته ، وعلمه وفقهه ، وعدله وصرامته ، وجهاده وسابقته ، وزهده وورعه ، ولكن السياسية القرشية رسم لها إقصاء علي إلا لماماً .
 


171

ورهقه الناس وهو في صحوة بعد غشية : لو عهدت يا أمير المؤمنين ؛ فرفع عينيه مشيراً إلى عليّ :
     « قد كنت أجمعت بعد مقالتي أن أولي أمركم رجلاً أحراكم أن يحملكم على الحق » .
     وتهامس الناس من حوله أن عمر سيولي علياً ، ولكن عمر استدرك :
     « لقد رهقتني غشية ، فرأيت رجلاً دخل جنة ، فجعل يقطف كل غضة ويانعة ، فيضمها إليه ويصيرها تحته ، فخفت أن أتحملها حياً وميتاً » .
     وتأول الأمر بصرف الأمر عن علي عليه السلام لرؤيا تصدق وتكذب ، وخشي أن يتحملها حياً وميتاً وهو القائل : « والذي بعث محمداً بالحق ، لو أن جملاً هلك ضياعاً بشط الفرات لخشيت أن أسأل عنه » .
     ولكن عمر تحملها حياً وميتاً ، وقال : « إن رسول الله مات وهو راضٍ عن هؤلاء الستة من قريش : علي وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاص ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وقد رأيت أن أجعلها شورى بينهم ليختاروا لأنفسهم » .
     ولكن عمر رسم معالم الخلافة من بعده ، بل عينها وشدد القبضة عليها ، وقال لمن حوله : « ما أظن إلا أن يلي أحد هذين الرجلين : علي أو عثمان ، فإن ولي عثمان فرجل فيه لين ، وإن ولي علي ففيه دعابةٌ ، وأحرِ به أن يحملهم على طريق الحق » .
     فما منعه إذن أن يختار الرجل الذي يحملهم على الحق بشهادته ومعرفته . وحق لعلي عليه السلام أن يحتج على هذه المقارنة غير العادلة

 


172

فيقول : « فيا الله وللشورى ؟ متى اعترض الريب فيّ مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر » .
     وخرج أصحاب الشورى من عمر وكل يرى نفسه أهلاً للخلافة ، إلا أمير المؤمنين فقد أدرك أن عمر نص على عثمان ، وأن الشورى صورية ، وأنه تخطيط مسبق محكم واعٍ لا يفوته شيء ؛ والطريف أن عمر لم يترك الأمر على سجيته بل أحكمه إحكاماً ، وأبرمه إبراماً ، واستدعى إليه أبا طلحة وهو في لحظاته الأخيرة ؛ وقال : « يا أبا طلحة إذا عدتم من حفرتي فكن في خمسين رجلاً من الأنصار حاملي سيوفكم ، وخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله ، واجمعهم في بيت واحد ، وقف بأصحابك على باب البيت ، ليتشاوروا ويختاروا واحداً منهم ، فإن إتفق خمسة وأبى واحد فاضرب عنقه ، وإن إتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب عنقيهما ، وإن إتفق ثلاثة فانظر الثلاثة الذي فيهم عبد الرحمن بن عوف وارجع إلى ما إتفقوا عليه ، فإن أصر الثلاثة على خلافهم فاضرب أعناقهم ، وإن مضى الستة ولم يتفقوا على أمر فاضرب أعناق الستة ، ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم » .
     واضح أن عمر منح لنفسه صلاحيات لم يسبق إليها ، فقد جعل عبد الرحمن بن عوف رئيساً لمجلس الشورى هذا ، وقد أناط الانتخاب برأيه وموافقته ، ولغيرنا أن يسأل : كيف يأمر عمر بقتل من مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عنهم راضٍ .
     وعلم العباس بن عبد المطلب بالأمر ، وتناهت إليه الأنباء فقال لعلي عليه السلام : « يا ابن أخي : لا تدخل معهم ، وأرفع نفسك عنهم » .
     فما كان من علي إلا أن أجابه جواب الحكيم الصابر : « إني يا عم أكره الخلاف » .

 


173

     وتنفس عمه الصعداء ، وقال بلهجة الواثق العارف بحقيقة الأمر : « إذن ترى ما تكره » .
     وكان علي رفيقاً لا يريد العنف ، ورحيماً لم يشأ الخلاف ، يتلفت وراء الغيب ليرى ما يحاك ضدّه ، غير بعيد عن حقد قريش عليه ، ولا استهانتها به ، ولا تأمرها الصريح تجاهه ، وقد رسخ بذهنه بادئ ذي بدء أن الأمر بينه وبين عثمان ، أو بين عثمان وعبد الرحمن ، وأن كفتهما هي الراجحة لا شك في هذا عنده ، وقد أشار بهذا لعمه العباس : « سعد لا يخالف ابن عمه عبد الرحمن وعبد الرحمن صهر لعثمان لا يختلفون ، فيوليها عبد الرحمن عثمان ، أو يوليها عثمان عبد الرحمن » .
     وكان عبد الله بن عباس قد تنبه لهذا المدرك والتفت إلى علي عليه السلام « أقال عمر : إن رضي ثلاثة منكم رجلاً منهم ، ورضي ثلاثة رجلاً منهم ، فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف » . فقيل له : نعم ؛ فقال ابن عباس :
     « قد ذهب الأمر منا » .
     ونهاه ابن عباس عن الدخول في الشورى ، فقال علي عليه السلام : « ولكني أدخل في الشورى لأن عمر قد أهلني الآن للخلافة ، وكان من قبل يقول : إن النبوة والخلافة في بيت واحد لا يجتمعان ، وأردت أن أظهر أن روايته تناقض فعله » .
     وكان الأمر كذلك فرواية عمر قد ناقضت فعله ووصيته ، ولكنه ابتعد بها عن علي واشتط عنه ، بيد أن علياً أجال فكره فيما تحدث به عمر عندما حدد هؤلاء الستة ، إذ قيل له : « قل لنا يا عمر مقالة تستدل فيها برأيك ونقتدي به » .

 


174

فأجاب برواية ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : « والله ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلا شدتك وغلظتك مع أنك رجل حرب ، وما يمنعني منك يا عبد الرحمن إلا أنك فرعون هذه الأمة ، وما يمنعني منك يا زبير إلا أنك مؤمن الرضا كافر الغضب ، وما يمنعني من طلحة إلا نخوته وكبره ، ولو وليها وضع خاتمه في إصبع امرأته ، وما يمنعني منك يا عثمان إلا عصيتك وحبك قومك وأهلك ، وما يمنعني منك يا عليّ إلا حرصك عليها ، وإنك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحق المبين والصراط المستقيم » .
     أضف إلى هذا فقد كان الخيار المدني مع علي حباً وهوى ، فالمدينة تجلّ علياً وتبجلّه ، والأنصار أعضاد علي وأولياؤه ، فعسى أن يكون الأمر لصالحه ولو اعتباطاً ، فهو يحملهم على المحجة البيضاء كما يرى عمر ، وهو إمام أهل المدينة كما يرى الأنصار ، بقيت القيادة القرشية والتخطيط العمري المتين في استبعاده عنها ، وهما مؤشران سلبيان أزاء مؤشرين إيجابيين ، فما عليه إلا أن يرضخ للأمر القائم من جهة ، وأن يتطلب الحق الضائع من جهة أخرى ، إكمالاً للحجة فيريح ويستريح لا أكثر ولا أقل .
     ومات عمر ، ودفن إلى جنب صاحبه أبي بكر ، واجتمع أهل الشورى ، واشرأبت أعناق المسلمين للنظام الجديد الذي استنه عمر ، فقد فوض أمر الأمة إلى ثلاثة من ستة ، وأعطى رئاسة ذلك إلى واحد من ثلاثة ، وهو مبتكر لهذا النظام ، وقد أحكمه إحكاماً فريداً ، وعين به عثمان تعييناً ؛ ولم يغب هذا الملحظ عن عين علي لحظة ، ولا عن العباس وولده ، ولا عن المقربين لعلي مدنيين ومهاجرين ، ولم يترك علي الفرصة إن سميت هذه الرؤية فرصة ، وقد اهتبلها كما ينبغي لمثله

 


175

أن يصنع ، فأدلى بحجته لدى اجتماع أهل الشورى ، وأوضح مؤهلاته ومميزاته ليجعلهم على بصيرة وجلية ، احتياطاً لدينه ، وإعذاراً لضميره ، ورغبة بمسايرة الحق ملتزماً له ، لا منافسة في سلطان ، ولا تعلقاً بشيء من الحطام ، فجبه أهل الشورى ببيان موقعه من النبي ، ومشاركته له في جملة الخصائص المميزة ، ومتابعة الحق الشريد ، فإما أن يعطى فيأخذه ، وما أن يمنع فيطلبه ، وإما أن يصبر على المحنة ، امتد المدى أو طال السرى ، وقال :
     « الحمد لله الذي بعث محمداً منا نبياً ، وبعثه إلينا رسولاً ، فنحن بيت النبوة ، ومعدن الحكمة ، وأمان أهل الأرض ، ونجاة لمن طلب ، لنا حق إن نعطه نأخذه ، وإن نمنعه نركب أعجاز الإبل ولو طال السرى ... ولن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم » .
     قال علي عليه السلام قوله هذا ، وكأن على رؤوس القوم الطير ، فلم يسمعوا شيئاً مما أراد ، ولم يعوا حقيقة ما تفوه به ، بلى قد سمعوا بآذان غير صاغية ، وعرفوا الحقيقة بقلوب غير واعية ، فحذرهم معاوداً ، وكرر الحجة مردداً ، وقال : « إسمعوا كلامي ، وعوا منطقي ، عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا الجمع تنتضى فيه السيوف ، وتخان فيه العهود ، حتى تكونوا جماعة ، ويكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة ، وشيعة لأهل الجهالة » .
     وكانت صيحة في وادٍ ، وكان رد الفعل الفوري على ذلك أن وهب طلحة ـ على رواية ـ حقه لعثمان ، فقابله الزبير عصبية ووهب حقه لعلي ، ومال سعد لابن عمه عبد الرحمن فوهب حقه المزعوم له ، وبقي علي وعثمان وعبد الرحمن في الميدان ، فأبتدر عبد الرحمن قائلاً لهما : أيكما يخرج منها للآخر فلم يجيبا بزعم الراوي ، وأخرج نفسه على أن

 


176

يجعلها في أفضلهما فيما زعم ، وعرض عليهما أن يتولاها أحدهما شرط أن يؤثر الحق ، ولا يتبع الهوى .
     وخلا عبد الرحمن بسعد وابن أخته المسوّر بن مخرمة وكان هواء مع علي ، وجميعهم من بني زهرة ، فأراد عليّ عليه السلام أن يكسب سعداً إلى جانبه ، وهو على علم بنيّة عبد الرحمن مجانبة له ، فالتفت إلى سعد وقال : « يا سعد : اتق الله الذي تسألون به والأرحام ، أسألك برحم ابني هذا من رسول الله ، ورحم عمي الحمزة منك ، أن لا تكون ظهيراً لعبد الرحمن » . والتفت إلى عبد الرحمن محذراً له من الهوى ، وقال : « إعطني موثقاً لتؤثرن الحق ، ولا تتبع الهوى ، ولا تخص ذا رحم ، ولا تألوا الأمة » .
     فأجاب عبد الرحمن : « بل على ميثاق الله » .
     ولم يكن الأمر كذلك ، فقد بيت عبد الرحمن أمراً إتبع به هواه ، وكانت الفرصة لديه مواتية أن يكون من الصالحين ، فيؤثر أمير المؤمنين بولاية الحق ، ولكنها الأهواء التي تبتعد عن الصواب ، والعصبية التي لا تلتزم السداد ، فقد استدعى عبد الرحمن علياً وعثمان ، بعد أن اشتد الأمر ، وتنازع المسلمون ، وتعصب الأمويون لعثمان ، وهتف الهاشميون والأنصار باسم علي ، وكثر اللغط من هنا وهناك ، فالتفت من قال لعبد الرحمن : انتهِ من الأمر قبل أن يتقاتل المسلمون ، عندها توجه عبد الرحمن لعلي قائلاً : « يا أبا الحسن هل أنت مبايعي على كتاب الله ، وسنة نبيه ، وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر » . فقال علي : « بل على كتاب الله وسنة رسوله ، وبرأيي فيما لا نص فيه ولا سنة ، وفي رواية : واجتهاد رأيي » .
     وكان بإمكان أمير المؤمنين أن ينعم بالجواب ، ولكنه تنبه لشرط

 


177

لم يكن بالحسبان .. وهو سيرة الشيخين ، فأية سيرة يتبعها : أسيرة أبي بكر وهي مخالفة لسيرة عمر ؟ أم سيرة عمر وهي مناقضة لسيرة أبي بكر ؟ فكيف بسيريتهما معاً وهما متقابلان ، وكان بإمكانه أيضاً أن ينعم بالجواب ، حتى إذا بسط سلطانه ونفوذه عمل باجتهاد رأيه لا بسيرة الشيخين ، ولكنه أبى إقرار السيرتين معاً ، وأبى أن يخالف عهداً لو نطق به أيضاً ، فليس من شأنه أن يتذرع بشيء على حساب شيء آخر مهما ضؤل شأنه ، أو عظم أمره ، وإنما خَلِقَ علي عليه السلام ممثلاً فعلياً للقيم العليا .
     وكرر عبد الرحمن على أمير المؤمنين القول ، فأصر عليٌ على رفض الشرط الأخير ، وعرض عبد الرحمن ذلك على عثمان فأنعم بالموافقة ، وأضمر أن لا يلتزم بشيء قليل أو كثير من سيرة الشيخين ، ولكنها الفرصة الذهبية التي لا تترك ، فاغتنمها ، وعبد الرحمن يعلم ذلك كل العلم ولكنه صفق بيده على يد عثمان على أن يؤثر الحق ولا يتبع الهوى ، فما وفى بشيء من ذلك ، ولا التزم بعهده ، وكان ما كان من عاقبة أمره .
     وتلقى عليّ عليه السلام المحنة محتسباً ، والتفت لابن عوف قائلاً :
     « ليس هذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ؛ والله ما وليته هذا الأمر إلا ليرده عليك ، لقد رجوت منه ما رجا صاحبكها من صاحبه ، دق الله بينكم عطر منشم » .
     قال أبو هلال العسكري : « إن الله استجاب دعاء علي في عبد الرحمن وعثمان بن عفان ، فما ماتا إلا متهاجرين متباعدين » .
     وقد تدارك عبد الرحمن هذا التصريح من علي فقال :

 


178

     « إني نظرت ، وشاورت الناس ، فإذا هم لا يعدلون بعثمان » .
     وإذا كان الأمر كذلك ، فلماذا هذه المسرحية المعقدة ، ولماذا عرضها على علي إذن .
     وقطع عليٌّ النزاع بقوله : « لقد علمتم أني أحق الناس بها من غيري ، والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ، ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة ، التماساً لأجر ذلك وفضله ، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفة » .
     وغادر علي المسجد ، وقرأ قوله تعالى : سـ (
يَبلُغَ الكِتَـبُ أَجَلَهُ ) .
     ومضى إلى حال سبيله كالأمس .