(2)
استقبال خلافة الإمام بين المحرومين
والأُستقراطيين


     استقبل الضعفاء والمحرومون خلافة الإمام بالغبطة والسرور ، وتلقتها الطبقة الأُرستقراطية من قريش بالحقد والكراهية ؛ وكان المناخ الاجتماعي في المدينة يضم أهل الورع والتقوى يعتضد بهم الإمام ، ويضم أيضاً أهل النفاق والشقاق فيضيق بهم الإمام ، وكان المسرح الإداري من ذي قبل يعجُّ ويضجُّ بأهل الطمع والأثرة ، فالولايات تحتجن ، والمناصب يستولي عليها المقربون والأصهار ، وكان المناخ السياسي مضطرباً أشد الإضطراب في واقعه ، وإن بدا أول الأمر متماسكاً بعض الشيء .
     وتحشد الطامعون بالأمر يجمعون شتاتهم ويعلنون عصيانهم ، وكانت الحجاز والكوفة والبصرة واليمن في طاعة الإمام حينما بويع له ، وكان أمر الشام لا يريد أن يستقيم للإمام ، ففي الشام معاوية بن أبي سفيان ابن عم عثمان ، ومن الإمكان أن يتظاهر طالباً بدم عثمان ، وأن يأوى إليه المردة من أعداء الإمام ، وأصحاب الدنيا ممن فارق أو سيفارق الإمام ، وقد بدت علائم ذلك تظهر في الأفق تدريجياً وبانتظام ، فها هو يترصد في البيعة بل يتلكأ عنها ، وها هو يدير أمره بدقة وحذر شديدين ، ويحكم أمره بأناة وصبر طويلين ، وهو لا يتورع من الإغراء

 


242

والبهتان وتسخير المال ، وشراء الرجال إزاء السلطان كما سترى .
     واستقبل الإمام تخطيطه في ضوء الإسلام وبهدي القرآن وأضواء السنة بكثير من التقوى والورع ، فأسند الولاية لأصحابها ، وكان جديراً بأن يختار الأمثل فالأمثل وقد فعل هذا بكل أمانة .
     فما إن فرغ من البيعة حتى لبى نداء الضمير الإنساني في عزل ولاة عثمان ، واستبدلهم بغيرهم من الصالحين والمؤهلين من أصحابه ، وكان الأنصار في حرمان أيام الشيخين وعثمان ، فرّد إليهم الإعتبار السياسي من خلال كفاياتهم ، فاستعمل منهم ثلاثة أعلام لثلاثة أمصار ؛ فأرسل قيس بن سعد بن عبادة والياً إلى مصر ، واستعمل عثمان بن حنيف على البصرة ، وعيّن سهل بن حنيف والياً على الشام .
     وعاد عليّ إلى قريش فأرسل خالد بن العاص بن المغيرة المخزومي إلى مكة والياً ، وعبيد الله بن العباس بن عبد المطلب عاملاً على اليمن .
     وأقر بإشارة مالك الأشتر أبا موسى على الكوفة ، فبعث إليه بالبيعة ، وقيل أرسل عمارة بن شهاب إلى الكوفة ، فلقيه في الطريق من أشار عليه بالرجوع لأن أهل الكوفة لا يرضون بغير أبي موسى الأشعري أميراً ، وكان يتضاعف لهم ، ولا يهمه أمرهم .
     وتوجه عمال الإمام إلى أقاليمهم ، فدخل عثمان بن حنيف البصرة ، فإرتحل عنها عامل عثمان عبد الله بن عامر بن كريز ، وحمل معه ما في بيت المال جميعاً وأتى مكة ، ودخل ابن عباس اليمن فرحل عنها عامل عثمان يعلى بن أمية ، واحتمل بيت المال وأتى مكة . وسار قيس بن سعد بن عبادة إلى مصر ، ودخلها في غير جهد ولا مشقة وأخذ

 


243

البيعة لعلي عَليهِ السَّلام من أهلها . وذهب خالد بن العاص المخزومي إلى مكة فأبى أهلها مبايعة علي وأخذوا عهده ورموه في زمزم . وتوجه سهل بن حنيف إلى الشام ، فلقيته في حدودها خيول معاوية ، فسألوه عن شأنه ، فأخبرهم بأنه أمير الشام ، فقالوا إن كنت أميراً من قبل عثمان قبل قتله فدونك إمرتك ، وإن كنت أميراً من قبل غيره فارجع إلى من أرسلك .
     والبحث العلمي يشكك في تعيين ابن حنيف على الشام أميراً ، وفيها معاوية ، وليس كل ما روي يقطع بصحته كما سترى .
     وكان الإمام قد أرسل إلى معاوية كتاباً يطلب فيه أن يبايع ، وأن يقبل إلى المدينة في أشراف أهل الشام ، ولم يذكر في الكتاب عزله أو إقراره في ولايته . فلما وصل الكتاب إلى معاوية لم يجب الإمام بشيء ، وأخذ يتربص بالأمر ، وأعجله الرسول على الجواب فتلكأ ثم أرسل طوماراً إلى الإمام ، وكتب في أعلاه : من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب ، وقدم الرسول المدينة وأشهر نفسه فيها ، وأوصل الطومار إلى الإمام ، وفضّ الإمام الكتاب ولا شيء فيه إلا : « بسم الله الرحمن الرحيم » .
     وأستأمن الرسول علياً فآمنه ، وكان من عبس ، فقال للإمام والناس تسمع : إني تركت أهل الشام وقد صمموا أن يثأروا لعثمان ، ونصبوا قميصه للناس ، وليس عندهم إلا السيف .
     وكان المغيرة بن شعبة ـ فيما يزعم الرواة ـ قد أشار على عليّ عليه السلام إبقاء معاوية على الشام حتى تتم بيعته ومن ثم يعزله ، فأبى ذلك الإمام ، كما أبى إبقاء ولاة عثمان عموماً ، لأن دينه وورعه يمنعانه من ذلك ، وقال :

 


244

     « والله لو كان ساعة من نهار لاجتهدت فيها رأيي ، ولا وليّتُ هؤلاء ، ولا مثلهم يُولى ... لا أدّهن في ديني ، ولا أعطي الدني من أمري » .
     وكذلك أشار عبد الله بن عباس بمثل هذا « أبقه شهراً وأعزله دهراً » .
     فأبى الإمام ذلك وقال بما معناه : عليك أن تشير وعليّ أن أرى ، فإذا عصيتك فأطعني . فقال ابن عباس : « إن أيسر حالك عندي الطاعة » .
     وكان عليٌّ عليه السلام صاحب حق وصاحب دين ، فلا يداخل أحداً في دينه ، ولا يتنازل أبداً عن حقه ، فدعا إليه وجوه الناس وفيهم طلحة والزبير ، وجملة المهاجرين والأنصار ، فأخبرهم بما عليه معاوية ، من خلع الطاعة ومفارقة الجماعة ، وانبأهم أن الحل يتحدد بمقاومته عسكرياً قبل أن تستشري الفتنة ، وعلم الناس رأي الإمام ، وعلموا أيضاً أنها الحرب ، وآخر الدواء الكي .
     وكان طلحة والزبير يقدّران أن الإمام سيوليهما على بعض الأقاليم ، وأنه محتاج إليهما ، أو يستدفع خطرهما ، لأنهما من أصحاب الشورى ، وهما قد أسلما عثمان وخذلاه ، بل أعانا عليه وألبا حتى قتل ، وهما قد أقبلا على بيعة الإمام طائعين ، وأول يد بايعته يد طلحة وكانت جذاء ، وتشاءم الناس من ذلك ، وكان الأمر كذلك .
     صرح طلحة والزبير للإمام بطلب الولاية على المصرين : الكوفة والبصرة ، فأبى عليهما الإمام ، وتلطف بهما برفق ، وقال :
     « أحب أن تكونا معي أتجمل بكما ، فإني أستوحش لفراقكما » .

 


245

     وأحسّ الشيخان أن لا مقام لهما مع عليّ ، وأنهما كبقية المسلمين وأن علياّ سيستأنف معهما ومع غيرهما سيرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وهما كغيرهما من أعيان المهاجرين ، وأعلام الأنصار يسوسهم الإمام بالشدّة واليقين لا التسامح واللين ؛ فأعرضا عن البصرة والكوفة ، وأستأذنا بالعمرة ، فقال علي عليه السلام :
     ما العمرة تريدان وإنما تريدان الغدرة ونكث البيعة ، فحلفا بالله ما الخلاف عليه ولا نكث بيعته يريدان ، وما رأيهما غير العمرة ، قال لهما : فأعيدا البيعة لي ثانية ، فأعاداها بأشد ما يكون من الإيمان والمواثيق ، فأذن لهما ، فلما خرجا من عنده ، قال الإمام لمن كان حاضراً : والله لا ترونهما إلا في فتنة يقتلان فيها .
     قالوا : يا أمير المؤمنين فمر بردهما عليك ، قال الإمام : ليقضي الله أمراً كان مفعولاً .
     وخرج طلحة والزبير في طريقهما إلى مكة ، فلم يلقيا أحداً إلا قالا له :
     ليس لعلي في أعناقنا بيعة ، وإنما بايعناه مكرهين ، فبلغ قولهما علياً عليه السلام فقال :
     « أبعدهما الله وأغرب دارهما ، أما والله لقد علمت أنهما سيقتلان أنفسهما أخبث مقتل ، ويأتيان من وردا عليه بأشأم يوم ، والله ما العمرة يريدان ، ولقد أتياني بوجهي فاجرين ، ورجعا بوجهي غادرين ناكثين ، والله لا يلقياني بعد اليوم إلا في كتيبة خشناء يقتلان فيها أنفسهما ، فبعداً لهما وسحقاً » .
     وكان الإمام عليه السلام في هذا الحين يتجهز لحرب أهل الشام ،

 


246

وإنه لفي ذلك ، إذ بلغه إجتماع عائشة وطلحة والزبير في مكة ، وهم يريدون البصرة بجمع ممن تخلف عن البيعة ، وولاة عثمان المعزولين ، وبني أمية ، وطواغيت قريش ، ورعاع الناس ، فثنى عزمه عن لقاء أهل الشام ، وصحّ عنده التوجه حيث توجه الناكثون .

 


247

(3)
المتمرّدون في مجابهة الإمام متظاهرين بالثأر لعثمان


     لم تقعد بعليّ عليه السلام حنكته السياسية ، ولم تعجزه مقدرته الإدارية عن اتخاذ الاجراءات الكفيلة بخنق الأنفاس ، وكبت الحريات ، ومنع التصرف ، فقد كان بامكانه إحتجاز طلحة والزبير في المدينة وصرفهما عن وجههما إلى مكة ، وقد كان بمقدوره فرض الإقامة الجبرية عليهما ، ومتابعتهما أمنياً بالعيون ، ولكنه ذو سياسة يتمحض عنها الإيمان بأدق معانيه ، وذو إدارة يلقي بثقلها الإسلام بأصدق مفاهيمه ، فليس للضغط مستقر في منظوره ، ولا للإكراه سبيل إلى إدارته ، أراد أن يذيق الناس مفهوم الحرية بأوسع معاييرها الفذة ، وأن يحمل الناس على سنن الإسلام وإن أرهقته ، وأن يتجمل بالصبر تارة ، وبالأناة تارة أخرى في إمتصاص الأحداث وهو على بصيرة من أمره ، وسيأتي في سياسته مع الخوارج ما يدل على ذلك .
     والمنطق الإسلامي يقضي على علي عليه السلام أن يحكم بالظاهر ، فليس له إلى القلوب سبيل وإن أدرك خفايا النيات ، واستقرأ الغيب المجهول ، وهو على صحة من عزيمته وصدق من نيته ، يعلم بما يضمر طلحة والزبير من الغدر والنكث والخلاف ، ولكنه تركهما ييممان شطر البيت الحرام لأنهما أظهرا العمرة وإن أرادا سواها .
     وقد قصد مكة المكرمة ولاة عثمان المعزولون لأنها حرم آمن لا

 


248

يزعج من فيه ، فكان هناك يعلى بن أمية وعبد الله بن عامر ، وسعيد بن أبي العاص ، وجملة من الأمويين بقيادة مروان بن الحكم ، وفر إلى هناك من أراد الإنحياز عن علي عليه السلام ، والابتعاد عن الأحداث كعبد الله بن عمر وأمثاله ، واستقر هناك أعداء عليّ من المقيمين بمكة ، والقادمين إليها من الآفاق ، وكان هناك من أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عائشة وحفصة وأم سلمة في تأدية المناسك ، وقد أكملت عائشة أم المؤمنين حجها ، وإنها لفي طريقها إلى المدينة وإذا بالأنباء تنعى إليها عثمان ، وأخبرت ـ خطأ أو إختباراً ـ ببيعة طلحة ، فاهتزت لذلك طرباً وقالت : إيهاً ذا الأصبع ، إيهاً يا ابن العم . وطلحة تيمي من رهط أبي بكر ، وما اكتفت بهذه الفرحة بل أظهرت سروراً عظيماً بمقتل عثمان ، وقالت فيما قالت : أبعده الله .
     ولكن الفرحة لم تتم لها إذا أنبأها بعض من في الطريق بحقيقة الأمر ، وأن علياً عليه السلام قد بويع له بالخلافة ، فضاقت عليها الأرض بما رحبت ، وقالت :
     ليت السماء أطبقت على الأرض ، ردوني فقد قتل عثمان مظلوماً . والله لأطلبن بدمه ، وكان وليّ دم المقتول ، والقيم على امور المسلمين .
     عادت السيدة عائشة إلى مكة ، وعمدت إلى حجر إسماعيل فاتخذت فيه ستراً ، وجعلت منه مقراً ، واختلف إليها الناس فأسمعتهم من عذر عثمان ما أعجبهم ، وأظهرت من المطالبة بالثأر له ما أحفظهم ، وكانت تقول :
     « لقد غضبنا لكم من لسان عثمان وسوطه ، وعاتبناه حتى أعتب وتاب إلى الله ، وقبل المسلمون منه ، ثم ثار به جماعة من الغوغاء والأعراب فماصوه موص الثوب الرخيص حتى قتلوه ، واستحلوا بقتله

 


249

الدم الحرام في الشهر الحرام في البلد الحرام » .
     سمع الناس من عائشة هذا وأكثر من هذا ، فتأثروا بها ، فبينا هي تنعى على عثمان أعماله ، وتنكر عليه أشد الإنكار ، وتدعوا إلى قتله ، وإذا بها تتظلم له ، وتتفجع عليه ، فكان الناس أسرع إليها من إسراع الفراش إلى النار ، ومن إسراع النار في الحطب الجزل .
     واتخذت عائشة هيئة استشارية من عبد الله بن الزبير ، ومحمد بن طلحة ، ومروان بن الحكم ، ويعلى بن أمية ، وعبد الله بن عامر ، وتوجهت بعلمين من أعلام الشورى هما طلحة والزبير ، فكانت مثابة للناس ، ومأوى للمتمردين على علي عليه السلام .
     وحقد عائشة على عليّ قديم منذ حديث الإفك ، إذ يقال إنه أشار على النبي بطلاقها ، وأنه قال : إن النساء غيرها كثير . وكون علي عليه السلام أباً للذرية الطاهرة من الزهراء ، والزهراء ابنة ضرّتها خديجة ، وخديجة أحب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم منها ، وعليٌّ ذو المنهج الواضح بإلغاء الإمتيازات ، وعلي حبيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد كان يضايقها ذلك ، وعليّ قد هتف باسمه المعارضون لإستخلاف أبيها . كل أولئك أسباب لموجدتها على عليّ عليه السلام ، ولا ذنب له في ذلك ، ولكنها إمرأة سبقت إلى عاطفتها وتركت عقلها ، وإذا جاشت العواطف وتحركت الأحاسيس الكامنة ، صمت منطق الرشد ، وتلاشى سلطان العقل .
     قصدها والي عثمان على مكة وقال : ما ردّك يا أم المؤمنين ؟ قالت : ردي أن عثمان قتل مظلوماً ، فاطلبوا بدم عثمان تعّزوا الإسلام .
     إنها دعوة صريحة إلى النخوة ألفت آذاناً صاغية من رجال الحكم

 


250

البائد ، وأسماعاً واعية من دعاة التمرد على حكم الإمام الجديد ، وكأن عائشة كانت تتكلم بتفويض من الشعب ، أو نيابة عن الأمة ، فانتشر حديث هذه الدعوة الجامحة في الأمصار ، وامتد إلى آفاق الدنيا ، ووصلت الأنباء إلى علي في المدينة يحدو بها الركبان ، وينقلها الحجيج بعد أن أدّوا مناسكهم .
     وجهد المتمردون متظاهرين بالثأر لعثمان ، وتجمع حولهم الحاقدون على الإمام ، وكان أمامهم عدة خيارات أهونها الصعب في تنفيذ المخطط ، فرأى بعضهم الغارة على المدينة ، ورأى بعضهم الذهاب إلى الكوفة ، وقد أشفقوا من هذين الرأيين ، فعليّ عليه السلام لهم بالمرصاد في المدينة ومعه المهاجرون والأنصار ، والكوفة من الأقاليم الثائرة على عثمان ، ورجالها في قوتهم ضد عثمان ومن تكلم باسم عثمان ، فقرروا الاتجاه إلى البصرة إذ زعم لهم عبد الله بن عامر ، أن فيها رجاله وصنائعه ، وكان قد فرّ منها بعد عزله ، فاضطروا إلى الخيار الأخير إضطراراً فيه كثير من المغامرة ، وانتدبوا الناس لذلك ، فاستجاب كل حاقد وإنتهازي موتور ، وأمدهم يعلى بن أمية بالمال والسلاح ، وزودهم ابن عامر بالظهر والكراع ، وساروا في جحفل عدته ثلاثة آلاف مقاتل ، يتقدمهم الأقطاب الثلاثة : عائشة ، طلحة ، الزبير .
     وتوجهت أم سلمة لعائشة تنهاها فما استمعت ، بل حاولت جر حفصة وحملها على الخروج ، فأجابت بادئ ذي بدء ، ولكن أخاها عبد الله ردّها ومنعها .
     وبلغت الأنباء علياً عليه السلام ، فاستشار الناس ، فأشار عليه قوم بالخروج في أثرهم ، وأشار آخرون بأن لا يتبعهم ولا يرصد لهم القتال ، فعمل بالرأي الأول ، ورفض الأخير ، وقال :
 


251

« والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم ، حتى يصل إليها طالبها ، ويختلها راصدها ، ولكني أضرب بالمقبل إلى الحق المدبر عنه ، وبالسامع المطيع العاصي المريب أبداً ، حتى يأتي عليَّ يومي . فوالله ما زلت مدفوعاً عن حقي ، مستأثراً عليّ منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حتى يوم الناس هذا » .
     وصحت عزيمته باتباع آثارهم ، فتحول قصده عن قتال أهل الشام ريثما ينتهي ممن نكث البيعة ، وفارق الجمع ، فلم يكن له أن يبقى متأملاً وقد جدّ القوم ، ولا متردداً وقد حث المتمردون خطاهم بالمسير نحو البصرة ، فتنتقض عليه الأقطار واحدة بعد أخرى .
     وكانت همّة المتمردين البصرة حتى إذا أدركوها وفتحوها ساروا إلى الكوفة وفيهما المال والفيء ، وبهما السلاح والرجال ، ومن حولهما الثغور والحدود ، فما ينتظر عليّ لو انتظر إلا أن تنتقض عليه الأطراف ، وتتجمع ضده الأشتات ، ومن وراءهم معاوية وأهل الشام ، فلو قعد لضاعت الخلافة وانتهى كيان الإسلام ، فما عليه إلا النهوض وهكذا فعل ، فاستنفر لذلك الناس في المدينة فنفروا خفافاً وثقالاً ، وسار فيهم سيراً حثيثاً عسى أن يدرك المتمردين قبل دخول البصرة ، فيحاججهم ويعظهم ويعذر إليهم ، عسى أن لا يكون قتال وسفك دماء .
     وعلم المتمردون بذلك فساروا سيراً عنيفاً حتى سبقوا علياً إلى البصرة .
     وسار موكب علي عليه السلام بالمهاجرين والأنصار حتى وصلوا إلى ذي قار آملاً تدارك الموقف ما استطاع ، وقال :

 


252

« سأمسك الأمر ما استمسك ، فإذا لم أجد بداً فآخر الدواء الكي » . وهكذا كان .
     فقد كتب من هناك إلى أهل الكوفة : « أما بعد ، فإني قد خرجت من حيي هذا إما ظالماً وأما مظلوماً ، وإما باغياً وإما مبغياً عليه ، وإني أذّكر الله من بلغه كتابي هذا لما نفر إلي ، فإن كنتُ محسناً اعانتى و ان كنت مسيئاً استعتبني » .
     وكان حرياً بهذا الكتاب أن يستثير همم أهل الكوفة وأن يشحذ عزائمهم ، ووصل الكتاب ، وإذا بالوالي على الكوفة يثبطهم ، ويدعو إلى اعتزال الفتنة فيما يزعم ، ذلك أبو موسى الأشعري ؛ فواعجباً : ممثل الإمام يخذّل عن الإمام ، وكان واجبه الشرعي وموقعه الإداري والسياسي يدعوانه إلى نصرة الإمام بنفسه وبجنده ، أما أن يبقى والياً ولا ينفذ الأوامر ويتمرد عليها فشيء جديد لم يعرف من ذي قبل .
     فأرسل عليٌّ عليه السلام من يؤنبه ويعنفه ويلومه ويزجره ، وكان الحسن بن علي عليهما السلام ، وعمار بن ياسر ، ومحمد بن أبي بكر أول من أرسل ، وأخيراً تم إرسال مالك الأشتر الذي توجه في الكوفة نحو قصر الإمارة وأغار عليه ، وأبو موسى يخطب في الناس مخذّلاً عن الإمام ، فاستولى على القصر ، واحتاز بيت المال ، وأعلن عزل أبي موسى بقرظة بن كعب الأنصاري ، فخرج أبو موسى مدحوراً معزولاً بعد خطوب يسيرة ، وقصد مكة فأقام بها .
     ولم يكن أبو موسى مغفّلاً كما يصوره المؤرخون بل كان متغافلاً يظهر الورع والسذاجة ، ويدّبر ما يريد من أمر بتؤدة وإحكام ، ولم يكن محتاطاً لدينه ـ كما يريد أن يقال ذلك عنه ـ بل كان موغلاً في الإنحراف

 


253

عن أمير المؤمنين ، وقد يكون أيضاً ضالعاً بالمؤامرة ، فقد يصح أن يراسله طلحة والزبير وعائشة يستنصرونه ، أو يطلبون إليه أن يخذل الناس عن الإمام ، وقد فعل هذا بأبشع صورة ، فقد خان الأمانة ، وغدر بالأمة ، وخذل الحق ، ونصر الباطل ، فأي إعتزال للفتنة هذا ، وأي مغفل من أعرق بالخلاف .
     ومهما يكن من أمر ، فقد استجاب أهل الكوفة للإمام بتوجيه من الحسن بن علي عليهما السلام ، وعمار بن ياسر رضي الله عنه ، ومالك الأشتر رحمه الله ، وخرج إليه منهم جمع كثيف ، وهو بذي قار ، وكان حقاً ما قال لهم :
     « إني اخترتكم والنزول بين أظهركم ، وفزعت إليكم لِما حدث ، فكونوا لدين الله أعواناً وأنصاراً ، وانهضوا إلينا ، فالإصلاح ما نريد ، لتعود الأمة إخواناً » .
     وأضيف إلى جيش أمير المؤمنين من المهاجرين مثله من جيش الكوفة المقاتلين ، وما كان عليّ عليه السلام يريد القتال إلا أن يحمل عليه ، بل كان يريد الإقناع بالمحاججة ، ورد المتمردين بالتي هي أحسن ، قصداً إلى الإصلاح ، وتنفيذاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد صرح الإمام عن هذه الملاحظ في عدة مواقف ، فقد استوقفه بن رفاعة قائلاً : « أي شيء تريد ؟ وإلى أين تسير يا أمير المؤمنين » ؟
     فقال الإمام : إن أريد إلا الإصلاح ، إن قبلوا منا ، وأجابونا إليه » .
     قال ابن رفاعة : فإن لم يجيبونا ، قال الإمام : ندعهم بعذرهم ونصبر .
     قال ابن رفاعة : فإن لم يرضوا ؛ قال الإمام : ندعهم ما تركونا .

 


254

     قال ابن رفاعة : فإن لم يتركونا ؛ قال الإمام : امتنعنا منهم .
     واستمع الحديث ابن غزية الأنصاري فهب قائلاً :
     « والله لأرضينك بالفعل كما أرضيتني بالقول ، ولأنصرن الله كما سمانا أنصاراً » .
     وانتهت المحاورة بانتصار الإمام ، وسار جيشه يُرتَجز أمامه :

سِيروا أبابَيلَ ، وحثوا السَيرا

 

إذ عزمَ السيرُ وقُولُوا خَيرا


     وقد أوضح علي عليه السلام نية أصحاب الجمل كما أوضح نيته ، وأبان فيهم ما استتر على الناس من علم تلقّاه من الصادق الأمين ، فقد خطب وقال :
     « أيها الناس إن عائشة سارت إلى البصرة ، ومعها طلحة والزبير ، وكل منهما يرى الأمر له دون صاحبه ، أما طلحة فابن عمها ، وأما الزبير فختنها ، والله لو ظفروا بما أرادوا ـ ولن ينالوا ذلك أبداً ـ ليضربن أحدهم عنق صاحبه بعد تنازع شديد ، والله إن راكبة الجمل الأحمر ، ما تقطع عقبة ولا تحل عقدة إلا بمعصية الله وسخطه ، حتى تورد نفسها ومن معها موارد الهلكة ، أي والله ليقتلن ثلثهم ، وليهربن ثلثهم ، وليتوبن ثلثهم ، وإنها التي تنبحها كلاب الحوأب ، وإنهما ليعلمان أنهما مخطئان ، ورب عالم قتله جهله ، ومعه علمه لا ينفعه ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، فقد قامت الفتنة فيها الفئة الباغية ، أين المحتسبون ؟ أين المؤمنون ؟ ما لي ولقريش ؟ أما والله لقد قتلتهم كافرين ، ولأقتلنهم مفتونين ! وما لنا إلى عائشة من ذنب إلا أنا أدخلناها في حيّزنا ، والله لأبقرن الباطل حتى يظهر الحق من خاصرته ، فقل لقريش فلتضج ضجيجها » . ثم نزل .

 


255

    فالإمام بهذا الخطاب الصريح ، قد أبان اختلاف القوم على القيادة ، وأظهر تردّي عائشة بالمعصية ، وأنبأ أنها صاحبة كلاب الحوأب بما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأجمل علم طلحة والزبير بخطأهما ، ومعهما علمهما لا ينفعهما ، وصرح بقيام الفتنة ، ودعا لقمعها ، ونعى على قريش موجدتها عليه ، ولا ذنب له مع عائشة إلا أن أدخلها في بني هاشم .
     وأعلن الإمام الحرب بعد أن أعذر ، وأخذلها أهبتها ، حتى لا يؤخذ على حين غرة ، ولا يبغت بمفاجأة ، وبهذا يكون قد أحكم أمره إحكاماً دقيقاً ، ومعه شيوخ المهاجرين والأنصار من هم بصحة عزيمته ، ونفاذ بصيرته ، وصدق النية ، وسلامة القصد ، وقوة الشكيمة .
     عوامل غلابّة ، وبوادر ائتلاف وجماعة ، وهكذا كان علي وجيشه المتوجه إلى البصرة . وكان جيش عائشة وطلحة والزبير يفتقر إلى هذه الخصائص وهو لا يتمتع بها ، ولم يكن ليوسم تحركاته بالصدق والبصيرة ، ولا ليتوج أعماله بالقصد والإعتدال ، وإنما هي الفرقة بأبرز صورها منذ اللحظة الأولى لمسيرة القوم ، فالتنازع حول الصلاة والجماعة قائم ، والتنافس على إمارة الحرب وقيادة الجيش بلغ أشدّه ، والتظاهر بالسلطان كلٌّ يدعيه لنفسه ، الفرقة ظاهرة مستحكمة ، والاختلاف متمكن مستطير ، والنزاع يصل إلى حد الصراع .
     وهنا يبدو فرق ما بين الحزبين : حزب متطامن مستقيم على بصيرة من الأمر يتمثل بالإمام وجيشه ، وحزب متناحر مستهين ، تحدو به الأطماع ، ويتطلع إلى المناصب ، لا تستقيم له الرؤية يتمثل بعائشة وطلحة والزبير وجيشهم ، وفرقٌ ما بين المعسكرين كما ترى ، فالأول يقود بالضرورة إلى النصر ، والثاني يدفع إلى الهزيمة دون شك .

 


256

(4)
قيادة الناكثين بين التردد واقتحام البصرة


     سار جيش المتمردين والناكثين نحو البصرة ، وكانت قيادته مترددة حائرة ، تتنازع بينها الإمارة تارة ، وتتناوب بينها الصلاة تارة ، فعبد الله بن الزبير يدعو للسلام على أبيه بالإمارة ، ومحمد بن طلحة يدعو للسلام على أبيه بالإمارة أيضاً ، وعائشة قلقة بين هذا وذاك ، فتولى ابن أختها عبد الله بن الزبير أمر الصلاة ، وهو قرار فيه كثير من الإستبداد والتحدي لمكان أبيه ووجود طلحة . وعائشة نفسها تستولي عليها الذكريات المريرة فترجع ـ كالحالمة حيناً والمتيقظة حيناً آخر ـ إلى عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى قوله لنسائه :
     أيتكن صاحبة الجمل الأدبب ، تنبحها كلاب الحوأب ؟ » .
     وإذا بكلاب الحؤاب تنبحها بشراسة ، وتفجأها بعواء كالزئير ، وتجزع لذلك جزعاً متواصلاً ثقيلاً ، وتلهث لهاثاً متسارعاً ، وتصرخ بمن حولها : ردّوني ردّوني ، أنا والله صاحبة كلاب الحوأب ، فيجيئها عبد الله بن الزبير ملفقاً لها شهادة زور عريضة من خمسين أعرابياً من بني عامر يحلفون لها بالله أن هذا الماء ليس بماء الحوأب ، وأن الكلاب ليست بكلاب الحوأب ، فكانت أول شهادة زور في الإسلام كما يقول المؤرخون .
     ويستمع طلحة والزبير وسواهما من المتمردين إلى هذه الشهادة ،

 


257

ويتذكرون قول الرسول لبعض نسائه في هذا الشأن فلا ينكر ذلك منكر ، ويغمضون على الأمر ، وهم يشاهدون مصاديق قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكذب شهادة الزور .
     وتسير الأحداث سيراً متلاحقاً ، فيصل الجيش المتمرد أطراف البصرة ، ويصل علي عليه السلام وجيشه الطرف الآخر ، وكان الإمام قد أرسل إليهم القعقاع بن عمرو سفيراً ومستطلعاً ، يستقرىء له خبرهم ، ويعلم علمهم ، ويسألهم عما يريدون .
     واستأذن القعقاع على عائشة ، وسألها عما أقدمها إلى البصرة ؟ قالت : إصلاح بين الناس . فسألها أن تدعو له طلحة والزبير ليناظرهما وهي شاهدة ، فأستجابت وأرسلت إليهما فحضرا ، قال لهما القعقاع :
     إني سألت أم المؤمنين عما أقدمها ، فقالت : إصلاح بين الناس ، أفأنتما متابعان لها أم مخالفان عنها ؟ قالا : متابعان : فقال القعقاع : فأنبآني عن هذا الإصلاح الذي تريدون ، فإن كان خيراً وافقناكم عليه ، وإن كان شراً إجتنبناه ، قالا : قتل عثمان مظلوماً ، ولا يستقيم الأمر إذا لم يقم الحد على قاتليه . قال القعقاع فإنكم : قد قتلتم من قتلة عثمان ستمائة رجل في البصرة إلا رجلاً واحداً هو حرقوص بن زهير ، غضب له قومه فخالفوا عنكم ، وغضب لمن قُتل قومهم ، فتفرقت عنكم مضر وربيعة ، وفسد الأمر بينكم وبين كثير من الناس ، ولو مضيتم في الأمصار تفعلون فيها مثل ما فعلتم في البصرة يفسد الأمر فساداً لاصلاح بعده .
     قالت عائشة : فأنت تقول ماذا ؟ قال القعقاع : أقول إن هذا أمر دواؤه التسكين واجتماع الشمل حتى إذا صلح الأمر ، وهدأت النائرة ، وأمن الناس ، واطمأن بعضهم إلى بعض إلى بعض نظرنا في أمر الذين أحدثوا هذه

 


258

الفتنة . فأظهر القوم استحسان كلامه ، وقالوا : إنا قد رضينا منك رأيك ، فأن قبل عليٌّ بمثل هذا الرأي صالحناه عليه .
     ورجع القعقاع فيما يقول بعض المؤرخين إلى الإمام فأنبأه بحديث القوم ، فسرّ الإمام بذلك سروراً عظيماً .
     وكان حديث القوم مع القعقاع ـ إن صح ـ لا يستقيم عملياً ، فقد تجاوز القوم الحدّ في سفك الدماء بالبصرة قبل سفارته ، وقد ينبغي أن نذكر أن جيش المتمردين قد إقتحم مشارف البصرة ، وأُقحمت البصرة بالحرب جهاراً ، وأهلكت طلائع الجيش الحرث والنسل ، وقد سمي ذلك بيوم الجمل الأصغر ، فقد بعثت عائشة بابن عامر إلى البصرة يتألف فيها صنائعه ، فاجتمع له جيش سرّي يضمن لجيش الناكثين النصرة والحماية ، ويكون له ظهرياً إن هو اقتحم البصرة ، ولم يكن عثمان بن حنيف والي البصرة لتخفى عليه هذه المكائد ، فقد كان متنبهاً لها ، ومتحصناً قدر المستطاع ، وتأهب للحرب حسب الإمكان ، وأراد أن يخبر أهل البصرة بحديث القوم ، فبعث من يخطب بالمسجد قائلاً :
     « أيها الناس : إن هؤلاء القوم قد جاؤوكم ؛ إن كانوا جاؤوكم خائفين ، فقد جاؤوا من المكان الذي يأمن فيه الطير ، وإن كانوا جاؤوا يطلبون بدم عثمان فما نحن بقتلة عثمان ... أطيعوني فردّوهم » .
     فكان اللغط كثيراً ، وكان الرد على هذا الخطاب : أن القوم إنما فزعوا إلينا ليستعينوا بنا على قتلة عثمان ، فعلم ابن حنيف أن هذا أمر دبر بليل ، فتوسل بالرسل والأسفار إلى القوم فأرسل عمران بن حصين ، وأبا الأسود الدؤلي يستطلعان ما عزم عليه النفير ، ووصل السفيران فاستئذنا على عائشة وقالا :

 


259

     « يا أم المؤمنين : إن أميرنا بعثنا إليك نسألك عن مسيرك ، فهل أنت مخبرتنا ؟ » فتعللت بالجواب بإرادة الإصلاح ، فقالا : « فهل معك عهد من رسول الله في هذا المسير » .
     فأُرتج عليها الجواب . وقد يقال بأنها قالت : « إن عثمان قتل مظلوماً ، لقد غضبنا لكم من السوط والعصا ، أفلا نغضب لقتل عثمان ، فرد عليها أبو الأسود « وما أنتِ ومن عصانا وسوطنا ، وأنت حبيس رسول الله أمرك أن تقرّي في بيتك ، فجئت تضربين الناس بعضهم ببعض ، فقالت : وهل أحد يقاتلني ؟ فقال أبو الأسود : أي والله لتقاتلين قتالاً أهونه لشديد ، أو قال : قتالاً أهونه أن تندر فيه الرؤوس » .
     وكان أبو الأسود صادقاً فيما قال ـ كما سترى ـ وناصحاً غاية النصح ، ولئن نصح لها أبو الأسود في هذا الموقف ، فقد نصح لها جارية بن قدامة السعدي في موقف آخر ، وأبلغ في النصح ، وأعذر في القول ، وشدد في النكير ، وقال :
     « يا أم المؤمنين ، والله لقتل عثمان أهون من خروجك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح ، لقد كان لك من الله ستر وحرمة ، فهتكت سترك وأبحت حرمك ، وإن من رأى قتالك فقد رأى قتلك ، فإن كنت قد أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك ، وإن كنت مستكرهة فاستعيني بالناس » .
     ومهما يكن من أمر فقد ترك الرسولان عائشة وقصدا طلحة وسألاه :
     ما أقدمك ؟ فقال طلحة : الطلب بدم عثمان . فقال أبو الأسود :
     « يا أبا محمد قتلتم عثمان غير مؤامرين لنا في قتله ، وبايعتم علياً

 


260

غير مؤامرين لنا في بيعته ، ولم نغضب لعثمان إذ قتل ، ولم نغضب لعلي إذ بويع ، ثم بدا لكم فأردتم خلع علي ، ونحن على الأمر الأول ، فعليكم المخرج مما دخلتم فيه » .
     وقال عمران بن حصين « يا طلحة : إنكم قتلتم عثمان ، ولم نغضب له إذ لم تغضبوا ، ثم بايعتم علياً وبايعنا من بايعتم ، فإن كان قتل عثمان صواباً فمسيركم لماذا ؟ وإن كان خطأ فحظكم منه الأوفر » .
     وبدرهما طلحة بقوله : « يا هذان : إن صاحبكما لا يرى أن معه في هذا الأمر غيره ، وليس على هذا بايعناه » . فخرجا منه وقال أبو الأسود لعمران :
     « أما هذا فقد صرح أنه إنما غضب للملك يا عمران » .
     وقصدا الزبير ، فسبقهما بقوله : « إن طلحة وإياي كروح في جسدين . وقد كانت منا في عثمان فلتات احتجنا فيها إلى المعاذير ، ولو إستقبلنا من أمرنا ما إستدبرناه نصرناه » .
     ويروي ابن أبي الحديد أنهما قالا غير مواربين :
     « بلغنا أن في مصركم دراهم ودنانير فأتينا لأستخلاصها » ورجع الرسولان إلى عثمان بن حنيف ، فقال أبو الأسود :

يا ابنَ حنيفٍ قد أُتيتَ فأنفرِ

 

وطاعن القوم وجالد وأصبرِ

وإبرُز لهم مستَلئماً فشمّرِ


     فقال ابن حنيف : إنا لله وإنا إليه راجعون ، دارت رحى الإسلام ورب الكعبة .
     ويرى الطبري أن عثمان بن حنيف عامل أمير المؤمنين على البصرة قد قصدهم بنفسه ، وقال لهم مجتمعين :
 


261

ما الذي نقمتم على عليّ حتى خرجتم عليه تقاتلوه ؟
     فقالوا : لأنه ليس بأولى بالخلافة منا ، وقد صنع ما صنع .
     فقال لهم : إن الرجل قد أمرني أن أسألكم ، واكتب إليه بجوابكم ، وطلب منهم أن يصلي بالناس حتى يأتي جوابه ، فوافقوا على ذلك ، ولم يلبثوا إلا يومين حتى وثبوا عليه فقاتلوه ، وأخذوه أسيراً ، ولولا خوف الأنصار من رهطه لقتلوه ، ومع ذلك فقد مثلوا به حياً ، ونتفوا شعر حاجبيه ولحيته وأشفار عينيه .
     ويرى ابن قتيبة : أن المتمردين إتفقوا مع عثمان بعد معارك ذهب ضحيتها عدد كبير من الصالحين : أن لعثمان دار الإمارة والمسجد وبيت المال ، وأن ينزل أصحابه حيث شاؤوا بالبصرة ، وأن لطلحة والزبير ومن معهما أن يقيما في البصرة إلى أن يدخلها عليٌّ عليه السلام ، فإذا اجتمعت كلمتهم بعد دخوله واتفقوا ، كفاهم الله شر الفتنة ، وإن لم تتفق كلمتهم فلكل فريق أن يصنع ما يريد .
     وانصرف عثمان إلى عمله مطمئناً ، وتفرق أنصاره في أعمالهم ، فغدر طلحة والزبير ، وهاجموا الوالي مباغتة في ليلة مظلمة ممطرة ، فقتلوا الحرس ومن في الدار حتى بلغ عدد القتلى أربعين رجلاً ، واستولوا على بيت المال ، وأخذ عثمان بن حنيف أسيراً ، ونتف مروان شعر وجهه ورأسه .
     وتمت سيطرة المتمردين على البصرة ، فلما جاء وقت صلاة الفجر ـ فيما يذكره اليعقوبي في تأريخه ـ تنازع طلحة والزبير على الصلاة ، وجذب كل منهما الآخر من المصلى ، واستمر النزاع بينهما حتى كاد أن يفوت وقتها ، فصاح الناس : الصلاة الصلاة يا أصحاب

 


262

محمد ، وهي سخرية لاذعة بالقوم ، وتناهى النبأ إلى عائشة فحسمت النزاع ، وأمرت أن يصلي بالناس محمد بن طلحة يوماً ، وعبد الله بن الزبير يوماً .
     ويبدو من الأحداث أن عثمان بن حنيف كان راغباً في السلم حتى يأتيه أمر الإمام ، وكان يدفع الحرب ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، وكان قد أكثر من المناظرة والمحاورة والمحاولة مع القوم حتى تمت الهدنة إلى حين قدوم الإمام ، ولكن المتمردين بادروا الحرب ليلاً ، فقتلوا ـ كما يرى المسعودي ـ سبعين رجلاً من أنصار ابن حنيف ، منهم خمسون رجلاً قتلوا صبراً ، وجرحوا عدداً كبيراً من الناس ، ومثلّوا بآخرين .
     وتناهت الأخبار بهذا إلى أمير المؤمنين ، وكان يأمل أن يتراجع المتمردون عن الحرب ، وكان يميل إلى إصلاحهم متجنباً الفرقة وسفك الدماء ، ولما يئس من هذا الملحظ ، نهض إلى البصرة في جيشه مسرعاً عسى أن يتدارك الأمر بنفسه ، ولكن القوم كانوا قد استولوا على البصرة ، وأكثروا فيها الفساد ، فأسرع الإمام لئلا يبلغ السيل الزبى ، فزحف إليها زحفاً عسكرياً منظماً يصفه المسعودي في مروج الذهب وصفاً دقيقاً برواية المنذر بن الجارود العبدي ، ونحن نجملها لترى قيادة الإمام في رجاله ، مقارناً بينها وبين قيادة أصحاب الجمل من الموتورين والحاقدين على الإسلام والإمام ، قال :
     « إن علياً لما قدم البصرة دخلها مما يلي الطفّ وأتى الزواية ، فخرجتُ أنظر إليه ، فورد موكب من نحو ألف فارس ، يتقدمهم فارس على فرس أشهب ، عليه قلنسوة وثياب بيض ، متقلد سيفاً ، معه راية وتيجان يغلب عليها البياض والصفرة ، مدججين بالحديد والسلاح ،

 


263

فقلت من هذا ؟ لي : إنه أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهؤلاء الأنصار وغيرهم .
     ثم تلاه فارس آخر عليه عمامة صفراء وثياب بيض ، متقلد سيفاً ، متنكب قوساً ، معه راية على فرس أشقر في نحو ألف فارس ، فقلت من هذا ؟ فقيل هذا خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين .
     ثم مرّ بنا فارس آخر على فرس كميت ، معتم بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء ، وعليه قباء أبيض مصقول ، متقلد سيفاً ، متنكب قوساً في نحو ألف فارس ، فقلت من هذا ؟ فقيل لي : أبو قتادة بن ربعي .
     ثم مرّ بنا فارس على فرس أشهب عليه ثياب بيض ، وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه ومن خلفه ، شديد الأدمة ، عليه سكينة ووقار ، رافع صوته بقراءة القرآن ، ومعه راية بيضاء وألفٌ من الناس مختلفو التيجان ، حوله مشيخة وكهول وشبان ، كأنما قد وقفوا للحساب ، قد أثر السجود في جباههم ، فقيل لي : هذا عمار بن ياسر في عدة من المهاجرين والأنصار وأتباعهم .
     ومرّ بنا فارس آخر على فرس أشقر تخط رجلاه في الأرض في ألف من الناس ، فقيل لي : هذا قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري في الأنصار وأبنائهم وغيرهم من قحطان .
     ومرّ بنا موكبٌ فيه خلق كثير من الناس ، عليهم السلاح والحديد مختلفو الرايات ، يتقدمهم رجل شديد الساعدين ، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق ، كأنما على رؤوسهم الطير ، وفي مسيرتهم شاب حسن الوجه ، فقيل لي هذا علي بن أبي طالب ، وهذان الحسن والحسين

 


264

عن يمينه وشماله ، وهذا محمد ابن الحنفية بين يديه معه الراية العظمى ، والذين خلفه : عبد الله بن جعفر ، وولد عقيل ، وفتيان بني هاشم ، والشيوخ الذين معه أهل بدر من المهاجرين والأنصار ، فساروا حتى نزلوا الموضع المعروف بالزاوية ، فصلى عليّ عليه السلام أربع ركعات ، ثم عفّر خديه على التربة ، وقد خالط ذلك دموعه ، ورفع يديه وقال :
     « اللهم رب السماوات وما أظلت ، والأرض وما أقلّت ، ورب العرش العظيم ، هذه البصرة أسألك من خيرها ، وأعوذ بك من شرها ، اللهم أنزلنا فيها خير منزل وأنت خير المنزلين ، اللهم : هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي ، وبغوا عليّ ، ونكثوا بيعتي ، اللهم : احقن دماء المسلمين » .
     ونزل عليّ عليه السلام في معسكره ، وأسفر لأهل الجمل الرسل والمبعوثين طالباً حقن الدماء ، وسلامة الناس ، ووحدة المسلمين ، فأبوا إلا القتال ، فما بدأهم بقتال ، ولم يشهر السلاح ، بل أمر أصحابه بالتريث والصبر ، ولكن القوم تألبوا وشجع بعضهم بعضاً ، واندلعت الحرب .

 


265

(5)
حرب الجمل ... وهزيمة المتمردين


     كان عليّ عليه السلام راغباً بالسلم ، مؤثراً الصلح ، فلمّا علم نية القوم بإرادة الحرب ، أراد أن يعذر لله وللمسلمين ولنفسه ، وشاء أن يستعمل آخر ما يجد إليه سبيلاً بإلقاء الحجة ، فأمر أحد أصحابه أن يبرز بين الصفين ـ وقد تأهبت القوى جميعاً ـ وبين يديه كتاب الله يدعوهم للعمل بما فيه والرجوع إليه ؛ وامتثل الرجل الأمر ، ورفع القرآن بكلتا يديه ، ودعاهم إلى ما فيه ، فأتته السهام كشآبيب المطر حتى سقط قتيلاً ، وحُمل إلى أمير المؤمنين فاسترجع وترحم عليه . وابتدر عمار بن ياسر رحمه الله القوم واعظاً ومؤنباً ومذكراً فقال :
     « أيها الناس ما أنصفتم نبيكم صنتم عقائلكم في خدورها ، وأبرزتم عقيلته للسيوف » .
     ورشق عمار ومن معه بالنبل ، وأصيب من أصيب من أصحابه ، وقتل أخ لعبد الله بن بديل ، فحمله أخوه إلى أمير المؤمنين ، وتأمل عليٌّ عليه السلام هنيئة ، فرأى وقدر وفكر ، فلم يجد بداً مما ليس منه بد ، وخرج بين الصفين ، واستدعى طلحة والزبير فخرجا إليه ، وقال لهما :
     ألم تبايعاني ، قالا : بايعناك كارهين ، ولست أحق بهذا الأمر منا .
     واوضح لهما كذب الدعوى ، فما إستكره الإمام أحداً على البيعة ، ثم إلتفت إلى طلحة وقال : أحرزت عرسك ، وخرجت بعرس

 


266

رسول الله تعرضها لما تتعرض له . وقال للزبير : كنا نعدك من آل عبد المطلب حتى نشأ ابنك ابن السوء ، ففرّق بيننا ؛ وقال له : أتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لك . ستقاتله وأنت ظالم له ، فقال الزبير : الآن ذكرت ذلك ، ولو ذكرته قبل اليوم ما خرجت عليك .
     وكان الأمثل بالزبير أن ينحاز إلى علي عليه السلام بعد هذا التذكير ، ولكنه أخلد إلى نفسه ، واتبع هواه ، وما حكم عقله في هذا الأمر الخطير ، فقيل أنه إعتزل الحرب فوراً حتى انتهى حيث لقي مصرعه على يد ابن جرموز غيلة ، وقرائن الأحوال لا تساعد على صحة هذا القول ، إذ لا يمكن أن يعتزل الزبير القتال وحده لو شاء ذلك ، وهو رأس من رؤوس القوم ، أفلا يتبعه في هذا القرار أحد من المقاتلين الذين يرون فضله ومنزلته .
     والذي أميل إليه أن الزبير قد باشر الحرب بنفسه ، وأن عبد الله بن الزبير قد وصمه بالجبن بعد اجتماعه بعلي عليه السلام ، وقال له : فررت من سيوف بني عبد المطلب ، فإنها طوال حداد ، تحملها فتية أنجاد ، فغيّر قراره هذا التحدي له من ولده ، فأحفظه وأغضبه ، وقال لابنه : ويلك إني حلفت لعلي أن لا أقاتله ، فقال له ابنه : وما أكثر ما يكفّر الناس عن أيمانهم ، فأعتق غلامك ، وأمضِ لجهاد عدوك ، فكفر الزبير عن يمينه وقاتل علياً ، حتى إذا هوى الجمل انهزم الزبير فيمن إنهزم من الناس ، حتى وصل إلى وادي السباع ، فقتله ابن جرموز غيلة .
     ولم يكن الزبير ليرتدع في التذكير ، وقد سفك دماء المسلمين في الجمل الأصغر ، ولم يكن ليستجيب للحق ، ومعاوية يخادعه بلقب أمير المؤمنين وأخذ البيعة له من أهل الشام ، ولم يكن الزبير ليترك الجيش ويعتزل ، وهو يعمل بإشارة ابنه عبد الله في الطوارىء كافة ، ولم يكن

 


267

الزبير ليبصر طريقه وقد أعمته شهوة السلطان ، واستهواه الحكم العقيم ، ولو ثاب إلى الهدى لالتحق بأمير المؤمنين معلناً ندمه وتوبته ، ومكفّراً عن سيئاته وأخطائه ، ولكنه ركب رأسه ، وأغمض على الحوب العظيم .
     وقد رأيت نهاية أمير الجيش الزبير ، أما أميره الثاني طلحة ، فحينما صكت الحرب أسنانها ، واختلط الحابل بالنابل ، قصده مروان بن الحكم فرماه بسهم أصاب أكحله فقطعه ، وقال : لا طالبت بثأر عثمان بعد اليوم ، وقال لبعض ولد عثمان : لقد كفيتك ثار أبيك من طلحة ، وهوى طلحة في المعركة جريحاً ، وأخذه نزف الدم ، فلم يستطيع الفرار ، وقال لغلامه : ألا موضع أستجير به ؟ فيقول له غلامه : قد أدركك القوم ، فقال طلحة : ما رأيت مصرع شيخ من قريش أضيع من مصرعي . ومات طلحة في المعركة على تلك الحال .
     وأما أم المؤمنين عائشة ، فقد ركبت الجمل ، وأدرعت بهودجها ، وقد قامت الحرب على ساق ، وهي تحرض الناس على القتال وسط المعركة ، تدفع بهؤلاء وتستصرخ أولئك ، وتحرك آخرين ، حتى حمي الوطيس وندرت الرؤوس ، وتناثرت الأيدي ، وتهاوت الأجساد حول الجمل ، وكان جمل عائشة راية أهل البصرة يلوذون به كما يلوذ الجيش برايته الكبرى ، والناس تتهافت على خطام الجمل ، وكلما أمسكه أحد قتل ، حتى تغافى حوله مئات القواد والعسكريين ، ومرتجز عائشة يقول :

يا أمنَّا عائشُ لا تراعي

 

كلُّ بنيِكِ بطلُ المصاعِ

     وهي تلتفت إلى من على يمينها تشجعه ، وإلى من على يسارها مباركة ، ومن إلى جنبها محمسة ، عتى ملّت من الحرب ، فأخرجت يدها من الهودج تحمل بدرة من الدنانير ، ونادت بأعلى صوتها : من يأتيني برأس الأصلع ( تريد بذلك عليّاً ) وله هذه البدرة ، فضجّ العسكر

 


268

ضجة واحدة ، وأمعن في قتال ذريع .
     وكان الجيشان يستقتلان بضراوة عجيبة ، والنصر ترفرف أعلامه فوق رؤوس فرسان الإمام ، فصاح علي عليه السلام : اعقروا الجمل فإن في بقائه فناء العرب .
     وفي رواية : اعقروا الجمل فإنه شيطان ، فانتدب لذلك محمد ابن الحنفية نجل الإمام وحمل عليه في طائفة من المقاتلين الأشداء ، فعقروا الجمل بعد خطوب كثيرة ، فخر الجمل إلى جنبه ، وهوى إلى الأرض وله ضجيج وعجيج لم يسمع الناس بمثلهما ، وبعقر الجمل إنهزم جيش عائشة لا يلوي على شيء ، وفرّ بالصحراء فكان كالجراد المنتشر ، وأمر الإمام محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر بحمل الهودج بعد أن بقيت عائشة وحدها في الميدان ؛ ويقول الإمام لابن أبي بكر : أدرك أختك حتى لا تصاب بأذى ، فيدخل رأسه في الهودج ، فتسأله من أنت ؟ فيقول : أنا أخوك أقرب الناس منك وأبغضهم إليك ، فتقول : ابن الخثعمية ، فيقول : نعم أخوك محمد ؛ يقول لك أمير المؤمنين هل أصابك شيء ، فتقول مشقص في عضدي ، فينتزعه محمد ، ويأتي الإمام فيقف على هودجها ، ويضربه برمح أو قضيب ، ويقول : كيف رأيت صنيع الله يا أخت أرم ؟ يا حميراء ألم يأمرك رسول الله أن تقري في بيتك ؟ والله ما أنصفك الذين صانوا عقائلهم وأبرزوك ، فتقول :
     يا ابن أبي طالب ملكت فأسجح .
     ويسجح الإمام ، ويأمر محمداً أخاها أن يدخلها داراً من دور البصرة ، فيحملها أخوها ، وينزلها دار عبد الله بن خلف الخزاعي .
     وانتهت المعركة بآلاف القتلى من المعسكرين ، وبهزيمة

 


269

المتمردين هزيمة شنعاء ، وبمقتل رؤوسهم الكبيرة .
     وطمع بعض أصحاب الإمام بالغنائم فنهاهم عن ذلك ، وأمرهم أن لا يجهزوا على جريح ، ولا يتبعوا فارّاً ، ولا يغضبوا امرأة ، ولا يدخلوا داراً ، ولا يهتكوا ستراً ، ولم يقسم بين أصحابه غنيمة إلا ما أجلب به أهل البصرة للقتال وفي ساحة الحرب . وقال : ليس في هذه الحرب مغنم لمنتصر ، وأرسل من ينادي في أهل البصرة : من عرف شيئاً فليأخذه . وحاول بعض المتطرفين قتل عائشة فأنكر عليه الإمام ووضعها في حراسة مكثفّة ، وأراد بعض المقاتلين أسر المنهزمين فردّهم الإمام عن ذلك .
     ووقف عليّ عليه السلام بين قتلاه فترحم عليهم ، ووقف على المتمردين فخاطبهم بمثل ما خاطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل القليب ببدر .
     ووجم الإمام لما أصاب الطرفين من قتل وفناء ، وتوجه إلى الله :
     أشكو إليك عجري وبجري شفيتُ نفسي وقتلتُ معشري وكان القتلى يعدون بالآلاف ، ففقدت قريش طائفة من رجالها المعدودين ، واستولى الحزن على كثير من بيوتات البصرة التي فقدت أحبّتها وأعزّتها ، وتناول الثكل مجموعة من دور الكوفة .
     وكم كان بود أمير المؤمنين ، أن يقاتل بهؤلاء وهؤلاء أبناء الطلقاء من جهة ، وأعداء الإسلام من جهة أخرى ، ولكن المقادير جرت بغير هذا التقدير .