ومرّ عام :
    استقبلت المدينة المنورة عامها الثاني بالأمل فالحياة الجديدة تتدفق والمسلمون امّة واحدة ؛ وفي الخامس عشر من شعبان هبط جبريل يعلن تحوّل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ؛ وفي غمرة هذا العام المبارك تقدّم عليّ الذي بلغ من عمر خمسة وعشرين سنة إلى خطبة فاطمة بنت رسول الله وتم الزواج المبارك في مراسم غاية في البساطة رعاها النبي بنفسه ، وقد بلغ من البساطة والشفافية أن ترك بصماته واضحة في التاريخ الإسلامي ؛ وانتقل الزوجان إلى بيت دافئ مفعم بالمحبّة والسلام (1) .
    وتمضي الحياة هادئة كنهر تنثال مياهه على الشطآن ، والمجتمع الوليد ينمو ، يتفتح للعطاو كشجرة اصلها ثابت وفرعها في السماء ؛ ولكن الذين تآمروا في المكّة لاطفاء النور كبر عليهم نجاح محمد لهذا فكّروا ودبّروا فلم يجدو سوى الحصار التجاري سلاحاً لتوجيع شعب آمن بالله وكفر بالأوثان .


(1) عن علي عليه السلام قال صاح بي رسول الله : يا علي ، فقلت لبيك يا رسول الله ، فقال : ادخل بيتك وألطف بزوجتك وارفق بها ، فان فاطمة مضعة مني يؤلمني ما يؤلمها ويسرّني ما يسرّها :
    يقول علي عليه السلام : فوالله ما اغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عزوجل ولا اغضبتني ولا عصت لي امراً ، ولقد كنت انظر اليها فتنكشف عني الهموم والأحزان .


( 35 )

    وهكذا شحّت الموادّ الغذائية في المدينة وارتفعت الأسعار وتلاعب اليهود بالسوق ؛ ولم يقف سيدنا محمداً مكتوف الأيدي فردّ كيد المكّة إلى نحرها وجرّد حملة عسكرية وقد أُذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير (1) .
    وكان هدف الحملة العسكرية اعتراض قافلة تجارية مؤلفة من ألف بعير وتضمّ رؤوس أموال ضخمة ؛ وفي مصادرة هذه القافلة يكون المسلمون المهاجرون الذين صودرت ممتلكاتهم قد استرجعوا جزءً من حقوقهم المغتصبة .
    وتسارعت الأحداث بشكل مثير ، واذا بالأنباء تفيد عن تحرك عسكري خطير في مكّة وتقدم جيش مؤلف من الف مقاتل ؛ وكان أمام جيش النبي المؤلف من ثلاثمئة وثلاثة عشر مقاتل من المشاة باستثناء فارس واحد (2) ان يحسم موقفه بين الانسحاب أو المواجهة ؛ وأراد سيدنا محمد معرفة مدى الاستعداد القتالي لاصحابه فوجد لدى المهاجرين عزماً على القتال حتى النهاية ولدى الانصار حماساً في الطاعة يصل إلى اجتياز البحر الأحمر (3) ، وفي فجر السابع عشر من رمضان وقرب آبار بدر التحم الجيشان في


    (1) في أواخر السنة الأولى من الهجرة هبط الوحي يأذن للمسلمين بقتال المشركين ، الآية : 31 من سورة الحج .
    (2) المقداد بن عمرو الكندي .
    (3) اشارة إلى خطبة سعد بن معاذ الحماسية .


( 36 )

معركة ضارية اسفرت عن انتصار ساحق للجيش الإسلامي وسقوط سبعين قتيلاً من المشركين ؛ وفي ذلك اليوم الخالد ارتفع اسم علي عالياً في سماء الشجاعة والفروسية (1) .
 

إلا ذو الفقار :
    نجم عن هزيمة المشركين الساحقة في بدر ان غيّرت قريش طرقها التجارية من الشام إلى العراق ، وبالرغم من صعوبة ذلك وجهل قريش بالطرق الجديدة إلا أنها فضّلت ذلك مرغمة بعد أن اصبحت قوافلها التجارية على طريق الشام مهددة .
    وفي مكّة كانت هند زوجة أبي سفيان تتحرّق حقداً وتترقب ساعة الانتقام والثأر وكان حقدها ينصب على ثلاثة نفر هم محمد صلى الله عليه وآله وعلي وحمزة ؛ وقد رفضت تلك المرأة البكاء والنوح على أبيها عتبة وأبنيه لتحتفظ بأكبر مخزون من الحقد وروح الانتقام ، ويمكن القول ان معركة أحد ، انما جاءت استجابة عمياء لروح الثأر التي ينطوي عليها عرب الجاهلية ، وبقف هند وراء حماس ابي سفيان في صراعه مع الإسلام مع ان البيت السفياني لم يكن اقلّ حقداً من غيره على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله (2) .


    (1) عدّ القتلى بسيف علي فكانوا خمسة وثلاثين .
    (2) كانت أم جميل اخت ابي سفيان تحرّض زوجها أبا لهب ضد النبي صلى الله عليه وآله وهو ابن اخيه حتى نزلت سورة المسد فيهما .


( 37 )

وفي شوّال وقد مرّت الذكرى الأولى لأكبر وأول انتصار اسلامي قرب عيون بدر بدأ المشركون بقيادة أبي سفيان زحفهم باتجاه المدينة ، وقد خرجت هند ومعها بعض النسوة يحملن الدفوف وينشدن اشعار الثأر ، التي تخرج عن دائرة الحياء (1) .
    تلقّت المدينة الانباء وبدأت الاستعدادات للمواجهة بعد جدل في المسجد ولكن النبي صلى الله عليه وآله وقد رأى حماس الشباب في القتال خارج المدينة لبس لامة حربه وحسم الأمر ، وتحرّك الجيش الإسلامي ؛ المؤلف من ألف مقاتل ، ولكن رأس النفاق اتن أبي سلول قرر العودة ومعه ثلاثمئة مقاتل محدثاً بذلك شرخاً واسعاً في صفوف القوات الإسلامية وهي على وشك الاشتباك وقد رأى بعض الصحابة مواجهتهم ولكن النبي رفض ذلك وفي جبل أحد (2) التقى الجمعان ، وضع النبي صلى الله عليه وآله خطة المواجهة مؤكداً على احتلال مرتفعات جبل « عينين » وتمركز قوّة من امهر الرماة مؤلفة من خمسين جندي مهمتها الدفاع وحماية مؤخرة الجيش الإسلامي من حركة التفاف قد يقوم بها العدو .
    رتب المشركون قواتهم في صفوف مستفيدين من تجربتهم


    (1) انشدت هند قبيل الاشتباك : نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق الدر في المخانق والمسك في المفارق .. ان تقبلوا نعانق ونفرش النمارق .. أو تدبروا نفارق فراق غير وامق .
    (2) قال فيه رسول الله : جبل يحبّنا ونحبّه .


( 38 )

المرير في بدر مقلّدين بذلك الجيش الإسلامي فهي استراتيجية اسلامية في القتال .
    اشتعلت المعركة وكانت الجولة الأولى للمسلمين وقد استبسل علي في القتال فكان ينقض على اصحاب اللواء من بني عبد الدار فتساقطوا الواد بعد الآخر ، وعندما سقط اللواء للمرّة الأخيرة دبّت الهزيمة في قوّات الشرك ، واطلقت هند ساقيها للريح وهي ترى احلامها تذروها رياح الغضب الإسلامي .
    وفي تلك اللحظات المثيرة تناسى الرماة وصايا النبي صلى الله عليه وآله وغادروا مواقعهم من اجل الغنازم رغم صيحات قائدهم .
    وهنا انتهز خالد بن الوليد الفرصة فقاد فرسانه في حركة التفاف سريعة مفاجئاً مؤخرة جيش المسلمين فحدثت الفوضى وعمّ الارتباك صفوف المقاتلين ، ومن ثم الهزيمة وانتشرت شائعة حول مصرع النبي ، وفي غمرة هذه الفوضى كان سيدنا محمد ومعه بعض اصحابه وفي طليعتهم علي بن أبي طالب يسطرون أكبر ملحمة في المقاومة ، وكانت كتائب الشرك تهاجم بعنف مركز القيادة وكان علي والزبير وطلحة وأبو دجانة والحمزة وحذيفة ومصعب بن عمير وغيرهم يقاتلون ببسالة ، وسقط مصعب شهيداً فاخذ علي اللواء ، وسقط حمزة سيد الشهداء ، والملحمة مستمرة ، والكتائب تندفع نحو رسول الله ، وهو يهتف بعلي : دونك الكتيبة ، واغمي على النبي من شدّة الجراح وأفاق النبي صلى الله عليه وآله ، وقال لعلي : ما


( 39 )

فعل الناس فاجاب : لقد نقضوا العهد وولوا الدبر ؛ وفي تلك الاثناء انقضت كتيبة مؤلفة من خمسين فارساً فهتف النبي بابن عمه :
    ـ أكفني هؤلاء .
    فانبرى علي وتصدّى لها بمفرده واجبرها على التراجع ؛ وفي تلك اللحظات وفي غمرة الغبار والقتال هبط جبريل قائلاً :
    ـ يا محمد ان هذه لهي المواساة !
    فقال النبي صلى الله عليه وآله :
    ـ وما يمنعه من ذلك وهو مني وأنا منه .
    فقال جبريل :
    وأنا منكما .
    وسمعت الأذن البشرية في تلك البقعة الملتهبة من دنيا الله صيحة سماوية تملأ الفضاء :
    ـ لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي !
ويوم زاغت الأبصار :
    اسفرت معركة أحد عن زعزعة هيبة المسلمين في الجزيرة العربية إلى حد ما (1) ، ولكن سيدنا محمد صلى الله عليه وآله اتخذ ما من شأنه


    (1) وجد المنافقون واليهود فرصة للنيل من الإسلام وراحوا يرددون ساخرين : إذا =


( 40 )

استرداد مجد الإسلام ، إذا عبأ النبي صلى الله عليه وآله جيشه بعد يوم واحد فقط من المعركة وقاد حملة لمطاردة جيش المشركين الذين فضلوا الانسحاب مكتفين بما حققوه من نجاح مؤقت ؛ وقد رابط النبي صلى الله عليه وآله في « حمراء الاسد » مدّة ثلاثة أيام والجيش الإسلامي يشعل النيران ليلاً امعاناً في تحّي المشركين الذين عسكروا في وادي الروحاء لاتخاذ قرار حمل مهاجمة المدينة المنورة ، ولقد كان أبو سفيان يدرك قبل غيره أن النصر الذي احرزه جيشه في أحد كان بسبب مغادرة رماة الجيش الإسلامي مواقعهم ، لهذا قرر العودة إلى مكّة منحنياً للعاصفة .
    وما يؤكد هذا الرأي أن قوافل قريش التجارية ظلّت تسلك طرق العراق الأكثر صعوبة ، ومع كل هذا فقد بدأ المسلمون يهددون هذه الطرق أيضاً مما جعل المشركين يشعرون بالذعر ، فالتجارة كانت عصب الحياة في قريش .
    وفي السنة الرابعة للهجرة وقع حادث خطير عندما حاول يهود « بني النضير » اغتيال النبي صلى الله عليه وآله ، وقد اخفقت المحاولة في اللحظات الأخيره ونتيجة لهذا الانتهاك السافر لمعاهدة بينهم وبين المسلمين فقد قرر الرسول صلى الله عليه وآله تأديبهم ، فحوصرت قلاعهم ، وانبرى « عزّوك » لصبّ سهامه على خيمة النبي فابعدت قليلاً عن


= كانت بدر آية من الله فماذا عسى أن تكون أية أحد ؟ ! وألبس اليهود الحادث ثوباً دينياً قائلين : ما اصيب بمثل هذا نبي قط .


( 41 )

مرمى السهام ، وقد سقط عزوك في كمين نصبه علي بن أبي طالب فقتل هو وعشرة من أفراده ، واخيراً استسلم يهود بني النضير فتم ترحيلهم من المدينة (1) ، ويبدو أن حيّ بن اخطب زعيم بني النضير قد اختار خيبر وفي رأسه فكرة رهيبة للقضاء على الإسلام .