هارون :

في السنة التاسعة من الهجرة المباركة وصلت المدينة انباء مثيرة حول حشود عسكرية هائلة في تبوك (1) ؛ واستعد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لمواجة أكبر امبراطورية في العالم آنذاك . كان الفصل صيفاً شديد الحرارة ، والعالم عام جدب مما جعل هذه المهمّة العسكرية شاقّة ، واعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم حالة النفير العالم ، ولأول مرّة استخدام سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم اسلوب الحرب الشاملة بالتحاق جميع القادرين على حمل السلاح .
    وسجّل المجتمع الإسلامي حالة رائعة من التضمن مقابل تيار المنافقين الذين بذلوا جهوداً قذرة في تثبيط الهمم (2) .
    وبالرغم من قسوة الظروف فقد حشد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ثلاثين الف مقاتل وغادر المدينة واستخلف عليها وصية علي بن أبي طالب وهي المرّة الأولى التي لم يشترك فيها على في حروب الإسلام .


    (1) وفي الشمال من شبه الجزيرة العربية .
    (2) شهد ذلك العام نشاطاً محموماً من قبل المنافقين وكانت لهم اتصالات مشبوهة مع « ابي عامر الراهب » الذي لجأ إلى القسطنطنية لتحريض الرومان .


( 86 )

    كان المنافقون ينتهزون هذه الفرصة ولكنهم اصيبوا بخيبة أمل لدى اكتشافهم ان خليفة النبي هو ابن عمه علي .
    وجاء وفد من المنافقين وعرضوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أن يصلي في مسجد (1) لهم بنوه في قرية « قبا » في ضواحي المدينة ؛ ولم يذهب النبي صلى الله عليه وآله وسلّم إلى قبا ؛ وارجأ ذلك لحين عوجته من تبوك .
    وقف الاطفال والنساء والشيوخ فوق سطوح المنازل يودّعون الجيش الإسلامي والشفاه تتمتم بالدعاء أن ينصر الله رسوله والذين آمنوا .
    واستيقظت في نفوس المنافقين كوامن الخيانة والغدر ووجدوا في علي عقبة كأداء في الوصول إلى أهدافهم الرخيصة .
    اطلق المنافقون الشائعات حول المنافقين الشائعات حول الستخلاف النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لعلي بن أبي طالب قائلين : انما خلّفه استثقالاً له . ولم يجد علي وهو الذي لم يفارق النبي صلى الله عليه وآله وسلّم طيلة حياته إلا أن يأخذ سلاحه ويلتحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلّم .


    (1) تعود فكرة بناء مسجد « ضرار » إلى أبي « أبي عامر الراهب » وهو من أهل المدينة ومن قبيلة الخزرج ، اعتنق النصرانية في الجاهلية ، واظهر العداوة للنبي صلى الله عليه وآله وسلّم بعد قدومه إلى المدينة وفرّ إلى مكة بعد معركة البدر ، وراح يحرّض قريشاً على حرب الإسلام ، اشترك في معركة أحد ، وظل في مكّة حتى الفتح ؛ لجأ إلى الطائف ثم فرّ منها إلى بلاد الروم ، والتقى هرقل وحرّضه على قتال الدولة الإسلامية ، ومن هناك كتب إلى جماعة من المنافقين ودعاهم إلى بناء مسجد يكون لهم مقرّاً ومعقلاً له إذا فكر بالعودة إلى المدينة ؛ وقد استجاب المنافقون لفكرته وشرعوا في بناء مسجد مقابل مسجد « قبا » .


( 87 )

    كان النبي قد عسكر في « الجرف » قريباً من المدينة عندما وصل علي وقال مخاطباً رسول الله :
    ـ يا نبي الله زعم المنافقون بانك انما خلفتني استثقالاً لي !
    أجاب النبي مستنكراً :
    ـ كذبوا .. انما خلّفتك لما ورائي .. ان المدينة لا تصلح إلا بي أو بك .. فانت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي وقومي ..
    واردف قائلاً كلمته الخالدة :
    اما ترضى يا علي أن تكون مني بنزلة هارون من موسى ولكن لا نبي بعدي ؟
    وعاد « هارون » إلى المدينة وهو يحمل أوسمة المجد ؛ وشعر المنافقون بالاحباط ؛ وهم يرون علياً يعود إلى المدينة ، فانطلقوا إلى مسجدهم (1) خارج المدينة .
 

مشاهد النبوءات :
    المشهد الأول :

حل ذو الحجة الحرام من السنة التاسعة للهجرة ، وهبط جبريل يحمل آيات « البراءة » ، ايذاناً سماوياً بانتهاء الوثنية في شبه الجزيرة العربية ، استدعى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أبا بكر وسلّمه


    (1) مسجد ضرار الذي احرق فيما بعد بامر من السماء .


( 88 )

البلاغ السماوي (1) ، ومضى أبوبكر أميراً على الحج ذلك العام ؛ حتى إذا وصل « ذي الحليفة » (2) . هبط الوحي في المدينة المنورة ، يأمره إلا يبلّغ تلك الآيات إلا نبي أو وصي نبي واستدعى رسول الله علياً وأمره أن يركب « القصوى » (3) وأن يدرك أبابكر ويأخذها منه .
    وعاد أبوبكر إلى المدينة وهو يشعر بالقلق وخاطب النبي بلهجة يشوبها خوف :
    ـ يا رسول الله انزل فيّ شيء ؟
    اجاب النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مطمئناً :
    ـ لا ولكن قال لي جبريل : لا يؤديها عنك إلا انت أو رجل منك (4) .
    علي يطوي المسافات يقود قوافل الحج الأكبر . وشهد البيت العتيق للمرّة الثالثة نداءات التوحيد ؛ وكان الوثنيون يبحثون عن


    (1) « براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين * فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلوا انكم غير معجزين الله وأن الله مخزي الكافرين * وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسولهُ فان تبتم فهو خير لكم وان توليتم فاعلوا انكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب اليم » | التوبة 1 ـ 3 .
    (2) الميقات المعروف اليوم بـ « مسجد الشجرة » .
    (3) ناقة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم .
    (4) « ما رأيت مثل مخالفينا عمدوا إلى من ولاه الله من سمائه فعزلوه والى من عزله الله من سمائه فولّوه » هشام بن الحكم معلّقا على نتائج « السقيفة » .


( 89 )

الات العزى وهبل وعن عشرات الألهة التي دكّها الزلزال الإسلامي .
    وها هو علي بن أبي طالب ابن عم محمد وزوج ابنته فاطمة يعلن موت الوثنية وزوالها إلى الأبد .
    تألقت شمس العاشر من ذي الحجة الحرام ، ووقف علي يتلو بلاغ السماء :
    « انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا » .
    ودوّت نداءاته في فضاء مكّة وهو يهتف عالياً :
    ـ لا يحجّن بعد هذا العام مشرك ولا يطوفن في البيت عريان ولاتدخل الجنّة إلا نفس مسلمة ؛ ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله إلى مدّته .. » .
    المشهد الثاني : دخل الناس في دين الله أفواجاً ، ما خلا بعض القبائل هنا وهناك ، وفي شهر رمضان المبارك من السنة العاشرة للهجرة بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم علياً على رأس ثلاثمئة من المقاتلين إلى قبيلة مذحج في اليمن وكانت مشاهد التوديع مؤثرة فقد عمّم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم علياً بنفسه وسلّمه اللواء ، وقال له :
    ـ ادعهم إلى قول لا إله إلا الله محمد رسول الله فان أجابوك فأمرهم بالصلاة ولا تبغ منهم غير ذلك ..


( 90 )

    واردف قائلاً :
    ـ والله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس .
    وحفظ علي وصية النبي فعاش حياته كلها يجاهد من أجل الايمان .
    وحفظ علي وصية النبي فعاش حياته كلها يجاهد من أجل الايمان .
    قال علي وقد ساوره قلق من مهمّته :
    ـ يا رسول الله تبعثني إلى قوم وانا حديث السن لا أبصر القضاء . تقدم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ووضع يده على صدر علي ونظر إلى السماء بخشوع وقال :
    ـ اللهم ثبت لسانه واهد قلبه .
    واردف وهو ينظر إلى فتاه وصهره :
    إذا جاءك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر فانك إذا فعلت تبين لك القضاء (1) .
    وانطلقت خيول الإسلام إلى اليمن ، وكان همّ عليّ الأول أن تدخل القبال القاطنة هناك في دين الله ؛ وقد نجح في مهمّته (2) ، ثم غادر اليمن بعد أن ترك فيها معاذ بن جبل يعلّم أهلها احكام


    (1) قال علي عليه السلام : « والله ما شككت في قضاء بين اثنين » .
    (2) كان خالد بن الوليد قد اخفق في هذه المهمّة رغم مرابطته ستة اشهر .


( 91 )

الشريعة ؛ أما علي فقد توجه من هناك إلى مكة ، فقد اطلّ موسم الحج ، وها هو رسول الله ومعه عشرات الألوف من المسلمين يقطعون الصحراء وهم يلبّون نداء ابيهم ابراهيم ، وقد سمّاهم المسلمين من قبل ؛ واسرع علي (1) يحث خطاه وفي قلبه شوق للقاء نبي الله صلى الله عليه وآله وسلّم ، والتقى الاخوان على مشارف مكّة .
    وزفّ علي بشائر النصر إلى رسول الله .
    قال النبي وقد اشرقت الفرحة في وجهه :
    ـ بم اهللت يا علي ؟
    قال علي :
    ـ يا رسول الله انك لم تكتب اليّ باهلالك ولا عرفته فعقدت نيّتي بنيتك ، وقلت اللهم اهلالاً كإهلال نبيك ، وقد سقت معي من البدن اربعاً وثلاثين بدنة .
    وعندها قال النبي صلى الله عليه وآله :
    ـ الله أكبر وأنا سقت ستاً وستين .. وانت شريكي في حجي ومناسكي وهديي فأقم على احرامك وعد الى جيشك فعجّل بهم حتى نجتمع بمكة .
    المشهد الثالث : وقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يوم النحر من حجة الوداع خطيباً :


    (1) كان علي قد ترك الجيش ليلحق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلّم .


( 92 )

    ـ « اما بعد ايها الناس اسمعوا مني ما ابين لكم فاني لا أدري لعلي لا القاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا ، ان دماءكم واموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم وبلدكم هذا .. »
    « ايها الناس انما المؤمنون اخوة ولا يحلّ لأمريء مال اخيه إلا عن طيت نفسه ، فلا ترجعوا كفاراً بعدي يضرب بعضكم اعناق بعض فأني قد تركت فيكم ما ان اخذتم به لن تضلوا بعدي ابداً : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ... » .
    انطوى موسم الحج ، وغادر سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم مكّة ومعه مئة ألف أو يزيدون ؛ التاريخ يشير إلى يوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام من السنة العاشرة للهجرة .
    قوافل الحجيج تهوي في بطون الأودية ؛ الشمس في كبد السماء وقد بدت وكأنها تتشظى لهباً ، القوافل تصل مكاناً (1) قريباً من الجحفة ، حيث مفترق الطرق .
    وغمرت النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وهو على ناقته « القصوى » حمّى الرسالات لقد هبط جبريل يحمل بلاغ السماء ، وتوقف النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وهو يتشرب انذاراً سماوياً :
    ـ « يا ايها الرسول بلّغ ما انزل اليك من ربّك وان لم تفعل فما بلغت


    (1) غدير خم .


( 93 )

رسالته والله يعصمك من الناس » .
    وتوقفت عشرات الألوف وهي تتساءل عن السرّ في توقف النبي ، في هذه البقعة الملتهبة من دنيا الله .
    وانبرى بعض الصحابة يصنعون للنبي مرتفعاً فلديه كلمات تامّات يريد ابلاغها لعشرات الآلاف من الصحابة .. والأجيال القادمة ... والتاريخ .
    كلمات الحمد والثناء لله تنساب من بين شفاه آخر الأنبياء كان علي واقفاً قرب الإنسان الذي ربّاه صغيراً وعلّمه كيف يحيا ؛ قال النبي وعشرات الاُلوف تتطلع إليه :
    ـ ألست أولى بالمؤمنين من انفسهم ؟
    وجاء الجواب من عشرات الحناجر :
    ـ بلى يا رسول الله .
    وأخذ النبي بيد علي ورفعها عالياً :
    من كنت مولاه فهذا علي مولاه ...
    ورفع آخر الأنبياء يديه إلى السماء :
    ـ اللهم وال من والاه .. وعاد من عاداه .. ونصر من نصره .. واخذل من خذله .
    وهبط جبريل يبشر محمداً صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قد ادّى رسالته وقد آن له


( 94 )

أن يستريح ؛ لقد اكتمل الدين وتمت النعمة وقيل الحمد لله رب العالمين .
    تصفد الجبين الازهر ؛ عرقاً تألقت حبّات العرق كقطرات الندى وقد انطبعت كلمات السماء فوق شغاف قلبٍ وسع الدنيا والتاريخ :
    ـ « اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا » .