ارهاصات الرحيل :
    عاد رسول الله إلى المدينة ، ينوء بثقل السنين ، تؤرقه هواجس المصير ؛ جبريل يعرض عليه القرآن مرّتين ، أنه يقترب من النهاية .. نهاية كل الحيوات ، وقد ظهرت في الافق غيوم وغيوم (1) .
    انتصف الليل وبدت النجوم في صفحة السماء قلوباً تنبض بوهن استدعى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مولاه « أبا مويهبة » .
    قال النبي بشيء من الحزن :
    ـ اني قد أمرتُ أن استغفر لاهل البقيع فاخرج معي .


    (1) تعدّ الشهور الأخيرة من حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم « أواخر السنة العاشرة ومطلع السنة الحادية عشرة من الهجرة » من الفترات العاصفة في تاريخ الإسلام وما تزال بعض حوادها تثير حتى اليوم اسئلة عديدة .


( 95 )

    ـ لبيك يا رسول الله .
    الصمت يهيمن على المكان ما خلا خطوات واهنة في طريقها إلى اناس عاشوا ثم ماتوا ؛ وقف آخر الأنبياء يحيّي أولئك الذين رحلوا بعيداً بالرغم من تلك الاشبار القليلة التي تفصلهم عمّا يجري فوق الأرض :
    ـ السلام عليكم يا أهل المقابر : ليهن لكم ما اصبحتم فيه مما اصبح الناس فيه ، لو تعلمون ما نجاكم الله منه ...
    أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع اخرها أولاها والآخرة شرّ من الأولى .
    التفت رسول الله إلى مولاه :
    ـ يا أبا مويهبة : اني قد اوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنّة ؛ وخيّرت بين ذلك ولقاء ربّي والجنّة ، فاخترت لقاء ربّي والجنّة .
    قال أبو مويهبة بحزن :
    ـ بابي أنت وأمي فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنّة .
    أجاب النبي وقد هزّة لقاء الحبيب :
    ـ لا والله يا أبا مويهبة لقد اخترت لقاء ربّي ..


( 96 )

    وسمع أبو يهبة تمتمات الاستغفار ... ها هو النبي الأمّي يتذكر اصحابه الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه .
    الأيام تمرّ حزينة والرسول يخطو إلى النهاية ... وقد ازفت ساعة الرحيل (1) .
    لزم النبي فراش المرض ، جسده يغلي من وقع الحمّى .
    المسلمون رجالاً ونساءً يعودون آخر الأنبياء .. القلوب تذوب حزناً وجاءت أم بُشر تعوده ؛ قال النبي وقد ومضت في ذهنه حوادث خيبر :
    ـ يا أم بشر ... وجدت انقطاع ابهري مع الاكلة التي اكلت مع ابنك بخيبر (2) .
    الخميس 24 | صفر | 11 هـ :
    اليوم هو يوم الخميس ، ارتدت الاشياء ثوب الحزن والقلق ؛ أو هكذا خيّل للمؤمنين ، فالقب الكبير يخفق بشدّة تتسارع دقّاته


    (1) تذكر المصادر التاريخة ان زينب بنت الحارث اليهدية اهدت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم شاة مشوية بعد أن سمّت ذراعها « وكان الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم يحبّ من لحم الشاة الذراع » ، وقد لاك النبي منها مضغة ولم يسغها ، وتناول أحد اصحابه « بشر بن البراء » منها لقمة فمات فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم : ان هذا العظم ليبخرني أنه مسموم واعترفت المرأة بجريمتها وبرّرت ذلك بقولها : قلت في نفسي : ان كان نبيّاً فيخبر وان كان ملكاً استرحت منه . وقد وقع الحادث بعد توقف العمليات الحربية في خيبر سنة 7 هـ ـ صيف عام 628 م .
    (2) الطبري 3 : 16 .


( 97 )

تحت لهيب الحمّى ... والنبي يقطع الخطوات الأخيرة من حياته في كوكب الحوادث ؛ عيناه مشدودتان إلى الافق البعيد .. الافق المغمور بالطمأنينة والسلام ؛ والقلب يخفق لآخر الامم وقد ذرّ الشيطان قرنيه .
    الحجرة الطينية المتواضعة تكتظ برجال رافقوا النبي وها هم يجتمعون حوله ، وآلاف الأفكار تصطرع في الرؤوس ، وقد « اقبلت الفتن كقطن الليل المظلم » .
    نظر النبي إلى اصحابه .. دمعت عيناه .. ها هي لحظة الوداع قادمة من بعيد انها تقترب ، وها هي الفتن مقبلة .
    تمتم النبي بصوت واهن :
    ـ ائتوني تصحيفة ودواة لاكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً .
    ونهض صحابي .. فاعترضه رجل فيه غلظة :
    ـ أرجع .. لقد غلب رسول الله الوجع .. انه يهجر .. حسبنا كتاب الله .
    الجسد يغلي تحت وطأه الحمى .. غامت المرئيات وولج النبي عالماً آخر اغضبته كلمات صاحبه .
    ولمّا افاق وجد اصحابه يتنازعون ، قال رجل :
    ـ ألا نأتي لك بدواة يا رسول الله !


( 98 )

اجاب النبي بحزن :
    ـ أبعد الذي قلتم .
    أدار آخر الأنبياء وجهه إلى الحائط .. ونهض الرجال وكان ابن عم له بيكي (1) .. يبكي بمرارة ؛ لقد اضاع المسلمون مجدهم .. ولسوف يبكون .. يذرفون الدموع غزاراً قبل أن يعثروا عليه .
الجمعة 25 | صفر | 11 هـ :
    جاءت فاطمة .. فتاة تحمل ملامح مريم .. النبع الدافق رحمة وحناناً .. جاءت « أم أبيها » (2) .. تعود أباها .. اراد آخر الأنبياء أن ينهض اجلالاً للمرأة المثال .. لسيدة كل امرأة في التاريخ .. ولكن الجسد الواهن لم يستجب للارادة .. هتف وقد شاعت الفرحة في وجهة .
    ـ مرحباً يا بنتي ..
    أخذ النبي بيدها واجلسها إلى يمينه ؛ همس في اذنها بكلمات .. شهقت الفتاة بعبرات واخضلّت الاجفان بالدمع .. كسماء تمطر بحزن ..
    وهمس الأب بكلمات .. انقشعت الغميوم .. واشرقت شمس


    (1) عبد الله بن عباس .
    (2) كلمة مأثورة عن النبي في حق ابنته .


( 99 )

الأمل تبعث النور والدفء .. اشرقت ابتسامة في الوجه المضيء .. تعجبت عائشة .. حفصة .. أم سلمة .. وكل النسوة .. نهضت فاطمة .. لحقتها عائشة :
    ـ لقد خصّك بسرّ .. تضحكين تارة وتبكين أُخرى !!
    اخبريني بما قال لكِ .
    قالت فاطمة وما تزال قطرات الدمع عالقة باهدابها :
    ـ ما كنت لأفشي سرّ رسول الله .
 

السبت 26 | صفر | 11 هـ :
    ترك أسامة جيشه في « الجرف » (1) ودخل منزل تموج في نفسه الهواجس ، فهناك من الصحابة من تذمّر من قيادته لحداثة سنّة ، وهناك من يتعلّل بحالة النبي قال اسامة وهو مطرق الرأس :
    ـ بأبي أنت وأُمي .. اتأذن ان امكث اياماً حتى يشفيك الله ..


    (1) شدّد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم على اهمية هذه الحمله العسكرية واسند قيادتها إلى أسامة بن زيد بعد أن تناهت الأنباء حول حملة اضطهاد ينفذها الرومان حيال المسلمين وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلّم كبار الصحابة بالانضواء باستثناء وصيه علي بن ابي طالب ، وهو أمر يدعو إلى التأمل في حوادث تلك الفترة العاصفة من التاريخ .
    وكانت مهمّة « اسامة » كما وردت في كتب التاريخ ان يوطئ الخيل تخوم البلقاء ( الأردن ) والدواروم من ارض فلسطين قريباً من « مؤتة » حيث سقط والده « زيد بن حارثة » شهيداً .


( 100 )

    ـ لا يا أُسامة .. انفذ بجيشك حتى توطئ خيلك ارض البلقاء والداروم حيث قتل أبوك .
    ورأى النبي صاحبيه .
    قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بألم :
    ألم أمركم بانفاذ جيش اسامة ؟!
    اجاب الأول : كنت في « الجرف » وقد جئت اجدّد بك العهد .
    وقال الثاني : أما أنا فلم اخرج .. لا أريد أن أسأل عنك الاعراب في الصحراء !
    تضاعفت آلام محمد صلى الله عليه وآله وسلّم ... غلت العروق بسبب الحمى والغضب تمتم بحزن : انفذوا جيش اسامة ... انفذوا جيش اسامة .. أنفذوا ...


الأحد 27 | صفر | 11 هـ :
    خفّت الحمّى ... وشعر آخر الأنبياء بشيء من النشاط يسري في جسده الواهن ؛ تاقت روحه العظيمة إلى مسجد أُسس بنيانه على التقوى ؛ كان الوقت ضحى ، طلت النبي من ابني عمّه (1) .
    ان يساعداه ؛ وبالرغم من العصابة التي شدّها حول رأسه إلاّ ان الحمى قد خفّت قليلاً ... وها هو النبي يمشي الهويني بين علي


    (1) علي والفضل .


( 101 )

والفضل ، وشاعت الفرحة بين اصحابه ...
    اتجه آخر رسل السماء إلى فارتقاه وكان يتساند على يد الفضل حتى استوى قال النبي اصحابه بنظرات تشّع رحمة وقال :
    احمد اليكم الله .. ايها الناس . من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتد منه ومن كنت اخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه ..
    ولا يقل رجل أني أخاف الشحناء من رسول الله ألا وان الشحناء ليست من طبعي ولا من شأني الا وان احبكم اليّ من أخذ مني حقاً ان كان له .. أو حلّلني فأتيت الله وأنا طيب النفس ...


الاثنين 28 | صفر | 11 هـ :
    دهمت الحمّى الجسد الواهن ، والروح العظيمة توشك على الرحيل ؛ القلب الكبير يخفق بعنف .. واخفقت مياه الآبار في اطفاء النار المشتعلة ..
    ارتفع صوت بلال يدعو إلى الصلاة ... وخف بلال الى بيت الرجل الذي علّمه كيف يحيا ... وقف إزاء الباب وهتف بشوق :
    ـ الصلاة يرحمكم الله :


( 102 )


    قال النبي وهو ينوء تحت وطأة الحمّى :
    ـ يصلّي بالناس بعضهم فاني مشغول بنفسي ..
    هتفت عائشة : مروا أبابكر !
    وهتفت حفصة : مروا عمر !
    وتألم النبي فما يزال اصحابه في المدينة وقد أمروا بالجهاد .. مايزال جيش اسامة في المدينة وقد أمر أن يذهب إلى تخوم « البلقاء » .
    ونهض رسول الله ... وساعده علي والفضل ... وكانت قدماه تخطان في الأرض ... ووجد صاحبه في الغار في المحراب فنحّاه ..
    وعاد النبي إلى منزله ينوء بحمى الرحيل ...
    وضع النبي رأسه في حجر اخيه ... وتوهجت الذكريات البعيدة تذكر مشاهد مضيئة ... انبعثت من بين غبار الأيام وتراب السنين ... تذكر يوم كان صبياً في حجر محمد ... تذكر رحلاته إلى جبل حراء ويوم هبط جبريل يحمل آخر الرسالات ... وتذكر اللحظات التي ودّعه فيها يوم فرّ من مكّة ... تذكر سنوات الجهاد والعناء ... ويوم تحطمت الأصنام وعنت الوجوه للواحد القهّار ... ها هو محمّد صلى الله عليه وآله وسلّم يذوي ... يخبو بريق عينيه ... يشع اسمه في القلوب ... كل القلوب ... نهضت فاطمة احتراماً للرجلين ابيها وبعلها .. احتراماً للحظات الوداع ... بعد رحلة طويلة ناهزت


( 103 )

الثلاثين سنة ونهضت النسوة احتراماً لفاطمة ... لم يبق في الحجرة الطينية سوى محمد وعلي وكلمات الوداع ... جلست فاطمة عند عتبة الباب .. في استسلام كامل للقدر وانبعثت كلمات محمد الأخيرة ... السماء تخيّره فاختار :
    ـ بل الرفيق الأعلى ...
    وعانق علي اخاه وسيّده ... وانطلقت الروح من أهاب الجسد تطوي المسافات ...
    ودوّى هتاف حزين :
    ـ وامحمداه (1) !
    وانطفأت الشمس وحلّ زمن الزمهرير .
    فاطمة تنوء بنفسها وقد اسندت رأسها إلى صدر لم يعد النسيم يزوره .
    كانت تصغي إلى صمت الأنبياء ... وللصمت حديث تسمعه القلوب وتصغي اليه العقول .. العينان اللتان كانتا نافذتي نور قد اسدلتا جفونهما ، واليدان اللتان كانتا مهداً هما الآن مسبلتان ... والروح التي كانت تصنع التاريخ والإنسان قد رحلت بعيداً ..



    (1) «وسمعوا صوتاً من السماء بعد موته ينادي وامحمداه ... » | تاريخ بن الوردي 1 : 209 .


( 104 )

غادر هذا الكوكب الزاخر بالويلات .
    لقد حلّت لحظة الفراق ؛ وتخفف الإنسان السماوي من ثوبه الأرضي ليرحل بعيداً ... إلى عوالم حافلة بالنور والحبّ والسلام .