الفصل الثاني
اصلب من الأيام


« فصبرت وفي العين قذىً وفي الحلق
شجىً ... أرى تراثي نهبا .. »

 


( 106 )


( 107 )

العاصفة :
    انطفأ السراج فالدنيا ظلام ... وخمد الوقد فالحياة في جزيرة العرب زمهرير ... ورحل السلام ... فذرّ الشيطان قرنيه يعربد ..
    يها الصامت ! صمتك ابلغ من كل ابجديات الدنيا .. وسكوتك المدوّي صرخة حق في عالم الأباطيل .. وقد زلزلت الأرض زلزالها انهار عمود خيمة كانت تعصف بها الريح .. وتمزّق « الكساء » اليماني وكان يدثّر نبياً هو آخر الأنبياء في التاريخ .. ورجلاً يشبه « هارون » في كل شيء إلا النبوة .. وامرأة هي سيدة بنات حواء وسبطين هما آخر الاسباط في التاريخ .
    آه منك يا يوم الاثنين ...
    جثا علي أما جسد كانت روحه العظيمة تضيء الجزيرة وبقايا نور في الجبين البارد تشبه شمساً هوت في المغيب . هيمن صمت ملائكي في المكان فيما العالم خلف الحُجُرات يموج بالفتن .
    ظهرت غمية في الافق حجبت ضوء الشمس ... وكمن


( 108 )

بيحث عن ظلّه في يوم غائم كان الناس ينظرون هنا وهناك ... هل غادر الحبيب الديار ؟!
    واجتمعت طائفة من الانصار في سقيفة لهم ... فهناك من يريد الاستيلاء على « سلطان محمد » ( قريش ) لا تريد علياً .. ذلك الفتى الذي قهر بـ « ذي الفقار » جبروتها .. لا تريد لبني هاشم أن يحوزوا النبوّة والإمامة .. والوحي والخلافة والسماء والأرض ...
    هل ادرك الانصار ما يدور في الخفاء من همس حول اقصاء علي ؟ ... هل طمعوا بـ « السلطان » ؟ . هل خافوا أن يضيع نصيبهم من « الأمر » .
يا يوم الاثنين :
    اغمض النبي عينيه ... وعاد جبريل إلى السماء .. واستيقظت في النفوس .. غرائز كانت مكبلة أو نائمة ..
    دخل عمر حجرة النبي .. كشف الملاءة عن وجه اضاء الدنيا قال بدهشة متصنّعة :
    ـ ما اشدّ غشي رسول الله .
    اجاب المغيرة مصعوقاً من موقف عمر :
    ـ مات والله رسول الله .
    ردّ عمر بلهجة فيها وعيد :
    ـ كذبت ما مات ولكنه ذهب إلى ربّه ... كما ذهب موسى


( 109 )

ابن عمران .
    وظل المغيرة ينظر إلى عمر بدهشة .
    خرج عمر وقد جحظت عيناه من الغضب .. شهر سيفه مهدداً وراح يهتف :
    ـ ان رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد مات ... لا والله ... ما مات .. ولكن ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران ثم رجع بعد أربعين ليلة ...
    والله ليرجعن رسول الله .. فليقطعن أيدي رجال وارجلهم ... » .
    الغريق يتشبث بكل شيء ... يتشبث بالأمل الكاذب .. يتشبث بالقشة .. يحسبها .. طوق نجاة وخلاص .
    وعندما يفقد الإنسان الأمل ... عندما تجتاحه عاصفة يأس فانه قد يعمد إلى وهم يهبه شكل الحقيقة فيغفو عليه ؛ لا يريد أن يرى بوضوح ما يجري .
    تحلّق الناس حول رجل يبرق ويرعد ويهدد كل من يقول بموت محمد صلى الله عليه وآله وسلّم .. ما اجمل ما يقوله عمر .. محمد لم يمت .. ذهب إلى ربّه .. بعد ليال سوف يعود !
    لقد ضربت الصاعقة الاذهان .. شلّتها عن التفكير .. في كل شيء ومن بعيد لاح « أبو بكر » .. وصل توّاً من خارج المدينة .. من


( 110 )

منزل له في « السنح » .
    هتف من بعيد :
    ـ على رسلك أيها الحالف :
    والتفت إلى الأمة المذهولة قائلاً :
    ـ أيها الناس ! من كان يعبد محمداً فان محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حيٌّ لايموت « وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ... » .
    فجأة خمد البركان ... وتظاهر « عمر » باستسلام عجيب ، وقف إلى جانب اخيه ... وانضم اليهما رجل ثالث هو « ابن الجرّاح » تبادل الثلاثة نظرات ... هي لغة كاملة .. ربّما كانوا يفكرون ليومين أو ثلاثة من المستقبل ... أو ربّما للتاريخ باسره .
    ان كان التحولات الاجتماعية الكبرى انما تولد في الضمائر الإنسانية . قبل أن تشق طريقها إلى الواقع ... انها موجودة في الأعماق حتى يأتي من يستخرجها إلى ارض الوقائق ، كان في ضمائر جلّة المهاجرين ، وقريش قاطبة عزم في الا تجتمع النبوّة والخلافة في بني هاشم وقد قرأ رجال ما يجول من خواطر . فاخرجوا ما استتر في الضمائر .. وقد اخفق النبي في هزيمتها يوم هزم الأوثان العربية .


( 111 )

علامات استفهام : الشمس ما تزال وراء غيوم « نيسان » (1) ... جثمان آخر الأنبياء ما يزال مسجىً ... علي ذاهل دوّخته الفاجعة شعر بغربة شديدة لقد رحل الحبيب ... ستموت فاطمة ... ستذوي مثل شمعة تحترق في ليل الجزيرة ... وسيبقى وحيداً ...
    اسفر الجدل في « السقيفة » (2) عن انتخاب « سعد بن عبادة » خليفة للمسلمين !! الاطماع ، والقلق ، والخوف هي وحدها وراء اجتماع « الأنصار » في سقيفة بني ساعدة .. هناك من يحلم بالمجد وهناك من ينظر إلى الافق البعيد فيرى « قريش » تتحفز للانتقام من « أهل يثرب » تريد أن تأخذ ثاراتها في « بدر » و « أحد » و «الأحزاب » !
    الدقائق تمرّ بطيئة كأن التاريخ اصيب بالذهول ؛ الأوس يكظمون غيظاً ازاء « سعد الخزرجي » ... ولكن ماذا بوسع « الأوس » أن يفعلوا لا مفرّ من ذلك ثم انه سيكون أوهن من « قريش » ! ... قريش التي لم تنس ثاراتها بعد . وفي لحظات تاريخية غادر رجلان من الأوس ؛ وانصار على وشك البيعة .. انطلقا باقصى سرعة إلى « ابي بكر وعمر وابن الجراح » وفي قلبيهما عزم على حرمان « سعد »


    (1) انتقل النبي صلى الله عليه وآله وسلّم إلى الرفيق الأعلى في نيسان سنة 632 م .
    (2) مكان كانت تعقد فيه الخزرج اجتماعاتها المصيرية وهو يشبه إلى حدٍ كبير دار الندوة في مكّة .


( 112 )

من المجد !!
    ولكن لماذا هؤلاء الثلاثة بالذات !! لماذا عمر ؟ لماذا لم يذهبا إلى علي أو عمّه العباس ؟!
    السماء لم تزل غائمة وانطلق الثلاثة إلى « السقيفة » ، سوف يفاجأ الرجل المريض (1) . جاءت قريش تحتج بانها شجرة محمد صلى الله عليه وآله وسلّم وقد رمت بعيداً ثمرتها اليانعة !!
 

إذا الشمس كوّرت :
    ترى ماذا كان يفعل علي في تلك اللحظات المثيرة ... « الأنصار » و« المهاجرون » ، في صخب وجدل وشجار حول « سلطان محمد » ... لنترك « السقيفة » في صخبها ولنعد إلى صخبها ولنعد إلى حجرة آخر الأنبياء ..
    الصمت ما يزال يهيمن .. وبالرغم من غياب الشمس .. بالرغم من غياب الشمس .. بالرغم من غيوم « نيسان » فقد بدت الحجرة مضيئة ... مضيئة بنور شفاف لعلّه تألقات لكائنات سماوية وفدت لتحمل « الروح العظيم » .
    محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يهيمن على الزمن حيّاً وميتاً .. محمد ساكت .. وما اعظم صمت الأنبياء !


    (1) سعد بن عبادة حضر الاجتماع بالرغم من حالته الصحية المتردّية .


( 113 )

    ليت الذين يتشاجرون في السقيفة ينصتوا ليصغوا إلى صمت محمد .. أو يحترموا صمته .
    ما هذه الضدة .. تقترب من المسجد .. وكان هناك رجل طويل (1) بيده عسيب نخل يحوش الناس ؛ رفع علي عينيه وكان العباس قد ذهب يستطلع الضوضاء .. قال عم الرسول :
    ـ لقد بويع أبوبكر !!
    وارتفعت علامات استفهام كبرى فوق رؤوس بعض المهاجرين والأنصار ...
    سأل علي عمّه :
    ـ بم احتجوا على الأنصار ؟
    ـ قالوا انّا شجرة النبي !
    علّق الإمام بحزن :
    ـ احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة .
    سوف تبقى السقيفة بداية لسلسلة من المآسي في تاريخ الإسلام .
    ومن يريد أن يبحث عن جذور لكارثة « صفين » أو مأساة


    (1) عمر بن الخطاب .


( 114 )

« كربلاء » فانه يجدها في تلك الاشبار من الأرض .. عندما ظلّ علي وحيداً .
    ترى ماذا فعل على وهو يشهد انعطافة التاريخ في غير الوجهة التي ارادها سيد التاريخ ؟
    تلقى علي انباء السقيفة بصمت .. ربّما شاهدت بعض الصحابة في عينيه حزناً عميقاً .. أسفاً ..
    استأنف علي عمله في تجهيز جهمان سيد الخليقة ..


الثلاثاء 29 | صفر | 11 هـ :
    وقف العباس عم النبي وولداه (1) وقفوا صامتين يتأملون علياً ؛ التفت علي إلى الفضل :
    ـ ناولني الماء .
    اسامة يصبّ المياه فوق الجسد الطاهر ، وعلي يغسله .
    شهق بعبرته وهو يتمتم :
    ـ بابي أنت وأمي ما اطيبك حيّاً وميتاً .
    فاحت في فضاء الحجرة رائحة طيبة .. وتوهجت ذكريات قديمة .. وتذكر اسامة حديثاً للحبيب الراحل :


    (1) الفضل وقثم .


( 115 )

    ـ « ايها الناس انما انا بشر يوشك أن ادعى فاجيب ، واني تارك فيكم الثقلين : أولهما كتاب الله ، فيه الهدى والنور ، وأهل بيتي ، اذكّركم الله في أهل بيتي .. اذكّركم الله في اهل بيتي .. اذكركم الله في أهل بيتي » .
    الإنسان السماوي يتأهب للرحيل ، يرتدي ثياباً بيضاء بلون رسالته بلون حمائم السلام بلون الرباب (1) بلون النور الذي سطع في جبل حراء .
الصلاة :
    تقدم علي للصلاة على الجثمان الطاهر .. تقدم وحده .. والمسلمون في المسجد يخضون جدلاً في من يؤمهم في الصلاة .
    وقال علي :
    ـ ان رسول الله امامنا حيّاً وميتاً ... فليدخل عليه فوج بعد فوج فيصلون عليه بغير امام وينصرفون ..
    واردف :
    ـ وان الله لم يقبض نبياً في مكان إلا وقد ارتضاه لرمسه فيه ؛ واني لدافنه في حجرته التي قبض فيها .
    الشمس تسير حزينة وراء الغيوم .. تتجه إلى المغيب ،


    (1) الغيمة البيضاء .


( 116 )

والمسلمون يودعون آخر الأنبياء في صلاة طويلة .
    الشمس تقترب من المغيب ؛ وانفذ العباس إلى ابي عبيدة بن الجراح وكان يحفر لاهل مكّة ويضرّح ، وانفذ إلى زيد بن سهل وكان يحفر لأهل المدينة ؛ وهكذا اشترك انصاري ومهاجر في الحفر ؛ ودسّ علي يديه تحت المجثمان العظيم .. ونادى الأنصار من وراء الحجرات :
    ـ يا علي : نذكّرك الله وحقنا اليوم من رسول الله ان يذهب .. أدخل منا رجلاً يكون لنا به حظ من مواراة رسول الله .
    اجاب علي :
    ـ ليدخل أوس بن خولى ...
    ودخل الرجل البدري يمشي على اطراف اصابعه لكأنه يلج عالماً زاخراً بالملائكة .
    قال علي :
    ـ نزل القبر !
    ونزل الصحابي قبر من هداه إلى ينابيع النور والأمل تمنى ان يموت وتعود الحياة إلى سيده العظيم . رفع علي الجثمان الطاهر .. ووضعه على يدي الصحابي وبرفق انزله في احضان الثرى ، فاحت رائحة المسك لكأن الفردوس فتحت أبوابها تستقبل آخر رسل


( 117 )

السماء إلى الكوكب إلى الكوكب الزاخر بالحوادث .
    طلب علي من أوس ان يخلي القبر فخرج باكياً ، وولج علي الضريح .. كشف عن الوجه الأزهر الذي اضاء الدنيا والتاريخ . انطفأت الشمس غابت خلف الافق المثقل بالغيوم .. كتلال من الرماد .. التراب علا الضريح شيئاً فشيئاً .
    وجاءت فاطمة .. وهي لا تكاد تصدّق ان لدى أحد القدرة على ان يحثو التراب على رسول رب العالمين .
    قالت مفجوعة :
    ـ أطابت نفوسكم ان تحثوا التراب على رسول الله ؟!
    أخذت بكفيها قبضة من التراب ... وضعت وجهها الأزهر .. شمّته شعرت انا ستختنق إذا لم تتنفس نسائم الهواء وهي تنبعث من مسامات التراب المشبع برائحة جنات الفردوس ؛ همست بنت محمد :

ـ ماذا على من شم تربة أحمد

*

ان لا يشم مدى الزمان غواليا

    لقد غابت الشمس ، وانطوت آخر ساعة من نهار الثلاثاء .
    البرد يجوس خلال المدينة الحزينة ؛ ونهض علي ينفض يديه من تراب القبر .. لقد غابت كل الأشياء الجميلة .. لم يعد للحياة معنى إلا في مواصلة الدرب الذي اضاءه نور محمد صلى الله عليه وآله وسلّم ..