الغضب المقدس :
    وانبرى علي يسجل احتجاجه ضد أول « فلتة » (1) في تاريخ الإسلام :
    ـ افسدت علينا أمرنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقاً .
    اجاب أبو بكر بشيء من اللين !
    ـ بلى ! ... ولكن خشيت الفتنة (2) .
    وهنا سكت التاريخ !!
    ولكن موقف علي ورفضه البيعة يعبّر عن موقف واضح ازاء الطريقة التي تمت فيها معالجة واحدة من أهم المشكلات في الحياة الإسلامية ؛ والتزم علي جانب الصبر بالرغم من بعض العروض بالبيعة (3) .
    وظل علي على مواقفه حتى وفاة زوجته فاطمة التي التحقت بالرفيق الأعلى بعد حوالي ثلاثة اشهر أو تزيد .


    (1) اقتباس من تصريح لعمر بن الخطاب حول أبي بكر .
    (2) مروج الذهب | المسعودي .
    (3) جاء العباس الى علي ومعه أبو سفيان يبايعاه فرفض قائلاً : « ... افلح من نهض بجناح أو استسلم فاراح ... هذا ماء آجن ولقمة يفصّ بها آكلها ومجتني الثمرة لغير وقت ايناعها كالزراع بغير أرضه » .


( 119 )

    ونظر علي يمناً وشمالاً فلم يجد معه أحد حتى عمّه العباس هو الآخر استرضي فرضي أو وقف موقف الحياد والاعراض عن النزاع (1) .
    وقد عبر علي بن أبي طالب عن أساه وحزنه بعد ربع قرن من حادثة السقيفة بقوله : « اما والله لقد تقمّصها فلان وانه ليعلم ان محلّي منها محلّ القطب من الرحى . ينحدر عني السيل ولا يرقى اليَّ الطير ؛ فسدلت دونها ثوباً وطويت عنها كشحاً وطفقت ارتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيه الكبير ويشيب فيه الصغير ، ويكدح فيها مومن حتى يلقى ربّه » .
    وهنا يقرر الإمام الصبر : « وأيت أن الصبر على هاتا احجى ، فصبرت وفي العين قذىً وفي الحلق شجىً ارى تراثي نهباً » (2) .
    ان المرء ليشعر من خلال هذا الخطاب عمق المرارة والأسى في بحه الحزن ودرجة حرارة الكلمات وهو يستعرض تاريخ تلك الحقبة المريرة التي امتدت لتستوقب ربع قرن من الزمن .
 

علي مع القرآن :
    واعتزل علي .. أوى إلى منزله يجمع القرآن كما انزله الله ،


    (1) زار أبو بكر ومعه بعض أركان حكومته العباس ليلاً ، واسفر الجدل بتحييد الاخير .الشرح لابي الحديد : ج 1 .
    (2) نهج البلاغة | الخطبة رقم 3 .


( 120 )

وذكريات الآيات تتوهج في عقله .. وبين الفينة والأخرى يقتحم بعضهم حرمة الصمت . فعلى علي أن يبايع .. وفي كل مرّة كانت فاطمة تصدّ هجمات بعض « الصحابة » ، لقد انتزعوا منها « فدك » (1) وها هم يرومون انتزاع زوجها وقد اغمد ذا الفقار بعد أن وضعت الحرب أوزارها .
 

رحيل فاطمة :
    وتمرّ الأيام مريرة .. وتذوي فاطمة .. كشمعة في قلب الظلمات .. قوامها يزداد نحولاً .
    سكتت فاطمة هي الأخرى .. صامت مريم من قبل .. وادرك علي أن رحيلها سيكون وشيكاً وأن « البيت » الذي بناه من جريد النخل بـ « البقيع » سيكون النهاية .. سيشهد ذلك البيت انطفاء الشموع .. رحيل النجوم .. ومصرع شمس أضاءت حياته مدّته بالدفء .. النور .. الأمل .
    سكتت فاطمة والذين اشتكو من بكائها لم يعودوا يسمعون انيناً ينبعث من اعماق قلب كسير . لم يعد أحد يسمع نشيجها إلا الذين يمرّون بالبقيع .
    غابت فاطمة كما تغيب النجوم خلف السحب الدكناء ..


    (1) صودرت « فدك » على أساس حديث : « نحن معاشر الانبياء لا نورّث » الذي لم يروه سوى الخليفة الأول .


( 121 )

غابت فاطمة كفراشة تبحث عن الشمس .. عن ربيع مضى تطارده ريح شتائية .
    غابت فاطمة .. لم يعد أحد يسمع بها .. أنها تذوي وحيدة في بيت من جريد النخل غادرة الحياة .. الملائكة لا تريد حياة الأرض ، والحوريات لا تعيش في عالم التراب .. والذين اكتشفوا السماء لن يطيقوا الانتظار .
    وعندما يدرك الأنبياء ان مواعظهم لا تجد آذاناً واعية سيتحدثون بلغة الصمت ..
    في « بيت الاحزان » كانت فاطمة تذوب كشمعة متوهّجة تحرق نفسها لتهب النور والدفء من حولها ... فاطمة تتحدث بلغة الشموع .. لغة لا يسبر غورها إلا فراشات النور .. ها هي فاطمة تصرخ بصمت :
    ـ بدوي صمتي اناديكم .. ثورتي تنطوي في حزني .. ورفضي كامن في دموعي .. وهذا كل ما املكه من لغة علّكم تفهمون خطابي انا مظلومة يا ربّي .. حرّرني من هؤلاء .
    ذوت الشمعة .. احرقت نفسها .. لم يبق منها إلا حلقات من نور واهن .. آن لها أن تنطفئ . الوجه يشبه قمراً انهكته ليلة شتائية طويلة .. بدا مصفرّاً .. وكان الصوت واهناً تحمله أمواج حزينة ... والدموع غزيرة كسماء تمطر على هون .


( 122 )

    رقدت فاطمة في فراشها .. وضعت يدها تحت خدّها اغمضت عينيها ونامت .. سمعتها « اسماء » (1) تهمس بصوت ملائكي :
    ـ السلام على جبريل ... الهي في رضوانك وجارك ودارك دار السلام .
    وجاء علي .. بدا مكسور الظهر .. كما لو أنه ينوء بحمل جبال من الحزن .. راح يقرأ ما كتبته فاطمة قبل أن تغفو بسلام :
    ـ بسم الله الرحمن الرحيم ... هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول الله ... وهي تشهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله .. وان الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ..
    يا علي أنا فاطمة بنت محمد زوجني الله منك لأكون لك في الدنيا والآخرة ..
    حنطني وغسلني وكفّني وصلّ علي وادفني بالليل ولا تعلم أحداً واستودعك الله إلى يوم القيامة .
    وهكذا شاءت فاطمة أن ترحل بصمت .. ان تدفن في قلب الليل .. أن يبقى قبرها مجهولاً لترسم سؤلاً كبيراً مايزال حتى اليوم


    (1) زوجة جعفر ابن أبي طالب .


( 123 )

يستفهم التاريخ والإنسان !
    لم يدفن علي فاطمة حتى دفن معها قلبه وحبّه العظيم ، ثم يمم وجهه شطر الرجل الذي واراه الثرى بالأمس فيهمس لديه بكلمات الحزن .. ولوعة الفراق :
    ـ السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة والسريعة اللحاق بك .. قَلّ يا رسول الله عن صفيتك صبري ورق عنها تجلدي ..
    أما حزني فسرمد .. وامّا ليلي فمسهّد ، إلى أن يختار الله لي دارك التي انت بها مقيم ..
    وستنبئك ابنتك بتظافر امّتك على هضمها ، فاحفها السؤال واستخبرها الحال ..
    هذا ولم يطل العهد ، ولم يخل منك الذكر .. والسلام عليكما .. سلام مودّع لا قالٍ ولا سئم .. فان انصرف فلا عن ملالة .. وأن اقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين ... »
    ونهض علي يواجه الدنيا وحيداً .. يشعر بالغربة فلقد وارى بيده قلبه وسعادته وسيفه ذا الفقار .. تمتم بحسرة :
    ـ فقد الأحبّة غربة .
توهجات الزمن الأول :
    بايع علي « مكرهاً » .. وانطوى وحيداً يعالج همومه واحزانه


( 124 )

وشيئاً فشيئاً بدأت عجلة الحياة تدور .. وقلّ الحديث عن مسألة الخلافة .. وانطلقت جيوش الفتح الإسلامي في الجبهات .. وانصرف علي إلى العمل .. يحفر الآبار ويفجّر العيون لتسيل أودية بقدر .. يحرث الحقل ويسقي الزرع لتخضرّ الأرض ..
    انهى علي احتجاجه الصامت وعاد إلى المسجد .. إلى « الجماعة » . بالرغم من كل الآلام ..
    احتدم الجدل في مجلس الخليفة الأول حول غزو دولة الروم ؛ نظر الخليفة إلى علي وكان ساكتاً قال علي :
    ـ إن فعلت ظفرت .
    قال أبو بكر :
    ـ بُشّرت بخير ..
    وانطلقت خيول الفتح الإسلامي تنشر النور في الشمال .
    كتب خالد بن الوليد إلى الخليفة انه وجد رجلاً في بعض ضواحي العرب ينكح كما ينكح المرأة !! جمع أبو بكر جماعة من اصحاب النبي واختلفت الآراء في عقوبته فقال علي :
    ـ ان هذا ذنب لم تعمل به امّة من الأمم إلا امّة واحدة (1) فصنع الله بها ما قد علمتهم .. أرى أن يحرق ..


    (1) قوم لوط في ارض سدوم وعامورا بالقرب من البحر الميت في فلسطين .


( 125 )

    كتب أبو بكر إلى خالد يأمر يتنفيذ الحكم .
    وصل وفد مسيحي إلى عاصمة الإسلام يحمل اسئلة عصره .. عجز الخليفة في حوار « الجاثليق » (1) فأرسل وراء علي ..
    قال الجاثليق :
    ـ اين وجه الربّ ؟!
    أمر علي باشعال النار في الحطب وارتفعت السنة اللهب .. سأل علي زعيم الوفد :
    ـ أين وجه النار ؟
    قال الجاثليق :
    ـ هي وجه من جميع الجهات .
    ـ هذه نار مصنوعة ، لا يعرف وجهها ، وخالقها لا يشبهها .. لله المشرق والمغرب .. فأينما تولّوا فثم وجه الله .
    وسكت الجاثليق خاشعاً .
 

مسار الأحداث :
    وقعت بعض الحوادث العامة خلال تلك الحقبة التي امتدت من ربيع الأول 11 هـ وحتى جمادى الأولى سنة 13 هـ .
    في طليعتها تحرك جيش الإسلامي بقيادة اسامة بن زيد إلى


    (1) عالم النصارى .


( 126 )

ارض البلقاء حيث اضطدم بالحاميات الرومية هناك واحرز انتصارات في تلك المواقع .
    والجيوش الإسلامية بقيادة المثنى بن حارثة الشيباني تبدأ غزو العراق ؛ وفي تلك الفترة تم اغتيال آزرمي بنت كسرى وعمّت الفوضى في البلاد .
    كما وقع حادث له دلالته عندما قام خالد بن الوليد بقتل مالك ابن نويرة (1) وآخرين دون مبرّر مقنع ، وقد عدّ الحادث وقتها افجع انتهاك لحقوق المسلم .
    وفي سنة 12 هـ طلب أبو بكر من زيد بن ثابت أن يجمع القرآن الكريم .
    هرقل امبراطور الروم يجهز حملة ضخمة بقيادة ( بانس ) ، والجيوش الإسلامية التي تقاتل في الجبهة العراقية تقطع الصحراء متجهة نحو الجبهة الشمالية لنجدة القوات الإسلامية المشتبكة مع الرومان ؛ والجيوش الإسلامية تتقدم باتجاه السقم الجنوبي من فلسطين .
    وفي جمادي الأولى من سنة 13 هـ تدهورت صحة أبي بكر ،


    (1) مالك بن نويرة بن جمرة بن شدّاد ، أبو حنظلة فارس شاعر من أردف الملوك في الجاهلية ، أدرك الإسلام وأسلم ولاه النبي صدقات قومه ، امتنع عن دفع الزكاة للظروف والملابسات التي اعقبت وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم .


( 127 )

فاستدعى كلاً من عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان ، وبحث معهما خلافة عمر (1) .
    وكان الأخيران يدركان تماماً منزلة عمر لدى الخليفة الأول قال عبد الرحمن : ان عمر أفضل من رأيك فيه .
    وقال عثمان : أن سريرته خير من علانيته ، وليس فينا مثله .
    وطلب أبوبكر من عثمان أن يكتب عهده ... ويذكر التاريخ أن أبا بكر دخل في اغماءة اثناء مقدّمة العهد واستمر عثمان في الكتابة فسمّى الخليفة الجديد ، وهنا أفاق أبو بكر وقرأ عثمان ما كتبه اثناء فترة الاغماء ! فأقرّ الخليفة الأمر واستحسنه ! وبهذه الطريقة تمت تسمية الخليفة الثاني !