توهجات الزمن الثاني :
    تسنم عمر بن الخطاب مسؤوليته في قيادة وادارة الدولة الاسلامية وتمّت مبايعته كأمير للمؤمنين (2) ؛ وقد امتدت خلافته


    (1) أهمل أبوبكر علي بن أبي طالب في مسألة الخلافة تماماً كما اهمله من قبل في مسألة جمع القرآن ، وسوف يبقى المنهج التبريري الذي يتناول تلك الحقبة المريرة من تاريخ الإسلام عاجزاً عن تقديم اجوبة مقنعة .
    (2) كان المسلمون يخاطبون أبابكر بـ « يا خليفة رسول الله » ، وحدث ما يشبه الأزمة في مخاطبة عمر بن الخطاب ، ويبدو لمن يتأمل الحوار الذي دار بين عمر =


( 128 )

لتستوعب عقداً كاملاً من الزمن قال علي فيها :
    « حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده ... فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسّها ، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم ، وان واسلس لها تقحّم » (1) .
    جمع الخليفة الثاني اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بعد ان أصبح التأريخ للحوادث مشكلة ، وكان السؤال : من أين نكتب التاريخ ، وتضاربت الآراء فقال علي عليه السلام : من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ...
    وهكذا بدأ تاريخ الهجري .
    استدعى عمر امرأة وكانت حاملاً ، فشعرت بالذعر واجهضت حملها واستشار عمر في الدية قال عبد الرحمن وعثمان :
    ـ لا عليك ... انما أنت مؤدب .
    فقال علي :
    ـ ان كانا قد اجتهدا فقد اخطأ ، وان لم يجتهدا فقد غشاك .
    أرى عليك الدية .


= ابن الخطاب والمغيرة بن شعبة أن الأول كان يحاول مساعدة الأخير على اكتشاف التسمية الجديدة .
    (1) المقطع الأخير يجسّد عمق معاناة علي عليه السلام في تلك الفترة . نهج البلاغة . نهج البلاغة | الخطبة الشقشقية .


( 129 )

    لم تجد العقوبة المفروضة آنذاك (1) في الحدّ من استمرار تعاطي الخمرة في الهشام ؛ وبعث أبو عبيدة بن الجرّاح نداء استغاثة حول هذه الظاهرة ، فاستشار عمر اصحاب النبي فقال علي : اجعلها بمنزلة حدّ الفريه « ثمانون جلدة » .
    ان الرجل اذا شرب هذى افترى ؛ واصبح رأي الامام جزءً من القانون الإسلامي حتى الآن .
    جاءت الشرطة تسوق امرأة راعية اتهمت بالزنا .
    وسأل عمر المرأة فاعترفت ، وظن الخليفة الثاني ان الأمر قد بات واضحاً فاصدر حكمه برجمها كما أمرت الشريعة بذلك . وحضر علي في الوقت المناسب ، ورأى علي امارات حزن عميق تموج في وجه المرأة فقال :
    ـ لعل بها عذراً .
    وخاطب المرأة قائلاً :
    ـ ما حملك على ما فعلت ؟
    قالت المرأة وهي تشهق بالبكاء :
    كان لي خليط ، وفي إبله ماء ولبن ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن فاستسقيته ، فأبى أن يسقيني حتى اعطيه نفسي ، فأبيت ثلاث مرّات ، حتى كدت أموت عطشاً .. فاعطيته الذي أراد فسقاني .


    (1) اربعون جلدة .


( 130 )

    هتف علي :
    ـ الله أكبر !
    ثم تلا الآية المباركة :
    « فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا اثم عليه ان الله غفور رحيم » .
    وعندها سحب الخليفة الثاني حكم الموت وانطلقت المرأة سعيدة بالحياة .
    كانت الجيوش الإسلامية تندفع هنا وهناك من العالم وبرزت مشكلة الأرض المفتوحة ، عندما طالب المسلمون باربعة اخماس الأرض ؛ على اساس ظاهر الآية ، وحدث جدل واسع حولها في المدينة ، فاشار علي عليه السلام على الخليفة بابقاء الأرض بايدي اصحابها الأصليين ، والزامهم بدفع ضريبة الخراج لسدّ حاجات الدفاع عن الأمة ؛ وكان لهذا الموقف الأثر الكبير في انتشار الإسلام .
    وقعت جريمة فريدة في « صنعاء » عندما اقدمت إمرأة مع عشيقها على قتل زوجها وتردد عمر في اصدار حكم القصاص فهل يصح قتل الكثيرين بالواحد ؟!
    فقال علي متسائلاً :
    أرأيت لو أن نفراً اشتركوا في سرقة جزور هذا عضواً ، وهذا عضواً .. اكنت قاطعهم ؟


( 131 )


    اجاب الخليفة :
    ـ نعم .
    عندها قال علي عليه السلام :
    ـ فكذلك .
    وهنا كتب عمر ألى عامله هناك : ان اقتلهما فوالله لو اشترك أهل صنعاء كلهم لقتلهم .
الحوادث : وقعت خلال العشرة اعوام تلك حمادث هامّة فعلى الصعيد الثقافي منع الخليفة الثاني تدوين الحديث ، وعرّض بذلك تراث سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم إلى خطر الضياع ، غير أن علياً عليه السلام كان قد انبى إلى جمع القرآن وتدوين الحديث منذ اليوم الأول لرحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ألى الرفيق الأعلى ، فاصبح المرجع الأول في الأحكام باعتراف الجميع . وشهد هذا العقد من الزمن تتابع الفتوحات الإسلامية تواصل معاركها الضارية مع الرومان بعد معركة اجنادين الحاسمة ، وقوّات الإسلام تفتح عشرات المدن هناك .


    (1) والد المختار الثقفي الثائر المعروف .


( 132 )

    وفي سنة 14 هـ توفى سعد بن عبادة في طريقه إلى الشام في ظروف غامضة (1) .
    وفي السنة الخامسة العشرة من الهجرة وبعد مضي عامين على خلافة عمر بن الخطاب بدأ الأخير في تنفيذ سياسة مالية جديدة مخالفاً بذلك سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم والخليفة الأول ، وبدأ منذ ذلك التاريخ التمييز في نظام العطاء ، في تقدم « البدريين » على غيرهم وتفضيل المهاجرين على الأنصار وتقديم امهات المؤمنين على غيرهن ، وتصنيف سائر شرائح المجتمع الإسلامي على أساس الانتماء القبلي ، فتجذرت بذلك ظاهرة العصبية التي ساعدت فيما بعد على توفير المناخ المناسب للعنصرية ؛ ونهضت عليها سياسة الحكم بعد ثلاثة عقود من الزمن (2) .
    وفي تلك الفترة الغى الخليفة الثاني منح المؤلفة قلوبهم الامتيازات المالية التي كانوا يحصلون عليها ، وقد عدّت الخطوة في الدراسات المعاصرة محاولة ناجحة في دمج تلك الشريحة المعادية الإسلام في الباطن بالمجتمع الإسلامي ، وتمهيد الطريق أمام بني


    (1) الخزرجي الأنصاري أبو قيس ، احد النقباء الاثني عشر في بيعة العقبة كان سيد الخزرج ، وكانت في يديه راية الفتح في تحرير مكّة ، سمعت تهديداته لابي سفيان وقريش ، فاخذ النبي الراية منه وسلّمها علياً كان زعيم مؤتمر السقيفة وبذل قصارى جهده في دفع الانصار إلى بيعته قبل أن يستولي عليها المهاجرون !
    (2) الحكم الأموي البغيض .


( 133 )

امية في تسنم ارفع المناصب القيادية ؛ فاذا اضفنا إلى ذلك سياسته تجاه ولاة المدن التي تتسم بالشدّة والقسوة في بعض الأحيان ، واستثناء معاوية بن أبي سفيان من ذلك حتى اصبح الوالي المدلّل ، فان الأمر سوف يدعو إلى التساؤل عن بواعث هذا الاستثناء (1) !
اضاءتان :
    سافر احدهم بعد أن أودع أمرأتيه لدى صديق له وكانتا حاملين فوضعت كلاهما ، وضعت احداهما بنتاً والأخرى صبياً ، واندلع النزاع ، حول الصبي ، حين ادعته المرأتان .
    وجاء الصديق يستنجد بالقضاء لحلّ هذه المعضلة ، وعرض الخليفة الثاني ملف القضية على الصحابة فلم يجد لديهم حلاً فقال عمر :
    أما والله اني لأعرف من لها .
    وادرك بعضهم ما عناه الخليفة فقال :
    ـ كأنك تعني علياً .


    (1) كانت الاخبار تترى حول تجاوزات معاوية المالية وبذخه ، وكان عمر يكتفي بردّه قائلاً : ذاك كسرى العرب ، وقد بلغ من استهتار الاخير انه كان يلبس الديباج والحرير ويستعمل الذهب ، الأمر الذي دفع ببعض الصحابة إلى استنكار ذلك علنا فردّهم الخليفة الثاني قائلاً :
    ـ دعونا من ذمّ فتى من قريش ، من يضحك في الغضب ، ولا ينال ما عنده من الرضا ، ولا يؤخذ من خوف رأسه إلا من تحت قدميه .


( 134 )


    ـ أجل .
    وتطوع أحدهم باستدعاء علي ولكن الخليفة رفض ذلك قائلاً :
    في بيته يؤتى الحكم .
    ونهض الجميع المنطلقين إلى ابن عم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ؛ وبعد لأي وجدوه في بستان يعمل ... سمعوا صوته وهو يرتل آيات من القرآن فيمتزج الترتيل بالبكاء والدموع :
    ـ « ايحسب الإنسان أن يترك سدىً ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فسوّى فجعل منها الزوجين الذكر والانثى أليس ذلك بقادر على أ، يحيي الموتى ... » .
    ونظر بعضهم إلى بعض .. فالقضية التي جاءوا من اجلها تدور حول ذكر وانثى !
    رحب الإمام بضيوفه وروى عمر ما جاءوا من أجله : فاشار إلى الرجل وقال :
    ـ ان هذا ذكر ان رجلاً أودعه امرأتين ، فوضعتا جميعاً : احداهما ولداً ذكراً والأخرى بنتاً وكلتاهما تدّعي الابن وتنفي البنت (1) .
    إجتث الإمام شوكة صغيرة من الأرض وقال :


    (1) يبدو أن الدوافع كانت من اجل الميراث أو لنيل الحظوة والمنزلة لدى الزوج .


( 135 )

    ـ القضاء فيها ايسر من هذه .     أمر الإمام باحضار قدحين متساويين في الوزن والتفت إلى احداهما وقال : احلبي في هذا القدح .. فحلبت .. وقال للأخرى مثل ذلك .. وجئ بميزان للصاغة فوضع في طرفيه القدحان وكان حجم الحليب متساوياً ؛ ودهش الصحابة وهم يرون أن أحد القدحين يرجح الآخر فقال لصحابة القدح الاثقل : خذي ولدك ، والتفت إلى الأخرى فقال : خذي بنتك ، والتفت إلى الخليفة . فقال : لبن البنت على النصف من لبن الولد ، وميراثها نصف ميراثه .
    واعجب عمر بقضاء الإمام فقال متأثراً :
    ـ لقد ارادك الحق يا أبا الحسن ولكن قومك أبوا (1) !
    فقال الإمام بشيء من الحزن :
    ـ هوّن عليك أبا حفص .. ان يوم الفصل كان ميقاتاً .
    واندلعت ازمة قضائية أخرى ، عندما اقدمت امرأة على افتضاض بكارة فتاة يتيمة كان زوجها قد ربّاها في بيته وخشيت المرِأة بعد ان رأت تلك الفتاة قد شبت واضحت فائقة الجمال ان يقدم زوجها على الزواج منها ، فانتهزت سفر الزوج وسقتها الخمرة وازالت بكارتها بيدها بمعاونة بعض جاراتها ؛ وعندما عاد الزوج


    (1) ممّا يثير التساؤل المرير هذا التأكيد الماتواصل على احقية علي عليه السلام بالخلافة واستبعاده القاتل في لحظات تقرير المصير .. مصير الحكم .


( 136 )

اتهمت الزوجة الفتاة بالبغاء . وحار الخليفة في فصل القضية فانطلق مع اصحاب الدعوى وجمع من الصحابة إلى علي .
    سأل علي الزوجة عن البيّنة في هذا الاتهام :
    ـ الك بينة أو برهان .؟
    اجابت المرأة :
    ـ هؤلاء جاراتي يشهدون عليها بما أقول .
    وجاءت النسوة فشهدن ضد الفتاة ؛ ودخلت القضية مطبّاتها أمام اصرار الفتاة بأنها لم ترتكب مثل هذا الاثم .
    أمر الإمام باجراء لم يسبق له مثيل عندما طلب التفريق بين الشهود ؛ بدأ الإمام استجوابه التحقيقي مع زوجة الرجل فحذرها من عاقبة القذف فاصرّت المرأة على موقفها ، فغادر الإمام الحجرة إلى حجرة أخرى حيث توجد إحدى الشاهدات ؛ استلّ الإمام سيفه ذا الفقار من الغمد ، وجثا على ركبتيه وخاطبها قائلاً :
    أتعرفيني .. ؟ انا علي بن أبي طالب وهذا سيفي ..
    ثم أردف قائلاً :
    ـ وقد قالت امرأة الرجل ما قالت ورجعت إلى الحق فاصدقي القول وإلا ملأت سيفي منك .
    وانهارت المرأة فالتفت إلأى عمر قائلة :


( 137 )

    ـ يا أمير المؤمنين الأمان على الصدق ؟
    قال الإمام :
    ـ فاصدقي إذن .
    واعترفت المرأة بجريمة صاحبتها فقالت :
    ـ والله ما بغت الفتاة .. ولكن زوجة الرجل رأت فيها جمالاً وهيئة .. وخافت أن يتزوجها ، فسقتها المسكر ودعتنا فامسكناها فافتضتها باصبعها ! وهناك هتف الإمام : الله اكبر ... أنا أول من فرّق بين الشهود بعد دانيال النبي .. واصدر الإمام حكمه في القضاء :
    ـ على المرأة حدّ القذف وجميع العقر وهو اربعمئة درهم ... وأنت تنفى من الرجل (1) ...
    وانتهز عمر الفرصة فقال للإمام :
    ـ حدّثنا يا أبا الحسن حديث دانيال .
    فقال عليه السلام :
    ـ كان دانيال النبي يتيم الابوين ... احتضنته امرأة من بني اسرائيل فربّته .. وان ملكاً من ملوك بني اسرائيل كان له قاضيان وكان لهما صديق وكان رجلاً صالحاً وله زوجة صالحة على جانب كبير


    (1) طلق الرجل زوجته بعد عودته ... فزوّجه الإمام الفتاة اليتيمة وساق عنه المهر .


( 138 )

من الجمال فبعثه الملك في بعض أموره ؛ فقال الرجل للقاضيين : اوصيكما بامرأتي خيراً ؛ وخرج الرجل ، وكان القاضيان يأتيان باب الصديق ، فعشقا امرأته فراوداها عن نفسها ، فأبت . فقالا لها ان لم تفعلي لنشهدن عليك عند الملك بالزنى ثم لنرجمنك .
    فقالت : افعلا ما احببتما .
    فأتيا الملك فشهدا عنده انها بغت ، وكان لها ذكر جميل فاعترى الملك من ذلك أمر عظيم واشتد غمّه فقال لهما : ان قولكما مقبول فأجلوها ثلاثة أيام ثم ارجموها .
    ونادى المنادي في تلك المدينة أن احضروا رجم فلانة العابدة قد بغت ، وقد شهد عليها القاضيان .
    فاكبر الناس هذا العمل ودهشوا له ، وقال الملك لوزيره ما عندك في ذلك ؟ هل من حيلة ؟ فقال الوزير ما عندي في ذلك شيء ، فخرج الوزير في اليوم الثالث فاذا بغلمان عراة يلعبون وفيهم دانيال ، فقال دانيال لأصحابه : تعالوا نلعب فاكون أنا الملك وتكون انت يا فلان العابدة وقال وهذا سيفي ثم قال : خذوا بيد هذا الشاهد فاجعلوه في مكان كذا ثم دعا احدهما وقال : ان لم تقل حقاً قتلتك .. بم تشهد على هذه المرأة فقال : اشهد انها زنت .
    قال : متى ؟


( 139 )

    قال : يوم كذا وكذا .
    قال : مع من ؟
    قال مع فلان بن فلان .
    في أي مكان ؟
    في مكان كذا وكذا .
    قال : ردوه إلى مكانه .
    وجاء بلأخر .
    فقال : علام تشهد ؟
    قال : أنها زنت .
    قال : في أي يوم .
    قال : في يوم كذا وكذا .
    قال مع من ؟
    قال : مع فلان بن فلان .
    قال : في أي موضع ؟
    قال في موضع كذا وكذا .
    فخالف صاحبه في الشهادة .
    فقال الدانيال : الله اكبر ! شهدوا بزور ... ناد في الناس ان القاضيين شهدا على فلانة بالزور فاحضروا قتلهما .
    فذهب الوزير إلى الملك مبادراً فاخبره بما رأى فبعث الملك إلى القاضيين ، ففرق بينهما ، وفعل بهما كما فعل دانيال فاختلفا في


( 140 )

القول كما اختلف الغلمان ، فنادى في الناس وامر بقتلهما .