توهجات الزمن الثالث :
    بدأت بخلافة عثمان حقبة زمنية جديدة ، حقبة شهدت ظهور اعداء الإسلام القدامى من امثال ابي سفيان ومروان والوليد وتولّيهم المناصب الرفيعة واصبحت مقدّرات البلاد وثروتها حكراً على بني امية . وارتفعت القصور المنيفة الى جانب الاكواخ لتشهد على مدى الحيف الذي حلّ بالشرائح المسحوقة من المجتمع الإسلامي .
    وادرك أبوسفيان ان الأوان قد آن للثأر من محمد فجاء إلى الخليفة الثالث وخاطبه بكل وقاحة قائلاً :
    ـ يا بني أمية بلاقفوها تلاقف الكرة فوالذي يحلف به أبو


( 153 )

سفيان (1) لا جنّة ولا نار .
    جاءت الشرطة تسوق إمرأة شابة تزوجت منذ ستة أشهر وقد انجبت ... فثارت الشكوك حول عفتها قبل الزواج ؛ ورفع الزوج الأحمق الشكوى ضدها ، فاصدر خليفة المسلمين عثمان حكماً باعدامها رجماً بالحجارة ؛ وأُخذت المسكينة ألى ساحة الاعدام ، كانت تنظر إلى السماء بعينين غارقتين بالدموع فليس هناك من يطلع على السرائر سوى الله ..
    قالت الفتاة الشابة التي لم تهنأ بعد بعرسها ... قالت لاختها :
    ـ يا اخية لا تحزني ... فوالله ما مسّني أحد قط غيره .
    وهب علي بن أبي طالب بعدما اطّلع على حيثيات القضية فقال لعثمان :
    ان خاصمتك بكتاب الله خصمتك .
    ـ ؟!!
    ـ ان الله تعالى يقول : « وحمله وفصاله ثلاثون شهراً » .
    ثم قال عزوجل : « والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة » .
    فحولين مدّة الرضاعة وستة اشهر مدّة الحمل .


    (1) كثيراً ما سمع عنه تمجيده لهبل ؛ كما حدث في معركتي أحد وحنين .


( 154 )

جرت العملية الحسابية في ذهن عثمان بسرعة فقال مبهوتاً :
    ـ ما فطنت لهذا .
    ثم اصدر أمره باطلاق سراح الفتاة والغاء عقوبة الموت بحقها ولكن رسول الخليفة وصل متأخراً ... لقد تم تنفيذ الحكم ورحلت الفتاة إلى السماء تشكو إلى بارئها ظلم الانسان (1) .
    بلغ استهتار الوليد بن عقبة واليّ الكوفة حدّاً لا يطاق ولكن الوليد لم يكن ليكترث لأي كان مهما بلغت منزلته ، فهو أخو الخليفة لامّه ؛ وهكذا انصرف إلى حياة الملاذ والترف ، وهام بالخمرة يكرع كؤوسها سرّاً وعلانية .
    وجاء ذات صباح إلى مسجد يترنّح سكران بنشوة الخمر ، وراح يقرأ في صلاته بعد أن وقف بصعوبة في المحراب :
    ـ علق القلب الربابا .. بعد ما شابت وشابا .
    ويقول في سجود :
    ـ اشرب واسقني .
    واجتاحته رغبة عارمة بالقيء فتقيأ !
    وهكذا اتمّ الوالي صلاة الفجر في اربع ركعات .. والتفت


    (1) شبّ الصبي وكانت ملامحه تشبه ملامح ابيه فاعترف به .


( 155 )

ليخاطب المسلمين بكل وقاحة :
    ـ هل ازيدكم ؟!
    اجاب الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ساخطاً :
    ـ لا زادك الله خيراً .. ولا من بعثك الينا .
    وراح الناس يقذفونه بالحصى وهو يترنح في طريقه إلى القصر ..
    اثار الحادث غضب جماهير الكوفة فانطلق وفد إلى المدينة بعد أن انتزعوا خاتم الوالي السكران ..
    وقابل عثمان الوفد بلهجة فيها غيظ قائلاً :
    ـ وما يدريكم انه شرب الخمر ؟
    أجاب اعضاء الوفد :
    هي الخمر التي كنا نشربها في الجاهلية .
    وقدّم أحدهم إلى الخليفة خاتم الوليد :
    ـ انتزعناه من اصبعه وقد كان ثملاً .
    شعر الخليفة بالحقد فضرب أحد اعضاء الوفد في صدره ودفعه . وغادر الوفد قصر الخليفة آسفاً لموقف عثمان .. ولم يجد الوفد الكوفي حلا سوى اللجوء إلى علي بن أبي طالب فلعلّه يوقف


( 156 )

عثمان وولاته عند حدودهم .
    وانتفض علي وهرع إلى قصر الخليفة وخاطب عثمان بلهجة تتشظى غضباً مقدساً :
    ـ دفعت الشهود وابطلت الحدود ؟!
    وادرك عثمان أن الأمور دخلت منعطفاً خطيراً فقال بلهجة فيها مداراة :
    ـ ما ترى ؟
    قال علي بحزم :
    ـ ارى أن تبعث إلى صاحبك ( الوليد ) فإن قامت الشهادة في وجهه ولم يدل بحجة اقمت عليه الحدّ . وصدر أمر باستدعاء والي الكوفة للتحقيق مع حول الحادث ؛ وجاء الوليد غير مكترث كعادته .. انه يعرف عثمان جيداً !
    حضر الشهود وادلوا بافاداتهم ضد الوليد بأنه شرب الخمر ، وصلّى الفجر ثملاً اربع ركعات وتقيأ في المحراب :
    لم ينبس الوليد ببنت شفه واكتفى بالنظر ساخراً إلى وجوه الشهود .. كانت لحظات مثيرة فقد اصبح حكمه واضحاً أن يجلد ثمانين سوطاً عقوبة شارب الخمر .. ولكن من يجرؤ على تنفيذ الحكم وهو أخو الخليفة وواليه المدلّل !


( 157 )

    ومرّة أخرى نظر الوليد بسخرية إلى من جاءوا يشهدون عليه .
    وهنا حدث من لم يخطر ببال أحد ، فقد اندفع علي وانتزع السوط ، وفّر الوليد هنا وهناك ولكن علي سرعان ما امسك به وضرب به الأرض ، وتوالت سياط على الغاضبة تلهب جسم الوالي الفاسق ؛ وصرخ عثمان :
    ـ ليس لك أن تفعل هذا به !
    فردّ علي بغضب سماوي :
    ـ بلى وشر من هذا اذ فسق ومنع حق الله أن يؤخذ منه !
    وهكذا سقط الوالي إلى الحضيض .. ولكن عثمان لم ينس « اخاه » لأمّه فاسند اليه مهمّة جديدة إذ عينه جابياً لصدقات « كلب » و« بلقين » (1) .
    وانطوى علي على جراحه فليس في الأفق ما يبشر بخير . حوادث الزمن الثالث :
    استهل عثمان خلافته بتمكين بني امية من مقاليد الحكم ، وتسنم مروان بن الحكم ارفع المناصب حتى كان خاتم الخلافة في يده يحكم ما يشاء ؛ وفي عهد عثمان تصاعدت وتيرة الفتوحات


    (1) تاريخ اليعقوبي 2 : 142 .


( 158 )

وراحت الجيوش الإسلامية تسيح في الأرض شرقاً وغرباً (1) ؛ وكنوز الغنائم تتدفق ليكون طريقها إلى بني امية ، وبعض الصحابة الذين وجدوا في سياية عثمان ما يشبع طموحاتهم واطماعهم في المال والثراء . وفي مقابل هذا نجد صفحات تضج بالمآسي عنما يحتج بعض الصحابة على ظاهرة الانحراف التي لم يعد السكوت عنها .
    ان التأمل في ما عاناه الصحابي المظلوم ابي ذر الغفاري على أيدي الأوغاد من بني امية سوف يلمّ بصورة مصغرة عن عمق المحنة التي عصفت بالاسلام والامّة بل وحتى الأجيال القادمة ؛ كما أن التوقف عند مشهد أبي ذر حبيب محمد صلى الله عليه وآله وسلّم وهو يضرب بقسوة ويهان في « المدينة » عاصمة الإسلام سوف يتذكر ولا ريب معاناته في مكّة يوم كانت الكعبة تضجّ بالاوثان وكان الوثنيون ينهالون على « جندب بن جنادة » وقد هتف : ان لا إله إلا الله ... محمد رسول الله ؛ وسوف يكتشف المرء أن الذين كانوا يضربونه في مكّة قد عادوا مرّة أخرى يجلدونه في يثرب بعد أن تلبسوا ثوب الاسلام كرهاً وزوراً .
 

الدين والدنيا ... معادلة الصراع :
    ها هو أبو ذر يعود من الشام منهكاً ارهقه الجلاّدون سيراً ،


    (1) وفي عهده فتحت ارمينيا وآذربيجان وافريقيا ، وبدأ غزو الروم براً وبحراً وفتحت جزيرة قبرص وفي سنة 27 انطلقت قوّة بحرية لاحتلال شواطئ الاندلس وبدأت الاستعدادات لمهاجمة القسطنطنية ، واقتحام أروبا عن طريق اسبانيا .


( 159 )

وهو الشيخ الذي انهكته السنون والأيام من قبل .
    عاد إلى المدينة ... غريباً وحيداً لم يستقبله أحد .. انها أوامر مروان الخليفة الفعلي للبلاد ..
    لم يجد عثمان مع أبي ذور حلا إلا أن يقتله أو ينفيه ليموت وحيداً ...
    لقد بلغ الارهاب ذروته فلم يخرج لتوديع ابي ذر إلا علي وأخوه ( عقيل ) وابناه ( الحسن والحسين ) والصحابي الجليل عمار ابن ياسر ... اما الآخرون فقد خافوا سطوة مروان .. وجاء مروان ثائراً يتهدد ويتوعد الذين تمرّدوا على ارادة الخليفة ..
    كان الحسن يحدّث أباذر ، عندما صرخ مروان :
    ـ أيها يا حسن ألا تعلم ان أمير المؤمنين نهى عن كلام هذا الرجل ؟ فان كنت لا تعلم فاعلم !
    ولم يجد علي بن أبي طالب ردّاً مناسب سوى أن ضرب بالسوط بين أذني راحلته فولّى مذموماً مدحوراً .
    وبدأت مراسم توديع صحابي آمن بالله ورسوله وطوى سنوات عمره مجاهداً الذين اشركوا والذين في قلوبهم مرض .
    تقدّم علي شدّ بيده على يد صاحب رسول الله وقال :
    ـ يا أبا ذر انك غضبت لله ..


( 160 )

    ان القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك فاترك في أيديهم ما خافوك عليه واهرب منهم بما خفتهم عليه فما احوجهم إلى ما منعتهم وما اغناك عمّا منعوك وستعلم من الرابح غداً ، والأكثر حسداً ، ولو أن السموات والأرضين كانتا على عبد رتقاً ثم اتقى الله لجعل الله له منها مخرجاً ، يا أبا ذر لا يأنسك إلا الحق ولا يوحشك إلا الباطل .
    وتقدم عقيل ليسجل تضامنه قائلاً :
    ما عسى أن نقول يا أبا ذر ، انت تعلم أنّا نحبّك وانك تحبّنا فاتق الله فان التقوى نجاة ، واصبر فان الصبر كرم . واعلم ان استثقالك الصبر من الجزع ، واستبطائك العافية من اليأس فدع اليأس والجزع .
    وقال الحسن مصبّراً :
    يا عماه لو لا أنه لا ينبفي للمودّع أن يسكت وللمشيع ان ينصرف لقصر الكلام وان طال الأسف ... فضع عنك الدنيا بتذكر فراقها .. وشدّة ما اشتد منها برجاء ما بعدها واصبر حتى تلقى نبيك صلّى الله عليه وآله وهو عنك راض .
    وقال الحسين كلمته التي تنضح احتقاراً للدنيا ، وتمجيداً للدين والكرامة :
    ـ يا عماه ان الله قادر أن يغير ما قد ترى والله كل يوم في شأن .


( 161 )

وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك ، فما اغناك عما منعوك واحوجهم إلى ما منعتهم ، فاسأل الله الصبر والنصر ..
    وتقدم عمار يودّع صاحبه بكلمات هي مزيج من الحزن والغضب قائلاً :
    ـ لا آنس الله من أوحشك ولا آمن من اخافك اما والله لو أردت دنياهم لأمنوك ، ولو رضيت اعمالهم لاحبوك وما منع الناس ان يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا والجزع من الموت ومالوا إلى السلطان جماعتهم والملك لمن غلب فوهبوا لهم دينهم ومنحهم القوم دنياهم . فخسروا الدنيا والجزع من الموت ومالوا إلى السلطان جماعتهم والملك لمن غلب فوهبوا لهم دينهم ومنحهم القوم دنياهم . فخسروا الدنيا والآخرة ألا ذلك هو الخسران المبين .
    وبكى أبو ذر .. فجّرت كلمات الوداع دموعه حرّكت كوامن الجراح في قلبه المترع بالحزن .. تصفح بعينيه الغارتين بالدموع وجوه مودّعيه كأنه يريد أن يرتوي منها ويتزوّد بها ذكريات تعينه على وحشة الأيام القادمة قال أبو ذر :
    ـ رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة .. إذا رأيتم ذكرت بكم رسول الله ..
    مالي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم ... اني ثقلت على عثمان بالحجاز ، كما ثقلت على معاوية بالشام ، وكره أن أجاور اخاه وابن خاله بالمصرين (1) ... فسيرني إلى ليس لي به ناصر


    (1) الكوفة والبصرة .


( 162 )

ولا دافع إلا الله وما أريد إلا الله تعالى وما اخشى مع الله وحشة .
    وراح أبو ذر يجر خطاه المتعبة إلى منفاه في الربذة تلك البقعة الجرداء الملتهبة من دنيا الله .
    ترك هذا الاجراء التعسفي من لدن حكومة عثمان (1) جرحاً لا يندمل في قلوت المؤمنين ... وغضباً مكبوتاً سوف ينفجر بعد حين ولسوف يبقى ضريح أبي ذر في تلك الصحراء علامة استفهام كبرى فوق رؤوس الذين لم يتحمّلوا صوته ... صوت المقهورين والمحرومين .