الفصل الثالث

صفين .. سقوط الحضارة

« انزلني الدهر حتى قيل
معاوية وعلي »



( 178 )


( 179 )

موقف امّة :
    لخص الإمام علي الحوادث التي انتهت بمقتل عثمان في حديثه مع بعض الثائرين قائلاً :
    ـ ان عثمان استأثر فاساء الأثرة ، وجزعتم فاسأتم الجزع ، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع .
    كما واوجز سيرة عثمان في خلافته بقوله :
    إلى ان قام ثالث القوم نافجاً حضنيه (من كان سيره تكبراً) بين نثيله (الروث) ومعتلفه (موضع العلف) وقام معه بنو ابيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع إلى ان انتكث عليه فتله وأجهزه عليه عمله وكبت به بطنته .
    واعقب مصرع عثمان ان عمّت الفوضى المدينة المنورة ، واندفعت الجماهير إلى منزل الإمام علي تطالبه بتحمل مسؤولية في الحكم والخلافة في واحد من اكثر المنعطفات التاريخية حساسية وخطورة .


( 180 )

    ولكن الامام رفض بشدّة (1) ، وهتفت الجماهير تستنجد به :
    يا أبا الحسن ان هذا الرجل قد قتل ولا بد للناس من إمام ، ولا نجد اليوم أحق بهذا الأمر منك ... لا أقدم سابقة ، ولا أقرب من رسول الله .
    فقال الإمام :
    ـ لا تفعلوا ، ولا أفعل ، فاني لكم وزير خير لكم من أمير .
    وتشبثت الجماهير به كما تتشبث بطوع النجاة :
    ـ انت لنا أمير .
    فقال الإمام :
    ـ لا حاجة لي في امركم ... ايها الناس أنا معكم فمن اخترتم رضيت به .
    واحدقت به الجماهير من كل صوب وقد زادهم اصراره على الامتناع اصراراً على التشبث به وهتف الامام مرّة أخرى :
    ـ دعوني والتمسوا غيري ..


    (1) كان الإمام علي على علم تام باطماع طلحة السياسية وقد كان الأخير يهيأ نفسه لاستلام مقاليد الخلافة . وقد بلغ من اندفاعه انه صنع لخزائن الدولة مفاتيح جديدة ؛ وما يؤيد هذه النظرية أن أم المؤمنين عائشة ، كانت في مكة عندما وصلتها انباء عن مصرع عثمان فقالت فرحة : بعداً لنعثل ( عثمان ) وسحقاً إيه ذا الاصبع ( طلحة ) إيه أبا شبل ! ايه ابن عم لله أبوك يا طلحة . فكأني انظر إلى اصبعه وهو يبايع .


( 181 )

    واردف مشيرا إلى ان زمن الفتن قد بدأ :
    ـ انّا مستقبلون أمراً له وجوه .. وله الوان ، لا تثبت له العقول ، ولا تقوم له القلوب .
    وارتفع صوت مخلص من بين الجماهير يناشد الإمام :
    ـ ننشدك الله ... ألا ترى ما نرى ؟!
    ألا ترى ما حدث في الإسلام ؟
    ألا تخاف الفتنة ؟
    ألا تخاف الله ؟!
    وهنا سكت الإمام ... وحبست الجماهير انفاسها فقال :
    ـ انّي إن اجبتكم ركبت فيكم ما أعلم ، وان تركتوني فانما أنا كأحدكم .. بل أنا من اسمعكم ، واطوعكم لمن وليتموه أمركم .
    فردّت الجماهير بحماس :
    ـ ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك !
    واخيراً اعلن الإمام استجابته واشار إلى المسجد البقعة التي صنعت تاريخ الإسلام من قبل :
    ـ ان كان لا بد من ذلك ففي المسجد ... فبيعتي لا تكون خفية ... ولا تكون إلا عن رضى المسلمين وفي ملأ جماعتهم .


( 182 )

    وفي اليوم التالي كان المسجد الجامع يموج بالجماهير التي احتشدت لمبايعة « علي » ...
    ولو قدّر للمرء أن يرى مشهداً واحداً من ذلك اليوم العظيم ـ عندما هبّت الجماهير تبايع انساناً رأت في ملامحه وجه المنقذ ... رأت فيه الشمس التي اشرقت بعد ليالي الزمهرير الطويلة ـ لرأى رجالاً ونساءً واطفالاً صغاراً .. وقد اشرقت الوجوه تنتظر لحظات العهد الجديد .. ولرأى أيضاً يشوخاً قد هدّتهم السنون والأيام ولكنهم تحاملوا على انفسهم فجاءوا يعاهدون علياً ...
    وجاء علي في الصباح وقد اشرقت الشمس وغمرت المدينة بالنور والدفء .. كان يرتدي قميصاً وعمامة من خز .. يحمل في يده نعليه .. يتوكأ على قوسه (1) .
    وفي يوم الثامن عشر من ذي الحجة ارتقى علي المنبر ليواجه الجماهير المحتشدة :
    ـ أيها الناس : اني كنت لامركم كارهاً ... فأبيتم الا أن اكون عليكم .. رضيتم بذلك ؟
    وعلت هتافات الامّة :
    ـ نعم .. نعم .. نعم .


    (1) هكذا سجّل التاريخ تلك اللحظات .


( 183 )

    فرفع الامام طرفه إلى السماء وقال :
    ـ اللهم اشهد عليهم ..
    وفي فرح عارم بدأت مراسم البيعة .. وامتدت أول يد وكانت شلاء (1) لتعاهد علياً على الوفاء ... وتدافعت الجماهير تبايع علياً ... واشرعت وجوه الفقراء والمقهورين ... لقد بدأ عهد جديد ... عهد تتنفس فيه العدالة ملء رئتيها .. واحتفلت الامّه بهذا اليوم السعيد ليكون لها عيداً .. وبدأت كلمات الفرح والثناء والمجد تنثال لتملأ أذن الزمان .. إذ انبرى ذو الشهادتين خزيمة بن ثابت ليسجّل شهادته أمام الناس والتاريخ والأجيال :
    ـ ما اصبنا لأمرنا غيرك .. ولا كان المنقلب إلا اليك ولئن صدقنا انفسنا فيك لأنت اقدم الناس ايماناً .. واعلم الناس بالله .. وأول المؤمنين برسول الله .. لك ما لهم .. وليس لهم ما لك ..
    ونهض الصحابي صعصعة بن صوحان فقال وهو يرى اجمل منظر في الإسلام :
    ـ والله يا أمير المؤمنين .. لقد زينت الخلافة ، وما زانتك ورفعتها وما رفعتك ، ولهي اليك احوج منك اليها .
    وانفع مالك الاشتر يهتف بحماس الجندي المخلص


    (1) كان طلحة بن عبيد الله أول من بايع وأول من نكث البيعة .


( 184 )

للاسلام :
    ـ ايها الناس ، هذا وصي الاوصياء .. ووارث علم الأنبياء .. العظيم البلاء ، الحسن العناء .. الذي شهد له كتاب الله بالايمان ورسوله بجنة الرضان .. من كملت فيه الفضائل .. ولم يشك في سابقته وعلمه وفضله الأواخر والأوائل .. (1) .
    ولم يتخلف عن البيعة الشعبية سوى مجموعة تعدّ بالاصابع في طليعتها : سعد بن ابي وقاص ، اسامة بن زيد ، ابي سعيد الخدري ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، وحسان بن ثابت الشاعر ؛ ولم يتعرض الإمام إلى أي منهم ، وترك لهم الخيار بحرّية .. فقد أُحضر سعد إلى المسجد ليبايع ولكنه رفض ذلك قائلاً :
    ـ لا .. حتى يبايع الناس .. والله ما عليك مني بأس .
    فقال الإمام :
    ـ خلّوا سبيله ..
    وقال عبد الله بن عمر الخطاب (2) مثل قول سعد .


    (1) ستبقى بيعة الإمام علي فريدة في تاريخ الإسلام .. فلم تكن فلتة كخلافة ابي بكر على حدّ تقبير عمر بن الخطاب نفسه ، ولم تكن تعيينا في حالة اغماء كخلافة عمر .. ولم تكن هوىً كخلافة عثمان كما عبّر عنها عبد الرحمن بن عوف مهندسها الأول .
    (2) ان عبد الله بن عمر الذي رفض البيعة لعلي عليه السلام هو أول من آمن بالرسالة نراه فيما =


( 185 )

    فقال الإمام :
    ـ ائتني بكفيل .
    قال :
    ـ لا أرى كفيلاً .
    فقال الامام :
    دعوه .. أنا كفيله .
    وفي كل الأحوال فان مبايعة علي كانت تعني الاعراض عن مباهج الدنيا والترف وحياة القصور ، ولم يكن هذا يسيراً على الذين انغمسوا فيها وغرقوا في أوحالها حتى الحضيض .
 

العهد الجديد :
    وبصعود علي عليه السلام المنبر بدأ فصل جديد من التارسخ .. لقد بدأ فصل الربيع وزمن العدالة والمساواة والأخوّة .. الجماهير والتاريخ والضمير الانساني تصغي الى كلمات تتدفق من روح عظيمة .. روح انصهرت في بوتقة النبوّات .. ها هو علي ربيب


= بعد يبايع عبد الملك بن مروان في مشهد مذلّ فقد جاء إلى الحجاج بن يوسف الجلاّد المعروف ليبايع ؛ وعد احتقره الحجاج وخاطبه بالاذلال :
    لمَ لم تبايع أبا تراب ؟ وجئت تبايع آخر الناس لعبد الملك ؟! انت احقر من أن امدّ اليك يدي .. دونك رجلي فبايع .. ونرى عبد الله بن عمر يهوي على رجل الحجاج ويبايع على السمع والطاعة !!


( 186 )

محمد صلى الله عليه وآله وسلّم يعلن انبعاث الرسالة من جديد .. وعودة شمس الاسلام ها هو يخاطبالتاريخ والحضارة والإنسانية :
    ـ ألا لا يقولنّ رجال منكم قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار .. وفجّروا الأنها .. وركبوا الخيول الفارهة .. واتخذوا الوصائف الروقة .. فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً .. إذ ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون .. فينقمون ذلك ويستنكرون .. ويقولون حرمنا ابن ابي طالب حقوقنا ...
    واردف معلناً القاعدة التي تنهض عليها حقوق المواطن المسلم :
    ـ وايما رجل استجاب لله ورسوله .. فصدّق ملتنا ودخل في ديننا ، واستقبل قبلتنا .. فقد استوجب حقوق الاسلام وحدوده فانتم عباد الله .
    والمال مال الله .
    يقسّم بينكم بالسوية ..
    لا فضل لاحد على احد ؛ وللمتقين غداً احسن الجزاء وفضل الثواب ..
    واضاف قائلاً :
    ـ واذا كان غداً ـ ان شاء الله ـ فاغدوا علينا .. فان عندنا مالاً


( 187 )

نقسّمه فيكم ، ولا يتخلفن احد منكم ، عربي ولا أعجمي .. كان من أهل العطاء أولم يكن .. إذا كان مسلماً حرّاً إلا حضر ..
    اقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم .
    هل هي مصادفة أن يتولّى علي بن أبي طالب عليه السلام الخلافة في الثامن عشر من ذي الحجة الحرام .. وهل تذكر بعض صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم يوم غدير خم (1) عندما هبط جبريل يعلن ولاية علي على كل مسلم ومسلمة وكل مؤمن ومؤمنة .
    ان الفترة التي اعقبت رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلّم واقصاء الامام علي عن حقّه هي من أكثر الفترات مأساوية ، والتأمل في مواقف الإمام وتصريحاته (2) ابان تلك الفترة تكشف عن عمق المحنة التي عاشها


    (1) كانت الشعوب العربية في الشمال الافريقي في عهد الادارسة والفاطميين تحتفل في يوم 18 ذي الحجة وتعدّه جزءً من الأعياد الإسلامية الكبرى فهو اليوم الذي كمل فيه الدين وتمت النعمة ، ثم نسي شيئاً فشيئاً وما يزال اتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام يتخذون من يوم الغدير عيداً في كل من العراق وايران والهند والباكستان وسوريا ولبنان .
    (2) كقوله عليه السلام : « اللهم اني استعديك على قريش ومن اعانهم فانهم قطعوا رحمي واكفؤوا انائي ، واجتمعوا على منازعتي حقاً كنت أولى به من غيري وقالوا :
    ـ ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه .. فاصبر مغموماً أو مت متأسفاً .
    فنظرت فاذا ليس لي رافد ولا ذابُّ ولا مساعد إلا أهل بيتي فضننت بهم عن =


( 188 )

وصي انبي ازاء قريش التي حاربت النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ما يقارب ربع قرن من الزمن وهي مدّة الدعوة والدولة ، واقصت وصيه عن حقه في القيادة مدّة ربع قرن أيضاً .